الطلاق.. هاجس الحل الكاذب

الطلاق.. هاجس الحل الكاذب

 

الشريعة الاسلامية تركت باب الطلاق مفتوحاً هذا صحيح، ولكن أدبيات هذه الشريعة السمحاء وصمته بأنه ابغض الحلال الى اللّه‏.

يقول الامام الصادق: «تزوّجوا ولا تطلّقوا فإنَّ الطلاق يهتَزُّ منه العرش»[298].

ويقول في مناسبة أخرى: «إنَّ اللّه‏ عزّ وجلّ يحبُّ البيت الذي فيه العرس ويبغض البيت الذي فيه الطلاق، وما من شيء أبغض إلى اللّه‏ عز وجل من الطلاق»[299].

ان مسألة الزواج لا تعني اقتناء الفساتين وشراء الأحذية، بحيث يمكن بعد شرائها رميها بعيداً وشراء فستان أو حذاء آخر!!

الزواج يعني عهد مقدس.. عهد يربط بين إنسانين اتفقا على أن يعيشا تحت سقف واحد، وأن يكون رفيقا درب في رحلة العمر الطويلة.. هذا العهد الذي يلزمهما معاً بالوفاء حتى النفس الأخير.

عندما تقول الفتاة لخطيبها: «نعم سأعيش معك».. فهذا يعني انها ستترك أهلها وتنتقل الى عش الزوجية، مع رجل يحميها ويقف الى جانبها في منعطفات الحياة.. يعني انها وثقت به وأهدته أغلى ما تملكه العذارى.


ومن أجل هذا العهد المقدس، يقوم الرجل باستقبال حبيبته وشريكة حياته فيؤثث منزلاً مناسباً للحياة الزوجية.

كم أنفق من المال حتى أعدّ هذا المكان المناسب الذي سيكون عشاً لهما لأنهما سوف يعيشان معاً وقد عاهد أحدهما الآخر على الوفاء بالعهد.

ولذا فان الطلاق لن يكون منطقياً ولا أخلاقياً اذا جاء وفق رغبة شخصية عابرة أو بذريعة ما.. لأن عقد الزواج ليس عقد تجاري يمكن فسخه لمجرّد قناعة شخصية ورغبة طارئة.

ان هذا العقد المقدس يعني التحام شخصين وروحين وقلبين، ليصبحا معاً كياناً واحداً وقلباً متوحداً وروحاً جديدة انصهرت بكلمة من اللّه‏..

ولذا فإن الطلاق لا يعني فسخ عقد تجاري، وانما هو عملية تمزّق روحي وعاطفي تترك آثاراً مدمّرة على الزوجين.

ومن المؤسف أن نرى أن هذا الحلال المبغوض شائعاً في مجتمعاتنا الاسلامية.. فخلال عشرة أعوام من 1957م ـ 1967م بلغت نسبة الطلاق في مجموع الزيجات المسجّلة خلال هذه الفترة 25%[300].

الطلاق جائز ولكن في موارده التي تسوّغه وجاء في الأثر:

«أبغض الحلال عند اللّه‏ الطلاق»[301].

واكثر حالات الطلاق لا تملك المبررات والمسوّغات الكافية.. بل ان أكثرها ناجم عن عناد صبياني يستفحل؛ اما الاسباب من وراء ذلك فهي مجرّد ذرائع لا أكثر.


الطلاق هو هاجس الحل الكاذب حتى بعد أن تكون المشكلة مستعصية وتغدو الحياة في نظر أحد الزوجين جحيماً لا يطاق!

لأنه مخطى‏ء من يتصور إن الطلاق يعني الحلّ النهائي للمشكلات والحرّية من أسر هذا (القفص) الذهبي!

السيدة «س» وهي في الرابعة والعشرين من العمر: طلبت من زوجها أن يدعو أهلها الى وليمة كبرى ولكن الزوج رفض ذلك فطلبت الطلاق[302].

وطلق رجل امرأته لأنها انجبت له خمس بنات[303] وطلبت امرأة الطلاق بعد أن لاحظت في زوجها ميولاً صوفية وعزوفاً عن الحياة العامّة[304].وبرّر رجل تطليق امرأته لأنه يريد الزواج من امرأة ثريّة[305].

