خذي بيدي

خذي بيدي

 

خطأ.. وخطأ أكبر

 

زوجتي أمرأة فاضلة مهتمة بشؤوني وربة بيت ممتازة، مضيافة وتحب أسرتي، والكل يشيد بنظامها وذوقها وتفوق أولادنا ستسألينني وأين المشكلة؟

وأجيبك، بأنني لا أشعر بهيبتي عند أبنائي، فكلما عنفت أحدهم على خطأ ما دافعت عنه، فيرتمي في حضنها وتطيب خاطره وتنظر لي بغضب، ولأنني لست من أنصار الضرب لا أجد أمامي سوى تعنيفه أكثر فترد عليَّ هي وتبرر سلوكه.

وقد نبهتها كثيراً لما يضايقني منها، فلم تستجب وفي إحدى المرات قالت لي: أنت تغار من حب الأولاد لي أكثر منك، وهذا ليس ذنبي، إن سلطتي على أولادي تتسرب من بين يديَّ بالتدريج، واحترامهم لي أشعر بأنه يقل ورأيي عندهم لا أحس بقيمته، هل الخطأ في طيبتي أم في زوجتي؟

محمد. ر. مدرس.

لا يمكن أن تكون الطيبة خطأ، مادام للحزم مكانه عند الشخص الطيب إذا اقتضى الأمر، وما دامت هذه الطيبة ـ عفواً ـ ليست مرادفة للبلاهة والغفلة.

إذن فطيبتك ليست مصدراً للمشلكة، وإنما عدم إدراك زوجتك لإحدى بديهيات التربية وهي: وحدة موقف الوالدين أمام سلوك الأبناء، فقمة الخطأ أن يشعر الابن أن أمه توافقه على أمر ما وأباه يعارضه أو العكس، حينئذ سيميل إلى
الطرف الذي يشعر معه بأن رغباته ملباة وتصرفاته لا غبار عليها، وتقل أهمية الطرف الآخر عنده، وفي الحالات القصوى سيكرهه لشعوره بأنه عائق أمام جنوحه.

وقد يكون موقف أحد الوالدين من سلوك ما للابن أو الابنة خطأً، ولكن الخطأ الأكبر أن يواجه أحدهما الآخر بهذا الخطأ أمام الأبناء.

فهناك مساحة لحوار خاص تشرح فيه الأم وجهة نظرها أو للوم لطيف يوضح فيه الأب لها خطأها بعيداً عن عين وسمع الأبناء الذين لابد أن يشعروا بأن والديهم شخص واحد، وبينهما اتفاق على الأساسيات.

لابد أن تسترد سلطتك ليس لتتعسف في استعمالها ولكن لتضبط الأمور في بيتك، ولابد أن تُفهم امرأتك هذا حتى لو اقتضى الأمر بعض اللوم الحاد أو القطيعة المؤقتة أو الغضب المشروع.

أحييك لأنك لا تقر الضرب وسيلة للتربية، وليتك تطبق هذا المبدأ مع تلاميذك مثلما تفعل مع أبنائك.

وأحي فيك ذكرك لميزات زوجك قبل عيوبها فلو فعل كل زوجين ذلك لحظات الخلاف لرجحت كفة الميزان وخفت حدة الشقاق.

وعلى لسان خبراء التربية أقولها لك ولامرأتك ولكل زوجين: أنتما واحد أمام الأبناء وأمام اختياراتهم وسلوكياتهم، اثنان وحدكما حين تختلفان عليها، ولا داعي لأن يكون هؤلاء الأبناء وسيلة لإثبات القوة والغلبة المزعومة.

ابنتك .. ثم أنت

لم يحدث وفاق بيني وبين زوجي بعد زواج استمر سبع سنوات وأثمر طفلة
واحدة، وتم الطلاق برغبة مشتركة مع احتفاظ كلينا للآخر بمشاعر الاحترام، وعاشت طفلتي معي، وبعد عامين من الطلاق كان أبوها خلالهما يتردد علينا في بيت والدي بانتظام ليرى ابنته ويلبي احتياجاتها بود، ودون أن يشعرني بأننا مطلقان، تقدم لخطبتي زميل لأخي في عمله أرمل ولديه طفلة واحدة أيضاً، وهو رجل فاضل بشهادة وقد شعرت نحوه بالألفة والارتياح عندما زارنا مرتين، كما لم تنفر ابنتي منه، المشكلة أنني ممزقة بين حبي لابنتي ورغبتي في أن تنشأ معي وارتياحي لخاطبي، وأعرف أن حضانتي لطفلتي مهددة إذا تزوجت وخاصة أن أمي متوفاة وهي التي من المفترض أن تكون الحاضنة بعدي.

هل أصرف نظري عن الزواج وأضحي بحقي في فرصة ثانية من أجل ابنتي، أو أدعها لجدتها لأبيها وأوصم بأنني أنانية؟ أرشديني وجزاك اللّه‏ خيراً.

مديحة ـ ق القاهرة

أجد في قصتك نموذجاً لواقع المطلقة في مجتمعنا الإسلامي، فالطلاق غالباً نهاية مطاف بالنسبة لها برعم أن اللّه‏ لم يعبر عنه بأنها النهاية إذ قال في كتابه الكريم: « إن يتفرقا يغن اللّه‏ كلاً من سعته » (النساء: 130) ولكن صورة المطلقة المشوهة، ومشكلات حضانة الأبناء تجعل فرص زواجها ضئيلة إن لم تكن معدومة.

وفي حالتك المشكلة ذات شقين ابنتك، وأنت والقانون ليس في صفك إن تزوجت؛ لأنك ستحرمين من حضانة طفلتك، ولا أدري حيثيات هذا التكييف القانوني.

وحينئذٍ ستنتقل الحضانة إلى أمك، ولما كانت متوفاة فإن القانون وضع ترتيباً لدرجات الحضانة، وإذا كان آخره أم الزوج فلا ضير ما دمت ترين زوجك رجلاً فاضلاً، وهنا أتحفظ على مبررات طلاقك، وأعتقد أنه كان قراراً متعجلاً، ولكن هذه ليست القضية، عليك الآن أن تقرري إما تكريس حياتك لابنتك، أو تركها في
كنف أبيها وأمه، وهناك بديل ثالث ربما يدخره اللّه‏ لك إن كان في هذه الزيجة خير، فقد لا يحرمك زوجك من ابنتك وتتربى مع ابنة خاطبك كأختين، ويمكنك أن تبادري بعرض هذا البديل على مطلقك ربما حلت مشكلتك إن وافق، خاصة إذا كان هو الآخر تزوج ولم يعد متفرغاً لطفلته.

بل ربما أخذت قصتك مساراً آخر تماماً، فعامان بعيداً عن الزوج كفيلان بإتاحة الفرصة لمراجعة النفس، ربما عرف كلاكما للآخر ميزات تعين على استمرار الحياة.

أعلمي أبَ ابنتك بأمر الشخص المتقدم لك وحللي رد فعله وبناء عليه اتخذي قرارك الذي ارجو أن يكون في صالح ابنتك أولاً ثم في صالحك.

 

أبطلي حجته!

 

عمري ضاع مع زوجي، تزوجته موظفاً صغيراً، واليوم صار صاحب شركة، ادخرت وتحملت الفقر، ودبرت أمور أسرتي بالجمعيات، وتعلمت الخياطة حتى لا اشتري لأولادي الملابس الجاهزة الغالية، وصرت أرتدي نظارة بعد أن كنت مشهورة بجمال العينين، فقد ضعف بصري على ماكينة الخياطة وفي مساعدة زوجي في كتابة تقارير عمله، واليوم وبعد أن كبر الأبناء وصار زوجي موسراً، فكر في الزواج بأخرى، وصارحني وطلب موافقتي، وعندما سألته عن السبب قال: حقي، سألته إن كنت قد قصرت في شيء، فرد: أكثر اللّه‏ خيرك، ولكنك مزدحمة بالأعباء وغير متفرغة لي، صدمني رده وأسأل نفسي: أليست هذه أعباؤنا معاً، وتحملتها وحدي راضية؟ وأليس لوقوفي بجواره جزاء سوى الزواج عليّ بعد أن أديت دوري على أكمل وجه؟


أنا ملتزمة والحمد للّه‏، فهل أوافق رغماً عني لأن هذا حقه ـ كما قال ـأم أصر على الرفض وليكن ما يكون؟

أم عبداللّه‏ ـ القاهرة

لا هذا.. ولا ذاك.. بل اطلبي مهلة تتفرغين فيها له لتبطلي حجته، واختبري نواياه، وكوني عروساً من جديد، وألقي أعباءك وراء ظهرك، أو استعيني بمن تساعدك، فقد صار زوجك غنياً ولم تعد هناك حاجة لممارسة الخياطة، أو أداء كل أعمال البيت بمفردك، ولا تنسي أنه صار رجل أعمال، ربما تضعه الظروف في مواقف يرى فيها نساء وفتيات عندهن ما ليس عندك، لأنهن ببساطة ليس لديهن مالديك من أعباء.

لن أحدثك عن فقه التعدد والاختلافات المثارة حوله، ولكنّي أتناول مشكلتك وحدك وأرى أن حلها في يدك، وعندما تتفرغين لزوجك ويبقى مصراً على الزواج قفي معه وقفة مصيرية، لن أسبق الأحداث بمناقشتك فيها، ولكنني أقول لكل رجالنا: إن نساءكن دم ولحم ولسن آلات، فاحترموا قدراتهن، ولا تطلبوا منهن أن يكن طاهيات، وحائكات، ووزيرات اقتصاد، ومعلومات... و... و... و...، وأيضاً غانيات جميلات، والذي يريد امرأته أن تتفرغ له عليه أن يعينها على ذلك، ويتحمل معها بعض أعبائها، أما أن يكبلها بالمسئوليات ثم يلومها لأنها غير متفرغة له فهذا منتهى الظلم وعدم الموضوعية، وإذا كان من حق الرجل أن يتزوج بأخرى، وثالثة ورابعة، فإن هذا الحق يجب ألا يبنى على باطل، وعلى الزوجات أيضاً ألا ينسين أزواجهن في غمرة مشاغلهن، وإن كان هذا يتطلب أن يبقين بلا نوم طوال اليوم، ولا ضير في هذا حتى يحتفظن بأزواجهن، أليس كذلك؟!!

