مقدمة المؤلف

مقدمة المؤلف

 

يبلغ الفتى سن الرشد وتبلغ الفتاة، ويصبح الزواج الأمنية الكبرى، ومع بدء الحياة المشتركة، يحصلان على قدر أكبر من الاستقلال والحرّية كما يجد كل منهما في الآخر مستودعاً لأسراره وهمومه، ومن هنا نلاحظ ظاهرة الاحتفال بالزواج كبداية للحياة في ظلال السعادة الوارفة.

فانتخاب شريك الحياة وتشكيل الأسرة مطلب طبيعي مودع في فطرة الانسان وهذا الميل الطبيعي من نعم اللّه‏ سبحانه الكبرى.

وحقاً هل يوجد ملاذ آخر غير الحياة الاسرية الدافئة؟ ان الحياة الأسرية تصون الانسان من التمزّق والشتات الفكري وتحميه من الاضطرابات النفسية..

في هذا المكان يعثر الانسان على أنيسه ورفيق دربه الوفي وصديقه المخلص الذي يشاركه همومه ويقف الى جانبه عندما يعصف القدر.

ورباط الزواج المقدس هو وحده الذي يوحّد القلوب ويمنح النفوس السكينة والسلام.

وبيت الزوجية هو مركز الحب الطاهر والمودّة العميقة، والمكان الظليل في صحراء الحياة.

يقول اللّه‏ سبحانه: « ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا اليها وجعل بينكم مودّة ورحمة إنَّ في ذلك لآياتٍ لقومٍ يتفكرون »[9].


وعن النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم قال: «مسكين مسكين مسكين رجل ليس له امرأة وإن كان كثير المال؛ مسكينة مسكينة مسكينة امرأة ليس لها زوج وإن كانت كثيرة المال»[10].

وقال أيضاً: «ما بنى في الإسلام بناء أحبُّ الى اللّه‏ عزَّ وجلَّ من التزويج»[11].

وعن الصادق عليه‏السلام قال: جاء رجل الى أبي فقال له: هل لك زوجة؟

قال: لا. قال لا أحبُّ أنَّ لي الدّنيا وما فيها وأنّي أبيت ليلة ليس لي زوجة[12].

أجل لقد منح اللّه‏ سبحانه البشر هذه النعمة الكبرى، ولكن يا للحسرة بل يا للحسرات أن الانسان لا يقدر هذه المنحة الالهية.. وما أكثر الذين يحيلون هذه الجنّة الوارفة الظلال الى جحيم لا يطاق والى سجن غارق في الظلمات، بحيث لا يجد المرء طريقاً سوى تحمل حياة لا تطاق أو تدمير رباط الزوجية المقدس وتحطيم الكيان الأسري.

ولكن لو عرف كلاًّ من الرجل والمرأة واجباتهما تجاه الآخر وقاما بمسؤولياتهما ووظائفهما لاستحال جوّ الاسرة الى جنّة تنعم بالصفاء والحب والمودّة.

ان عوامل عديدة تلعب دوراً في ظهور الخلافات العائلية وهي عوامل بعضها اقتصادي وبعضها يتعلّق بالتربية، وأخرى لها علاقة بالبيئة وتدخّل الآخرين.

غير أنه وفي عقيدة المؤلف أن أهم عوامل المؤثرة في غياب الانسجام العائلي وبروز النزاع الاسري يكمن في جهل المرأة والرجل بواجباتهما وغياب الاستعداد المطلوب في اقامة حياة مشتركة.

ذلك أن النهوض بأية مسؤولية يلزمه شرط أساس هو الاطلاع الكافي والاستعداد القبلي، ومن هنا تأتي أهمية دورات التمرين والتدريب على أنواع المسؤولية والعمل الملقى على عاتق من يريد التصدّي له.

فالحياة الزوجية المشتركة تحتاج الى تخصص والمام واستعداد كافي، فالرجل يلزمه اطلاع كافي على الطريقة التي تفكر بها زوجته وما تراه ضرورياً في رأيها والمام بالمشكلات الزوجية واسلوب مواجهتها، كما يلزمه أيضاً أن يتعرف على آداب المعاشرة المثلى وكيفية التعامل مع المرأة والى آخر ذلك..