فيما تطلب امرأة الطلاق لأن زوجها يخفي نقوده في بطانة جاكته.

مثل هذه الذرائع وغيرها وراء انهيار كثير من الأسر والعوائل.

ولعل أهم نقطة يمكن اثارتها في هذا الموضوع، هو اجتناب العجلة فعلى الطرفين أن يتأنّيا ويتريثا قبل اتخاذ مثل هذا القرار الخطير.

واذا كانت هناك فرصة للتأمل والمراجعة فعلى الرجل والمرأة يأخذا بنظر الاعتبار هاتين النقطتين:

الأولى: ان هاجس الطلاق عادة يأتي من وراء تصوّر في الزواج من آخر تتوفر فيه المواصفات المطلوبة.

إذ يخامر الرجل هاجس الزواج مرّة أخرى، ومن امرأة تتفق والشروط
المطلوبة.

المرأة أيضاً تعيش ذات هذه الأفكار والتصوّرات.. يخامرها احساس بأنها سوف تتزوّج من الرجل الذي تحب.

ولكن على الرجل وعلى المرأة أيضاً، أن ينتبها الى أن المطلّق والمطلّقة سلعة بائرة الى حدٍّ ما وغير مرغوب فيها على الأقل.

ولا يتقدم رجل الى خطبة امرأة مطلّقة، إلاّ بعد أن يئس من العثور على الفتاة التي تقبل به.

أما الرجل الذي طلّق امرأته فانه عندما يتقدم الى خطبة فتاة، فان الأخيرة تتوجس خيفة منه لأنه قد يطلّقها في المستقبل، ولذا فهي ترفض عادة خطبة هذا الرجل.. لأن أقل صفة تطلق عليه هي الغدر وعدم الوفاء.

ولذا فان حظهما في الزواج مرّة أخرى سوف تتضاءل نسبته، وقد يبقيان الى آخر العمر دون زواج.. ويعيشا وحدة قاتلة، يرافقهما احساس بالغربة مدمّر.

ولنتصوّر مشاعر المرأة المطلقة من خلال هذا الخبر الذي نشرته الصحافة ويفيد بانتحار امرأة مطلّقة في ليلة زفاف أختها.. وتركت ابنها يبكي وحيداً[306].

ولنتصور عمق المرارة والخيبة التي تعيشها المرأة المطلّقة، بعد لجوئها الى بيت أهلها وقد اثبتت الحياة انّ الأهل ينظرون اليها كغريبة تعيش عالة عليهم.

ويبقى للطلاق نافذته المشرعة والمشروعة في حالات تتعرض فيها الأسرة الى التآكل من الداخل.. وبعد أن يقدم أحد الزوجين على عمل جنوني كالانتحار، فالطلاق هنا آخر الدواء.. وآخر الدواء الكي كما يقال!

ونحن اذا انتهجنا الشريعة السمحاء في الزواج واستلهمنا ثقافة الاسلام في
تشكيل الاسرة فان حالات الطلاق سوف تتراجع..

ولكن المؤسف حقاً ان الزواج يأتي أحياناً في ظروف غير صحيحة، ولا حتى مشروعة في بعض الاحيان.. كهذه الحالة التي ترويها فتاة في ربيع العمر.

تقول هذه الفتاة وهي على سرير المستشفى بعد نجاتها من الانتحار: طلق أبي أمي وعمري سنة ونصف كما عرفت بعد ذلك.. وبعدها تزوّج أبي من امرأة أخرى.. كانت تضربني كل يوم وتكويني بأسياخ الكباب.. كما حرمتني من المدرسة وبعد أن بلغت من العمر 14 سنة اجبروني على الزواج من رجل في الخامسة والاربعين من العمر!! يعني في سن أبي أو أكبر[307].

هذا نموذج لابناء الطلاق وهناك نماذج كثيرة يضج بها معرض الطلاق المشؤوم:

«شنقت فتاة في الثالة عشرة من العمر نفسها في أحد البساتين.. يقول أخوها: بعد أن طلق أبي أمّنا تزوج من امرأة أخرى.. ثم تزوجت أمي من رجل آخر.. ثم توفي أبي بعد ذلك.. أختي لم تتحمل هذه الحياة كانت تبكي كل يوم.. ثم رأيتها تتدلى من حبل مشدود الى الشجرة![308].