 


مأجورة مرتين

زوجي رجل طيب فاضل هادى‏ء الطباع ـ وللّه‏ الحمد ـ ولكن يعيبه شيء واحد قد لا يُعد مهماً عند أخريات، وهو أنه لا يقدر معاناتي الجسدية في أداء المهام المنزلية، ولا أشعر إطلاقاً بامتنانه إزاء إسهاماتي في الأعباء المادية ـ إذ إن لي دخلاً ثابتاً كبيراً من إرث بفضل اللّه‏ ـ فمهما أنفقت ومهما رفعت عنه من أعباء، لا أشعر برد فعل إيجابي، بل بالعكس أحس أحياناً بأن معاملته لي تسوء.. وتصيّده لأخطائي الصغيرة العفوية يتضاعف، وأقسم باللّه‏ أنني لا اريد منه شكراً، فالأجر مكفول عند اللّه‏، وأنا أفعل ما أفعل برضا وبوازع من إحساسي بمسئوليتي تجاه أسرتي التي أحبها وأنتمي إليها، ولكن الحاجة إلى التقدير المعنوي أمر فطري، وإحساس المرء بأنه يحرث في البحر قاتل ومرير، وهذا الاحساس يفسد عليّ أشياء جميلة في حياتي، وكلما حاولت مقاومته عجزت؛ لأن تصرفات زوجي التي تضاعفه ـ للأسف ـ لا تتوقف.. فماذا أفعل؟

هيام القاضي / مصر

قرأت رسالتك باهتمام شديد، بالرغم من انها توحي للوهلة الأولى بالترف العاطفي، وبأنك تريدين أن يقدم لك زوجك آيات الشكر والتقدير والامتنان على ما تفعلين، ولكن قراءتي لما بين سطورها أكدت لي أنك تبحثين عن الأمان.. نعم فشعور الزوجة بأن جهدها ضائع هباء ـ عند زوجها ـ يترتب عليه إحساسها بضعف قدرها عنده.. ومن ثم توجسها من احتمال غدره بها يوماً ما!

هذه السلسلة من المشاعر السليبة لا تعانيها سوى زوجة تحب بيتها وزوجها، وتخاف عليهما ـ وأحسبك كذلك ـ ولذا أريدك أن تؤكدي حبك هذا بعدم الإشارة من قريب أو بعيد إلى ما تفعلين وتنفقين أمام زوجك ـ ولو تلميحاً؛ لأن تميز
الرجل بالقوامة مرهون بأن يتولى هو ـ وحده ـ مسئولية الإنفاق، وحين تشاركه امرأته هذه المسئولية قد يشعر بأن هذه الميزة قد انتقصت، ومن ثم يبحث عن العوض في تصرفات تؤكد أنه الرجل حتى لو كانت تصرفات مرفوضة من قبيل سوء معاملة الزوجة، ومحاولة بسط السيطرة بتعسفه عليها، وما دمت تعطين تطوعاً فلا تنتظري شكراً أو أجراً سوى من اللّه‏ الذي وصف عباده بأن قليلهم هو الشكور..

هذا هو سلوك البشر إزاء نعم اللّه‏، فما بالك بعطاء الإنسان لأخيه الإنسان.. احتسبي أمرك عنده وحده، وأحسبك إن شاء اللّه‏ مأجورة مرتين.. مرة على تطوعك، وأخرى مقابل صبرك على ردود فعل زوجك السلبية نحوك.

 

لمصلحتها

أنا أرملة في الخمسين من عمري، ولي ابنة واحدة.. تزوجتْ حديثاً من رجل فاضل. وكنت أظن أنني نقلت مسئوليتي عنها إلى زوجها لكي أستريح وأخلوا إلى نفسي وإلى علاقتي بربي، ولكنني كنت واهمة؟ فابنتي لا تجيد شيئاً من أمور المنزل وتعتمد عليّ في كل صغيرة وكبيرة، وكلما أظهرت رفضي انسحبتْ غاضبة فأشفق عليها، وأعود لمساعدتها وكأنني خادمتها ولست أمها..

وقد أدى عدم اكتراث ابنتي بشؤون بيتها إلى مشكلات كثيرة مع زوجها الطيب الذي قال لها أمامي: أنت زوجتي، وليست أمك ـ مع احترامي لها.

إنني حائرة بين ترك ابنتي لتواجه حياتها وحدها وبين خوفي عليها من الفشل، فماذا أفعل؟

«س. س»


سؤالك متأخر جداً للأسف؛ لأن إجابته كانت يجب أن تكون عندك قبل زواج ابنتك إذ كان عليك أن تعديها لتحمُّل مسئوليات الزواج وتتحسبي لهذا اليوم، ولكن يبدو أن فقد أبنتك لأبيها وكونها وحيدتك، جعلك تشفقين عليها أكثر من اللازم فتعفينها مما يجب أن تتدرب عليه من مسئوليات مبكراً.

وكانت معانتها ومعانتك اليوم ثمرة هذا التجاهل. وتجربتك تصلح عبرة لكل أم تُفرَّط في هذا الجانب المهم.

وأنصحك يا سيدتيى الفاضلة: أن تبتعدي عن أبنتك وأن تتركيها لمسئولياتها.. وستفشل مراراً لتنجح في النهاية، وستجرب في زوجها أصناف الطعام وتتعثر في ترتيب المنزل وترتبك من أعبائه اليومية، ولكنها في النهاية «ستتكيف» مع واجباتها وستدرك أن لا أحد سواها سيقوم بها.

تمالكي نفسكِ، وابتعدي عن أبنتك قليلاً لمصلحتها!

 

تبادلا الأدوار!

 

زوجتي طيبة جداً.. متفانية في بيتها.. محبة لأهلي.. مثقفة وملتزمة دينياً، وأيضاً جميلة ـ ستسألين ـ إذن ما المشكلة؟ وأجيبك بأنها على الرغم من جميع ميزاتها، بها عيب أراه خطيراً جداً، وهو أنها لا تُحسن الاستماع، وتجيد المقاطعة، مما يجعلني لا أكمل معها أي حوار، ولا أستطيع أن أوصل لها فكرة، بل لا يمكن أن أكمل جملة اثناء حديثنا، فهي تسارع بمقاطعتي وعندما تقول ما لديها، تسألني:ها.. ماذا كنت تريد أن تقول؟ فأردُّ بغيظ نسيت!

وبالرغم من تكرار هذا الموقف أكثر من مرة، لم تتغير زوجتي وظلت على جهلها بأدب الحديث، لدرجة أوصلتني إلى حافة الانهيار، وجعلتني أفكر جدياً في
الزواج بأخرى تجيد أدب الحديث، وتعرف كيف تنصت لزوجها، خاصة أنني أعمل في مهنة المحاماة، وأطمح في شريكة أستطيع التحاور معها بود..

والمؤسف أنني عندما نبهت زوجتي إلى هذا العيب لم تقتنع وقالت بسخرية: أيُّ رجل امرأته لها منطق وتستطيع أن تفكر، يلصق بها أيُّ عيب غير حقيقي ليقلل من شأنها؟! فبم تنصحينني؟

أولاً: إذا كانت زوجتك تتحلى بكل هذه الصفات الحلوة التي ذكرتها في رسالتك، فلا بأس من هذا العيب، وقد قال الأقدمون:


ومن ذا الذي تُرضي سجاياه كلها

كفى المرء فخراً أن تعد معايبه


وأدب الحديث قضية دينية وتربوية، وإذا كانت زوجتك لم تُربُّ على التحلي بهذا الأدب، فلا تزدْ أنت الطين بلة بالتفكير في تطليقها، أو الزواج عليها، فقد تتزوج بأخرى تنصت ولا تقاطع، ولكنها مليئة بالعيوب والنقائص الأخرى، وقبل أن تفكر في هذا الحل الصارم، جرب أن تتبادلا الأدوار، بمعنى أن تفعل أنت ما تفعله هي، فتقاطعها ولا تنصت لحديثها، وحين تلومك اسألها: أرأيتِ كم استأتِ مني؟ فلماذا تضايقينني دائماً بمقاطعتك لي وعدم اكتراثك بحديثي؛ فقد تكون هذه وسيلة لتعليمها.

أيضاً حاول أن تختار لحديثكما موضوعات أنت أكثر وعياً بها، فعندما لا تجد هي ما تقوله ستترك لك حرية الكلام، وبالتدريج ستتعلم كيف تنصت!

إن مشكلتك بالرغم من صغرها لا يمكن الاستهانة بها، فالحوار بين الزوجين قضية شائكة، ونحن بحاجة إلى بيوت تُحترم فيها قيمة الحوار، لينشأ الصغار قادرين على التحاور واحترام الرأي الآخر ـ هذه القيمة التي نعاني فقدها على المستوى العام، ولاندرك أنها مفقودة على المستوى الخاص أساساً.

عليك بالصبر.. وتأمل أحوال من يعانون من مشكلات عويصة وعيوب قاتلة
لدى الزجات، واجعل مزايا زوجتك في كفة الميزان الراجحة، ولا أجد خيراً من قوله صلى‌‏الله‌‏عليه‌‏و‏آله‌‏وسلم: «لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقاً رضى منها آخر».

 

المسئوليات التربوية

 

لم يدر بخلدي أبداً أن يحدث لي ما حدث! فبعد أن كنت ميسور الحال أتمتع بالصحة والعافية، ولا أحمل للأيام هماً.. تُوفيت زوجتي الحبيبة بعد مرض عضال، وتركت لي طفلين صغيرين فضلاً عن فتاة وولدين في طور المراهقة. وكانت قد أوصتني قبل وفاتها بالزواج من شقيقتها، فنفَّذت وصيتها وأنجبتْ زوجتي طفلاً، فرحنا به جميعاً ـ برغم إحساسي بأنه أخذ كثيراً من اهتمام زوجتي.

