الحماة أُم أَم عفريت؟!!

الحماة أُم أَم عفريت؟!!

 

من مشكلات الحياة الزوجية والتي تؤدي الى الطلاق والى أسوأ منه في بعض الأحيان هي تدخلات الحماة بمناسبة وغير مناسبة، وهي تدخلات غالباً ما ستكون سلبية.

عادة ما تطمح الأم (أم الفتاة) الى أن يكون زوج ابنتها شاباً مثالياً في كل شيء، أي لا نقص فيه ولا عيب، وينطوي على كل الصفات الي تطمح اليها حسب تصوّراتها طبعاً.

وعندما يأتي ابن الحلال، وتظن الأم أن هذا الشاب هو ضالّتها وتتم الموافقة على الخطوبة والزواج تتصرف بطريقة فيها الكثير من الاحترام والتقدير والمودّة..

وقد تهمس في نفسها في حالة وجود عيب ما انها سوف تقوم بنفسها باصلاحه فيما بعد.

ولكن ما أن يتم الزواج وتضع الحياة الزوجية الجميع على المحك فتظهر الحقائق جميعاً وتظهر معها العيوب تبدأ مرحلة جديدة.. مرحلة تدخل الحماة ومن ثم حماية ابنتها كما تعتقد الى انتقاد عيوب صهرها.

ربّما تبدأ الأمور في إطار نصيحة هادئة أو تتخذ شكلاً من اشكال الانتقاد المرّ، وربّما تظهر في حالة أسف وندم من هذه الزيجة.

ويتناسب حجم التدخلات مع درجة اصغاء الفتاة الى أمّها وانقيادها لها.


وهنا تستحيل العروس الى سلاح تستخدمه الحماة ضد صهرها.. فأي موقف تتخذه الزوجة أو أي تصرّف تقوم به تجاه زوجها فهو في واقع الأمر يمثل موقف الحماة من صهرها الجديد.

وعادة ما تنخدع الفتاة بسبب ايمانها الكامل بان أمها تريد لها الخير وانها تتحرّق من أجلها وفي سبيل سعادتها.

وتبقى الأمور في مستوى عادي لو صادقت الحماة صهراً ينصت الى أوامر حماته أو يتقبلها على مضض من أجل ارضاء زوجته.

ولكن الوضع يكون متأزماً لو رفض الصهر هذه التدخلات جملة وتفصيلاً، أو اتخذ موقفاً سلبياً انفعالياً يدفع بزوجته الى تأخذ جانب أمها!

ولعل مساحة واسعة من هموم الأزواج تعود الى تدخلات الحماة في حياتهم الزوجية..

يقول (جواد. م): حماتي عفريت من الجن.. حيّة أم رأسين.. لقد اسودّت علي الدنيا بسببها، بل اني أقف على حافة الجنون.. كم مرّة فكرت بالفرار.. أنا لست وحدي الذي اتعذب وبسبب هذه العفاريت.. هناك الكثير من امثالي.. ربما يوجد 95% من بين المتزوجين يعيشون نفس مأساتي!

ويقول: (محمد. ف): حماتي تتدخل في شؤوننا أنا وزوجتي.. تسبب لنا المشاكل، وربما نتشاجر من وراء ذلك.. تغتابني في كل مكان.. وكلما اشتريت هدية الى زوجتي انتقدت ذلك مرّة بسبب الموضة، وأخرى من أجل اللون! وهدفها دائما أن تظهر تفاهة ما اشتريه.

أما (پرويز. ك) فيقول: ثلاث مرّات وقفت على أبواب الطلاق.. انها تنفث سمومها كالعقرب.. تلقّن ابنتها كل ما هو سيء.. تعلّمها كيف تهينني، أو تهمل أعمال المنزل كلما جاءت لزيارة ابنتها يستحيل البيت الى جحيم لا يطاق؛ لهذا
لا أطيق رؤيتها أبداً[208].

كثير من الأزواج يعيش هاجس الحماة.. كيف يمكن الحدّ من نفوذها على ابنتها؟ كيف يمكن الحد من تدخلاتها أو قطع هذه التدخلات؟

وغالباً ما يعمد الازواج الى منع زوجاتهم من زيارة الأهل لأنهم يتوجسون من تلك اللقاءات (الخطيرة) بين الأم وابنتها.

كما يقف بعضهم مواقف متشنجة من الحماة بغية الحد من زيارتها لهم.. فترى أحدهم يتجهم كلما رآها أو يقابلها بفتور واهمال! وربّما اعترض أحدهم صراحة على تدخلاتها في شؤونه الخاصّة!

وهذه الظاهرة وان كانت سائدة تقريباً ولكنها لا تمثل طريقاً عقلائياً أبداً.. لأن التصرّفات المتشنجة عادة ما تسفر عن نتائج سلبية..

ثم كيف يتوقع الرجل أن تتخلى زوجته عن أمّها وقد نشأت في احضانها، ورضعت من ثديها اللبن ومن قلبها الحنان؟!

ولا ينتظر الزوج في كل الأحوال أن تقوم زوجته بقطع علاقتها مع أهلها لأن مطلباً كهذا محرج للغاية وقد يدفع بالزوجة الى اتخاذ موقف معاكس.

وربّما ترد الزوجة بانتهاج اسلوب مشابه لاسلوب زوجها ازاء اهله.

كما انه من المستحيل عملياً أن يسيطر الرجل على الوضع ويراقب اتصالات زوجته بأهلها بمختلف الوسائل، وفي هذا اضرار لا يمكن حسبانها.

وقد تصل ضغوط الزوج حدّاً يدفع بالمرأة الى الاقدام على عمل جنوني كالانتحار وربّما القتل.