«وجد طفل في الثامنة من العمر محروقاً في منزله ثم اكتشف المحقق ان الطفل كان مشدوداً الى السرير.. واعترفت الأم أنها فعلت ذلك وذهبت مع زوجها الجديد في نزهة»[309].

الأطفال هم الضحية الأكثر مأساوية في الطلاق فالطلاق يعني بالنسبة لهم
عاصفة مدمّرة تعصف بحياتهم.. وأطفال الطلاق يعيشون حالة رهيبة من الخوف والقلق وانعدام الثقة بأنفسهم وبالمجتمع.. وأطفال الطلاق يشعرون انهم بلا مأوى وأن أمنهم وحياتهم ومستقبلهم على كف عفريت!

«لجأ أربعة أطفال 12 سنة، 9 سنوات، 6 سنوات، 4 سنوات الى مركز الشرطة، وقال أكبرهم: طلق أبي أمنا.. نحن الآن بلا مأوى لا أمي تقبلنا ولا أبي[310].

كم من أطفال الطلاق يلجأون الى مراكز الشرطة قبل أن يضيعوا في الشوارع والظلام؟!

وكم منهم يحظى بالرعاية المناسبة قبل أن يتشرّد في حياة قاسية؟ ثم قد يحترف بعضهم الاجرام في المستقبل وينتقم من المجتمع الذي نبذه!

في تحقيق قامت به صحيفة «اطلاعات» في مركز اصلاح وتربية الاطفال الجانحين ان 80% منهم كانوا ابناء الطلاق أو اطفال عاشوا في كنف امرأة الأب[311].

أجل ان الطلاق يعني القضاء على مستقبل الاطفال.. يعني تشرّدهم ويعني حرمانهم من النبع الفياض، الذي يغمرهم بالحنان والدف‏ء والسلام.

سيدتي!

وأنت أيضاً ياسيدي!

لا تكونا أنانيين فتفكّران بنفسيكما فقط.. تذكرا ان لكما أطفالاً صغاراً ينظرون اليكما بأمل.. انهم يبتسمون بأمل للحياة اذا ابتسم أحدكما للآخر،
وينتابهم الخوف والقلق اذا تشاجرتما فكيف اذا عصف بهم الطلاق؟!

انكما تدفعان بهم الى هاوية سحيقة مالها من قرار.. هاوية مترعة بالاخطار.. مليئة بالأفاعي والثعابين.. حيث يكون احتمال نجاتهم صفراً أو أكثر من الصفر بقليل.

سيدتي!

فكري قليلاً قبل أن تتخذي قرار الانفصال.. وانظري في عيون أطفالك قبل أن تغادري عش الزوجية.

وأنت يا سيدي:

راجع كل حساباتك من جديد.. وادخل مصير أطفالك الابرياء في الحساب.. وهل ستجد عندها ان الطلاق فيمصلحتهم؟!

قلوب الاطفال من بلور.. فلا تحطموها!!

قلوب الاطفال حمائم سلام فلا تذبحوها من الوريد الى الوريد!!

ان الطريق الوحيد أن تتفاهما.. أن تتحاورا أن تنبذا والى الأبد الأنانية والنرجسية..

سيدي خذي بيد زوجك..

وأنت يا سيدتي شدّي على يد زوجك وانطلقا معاً.. انطلقا نحو حياة دافئة.

النهاية

 

[298] وسائل الشيعة: 15/268.
[299] وسائل الشيعة: 15/267.
[300] جريدة اطلاعات: 26 بهمن 1350.
[301] مكارم الأخلاق: 248.
[302] جريدة اطلاعات 12 اسفند 1350.
[303] المصدر السابق 16 اسفند 1350.
[304] المصدر نفسه.
[305] المصدر نفسه 17 اسفند 1348.
[306] المصدر نفسه 17 اسفند 1348.
[307] جريدة كيهان 29 آبان 1348.
[308] جريدة اطلاعات 4 بهمن.
[309] المصدر السابق 7 خرداد 1349.
[310] المصدر السابق 18 بهمن 1348.
[311] المصدر نفسه 22 اسفند 1350.