وبمرور الوقت وانشغالي بعملي عن أسرتي، انجرف ولداي الكبيران في تيار الانحراف، وأصبت بجلطة أقعدتني عن العمل، وصرت أشبه بعاطل! ومن ثم تدهورت حالي، واكتسب طفلي الصغير عادات سيئة، وأصبحت غير قادر على قيادة أسرتي والإمساك بزمامها، وأحياناً أشعر بأن أولادي يحتقرونني. لقد أصابني اليأس وكرهت حياتي وأتمنى الموت في كل لحظة، فهل لمشكلتي من حل؟

ن ـ س القاهرة

قد يكون كلامي قاسياً.. ولكنها قسوة المصارحة التي تكون ضرورية أحياناً للوصول إلى حل؛ فقد قصرت في مسئولياتك ـ بوصفك أباً ـ وانشغلت بعملك عن أسرتك ومراقبة سلوك أولادك الذين كانوا في مرحلة المراهقة، وهي أمس المراحل حاجة لهذه المراقبة. كما انشغلت زوجتك بطفلها الجديد عن مسئولياتها التي أُلقيت على عاتقها نحو أبناء شقيقتها الراحلة، ولا نتيجة للتفريط في التربية سوى الانحراف، ولكن باب الأمل في اللّه‏ مفتوح دائماً ـ فاستعن به وقرب ولديك منك
وصاحبهما، وتعرف على مشكلاتهما واجعلهما أهم ما يشغلك الآن..

بل لا تتردد في أن تجعلهما مصدر رزقٍ لأسرتك بعد أن مرضت، فهما شابان فتيّان، وقد يكون العمل عوناً لهما على البعد عن رفقاء السوء، ومشكلة الفراغ القاتل الذي أوصلهما لما وصلا إليه. ولا تتوان عن متابعة صحتك ـ وفي المستشفيات المجانية والأبواب الصحفية التي تقدم خدمات طبية بلا مقابل ما يسد حاجة أمثالك إلى العلاج.

وربما تكون عودة ولديك إلى الطريق السوي وتحملهما لمسئولية الاسرة بداية للعلاج؛ فالنفس المستقرة الراضية نادراً ما يشعر صاحبها بأعراض جسمية ـ والعكس صحيح، ولتكن رسالتك الصادقة درساً لكل الآباء يعيدهم إلى الوعي بمسئولياتهم التربوية.

 

قاومي واستمري

أعمل مدرسة.. وأحب عملي ويعلم اللّه‏ قدر ما أبذله من جهد في مهمة علّمنا مربونا أنها مهمة رسالية وليست وظيفة ارتزاق أو أكل عيش. ولكنني أصدم كثيراً بسلوكيات تلميذاتي السيئة، واسمع بشكل عفويى أحاديثهن التافهة، بل وأضبط مع بعضهن خطابات غرامية؟ وبرغم أنني حريصة على تطعيم مادتي بعناصر سلوكية؛ فإنني أشعر بعدم جدوى ما أفعل، وقليلات من تلميذاتي من يستجبن وأخشى أن تزيد الأمور سوءاً وأتحمل جزءاً من المسئولية أمام اللّه‏، وقد فكرت كثيراً في ترك عملي، فهل‏ترين هذا حلاً مناسباً؟

فاطمة السيد ـ القاهرة

جزاك اللّه‏ خيراً على وعيك بمهمتك وفهمك لأهمية مهنتك، وإدراكك أنك تربين
وتعلمين في الوقت نفسه، ولذلك يقلكك سوء سلوك بعض تلميذاتك، ولكن ما الحيلة ـ يا أختي الفاضلة ـ وأنت تُقومين المعوج، من إعلام منحل، ورفيقات سوء، وغفلة أسرية.. يهدمن ما تبنينه.

وتسألينني هل تتركين عملك؟ بالطبع لا، فهذا حل عاجز مستسلم، والأولى أن تقاومي وتستمري في محاولة التصحيح، إعرضي المشكلة ضمن جدول أعمال مجلس الآباء، تعاملي بشكل فردي مع حالات التمليذات الأشد سوءاً، خاطبي أولياء الأمور الذين تلمسين فيهم الرؤية والوعي وعدم الاندفاع، اقرئي كثيراً في التربية وعلم النفس وخاصة فترة المراهقة.. وقبل كل هذا استعيني باللّه‏ ولا تخلي الساحة لمن لا تتحلى بما تتحلين به من وعي فتزيد الطين بلة.. ولكن اجتهدي في أن تعيدي لدور المدرسة التربوي مكانته.

إنها مهمة شاقة.. نعم، ولكنها ليست أشق من التفريط في المسئولية ومن النتائج الخطيرة لهذا التفريط.. أليس كذلك؟

 

صرخة امرأة!

حكت لي صديقة مقربة هذه المشكلة فاستأذنتها في نشرها بعد أن قلت لها رأيي، فربما كانت تلك المشكلة عند كثيرات غيرها، ولكنها ـ وحدها ـ تشجعت وأخرجت رأسها من الرمال.

أنا سيدة في التاسعة والعشرين من عمري تخرجت في كلية نظرية، ولا أعمل، وتزوجت بمجرد تخرجي ـ بطريق المعرفة العائلية ـ من رجل طيب فاضل، عشت معه أوقاتا سعيدة كثيرة ورزقني اللّه‏ منه بطفل جميل، ولكنني ـ وأقولها وكلي خجل ـ لا أقضي معه وطراً جسدياً؛ لأنه ضعيف جداً ربما فوق درجة العجز الكامل
بقليل، في البداية لم أهتم بالأمر، وعللته لنفسي بأنه عرض طارى‏ء، ولكن المسألة زادت سوءاً يوماً بعد يوم، وقررت أن أحدثه فيها، في البداية لمحت ودرت حول الموضوع بشكل غير مباشر، فبدا عليه أنه فهم ولكنه تجاهل كلامي ولم يعقب، بالتدريج صارحته بمتاعبي بشكل واضح وصدمني رد فعله، فقد أنكر عليّ الشكوى وأكد أن شيئاً لا يعيبه، حاصرته بشواهد كثيرة فقال بلا مبالاة: يكفي أن نكون أخوين في اللّه‏، ثم حاول أن يلقي بالكرة في ملعبي ويتهمني بأنني السبب فيما هو عليه؛ لأنني أحياناً لا أستجيب له، وأقسم باللّه‏ يا سيدتي أن هذا لم يحدث إلاّ مرات قليلة فزوجي ـ للأسف ـ لا يكترث بالنظافة، ويبدي رغبته فيَّ وهو على أسوأ حال إلى حد نفرني من العلاقة الزوجية، وقرنها لديّ بكم بشع من الروائح الكريهة المنفرة، وعندما صارحته بذلك، أيضاً لم يهتم، ولذلك كنت أرفض هذا الأمر أحياناً، وأحياناً أخرى أجيء على نفسي وأتحمل حتى لا يغضب زوجي عليّ.

لقد تفاقم الأمر وزوجي لا يحرك ساكناً ولا يبدو عليه أن يشعر أن هناك مشكلة، وفي آخر مرة خيرني بين الرضا بالواقع أو طلب الطلاق على الإبراء مع ترك طفلي لكي أتزوج مرة أخرى.

إنني مازلت شابة وجميلة فهل أتنازل عن حقي الزوجي، وأعيش لابني فقط أم بم تنصحينني؟!

«س. س»

أولاً يا صديقتي لست أجد مبرراً للخجل من مصارحتي بمشكلتك، فديننا لا يأمرنا بقهر الفطرة بل بتهذيبها وتوظيفها في الحلال، وقد تسببت امرأة شجاعة مثلك في حل مشكلة كثيرات تركهن أزواجهن وذهبوا للجهاد، فجهرت بوحدتها وحاجتها لرجلها، وسمعها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فسأل ابنته حفصة عن المدة التي لا تطيق المرأة بعدها صبراً على فراق زوجها، وأجابت، فقرر رضى اللّه‏
عنه ألا يظل مسلم في ساحة الجهاد أكثر من أربعة أشهر يعود بعدها لبيته ليعف امرأته، ويعطيها حقها الطبيعي، كذلك لم يهمل القرآن والسنة هذا الأمر، وتحدثا فيه وفي فقهه وأحكامه، كما جعل اللّه‏ سبحانه وتعالى في قضاء الرجل شهوته وإعفاف امرأته أجراً، أو كما قال صلى‌‏الله‌‏عليه‌‏و‏آله‌‏وسلم.

لذلك لا أنكر عليك وأحسب أن أحداً أيضاً لا ينكر عليك هذا الحق، ولا أرى الطلاق حلاً، فالأطباء لم ينقرضوا، وأهل المشورة والخبرة والثقة ما زال منهم كثيرون على قيد الحياة.

فحاولي مرة أخرى مع زوجك، ولا تيأسي من المحاولة، وإلاّ فاختاري إما الصبر والاحتساب وإما الطلاق ـ وتذكري دائماً أن ابتلاءات اللّه‏ كثيرة ـ وإن رضيت أن تعيشي لابنك وتطلبي الأجر من اللّه‏ فيها، ولا تنسي أن كثيرات تزوجن رجالاً مكتملي الرجولة، وأصيبوا في حادث أو مرضوا ولم يتخلين عنهم.

أما زوجك وغيره فأناشدهم ألا يفرطوا في واجب التزين لزوجاتهم، كما ينشبقون بحقهم في تزينهن لهم، وأرجو ألا أكون متجاوزة لحدودي حين أرى أن من تشكو له زوجته حرمانها الجسدي، فيصمت أو يتجاهل غير مصاب في رجولته الجسدية فحسب!

 

تجاهل إيجابي

 

ابنتي التي تعاهدتُ وزوجي على تربيتها تربية إسلامية توشك أن تفلت من يدنا.. ابنتي ذات السنوات السبع.. لعبتها المفضلة الزواج.. ومنذ عودتها من المدرسة لا تتحدث إلاّ عن زملائها من الأولاد.. وعندما أنصت لها تسترسل وتتشجع وأسمع منها ما يدير رأسي.. فهذا الزميل خطف منها الحلوى ووضعها في فمه، ثم أعطاها لها تكمل تناولها.. وهذا سحب الكرسي من خلفها فوقعت على الأرض وساعدها هو
على النهوض، وذاك وضع كفيه على عينيها ليسألها: من أنا و... و... و...