ان على الرجل أن يتذكّر دائماً أن خطوبة المرأة لا تعني شكلاً من أشكال ابتياع الأغراض كما لا تعني ابتياع خادم بل ان ذلك يعني شيئاً واحداً هو عقد اتفاق الوفاء المتبادل والصداقة المشتركة، وعقد الحب والتعاون والسير معاً في دروب الحياة.

كما أن على المرأة أن تتعرف على طريقة زوجها في التفكير، وتتفهم مطالبه وطموحاته، وتدرك إنّها عندما تتزوج فان هذا لا يعني أنها قد حصلت على خادم يلبي قيد ودون شرط كل ما تطلبه وتريده، بل إنها تزوّجت لتعيش مع زوجها في ظلال من الحياة المشتركة التي تتطلب الوفاء والتضحية والتعاون والتفاهم من أجل تحقيق الهدف المنشود.

وبالرغم من أن الزواج يلعب دوراً مصيرياً في حياة الانسان، وأنه يتعين على المرء أن يكون على استعداد روحي وأخلاقي كاف، ولكن المؤسف أننا نرى مجتمعنا لا يكترث الى هذه المسألة الحياتية.

اننا نرى اهتماماً محورياً في مسائل من قبيل «الجهاز» و «المهر» و «الجمال» في مقابل إهمال مسألة الاستعداد للحياة المشتركة ومتطلباتها.


تذهب العروس الى منزل الزوجية وهي لم تدرك بعد وظيفتها في الحياة القادمة، ويخوض الفتى تجربة الزواج وهو غافل عن مسؤوليته القادمة في ادارة الاسرة.

نرى أن الفتى والفتاة يخوضان تجربة الزواج وليس في حوزتهما وسائل التجربة الجديدة، ومن هنا نشهد بروز النزاع الاسري والشجار... ثم تأتي الطامة الكبرى عندما يتدخل الآباء بطريقة تضاعف من تعقيد المشكلة وتزيد من تجذّرها في الحياة الزوجية.

إن الفترة الأولى من الزواج فترة حساسة جداً وقلقة، وكثير من الزيجات تواجه الفشل وتنتهي بالطلاق في هذه الفترة البالغة الحساسية.

بينما نرى بعضهم ومن أجل الاحتفاظ بظاهر الحياة الزوجية يقضون اعمارهم في نزاع دائم ويستحيل بيت الزوجة الى ميدان للصراع واستعراض القوى، بينما نشهد في بعض الزيجات نوعاً من الهدوء النسبي القائم على تفهّم الزوجين لأخلاق بعضهما، والاعتراف بهذا الاختلاف في المشارب والأذواق.

وليتنا نشهد اقامة دورات تعليمية للشباب الطامحين للزواج يتعلمون فيها اسلوب الحياة الزوجية ويتعرّفون خلالها على طبيعة الحياة المشتركة في ظلال الزواج.

ومن هنا انطلق المؤلف ومن خلال احساسه بهذه الضرورة الاجتماعية الى تأليف هذا الكتاب.

إذ يجد القارى‏ء في هذا الكتاب معالم الحياة الزوجية ومشكلاتها معتمداً في افكاره آيات القرآن الكريم واحاديث النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم والائمة من آله عليهم‏السلام والافادة من الاحصاءات العامة والتجارب الذاتية.

ومع ذلك فان المؤلف لا يدّعي أن قراءة هذا الكتاب تكفل له الفصل في قضايا الزواج، ولكنه يأمل الافادة منه في حلّ الكثير من مسائل الحياة المشتركة.

كما أنه ينتظر من العلماء والخيرين الاهتمام بهذا الموضوع والمبادرة والاسهام في انقاذ اسرنا من القلق والنزاع الذي يعتور طريقها.


[9] الروم: الآية 21.
[10] مجمع الزوائد: 4/252.
[11] بحار الأنوار: 103/222.
[12] المصدر السابق: 217.