الضيافة

الضيافة

 

الضيافة ظاهرة اجتماعية في الحياة الاسلامية بل في الحياة الانسانية فليس هناك أسرة لا تمتلك أصدقاء تستقبلهم أو أقارب تستضيفهم.

والضيافة من الظواهر الأخلاقية التي تحث عليها الشريعة الاسلامية.

كما أن الكرم يعد من الصفات الحميدة للانسان، وللضيافة دور كبير في تعزيز العلاقات الانسانية.. كما ان لها دوراً في مكافحة كثير من الأمراض كالحقد والكراهية، فجلسات السمر البريئة تصفي على الحياة من نكهة طيبة وتطرد السأم والشعور بالملل وتبعث الأمل في الحياة.

وما أجمل اللحظات يقضيها الانسان في حضرة ضيف كريم أو قريب تشتاق الى رؤيته. والضيف حبيب اللّه‏ كما يقال.

يقول سيدنا محمد صلى‌‏الله‌‏عليه‌‏و‏آله‌‏وسلم: «إنَّ الضيف إذا جاء فنزل بالقوم جاء برزقه معه من السماء فإذا أكل غفر اللّه‏ لهم بنزوله عليهم»[265].

ويقول الامام الرضا عليه‌‏السلام: «السخي يأكل من طعام النّاس ليأكلوا من طعامه. والبخيل لا يأكل من طعام النَّاس لئلا يأكلوا من طعامه».

ويقول رسول اللّه‏ صلى‌‏الله‌‏عليه‌‏و‏آله‌‏وسلم أيضاً:

«الزيارة تنبت المودَّة»[266].


وروي عن الامام محمد الجواد قوله:

وفي بحر الحياة المتلاطم وحيث مشاغل العمل الكثيرة، يكون الانسان بحاجة الى الهدوء والراحة، وما أجمل أن يقضي المرء لحظات ممتعة في لقاء الأحبّة والاصدقاء..

ففي غمرة اللقاء ينسى المرء مشكلات الحياة، ويشعر ان عبئها ينزاح عنه جانباً فتنفتح نفسه للحياة بأمل.

أجل ان الضيافة تقليد جميل، ولا أظن أن أحداً ينكر محاسن الضيافة.

هذا إذا بقيت على الطبيعة دون تكلّف، لأننا سنجد مشكلتين تعتوران هذه الظاهرة الاجتماعية الطيبة.

الأولى: التكلّف في كماليات الحياة والتسابق السخيف في المباهاة واقتناء الكماليات مما يعقد الحياة ويسلبها جمالها في البساطة.

وهذا اللهاث في الواقع يؤثر سلباً على ظاهرة الضيافة، لأن المرء لم يعد يجد الوقت الكافي للركاض من أجل تأثيث المنزل بالصورة التي تروي ظمأه الذي لا ينطفئ

ولأنه ظامئ للكماليات في حياته فانه لن يجد فرصة يلتفت فيها الى اصدقائه وأحبّته واقربائه.

وهذا اللهاث في الواقع خاضع لسيطرة فكرة خاطئة، هي أن الانسان يرى سعادته في اقتناء الوسائل التي تجلب له الرفاه كما يظن!

في حين انه يتحول دون أن يشعر الى عبد يلهث وراء هذه الوسيلة أو تلك.

وعادة ما تخضع المرأة الى هذه الانطباعات الخاطئة، حيث تظن ان الضيوف سوف يأتون لمشاهدة معرضها المنزلي؛ ولذا فهي تحرص على أن تصعقهم بما اقتنته من أثاث فاخر وأشياء ثمينة جداً!!


الضيافة هدفها الاصلي الأنس والألفة وتجاذب أطراف الحديث وتلبية مشاعر الشوق في القلوب.

سيدتي!

لا تنسي أبداً ان الضيف لم يأت لمشاهدة اثاث منزلك، لأنه لو أراد ذلك لانطلق الى المتاحف أو الى معارض الأثاث المنزلي.

كما إنّه لم يأت لأنه جائع، ولو كان هدفه ذلك لذهب الى أول مطعم يصادفه في الطريق.

كلا يا سيدتي إنّ الضيافة لا تمت بصلة الى هذين الوهمين اللذين يدوران في خلدك.

سيدتي كم من الضيوف الذين قرروا عدم زيارتك بسبب هذا التكلّف في اعداد مأدبة الطعام.

انهم ليسوا اغبياء بحيث لا يشعرون.. انك تعاملينهم كما لو كانوا أفواهً جائعة!!

دعي للضيافة شكلها الطبيعي البسيط، دعيها كما هي تؤدي دورها في تعزيز العلاقات الانسانية واضفاء البهجة على الحياة بعيداً عن التسابق في اقتناء الأثاث وشراء ما لا طائل من ورائه.

لا تكوني مثلاً سيئاً للآخرين.. عندما تزورك صديقة أو جارة أو تستضيفين أحداً.. فلا تشغلي قلبها بهذا الأثاث اللماع والوسائل ذات البريق حتى إذا عادت الى منزلها عادت والحسرة تملأ قلبها.. وربّما حدّثت زوجها بذلك، وربّما أشعلت في نفسها حمّى هذه الاشياء فتعرّضين الهدوء الذي تنعم به الى القلق والاضطراب.