زوجي ينصحني بعدم إبداء الانزاعاج مما ترويه ابنتي وأنا لا أستطيع التماسك فأنفعل وأحذرها وتنكمش هي في فزع فأشعر بالأشفاق عليها والخوف على براءتها في الوقت نفسه.. كيف أتصرف.. ولا بديل أمامي عن مدرسة ابنتي «الإسلامية» التي تصورت أن الوضع فيها أفضل؟ وهل التجاهل فعلاً حل؟

سمية منصور القاهرة

نعم هو حل.. ولكن على أن يكون تجاهلاً إيجابياً.. فلا الانزعاج الفوري مطلوب.. ولا التناسي بدعوى أن الزمن سيصلح ما فسد مطلوب أيضاً.. إن ابنتك تتصرف على سجيتها.. ولعبة الزواج لديها مؤشر على أنها تمارس فطرتها فكل طفلة داخلها عروس وأم صغيرة.. وحديثها عن زملائها بريء وبلا غرض.. وانزعاجك منه هو الذي سيجعله مغرضاً..

لأن الممنوع مرغوب فاسمعي واختزني.. وحللي بينك وبين نفسك ما تقوله ابنتك، ثم حاولي أن تصلحي الأمر بشكل غير مباشر، حدوتة عن مجموعة بنات يلعبن معاً ومدى السعادة التي يشعرن بها.. سؤال عمن جلست بجوارهم اليوم واقتراح عابر بأن تجلس بجوار زميلاتها، ومقارنة عارضة بين لعب الأولاد العنيف المؤذي.. ولعب البنات الهادى‏ء  الرقيق، وتفرغ أكثر لملاعبة الصغيرة يحصنها ضد اغراء اللعب مع الأولاد، وبحسك كأم ومساعدة الأب يمكن إقناع الصغيرة بشكل غير مباشر بالكف عما تكرهين وما أراه غير مزعج إذا تم احتواؤه بهدوء وروية.. والغلبة إن شاء اللّه‏ لما تغرسانه أنت وزوجك عند ابنتك من قيم وسيزيح الدائم العارض مع الصبر والحكمة والتمهل وعدم استعجال قطف الثمار.                      

 

تحقيقات اجتماعية

مطلقات .. تحت سقف واحد!

تحقيق: إيمان محمود، نهاد الكيلاني

يعيشان تحت سقف واحد، وبين جدران مشتركة يربيان صغاراً يحملان من كل منهما بعض الصفات، يتبادلان حوارات حادة أو هادئة، يظهران في المجتمع كزوجين ولكنهما في الحقيقة منفصلان عاطفياً.

مأساة تعشش في بيوت كثيرة، يسكنها رجال ونساء بينهم وثيقة الزواج، وأيضاً جدران عالية من الجفاء والكره والإهمال والفتور.

الفجوة العاطفية بين الزوجين طلاق بلا طلاق، وبداية منحدر إلى قاع الطلاق الحقيقي، ولذلك ندق جرس الإنذار قبل فوات الأوان.

على لسانهن ولسانهم

جلست إحدى قريباتي بعد انتهاء أيام العزاء في زوجها الراحل لتترحم عليه وتعلن ندمها؛ لأنهما كانا منفصلين عاطفياً دون طلاق منذ أكثر من 25 عاماً ـ استحالت الحياة ـ وكان لابد من المحافظة على سمعة البنات حتى لا يقول عنهن أحد: إن والديهما مطلقان، ولم تذكره بكلمة سوء كانت تحترمه أبا ورجلاً ولكن لم يكن بينهما مودة ولا حب ولا رغبة.

منال ـ ب ـ محاسبة

لم أعد أطيقه، نعم تزوجته عن حب ولكني الآن أرفضه وأقطع كل صلة بيننا،
وجودنا تحت سقف واحد لا يعني أن يعتبرني زوجة فأخلاقه السيئة وكذبه وخداعه وخيانته جعلوني لا أطيقه وأنتظر زواج أصغر بناتي لأتخلص منه للأبد بالطلاق.

ناجي ـ ف ـ محامي

كيف وصلنا لهذا لا أعلم؟ ولكن عنادها كان هو البداية ترفض أهلي وتعتبرهم طامعين ودخلاء، أوفر لها كل شيء، وهي لا تريد أن تسهم بدخلها في أي شيء.. المنزل بالنسبة لي مطعم وفندق وأتحمل كل هذا في سبيل الأولاد تتهمني أنني سبب ضغطها العالي وأمراضها، وأنا أعتبرها سبب شقائي في الحياة، نعم اقتربنا من الخمسين ولكن لم يعد بيننا لا مودة ولا رحمة.

فتحي ـ ع ـ على المعاش

تزوجتها عن حب ولكن مع زيادة المسؤوليات وضغوط الحياة انشغل كل منا عن الآخر، عاشت هي للأولاد وأنا لعملي، وزادت الفجوة بيننا مع مرور السنين حتى صرت لا أعيش معها إلاّ من أجل ابنتي الصغرى، ولأنني مريض ولا يحتمل أن تقبل واحدة الزواج بي إذا طلقت أم الأولاد.

قوة جذب

د. رضا كامل ـ مدرسة الطب النفسي بجامعة الأزهر ـ تؤكد أن الاختلاف في الطباع والسلوك من أهم أسباب الانفصال العاطفي، وخاصة في ظل وجود الأبناء، حيث يضطر الزوجان إلى الاستمرار على هذا النحو حفاظاً على الأبناء وخوفاً من تعرضهم لمشاكل نفسية من جراء الطلاق، فيؤثرون راحة الأبناء على راحتهم الشخصية واحتياجاتهم العاطفية.

وهناك عوامل تحت استمرار هذا الانفصال العاطفي وعدم تطوره إلى طلاق فعلي وهي: سن الزوجين، ومدى تحكم كل طرف في رغباته وانفعالاته، وأيضاً سن الأبناء، ومعنى ذلك أنه في حالة صغر سن الأبناء واحتياجهم للبناء الأسري
المتماسك لا يرغب الزوجان في الانفصال الفعلي، وخاصة إذا استطاعا أن يتحكما في رغباتهما وانفعالاتهما وإخفاء مظاهر الانفصال العاطفي عن الأبناء حتى لا يتأثروا نفسياً.

وتوضح د. رضا أن التباعد العاطفي والنفسي بين الزوجين يشكل ضغطاً نفسياً كبيراً عليهما، وقد يصاب أحد الطرفين بالاكتئاب إلى جانب بعض الاضطرابات النفسية الكبيرة، ومع استمرار الضغوط النفسية يتحول الاكتئاب إلى اكتئاب مستمر.

إن الصمت بين الزوجين أولى علامات الانفصال العاطفي ـ كما ترى د. رضا ـ والأسباب هي التباطؤ في علاج الخلافات وتركها تتراكم، بالإضافة إلى وجود قوة جذب خارجية تبعد الزوج عن زوجته، ومن ثم يكون العلاج من خلال البحث والتنقيب عن أسباب الخلافات وعلاجها أولاً بأول حتى لا نصل إلى الفتور الكامل، وإيجاد قوة جذب داخلية (من الزوجة) تقاوم بها عوامل الجذب الخارجية وذلك باصلاح أي شيء غير طبيعي أو غير مستحب في الأسرة يسبب نفور الزوج، وخاصة أن الزوج ـ في معظم حالات الانفصال العائلي ـ يكون هو البادى‏ء ومن ثم يحسن بالزوجة أن تحاول إرجاع أوضاع الأسرة إلى صورتها الطبيعية المثلى والمحببة للزوج، وتثبيط أي عوامل جذب خارجية.

وتنصح د. رضا أن يلجأ الزوجان إلى الطبيب النفسي إذا فشلا في الخروج من حالة عدم الاستقرار العاطفي، فهناك علاج نفسي يسمى العلاج الزوجي يكشف عن أسباب النفور ويقوم بإيجاد طرق العلاج الصحيحة لكل حالة انفصال عاطفي.

هدف نبيل وقنبلة موقوتة

ويقول د. أبو اليزيد العجمي ـ أستاذ الفلسفة الاسلامية بكلية دار العلوم جامعة القاهرة ـ إن الغرض من الزواج ليس فقط تربية الأبناء، بل هو أيضاً الاعفاف
والاستقرار والمودة والرحمة، هذه الظاهرة تنتقي معها كل هذه المعاني والأهداف، والشرع يطلب من الزوجين أن يعاشر كل طرف الآخر بالمعروف، وعلى كل طرف أن يتنازل قليلاً حتى يلتقيان في منتصف الطريق، وإن كانت هذه الظاهرة تحمل في طياتها هدفاً نبيلاً وهو الحفاظ على الأبناء واستقرار الأسرة، ولكنها تحمل أخطاراً في المستقبل وينبغي النظر إليها، وخاصة إذا كان الزوجان في سن يسمح لهما بالتطلعات، فالحرمان العاطفي قد يوقع الزوجين في المحظورات، ومن ثم يفضل مع استحالة التعايش العاطفي أن يتم التفكير بصورة عقلانية، فينفصل الزوجان في هدوء ويتعاونا في أداء مهامهما تجاه الأبناء، فالأم تربي والأب يباشر من بعيد ويدفع المصروفات، وهذا أفضل من الوضع الآخر والذي يحمل قنبلة موقوتة قد تنفجر في أية لحظة.

وعن أسباب النفور العاطفي بين الزوجين يرى د. أبو اليزيد أن الإحساس المتضخم بالذات وتراكم المشكلات وغياب قيم التسامح والعطاء والبعد عن تعاليم الدين من أهم أسباب هذه الظاهرة، ومن ثم يجب أن يتذكر الزوجان أن اللّه‏ جعل كلاً منهما مسئولاً عن الآخر وأحاط الزواج بسياج من المودة والرحمة، وبالتالي تقتضي هذه المودة والرحمة أن يتسابق كل طرف في إرساء مبدأ الإيثار والعطاء قبل الأخذ « هل جزاء الإحسان إلاّ الإحسان ».

