الوفاء يا سيدي!

الوفاء يا سيدي!

 

عندما يكون بين الرجل والمرأة عهد مقدس وهو عقد الزواج، يعني أن حياة كل منهما الفردية قد استحالت الى حياة اجتماعية، وهذا العقد المقدس والعهد الذي اعطاه كل منهما للآخر يتضمّن جوهراً واحداً هو الوفاء.. الوفاء في رحلة العمر المشتركة.. يداً بيد حتى نهاية الطريق.

حتى ادارة البيت وشؤون المنزل تتطلب منهما تعاوناً واشتراكاً وسعياً متبادلاً واحتراماً متقابلاً.. لأن الزوج هو ألف الزوجة والزوجة هي مؤنسة الرجل.

فالحياة الزوجية حياة مشتركة بكل ما يتضمن الاشتراك من معاني في تقاسم الحياة معاً والتضامن والتكافل.

ان الانسانية تقتضي بلزوم الوفاء الزوجي الى نهاية العمر.. بل أن العمر وتقدم السن يدخل عاملاً مؤثراً في تعزيز عرى المحبّة والوفاء بين الزوجين.

فالمرأة في سن الشباب، عندما كانت فتاة مقبلة على الحياة بأمل.. وروح الشباب تموج في عينيها كم ردّت من الخاطبين قبل أن تقول: نعم.. للذي اطمأنت اليه والى رجولته والى وفائه..

فهل من الرجولة والشهامة عندما تتقدم بها السن، ويغادر ماء الشباب وجهها، أن يدير لها ظهره ويتركها وحيدة ليتزوّج من أخرى؟!

ان المرأة التي قاسمتك الحياة يا سيدي وأنت في شظف العيش، ووقفت
الى جانبك وأنت تواجه عاديات الزمن.. هل من الانصاف أن تسحب يدك من يدها لأنك اصبحت ثرياً؟؟

هل من الوجدان والانسانية أن تتخلّى عن المرأة التي أحبتك وقاسمتك هموم الحياة لا لشيء إلاّ لأنك أصبحت غنيّاً تستطيع الزواج من أخرى أكثر شباباً منها.

ومن المؤسف أن نرى رجالاً ينسون مبادى‏ء الرجولة، ورجالاً لا يعرفون معاني الشهامة، فهم يحبون ازواجهم مادمن  شابات حتى اذا ولّت أيام الشباب اذا بهذا الحبّ يخبو، واذا بتلك‏العاطفة تذبل.. لقد كانوا يعاملون أزواجهم كما يعاملون الأشياء الأخرى التي يمتلكونها.

ولكن يا سيدي أن المرأة ليست سيّارة تستطيع استبدالها بأخرى أحدث منها.

ان المرأة هي شريكة عمر طويل، وشريكة حياة.. انها ليست سلعة أنها قلب وعاطفة وانسانية وانك بتعاملك القاسي هذا تكشف عن شخصيتك كانسان لا يعرف الوفاء انسان ينطوي على قدر مقزّز من الغدر.

وقد يتمادى بعضهم فيتصور ان زوجته سيئة الطالع وأنها مصدر للشؤم بسبب بعض الحوادث التي لا علاقة لها بها.

من قبيل الرجل الذي طلق زوجته لأن والده توفي ثم أفلس خاله![163]

أو مثل ذلك الرجل الذي طلق زوجته مدّعياً انه لا يحبّها وهو الذي ما تزوجها الاّ بعد قصّة حب، ولكن السبب الحقيقي كان مرضها[164]


سيدي!

أنت انسان يجب أن تدرك ذلك وتؤكد انسانيتك بما يتناسب معها من السلوك الانساني.

الانسان ينطوي على وجدان، ويشتمل على ضمير وعاطفة ورحمة وايثار وتضحية وكل الصفات التي تمنحه مواصفات الانسانية.

فأية شريعة تبيح لك أن تغدر بامرأة تركت والديها من أجلك ولجأت الى حماك، وأمضت أيام شبابها الى جانبك تؤنسك وتدخل البهجة في قلبك.

اليس من الظلم أن تفكر بهجرها لتتزوج من غيرها لهافاً وراء غريزتك وجوعك الجنسي.

أنك بذلك تكشف عن انانيتك ونرجسيتك فلا ترى أحد غير نفسك واهواءك.. وهذه هي الحقيقة يا سيدي!

حاول أن تتأمل وجوه أبنائك.. انظر كيف يعصف القلق بأرواحهم الطريّة وأنت تفكر بتعكير صفو بيتهم وعيشهم الدافى‏ء.

عندما تمرض زوجتك فليس من الانصاف أن تطلعها بالبحث عن زوجة أخرى ان الرجولة والشهامة تقتضيان بالوفاء لها الى أن تغمض عينيها بسلام وتودّعك راضية عنك كل الرضا مطمئنة الى مصير ابنائها.

انها تنتظر منك الذي تنتظره منها الوفاء الوفاء يا سيدي.

 


[163] جريدة اطلاعات 25 دى 1350.
[164] المصدر السابق 26 شهريور 1348.