وقد ذكرت الشرطة الهندية حالات انتحار سببها الحماة، وقعت في العام
الماضي[209].

كما قام رجل برمي قدر من الطعام يفور بالمرق على حماته!

ونقلت الحماة الى المستشفى على الفور، وفي المستشفى قررت الزوجة التي كانت ترافق أمها طلب الطلاق لأنها لن تعيش مع زوجها أبداً[210].

من هنا يمكن أن نستنتج عدم عقلانية هذه التصرّفات، كما يجب إلاّ نتوهم بعدم وجود طريق للحلّ سنشير اليه بعد اثارة نقطتين ضروريتين:

ـ من المؤكد إن الحماة ليست عدوّة لصهرها بالضرورة، بل ان حرصها على ابنتها وسعيها لتأمين سعادتها أمر بديهي، وعادة ما يلمس الصهر مثل هذه النوايا تجاهه هو شخصياً لأنه يشعر بأن نظرتها اليه هي نظرة أم لأنه شريك ابنتها في الحياة.

فإذا ما تدخلت في حياتهما الزوجية، فلأنها تريد الخير لابنتها وصهرها ومن غير المنطقي ان نتهمها بأنها تسعى لهدم الأسرة الجديدة.

وتبقى هنا مساحة لمناقشة اسلوب التدخل والطريقة التي تظهر بها الحماة في طريق الحياة الزوجية لابنتها وصهرها ونوع التدخل الذي تقوم به.

واذن يجب مناقشة هذا التدخل بروح بعيدة عن التشاؤوم والاحكام المسبّقة.

ـ ان العلاقة بين الام وابنتها أو ابنها هي علاقة طبيعية، علاقة رحم وعلاقة عاطفية وثيقة الصلة جداً، ومن المستحيل قطعها بل ان السعي لقطع هكذا علاقة يعدّ عملاً لا أخلاقياً ليس له ما يبرره أبداً.


من حق الزوج أن يتردد على أهله ومن حق الزوجة أن تزور أهلها، وأي تصرّف يسيء الى هذه العلاقات سوف يعود بالضرر على الحياة الزوجية وينغص العيش على الزوجين ويحرمهما زمن السعادة.

وفي ضوء هاتين النقطتين فان طريق الحلّ معاشرة الجميع بالتي هي أحسن واقامة علاقات طيبية وصميمية تشيع روح الثقة والمحبة وتعزز من الأواصر العائلية.

ومن المؤكد ان الزوج وكذا الزوجة اذا ما صغيا الى نصائح الأهل واذا ما استمعا الى اشاداتهم فلن يعدما شيئاً مفيداً لأن تجارب الآخرين مفيدة في كل الأحوال.

وفي حالة وجود اقتراحات بشخص الزوج انها تضرّ بأسرته فانه يمكن أن يواجه ذلك باسلوب هادى‏ء يتسم بالمرونة ويحاول إما اقناع حماته مثلاً أو اقناع زوجته ويترك لها الحوار مع أمها.

ان الحماة دائماً ليست كما صورها البعض عفريتاً من الجن لأننا لم نلمح الوجه الآخر من القمر حتى الآن أو الوجه الآخر من العملة كما يقولون.

فهناك علاقات طيبة تربط الحماة بصهرها كالتي يسجلها:

«منوجهر وهو يقول: حماتي ملاك رحمة.. انني احبها اكثر من أمي.. انها امرأة مثالية.. فهي أم رؤوم طيبة القلب.. لم تواجهني مشكلة إلاّ ورأيت عندها حلاً.. انها ضمان سعادتي الزوجية»[211].

نحن لا ننكر وجود حموات عنيدات وجاهلات في نفس الوقت يتعذر التفاهم معهن، كما يتعذر أيضاً منعهن من التدخل وابداء بعض الآراء السفيهة..


ولكن في كل الاحوال والظروف ينبغي التعامل معهن باسلوب بعيد عن العنف.. ان التعامل الأخلاقي والأدب اذا لم يضع حدّاً للتدخل فانه يخفف منه الى الدرجة التي يمكن إلاّ تشكل خطرا على الحياة الزوجية ويهدد الأمن العائلي.

وفي كل الحالات يعدّ التفاهم بين الزوج والزوجة حول هذه الظاهرة الضمان الوحيد لعدم حدوث أية مشكلة.

لأن اقناع الزوجة بخطورة الاصغاء دون قيد أو شرط لكل اقتراح وكلمة مسيئة لحياتها الجديدة، سوف يمنع من حدوث المشكلات الزوجية.

وليكن نصب أعيننا جميعاً ان الانسان يستطيع أن يكتسب الكثير الكثير من الأصدقاء بطريقة بسيطة، هي المحبة والمودّة واحترام الآخرين والتعامل معهم بالتي أحسن.

يقول الامام علي: «التودّدُ نصف العقل»[212].

ويقول أيضاً: «مقاربة الناس في أخلاقهم أمن من غوائلهم»[213].

كما روي عنه كذلك قوله: «ولِن لمن غالطك، فانه يوشك أن يلين لك»[214].

وروي أيضاً قوله عليه‌‏السلام: «عليكم بالتواصل والتباذل، وايّاكم والتدابر والتقاطع»[215].


[207] بحار الأنوار: 74/101.
[208] اطلاعات الاسبوعية العدد 1646.
[209] عام 1972م جريدة كيهان 15 فروردين 1352ه.ش.
[210] اطلاعات 14اسفند 1350.
[211] اطلاعات الاسبوعية العدد 1646.
[212] بحار الأنوار: 74/168.
[213] المصدر السابق.
[214] المصدر السابق.
[215] المصدر نفسه: 400.