 

أمهات في البيت

تحقيق نهاد الكيلاني

ما يحدث الآن في أمريكا يعد انقلابا حقيقياً في تفكير المرأة، بعد أن أعلنت صراحة أنها تفضل العودة إلى البيت بعيداً عن متاعب العمل التي تؤثر تأثيراً بالغاً على عنايتها ورعايتها لأولادها ولزوجها ولبيتها ولجنتها الحقيقية.


وقد اكتشفت جميعة «أمهات في البيت» الأمريكية، أن النساء المؤيدات لعودة الأم العاملة إلى البيت موجودات في كل طبقة من طبقات المجتمع الأمريكي، وفي كل بقعة من بقاع الولايات المتحدة التي خرجت منها دعوة اتُهم أصحابها دائماً بالتخلف والردة الحضارية.

جمعية أمريكية تكشف عن تحول خطير في المفاهيم الغربية وتدعو إلى عودة المرأة إلى المنزل!!

ولم يكن صعباً على الجمعية الوصول لهذه النتيجة، بل وصلت إليها بسهولة شديدة، فما إن قامت الجمعية وعرفها الأمريكيون ـ عبر وسائل الإعلام ـ حتى انهالت عليها الخطابات المؤيدة للهدف الذي قامت من أجله، وهو عودة الأمهات العاملات إلى البيت.

ولقد ركزت الخطابات على أهمية دور الأم في رعاية الأبناء وتنشئتهم النشأة السليمة، ولكن المدهش حقاً هو أن مسألة الأطفال لم تكن كل شيء، فقد أرسلت بعض النساء يطلبن عودة المرأة للبيت، انطلاقاً من أهمية العودة إلى القيم الأسرية القديمة التي كان أساسها تقسيم العمل بين الزوج والزوجة..

الزوج يكدح خارج البيت سعياً وراء الرزق، والزوجة تكد في البيت لرعاية الصغار، وتنسيق البيت وترتيبه وتلبية احتياجات الزوج التي لا يستطيع الوفاء بها بنفسه بعد يوم عمل شاق.

وهكذا عاد القديم ليصبح جديداً هذه الأيام في الولايات المتحدة، وذلك بعد أن ثبت أنه ذو قيمة كبيرة.

وبهذا ظهر أن هناك فجوة هائلة بين رغبات النساء الدفينة أو الحقيقية وبين الصور التي تنقلها عنهن وسائل الإعلام على اختلافها، فالشائع عبر وسائل الإعلام هو أن النساء جميعاً يقفن في صف العمل والترقي بغض النظر عن الأطفال أو أي
شيء آخر.

وإذا أطلقنا هذه الدعوة في بلادنا لثارت ثائرة البعض ولاتهمنا الكثيرون والكثيرات بالرجعية والعودة للقرون الوسطى!

ما تعليق النساء العاملات على هذه الدعوى؟.. وما التقييم النفسي والاجتماعي لها؟

قضية يفجرها هذا التحقيق.

إصلاح الرجل أولاً

سمية محمد ـ موظفة ـ تقول: تزوجت منذ 14 عاماً، ولي بنتان.. ولم أترك وظيفتي لثقل الأعباء المادية، وبرغم أنني أشارك زوجي في كل ما يحتاجه المنزل أجده يطالبني بالمزيد، وعندما حصلت على أجازة بدون مرتب لمرض ابنتي الصغرى لمدة عام تحول المنزل الى ساحة قتال، ورفض زوجي الالتزام بكل المصروفات، واضطررت للعودة للعمل وتحسنت أحوالنا المادية، ولكن زوجي لا يعترف بذلك، بل يتهمني دائماً بالتقصير، لذلك أنصح أي فتاة ألا تعمل بعد الزواج حتى لا تواجه أزمة العمل ومتاعبه، وكذلك كل مسئوليات البيت، إضافة إلى زوج لا يعترف بالجميل ولا يريد أن يساعد بشيء، بل ينتقد فقط، ويطلب المزيد!

وتوافقها سهير سيد ـ موظفة ـ مؤكدة أنها تتحمل بمفردها مسئولية المنزل، ويرفض زوجها فكرة إحضار من يساعدها في أعمال المنزل، على الرغم من أنها تعمل لتشارك في نفقات المنزل وفي مقابل هذا يرفض أن يعد لنفسه حتى كوب الشاي!

أما عواطف والي ـ موظفة ـ فتقول: إن خروج المرأة للعمل وضع عليها عبئاً داخلياً وخارجياً، والرجل في كثير من الحالات لا يُقدّر ذلك، ولابد أن يغير نمط تفكيره، فيُشعر المرأة أنه مقدر لمجهودها بالمشاركة المادية والمعنوية، فالمهم هو
إصلاح الرجل وليس عودة المرأة للبيت.

إحسان سيد ـ مدرسة ـ لا أحتمل فكرة ترك العمل نهائياً، لقد أخذت أجازة سنة بدون مرتب لرعاية طفلي، وأثناء الأجازة أحسست بما يشبه الاكتئاب، وأردت قطعها، وأرى أن التوفيق بين العمل والبيت ممكن والعمل مهم جداً لنفسية المرأة.

منى عبدالمنعم ـ وكيلة مدرسة ـ أرى أن الزوج يشكل عاملاً كبيراً في موضوع عمل أو رجوع المرأة للمنزل، فالزوج الذي يمارس دور (سي السيد)، وفي نفس القوت يمد يده ليأخذ راتب زوجته، لا يستحق تضحية المرأة لمساعدته أو رفع مستوى أسرته ومستواه.

أما آمال نامق ـ وهي إحدى رموز العمل الاجتماعي ـ فتقول: إن العمل ليس دائماً اختيار المرأة، بل إن المرأة في مجتمعنا ـ في معظم الأحيان ـ مجبرة على الخروج للعمل. إن لدينا نسبة كبيرة من الأسر تعولها المرأة وتقوم بدور الأم والأب معاً.. وإذا خُيرت المرأة بين العمل والبيت، فإن النسبة الكبيرة قد تختار أن تعيش دوراً واحداً وهو دورها الطبيعي والاساس، وترحم أعصابها وصحتها من ضغط العمل.

بل نعمل ونهيى‏ء الظروف

تعلق الدكتورة ابتسام عطية ـ عميدة كلية الاقتصاد المنزلي ـ على الدعوة الأمريكية لعودة المرأة إلى البيت فتقول: في أمريكا المرأة تعمل عملاً شاقاً جداً، وتتحمل نفقات المنزل ونفقاتها الخاصة مثل الرجل تماماً، وبرغم وصول المرأة إلى مكانة مرموقة في المجتمع الأمريكي، فإن غالبية النساء لهن خط معين في الوظائف لا يتجاوزنه، فالمرأة الأمريكية تجهد نفسها في عملها، في حين أن كثيراً من الرجال لا عمل لهم.. وهذا قد يفسر لنا الدعوة الأخيرة ومطالبة البعض بالعودة للمنزل.

أما في مصر فالمرأة تعمل مع الرجل ولكن لا يزال الرجل هو الذي يتحمل
الجزء الأكبر من مسئوليات الأسرة، ويدرك جيداً أنه المطالب دينياً واجتماعياً بالإنفاق على المرأة وعلى الأسرة.

وفي رأيي ـ والكلام للدكتورة ابتسام ـ لا نستطيع أن نقول للمرأة عودي إلى المنزل بعد هذه التطورات الاجتماعية والاقتصادية الهائلة التي حدثت في المجتمع وزادت من أعباء الاسرة واضطرت المرأة للعمل.

ولكن بعض النساء لا يعملن من أجل الإسهام في نفقات المنزل، ولكن لتحقيق الذات وإثبات النفس أمام الرجل فما رأيكم في ذلك؟

تجيب الدكتورة ابتسام: المرأة في بعض المستويات الاجتماعية في كثير من الأحيان لا تحس بالأمان إذاتركت عملها وتفرغت للمنزل، فهي تخاف أن يتزوج عليها الرجل فيما بعد وتجد نفسها بلا عائل، وحينذ لا تستطيع العودة مرة أخرى لعملها.. وبالفعل هذا يحدث للكثيرات خصوصاً بعد تربع طبقة الحرفيين على القمة.

إذن تعمل المرأة حتى ولو كان ذلك على حساب بيتها وأولادها وصحتها ونفسها؟

تجيب الدكتورة ابتسام: إذا أصبح عمل المرأة واقعاً فلماذا لا يهييء المجتمع لها ظروفاً تساعدها على رعاية أولادها رعاية سليمة بتوفير رياض أطفال نموذجية وبأسعار مناسبة، وكذلك توسع شركات التغذية في تقديم الوجبات السريعة التحضير أو نصف المجهزة بأسعار مناسبة لمساعدة ربة البيت على توفير الوقت والتمتع ببعض الراحة حتى لا تُستهلك بين العمل وأعمال المنزل؟ وبهذا نساعد المرأة العاملة على رعاية أولادها والاهتمام بمنزلها.

وهناك فكرة يمكن أن يسهم تطبيقها في حل المشكلة، وهي فتح الباب للمرأة العاملة للرجوع لعملها بعد أي فترة أجازة تأخذها لرعاية الأولاد، بمعنى أن يكون من حق المرأة العاملة أخذ ولو 12 أو 15 سنة أجازة لرعاية أولادها ثم الرجوع في
أي وقت تريد، وبذلك تضمن مكانها في عملها، وكذلك توفر فترة رعاية كافية لأطفالها... وفي رأيي أن من تعتاد هذه الفترة بدون عمل قد تتركه نهائياً... وكذلك المعاش المبكر قد يحل المشكلة.

أرفض.. ولكن!!

أما الدكتور حسن شحاتة ـ الأستاذ بكلية التربية بجامعة عين شمس وعضو المجالس القومية المتخصصة ـ فيعلق على تعبير «أمهات في البيت» فيقول: إن مسئولية البيت مسئولية مشتركة بين الرجل والمرأة في الخارج ليوفرا الحياة السعيدة فلابد أيضاً أن يتعاونا في الداخل لرعاية الأولاد والاهتمام بالمنزل.

فمن حق المرأة أن تثبت وجودها في المجتمع من خلال العمل مع المحافظة على صحة الأولاد والتنمية السليمة لهم.