المشكلة الثانية إنّ الاستعدادات للضيافة في ضوء هذه التصوّرات وهي
فاعلة جداً في مجتمعنا الآن عادة ما تتطلب جهوداً مضنية تنهض بها المرأة، لأن المأدبة ستكون حافلة بكل الألون، وبكل ما لذّ وطاب، وقد ترتكب المرأة خطأ بسبب العجلة وتكون النتيجة طعاماً لا يسرّ الآكلين وتكون الفضيحة.. لأن سمعة المرأة في خطر!!

والآن لنستعرض نموذجين من الضيافة وللمرأة حرّية الانتخاب!

النموذج الأول:

يعود الرجل الى منزله ويعلن أمام زوجته: لدينا ضيوف في ليلة الجمعة القادمة.. عشرة من الأصدقاء.. مدعوون لتناول العشاء..

وتصغي الزوجة بقلق الى هذا، لأن لديها ذكريات مرّة عن الضيافة والضيوف.

وعندما تحاول الاعتراض يقنعها الرجل بشتى الوسائل.

إن هي الاّ أيام قلائل ثم يأتي يوم الحساب!! هكذا توحي الى نفسها وهي تستعد.. عليها أن تشتري كذا وكذا وتعدّ كذا وكذا.. وفي اليوم الموعود تستحيل المرأة الى نحلة لا تكف عن العمل منذ الصباح..

وتبدأ عمليات طهي الطعام، وتكون المرأة في حالة يرثى لها بسبب القلق.. وما يزيد الطين بلّة إنها لا تدري أين وضعت الوسيلة الفلانية والحاجة العلاّنية.. وقد تصرف وقتاً من اجل العثور على هذا وذاك..

وفي غمرة العمل المضني يرتفع صوت الجرس.. لقد حضر الضيوف ويهب الرجل لاستقبال ضيوفه.. وتبدأ المراسم.. مراسم الاستقبال[267].

أكواب الشاي الساخن.. مختلف أنواع الحلوى والكيك ثم أطباق الفاكهة
المرتبة بدقة وعناية فائقة..

وبعدها المأدبة التي تعدّ في مكان خاص ثم يدعى الضيوف لتناول الطعام.

وبعدها الانسحاب الى صالة الاستقبال لارتشاف الشاي ثم تناول الفاكهة و..

وإذا كان الضيوف من معارف الزوجة فأن المهمة ستكون أعقد..

لأن المرأة مطالبة بالحضور في صالة الاستقبال فيما حضورها في المطبخ مركز العمليات ضروري وحياتي جداً!!

وإذا ما أردنا تقييم هذه الدعوة بعد توديع الضيوف فسنجد الخسائر المحتملة كما يلي:

1 ـ احتراق جزء من الطعام اثناء الطهي.. نقص في الملح.. أو طعام مالح جداً!

2 ـ التوتر العصبي الذي يترك آثاره السيئة على حالة المرأة بحيث تكون مستعدة للشجار والعراك في أول مناسبة!

3 ـ خسائر مالية جسيمة تدفع بالرجل الى اشعال أول سيجارة للتفكير في جبران هذه الخسائر. وقد يكون في حالة عصبية لا يحسد عليها.

4 ـ إنّ الضيوف سيلاحظون الاضطراب على وجه الرجل أو المرأة وبالتالي فلن يهنأوا بهذه الضيافة أبداً بالرغم من حرارة الاستقبال في الظاهر، وقد يندم بعضهم أو جميعهم على الحضور.

ونحن إذا بحثنا في جذور هذه الضيافة المؤسفة نجدها في التكلّف وعدم الاستعداد المنطقي والمعقول وفي حدود الامكانات المتاحة وتلك التصورات الباطلة عن الضيافة والضيوف.

النموذج الثاني:

يخبر الرجل زوجته عن دعوة أصدقائه الى تناول طعام العشاء..


ترحب المرأة بهذه الخطوة، وتبدأ مع زوجها في حساب كل شيء وتسجل المستلزمات في ورقة حتى لا يسقط من الحساب شيء، وبعدها يتم شراء ما هو مطلوب..

قبل حلول الموعد الذي هو ليلة الجمعة يمكن انجاز بعض الأعمال، كما يمكن توظيف الأولاد في الاستعداد لهذه المناسبة وتدريبهم على أصول العمل.

وفي اليوم الموعود يكون قد تم انجاز معظم الاعمال، ثم تبدأ عملية الطهي وإعداد مأدبة مناسبة بعيداً عن التكلّف.

وهنا، ستجد المرأة متسعاً من الوقع لاستقبال الضيوف والترحيب بهم وتجاذب اطراف الحديث لحين حلول الوقت المناسب.

وفي مثل هذه الأجواء سوف يشعر الضيوف بالألفة والأنس، ويقضون وقتاً طيباً في الحديث عن أشياء كثيرة.

وستجد الأسرة انها أدت واجباً من الواجبات الاجتماعية على أكمل وجه وإنها عزّزت من روح المحبّة وأصرة الأخوة مع الضيوف.. وسيبارك اللّه‏ هذه الأسرة لأنها أكرمت الضيوف.. والضيف حبيب اللّه‏ كما يقال، ويأتي برزقه معه كما ورد في الأثر.

وستعطي هذه الدعوة أكلها.. وستسفر عن نتائج طيبة للجميع.

 

[265] وسائل الشيعة: 16/459.
[266] بحار الانوار: 74/355.
[267] تعد تفاصيل استقبال الضيوف في المجتمع الايراني من أعقد المراسم التي تتطلّب قابليات استثنائية فكل شيء محسوب بدقة، ولأن المجتمع العربي غير مصاب بهذه الظاهرة فقد رأينا الاعراض عن نقل بعض التفاصيل. المترجم