فأنا مع تفرغ بعض النساء لرعاية الأبناء المحتاجين للرعاية، سواء كانوا صغاراً أو مرضى، فهذه فكرة اجتماعية مقبولة، لكن فكرة تخلي المرأة بصفة عامة عن عملها وجعلها دعوة شاملة لكل النساء فهذا ما أرفضه؛ لأنه يضعف من التنمية في المجتمع.

فأنا أقبل الفكرة إذا كانت في الحالات الاستثنائية وأرفضها على إطلاقها.

وفي رأيي أن المرأة عندها قدرة هائلة على العطاء وتنظيم الوقت، وهي وراء كل ما وصل إليه الرجل الشرقي. فالمرأة هي الحياة، وسيظل المجتمع في صراع نفسي مالم يتعاون الرجل مع زوجته لتقوم بمسئولياتها المضاعفة فالحياة مساواة وتعاون ومشاركة خارج المنزل وداخله، والمرأة المتوازنة هي التي تحاول توزيع طاقاتها بمعاونة الرجل الذي يمكن تكييفه ليقوم بدوره، وإحداث الدف‏ء والحب الاجتماعي في داخل الأسرة.

 


الوعي بعد التجربة

أما الدكتورة أمينة صادق ـ استاذة المعلومات بكلية التربية جامعة المنوفية ـ فترى أن هذه الجمعية كشفت عن الرغبة الكامنة داخل المرأة بصفة عامة، وبالنسبة لنا بصفة خاصة، فالمرأة لا زالت هي المرأة حتى ولو عملت فهي لا زالت مسئولة عن كل صغيرة وكبيرة بالمنزل، كذلك تربية الأولاد والعناية بهم، وبرغم أن أعمالها داخل المنزل قلّت نتيجة للأجهزة المنزلية الحديثة إلاّ أن مسئوليات المرأة زادت، فزاد الإرهاق العصبي أكثر من الإرهاق الجسماني. ولذلك وجدنا جيل اليوم يفضل العودة إلى البيت لأن شابات اليوم عرفن أن ضغط الحياة الخارجي لم يعد ممتعاً، وترفض الفتيات العمل ويؤكدن أن دورهن في المنزل أهم.

البعض ينظر لهذه الدعوى على أنها تخلف، ولكن هناك من يؤكد أن هذا نوع من الوعي ووصول للحقيقة التي حاول الكثير من الأصوات ـ تزييفها بدعوى التحرر والتخلص من العبودية والحصول على المساواة.

 

الملل قنبلة موقوتة في عش الحياة الزوجية!!

تحقيق: إحسان سيد

لا تخلو الحياة الزوجية من المشكلات التي قد تكدّر صفو العيش، لكنها سرعان ما تنتهي إذا ساد التفاهم والحب بين الزوجين، فالحياة داخل البيت ليست كلها وردية، وإنما تعتريها أحياناً بعض الشوائب التي يستطيع الزوج بحكمته والمرأة بحنوها وسعة صدرها أن يتجاوزاها بسهولة وأمان.

والملل أو الرتابة في الحياة الزوجية من المشكلات التي قد تعرض للأسرة بعد مرور فترة من الزواج، فتبدو الحياة وكأنها مترهلة، ولا يجمع الزوجين سوى الواجهة الاجتماعية والأولاد والأيام. وبغض النظر عن أسباب ذلك، فإن الملل قد
يصل إلى درجة من الخطر تهدد كيان الأسرة كلها، ويضع الزوج والزوجة والأولاد في مفترق طرق.

سيرُ الحياة اليومية على وتيرة واحدة وعدم التجديد وراء الظاهرة

ومما يؤكد خطورة منعطف الملل والفتور بعض الدراسات حول المشكلات الزوجية التي قد تدفع بالزوجين إلى الطلاق؛ أو تُحول البيت إلى مجرد فندق للنوم، وللأسف كان الملل والرتابة بين الزوجين من هذه المشكلات التي تسببت في وقوع ثلث حالات الطلاق ـ وفقاً لما ذكرته بعض الدراسات الاجتماعية حول أسباب الطلاق.

ولا شك أن كثيراً من الأزواج والزوجات يسيئون فهم الحياة الزوجية ومسئولياتها، فقد تنصرف الزوجة عن واجباتها المنزلية، أو تهمل أولادها بحجة حضور الدروس الدينية أو المشاركة في المسابقات والأسواق الخيرية والزيارات، ويأتي ذلك على حساب إسعاد زوجها الذي يعود من عمله مثقلاً بالهموم والمتاعب، فلا يجد من تلبي له طلباته أو تجهز له حاجياته أو تستمع إليه حين يتكلم، ويشكو فيسكن إليها، فتكون النتيجة شعور الزوج بالفراغ والوحشة في بيته، فيهجر البيت وقد يهجر الزوجة بعد أن ملّ سلوكها وأسلوبها في الحياة.

بينما تتعلل بعض الزوجات بإهمال زوجها لها، وعدم استجابته لمشاعرها، وعدم ملاطفتها، واعتبار ذلك علامة ضعف في رجولته أو عبوسه في وجهها وصرامته في التعامل مع زوجته وأولاده ـ مما يقيم حاجزاً بينهما وحالة من الترهل والنفور والملل لدى الزوجة وينفرها من زوجها.

للأزواج رأي

يقول سعيد. ب / رجل أعمال:

زوجتي ربة بيت لم تكمل تعليمها، حياتها تدور حول البيت والأكل والأولاد
وهذا يستنزف قواها فلا يترك لها وقتاً أو طاقة للاهتمام بي أو الاستماع إلي، فأشعر بالملل والنفور منها ومن البيت.

ويتفق د. نور. م / طبيب نفسي، في أن اختلاف مجال عمل الرجل عن المرأة واختلاف طباعهما وأذواقهما يجعل كلاً منهما في عالم منعزل عن الآخر، خاصة في غياب الأطفال واتهام كل من الزوجين للطرف الآخر بعدم احترام عمله ـ وهو ما يقيم حائطاً بينهما من النفور والملل.

وهذه الآراء وغيرها تلتقي على أن الملل يهدد الحياة الزوجية، وينفر كلاً من الزوجين من الآخر، وهذا بالطبع يؤثر سلباً على سعادة الأسرة وعلى الحالة النفسية للأولاد.

فكيف ننقذ كيان الأسرة التي هي اللبنة الأولى في كيان المجتمع كله من هذا الكابوس المسمى الملل، وما السبيل إلى إعادة الحيوية والتجدد إلى حياة الأسرة بحيث تظللها السكينة والمودة والرحمة، ويتمسك كل طرف بشريكه ويأنس إليه؟

أما د. عادل صادق ـ أستاذ الطب النفسي ـ فيرى أن الزواج أن تكونا معاً، يدك في يدها، أنفاسكما ممتزجة كل الوقت، لكن دوام هذه المشاعر يتطلب أن تظل هناك «مسافة» فهي التي تجدد الحنين الجارف المستمر لمزيد من الالتصاق والشوق المتجدد للالتحام. ويوضح معنى «المسافة» فيقول: «المسافة أن أكون لوحدي كي أرى الدنيا من غيرك، وأدرك أنني أريد أن أعود لأراها معك.. المسافة أن أخلو لنفسي بعض الوقت وليس في سفر بعيد أو انفصال أو أجازة زوجية؛ لأن الأجازة الزوجية هي رغبة دفينة للانفصال الحقيقي وإعلان بأن الحياة الزوجية أصبحت لا تطاق بينهما».

ويقدم د. سمير نعيم ـ أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس ـ تفسيراً للظاهرة فيقول: الشائع أنه بعد هدوء المشاعر بعد الزواج، وانشغال الأم بأطفالها
وانشغال الأب بالعمل لتوفير الحياة الكريمة لهم، واعتياد كل طرف على الآخر، وإدراكه لبعض النقائص فيه ـ تتخذ العلاقات بينهما شكلاً روتينياً وخاصة إذا لم يكن لديهما القدرة على التجديد والمشاركة في أنشطة مشتركة، والقدرة على إقامة علاقات اجتماعية متجددة، مما يترتب عليه سيطرة مشاعر التباعد والملل التي قد يحاول كل طرف التغلب عليها بطريقة أو بأخرى، مثل اللجوء إلى الأصدقاء القدامى أو الجدد، وربما يؤدي ذلك أيضاً إلى اتساع نطاق الخلافات الزوجية فيعيش الزوجان غريبين لا يجمعهما سوى جدران المنزل.

ويؤكد د. نعيم أن الأسرة المسلمة بخير، ونادراً ما تمر بهذه الأزمة بسبب قوة الرابطة الزوجية وقدرتها على التجديد.

حتى الأطفال ذاتهم يمثلون قوة تجديدية داخل الأسرة، فالتغيرات التي تطرأ عليها باستمرار تُدخل البهجة على الأبوين، والمواقف التي يواجهانها تكسر الملل والروتين الذي قد يتسرب إلى حياتهما.

فمولد الطفل هو تجديد جميل في حياة الأسرة، وكل مرحلة من مراحل حياته تخلق اهتمامات مشتركة بين الأبوين مع أول سنة وأول خطوة وأول سن أو ضرس وأول كلمة ومع دخول المدرسة.. كلها مناسبات ومحطات تخلق مشاعر جميلة مشتركة. وعلى الزوجين تقع مسئولية الحفاظ عليها وتجديدها.

ويفسر د. جمال ماضي أبو العزايم ـ مستشار الطب النفسي ـ المشكلة تفسيراً علمياً دينياً، فيرى أن اللّه‏ تعالى أعطى للخلايا الإنسانية حياة خاصة تبدأ قوية منطلقة ثم تضعف رويداً رويداً لتفقد طاقتها، ويقابل هذا الضعف قوة في ناحية أخرى لتنشط خلايا أخرى.

فعندما تضعف خلايا النضوج التي تبلغ أوجها في سن ال 16، تبدأ خلايا الجنس والإنجاب تقوى ثم تضعف في سن الأربعين، لتبدأ خلايا روحانية في
الانطلاق لتدرك أنها لم تخلق في الحياة لتكبر وتنجب وإنما خلقت للعبادة.

ومما يخرج الإنسان من حالة الملل: السياحة النفسية والتأمل والتقرب إلى اللّه‏ وتنشيط الإرادة.

وتؤكد دراسة اجتماعية نشرتها مجلة النور اليمنية ـ أن النظرة الإسلامية للزواج من شأنها أن تحفظ الحياة الزوجية من آثار الملل وأسبابه معاً. وتتساءل الدراسة: هل رأيتم تاجراً يمل تجارته التي يجني من ورائها أرباحاً طائلة؟ ألا يتعب فيها؟ ومع ذلك تجده راضياً سعيداً بما يبذله من جهد ووقت فيها.

الإسلام يريد من الرجل أن ينظر إلى زوجته هذه النظرة، ويريد من الزوجة أن تنظر إلى زوجها على أنها تتاجر معه لكنها تجارة من نوع آخر، أرباحها ليست دراهم ولا ذهباً، لكنها حسنات وصدقات يمتد أثرها من الدنيا إلى الآخرة.

الزوجان يربحان

وتوضح الدراسة أن الإسلام يُعلم الرجل أن زوجته مصدر للربح الكبير، فهو إذا ينظر إليها يكسب، وعندما يضع اللقمة في فمها يكسب، ويرزق منها الولد الصالح فيكسب بدعائه، ويعاشرها فيكسب، وينفق عليها فيكسب.

هل هناك استثمارات أخرى أفضل من هذا؟ فكيف يملها الرجل أو يسأم الحياة معها؟! والزوجة أيضاً عليها أن تصحح نظرتها لزوجها فتعتبره أيضاً مصدر خير وربح لها، ويكفيها أن يموت وهو راضٍ عنها حتى تدخل الجنة من أي أبوابها شاءت، فإذا صحح الزوجان نظرتهما إلى الزواج وإلى كل منهما للآخر سيصبح كل طرف بمثابة التاجر الذي ينسيه الرصيد المتزايد في أرباحه كل تعب ومعاناة.

لا وقت للملل

وتؤكد د. عبلة الكحلاوي ـ أستاذة الفقه بجامعة الأزهر هذه الرؤية الشرعية للزواج، فتقول: إذا تمت الزيجة في قالب إسلامي ووُجهت وجهة شرعية، ووضع كلٌ
من الزوجين أمام عينيه متطلباته في حياته، وما يبتغيه منها ـ لما وجد وقتاً للملل أو الرتابة.

فالدنيا مزرعة الآخرة، وكلٌ منا سيحاسب على دوره وكيف أدَّاه فيها، وكل مرحلة لها اهتماماتها ومباهجها وأهدافها، وعلى الزوجين وضع منهج مشترك لكل مرحلة فعندما يلتقي الزوجان ينتقل كلِّ منهما إلى بيئة مخالفة، وتعلق العشرة الطيبة والمشاعر الجياشة دوراً مهماً في إبقاء السكن والمودة بينهما، وعندما يتعلق الحب بالولد وانتظاره وتربيته ورعايته يؤدي كل منهما دوره في هذه المرحلة، ولا يكفُّ كلٌ من الشريكين عن تجديد بيت الزوجية وتجديد ما تلف منه حسياً ومعنوياً، ويا لها من سعادة حينما يتعاون الزوجان في تجديد حياتهما أو شراء شيء بسيط في بيتهما.

ومن النصائح التي توصي بها د. عبلة الكحلاوي كلا الزوجين لحفظ حياتهما الزوجية نشطة متجددة ذات حيوية:

تخصيص وقت لزيارات الأهل من قبيل صلة الرحم، وترتيب زيارات دورية للملاجى‏ء والأيتام والمساكين من باب الرعاية الخيرية، فهذا اليوم يترك بصماته الطيبة على وجوه هؤلاء المساكين، وفي الوقت ذاته يعيد البسمة والرابطة إلى الأسرة؛ لأنها سارت بمنهج اللّه‏.

كذلك يُنصح الزوج بتحديد وقت للترفيه عن أسرته، فهذا مما يجدد روتين الحياة ويعيد النشاط إلى أفراد الأسرة.

على الزوجين ملاحظة الأبناء ومراجعة الأعمال من كل مرحلة لتصحيح الخطأ.

وقبل كل شيء يجدر بالرجل والمرأة ـ على السواء ـ أن يحسن كل منهما اختيار شريك حياته، وفق منهج اللّه‏ فلو ابتغت الزوجة رضاء ربها وأطاعته: تفانت
في طاعت زوجها وإسعاده، وكذلك إذا ابتغى الزوج رضاء ربه: أحسن معاشرة زوجته وأكرمها وتفانى في إسعادها، وحينئذٍ لن يكون للملل وجود.

 

وما زالت المأساة مستمرة

 

تعدّين الثلاثين وأوشكن على الأربعين، ولم يتزوجن.. القضية قديمة، وربما قتلت بحثاً، ولكن التحدي مازال قائماً، وما زالت نسبة العنوسة في اضطراد، وما زال فارس الحصان الأبيض عند كثيرات حلماً، مجرد حلم.

ولأن تراجع قيمة الأسرة هاجس يشغلنا وشبح يهدد المجتمع الإسلامي نعيد الضرب على وتر القضية مرة، وربما مرات أخرى، ولنقرأ معاً بعض الشهادات الحية لمن فاتهن أو كاد يفوتهن قطار الزواج.

م ـ ش 38 عاماً:

لا أستطيع أن أحدد تماماً سبب تأخري في الزواج، ربما مطالب أسرتي المبالغ فيها، ربما السحر، ولكن كل ما أعلمه أنني أحلم بزوج طيب يحسن معاملتي، ورغم أنني خطبت مؤخراً، لا أشعر بفرحة الخطبة، فخاطبي تجاوز الأربعين ويتعامل مع الخطبة كأمر واقع، ولا يزورني كثيراً، كما لا يتذكرني بأية هدية في أية مناسبة؛ بصراحة أياً كانت هذه الزيجة فهي أفضل من لقب عانس الذي اصبح يطاردني ويصم أسرتي.

ق. ب 40 عاماً:

تقدم لي شباب كثيرون، ولأنني الابنة الوحيدة لوالديّ على أربعة أشقاء ذكور كانا يغاليان في شروطهما مما صرف عني الخاطبين، ورحل أبويّ عن الحياة، وتزوج كل أشقائي وخلا البيت عليّ، وأصبحت مستعدة لقبول أي متقدم، فالوحدة
أصعب كثيراً من الزواج غير المتكافى‏ء في رأيي!

ن. ك 28 عاماً:

قد تبدو سني صغيرة قياساً إلى سن الزواج حالياً، ولكنها متأخرة مقارنة بظروفي الميسرة اقتصادياً واجتماعياً وأيضاً شكلياً، وأعتقد أن هذه الظروف سلاح ذو حدّين؛ لأنها جعلتني أدقق كثيراً في المفاضلة بين من تقدموا لخطبتي ووجدتهم جميعاً أقل مني اجتماعياً واقتصادياً، وأنا لا أستطيع أن أعيش في مستوى أقل من مستواي الحالي الذي أعتقد أن شاباً فيمقتبل حياته يمكنه توفيره.

«عايرني ومضى»

س و 40 عاماً:

لأنني غير متعلمة ومستوى جمالي متواضع، وأسرتي بسيطة كان أفضل من تقدموا إليَّ سائق تاكسي، اشترط عليّ أن يعيش معي عند أهلي، وكانت امكاناته متواضعة جداً، وعندما رفضت قالها لي صريحة: علام تتدللين، لا علم ولا جمال ولا أهل، ومضى إلى غير رجعة، وقررت ألا أتزوج، فهذا أفضل من الزواج التعس.

«الحرمان من الأمومة»

عدم حصول الشاب على عمل مناسب، يدر عليه دخلاً مناسباً، أهم أسباب تأخر سن الزواج، هذا ما تؤكده د. إجلال حلمي ـ أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس ـ وتضيف أن رفع الدولة يدها عن تشغيل الشباب إضافة إلى الخصخصة جعلا فرص العمل تضيق أمام حديثي التخرج، ومن ثم يتأخر سن الزواج عند الشاب، وبالتالي عند الفتاة، والذي يخرج من خندق العمل يدخل في خندق الشقة ثم الأثاث، خاصة أن أي زواج ـ مهما كان بسيطاً متواضعاً ـ مكلف لأي شاب في مقتبل حياته.

وترصد د. إجلال التناقض بين تأخر سن الزواج وارتفاع معدلات الطلاق،
وتتساءل: هل يظلّ الشاب والفتاة عاجزين عن تحمل المسؤولية الزوجية رغم تقدمهما في العمر؟ أم أن تأخر سن الزواج يؤدي إلى توتر الزوجين، وقصر نفسهما وعجزهما عن تحمل مشكلات الحياة المتعارف عليها؟

وتحذر د. إجلال من المشكلات التي يفرزها تأخر سن الزواج خاصة بالنسبة للفتيات، فالشباب لا يقبل على الزواج من فتاة تجاوزت سناً معينة، كما أن العروس المتقدمة في السن فرصتها في الإنجاب أقل مما يحرمها من دور الأمومة، وبشكل عام فإن العنوسة تؤدي إلى حصر الفتاة في دور اجتماعي واحد هو دور الابنة أو الأخت، وتفوت عليها فرصة دوري الزوجة والأم، وهما أهم دورين يمكن أن تمارسهما.

 

إلى كل زوجين

 

حين تتحول الكلمة إلى طلقة.. والمأخذ إلى طعنة تصبح الحياة الزوجية سلسلة من التوجس وحلقات متصلة من التربص بالآخر وتصيد الأخطاء له.. ويصبح التماس العذر والتغاضي اختياراً صعباً مريراً برغم أن النقد السلبي الهدام أكثر صعوبة ومرارة منه فالزواج ليس شركة بين ملاكين معصومين إنه تفاعل بين كيانين مختلفين يخطئان ويصيبان ومن ثم فإن للنقد والتناصح مكانهما في شركة الزواج ولكنه مكان مشروط.

مشروط باللين وصدق النية في الإصلاح والرغبة في استمرار الحياة أقرب إلى الصفاء وأبعد عن عوام الشقاق.

التناصح بين الزوجين ضروري.. ولكن!!

فهذا النقد مشروع مادام له إطاره الجميل الذي يحقق هدفه لإصلاح العيوب،
لا مدخلا لزيادة وطأتها إما عناداً أو رفضاً لأسلوب نقد غير بنّاء، وايضاً عجزاً عن إصلاح النفس بغير تعاون شريك محب حلو اللسان.

هم.. وهن

في استطلاع مصغر لرأي بعض الأزواج والزوجات في قضية مكانة النقد وأهميته وشروطه في الحياة الزوجية، أكد الأزواج أن الموقف الوسط بين الوقوف عند كل صغيرة وكبيرة وتجاهل الأخطاء، هو الموقف الأصوب في العلاقة بين الزوجين؛ فتجاهل أخطاء الزوجة يجعلها تعتاد الخطأ ولا تصلح نفسها. ومحاسبتها على الهفوات يُشعرها بعدم الأمان ولا يساعدها على تقبل ملاحظات شريكها بصدر رحب.

أما الزوجات فقد شكون من حساسية أزواجهن تجاه النقد من ناحية.. ونقدهم المستمر لهم من ناحية أخرى، وأكدن أن تعاهد الزوجين منذ البداية على المصارحة والمواجهة اللطيفة يحل كثيراً من المشكلات ويحسم المواقف الصعبة الفاصلة.

يرى الدكتور محمد سمير فرج ـ أستاذ علم النفس والمتخصص في سيكولوجية الشخصية ـ أن النقد إذا كان موضوعياً، وله هدف نبيل، ويتم بطريقة ملائمة، وفي وقت مناسب وغير متقارب، ويدعمه مدح.. لكان نقداً إيجابياً، ويقوى الحياة الزوجية ويدعم المودة والرحمة بين الزوجين، فالحياة الزوجية لابد أن تكون مبنية على أساس متين من الثقة المتبادلة بحيث يشعر كل طرف أنه مرآة الآخر، مرآة صادقة ورقيقة يحب أن يرى فيها نفسه.

أما إذا كان النقد بهدف إثبات أنني على صواب وغيري على خطأ، أي أنه بهدف غير نبيل، كان ينتقد أحد الطرفين الآخر بصورة مبالغ فيها مع تضخيم الخطأ فهذا نقد غير إيجابي يضر بالحياة الزوجية وتماسكها واستمرارها.


ولكن متى يكون النقد بنّاءً ودافعاً إلى الإصلاح؟

يجبيب الدكتور سمير فرج ويقول: لابد من اختيار الوقت المناسب لتوجيه النقد، ومن المرفوض أن يوجه أحد الوجين للآخر النقد واللوم في أوقات التوترات؛ لأن ذلك قد يؤدي لنتيجة عكسية، إنما يتم اختيار وقت فيه استرخاء واستعداد نفسي لتقبل النقد بصدر رحب.

ولابد لكل طرف إلى جانب مراعاة حالة الطرف الآخر النفسية ـ وقت النقد ـ أن يراعي نوع الشخصية موضع النقد، فهناك شخصيات حساسة للغاية لأي تلميح ـ ولو بسيط ـ ويكفيها الاشارة، وهناك شخصيات أخرى تتسم بالعناد والتكبر، وهذه النوعية يزيدها كثير النقد عناداً وتكبراً، ولا يصلح معها النقد المباشر.

المدح قبل النقد

ويؤكد الدكتور محمد سمير فرج أن من الحاجات الأساسية لكل فرد الإحساس بالتقدير.. تقدير الآخرين له وتقديره لذاته، ويحتاج الزوجان بالتالي إلى الإحساس بتقدير كل منهما للآخر، فلابد في الحياة الزوجية ألا يكون المدح غائبا والنقد غالباً، فإذا اعتاد طرف أن يجرح الطرف الآخر بالنقد السلبي المستمر، فلابد للطرف الذي يتعرض للنقد أن يدافع عن نفسه وبطريقة لاذعة حتى يرد الاعتبار لذاته، أما إذا لم يستطع أن يرد فسيتمادى النقاد ويصبح الطرف الموجّه له النقد حزيناً بصفة مستمرة إلى أن يكتئب ويمرض، أو على الأقل يؤدي النقد إلى هبوط عزيمته وقتل ملكاته، وبالتالي يفقد قدرته على العطاء ويصبح عرضة للمرض النفسي، وقد تُهدم على إثر ذلك الحياة الزوجية.

ويحذر الدكتور عادل صادق ـ أستاذ الطب النفسي ـ من النقد فيقول لكلا الزوجين: أحذرا النقد الجارح، فليكون تعبير وجهك سمحاً، فلتكن نظراتك حانية، ولتكن نبرات صوتك ودودة، ولتكن كلماتك طيبة.


أغضب.. تشاجر.. انفعل.. ثر.. عاتب، ولكن فلتكن ودوداً رحيماً، كما أمرك اللّه‏، الزواج مودة ورحمة لا عنف، لا عداء، لا تحدي، لا ظلم، لا قهر، لا تجريح، لا لوم، لا تأنيب.

وأي حوار داخل نطاق الحب والزواج لابد أن يكون ودوداً ويعكس روحاً طيبة سمحة سهلة بسيطة سلسة، حتى في اشد الأوقات عصبية وثورة لابد أن يمرح بينكما هواء عَطِرْ، وأن تحوم حولكما الأرواح الطيبة، حاور بلطف، استخدم أرق الألفاظ حتى وإن أردت أن تُعبَّر عن أصعب المعاني واشقاها، أنت لست نداً، لست عدواً لست منافساً، ورفيق حياتك ليس طرفاً غريباً، إنه هو أنت وبينكما حب وبينكما زواج.. وبينكما عشرة.

ثواب النصحية

يؤكد الدكتور عبدالستار فتح اللّه‏ سعيد ـ الأستاذ بجامعة الأزهر ـ أن الإسلام اهتم اهتماماً لا مزيد عليه بشأن الأسرة، وجعلها قائمة على أساس من المودة والرحمة، ونرى القرآن يثير في نفوس الأزواج من الجنسين الشعور بأن كلاً منهما ضروري للآخر ومتمم له لتحقيق وجوده وامتداد أثره، فيقول للرجل: إن المرأة جزء منك ولا غنى لحيٍّ عن جزئه، ويقول للمرأة: إنك من الرجل انفصلت، فهو أصل لك، ولا غنى لإنسان عن اصله: « هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها » (الأعراف: 189).

فالنفس الواحدة هي: نفس آدم وزوجه هي حواء، وهما يعيشان حياتهما الزوجية في وئام وحب واتحاد يُلصق الواحد منهما بالآخر، ويجعل من الاثنين وحدة شعور، ووحدة عواطف، ووحدة تفاهم، ووحدة أسرار متبادلة وستر وتداخل.

في هذا الإطار من العلاقة القوية يأتي النقد بين الزوجين في صورة طيبة من
الوعظ والتناصح والحرص المتبادل على الإصلاح.

قال رسول اللّه‏ صلى‌‏الله‌‏عليه‌‏و‏آله‌‏وسلم: «إذا دخل أحدكم بيته فليسلم على أهله»، وقال: «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي»، فالبدء بالسلام والمعاملة بالحسنى والخير والمودة والرحمة، مقرون بالنهي عن التقبيح والتوبيخ والمعاملة السيئة من أحد الطرفين للآخر.

ويُسبب النقد اللاذع فتور في العواطف والعلاقة الزوجية قد يتبعه نفور، ثم تباعد قد يصل إلى الطلاق، أو يضطر كل من الزوجين أن يعايش الآخر على مضض، فيكون بينهما زواج بلا روح، وهذا ما نهى عنه الإسلام « فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ».

ولذلك لابد أن يكون النقد بين الزوجين في ثواب النصيحة، وبطريقة لطيفة مهذبة، وفي الوقت المناسب، وبعيداً عن مسمع الغير: «النصيحة على الملأ فضيحة»، وبغير انفعال، وإلاّ كانت أذى نهى عنه الاسلام وأمر الزوجين باجتنابه، وسيُحاسب عنه المقصر في حق العهد الذي قام عليه الزواج وهو المودة والرحمة.

من حسن العشرة

ويضيف الأستاذ حسن أيوب في كتابه: «السلوك الاجتماعي في الاسلام: إن من حق الزوجة في الإسلام حسن العشرة، فعلى الرجال أن يُحسنوا عشرة النساء، ويلينوا معهن ويرفقوا بهن ويحتملوا الأذى منهن، فيكون الزوج متلطفاً في القول لافظاً ولا غليظاً، ولا مُظهراً للضيق.

وقال صلى‌‏الله‌‏عليه‌‏و‏آله‌‏وسلم في حجة الوداع: «ألا واستوصوا بالنساء خيراً، فإنما هن عوان عندكم، ليس تملكون منهم شيئاً غير ذلك». وقال صلى‌‏الله‌‏عليه‌‏و‏آله‌‏وسلم: «إن المرأة خلقت من ضلع، لن تستقيم لك على طريقه».

والمراد من الحديث ـ واللّه‏ أعلم ـ أن المرأة جنس غير جنس الرجل، وإن
طبعها وخلقها وفكرها وعقلها تدور في مجالات غير مجالاتها عند الرجال، ونظرة المرأة للرجل ليست مثل نظرة الرجل للمرأة، إنما هي نمط آخر، فمن أراد أن تكون امرأته على شاكلته كلية، ويشترط ذلك لتستمر الحياة الزوجية، مخطى‏ء غاية الخطأ.

ولذلك فالرجل دائم النقد لزوجته، والذي يريد أن يجعلها بالتوبيخ والتقريع كما يريد، لن يصلحها، فمن حسن العشرة أن يكون طلق الوجه مع زوجته، يحسن اختيار الكلمة الحلوة ويشكرها على ما تؤديه من خدمة له ولأولادها، دائم المدح والتكريم، فذلك يصلح الحياة ويزيد من المودة والحب، ويقوي العلاقة الزوجية ولا يهدمها، كما يمكن أن يهدمها النقد اللاذع واللوم الشديد.

ومن الطبيعي أن يكون هذا النصح موجهاً أيضاً للزوجات، دائمات النقد لرجالهن واللاتي لا يعجبهن العجب!