وأنت أيضاً أيها السيد!

وأنت أيضاً أيها السيد!

 

قلما نجد انساناً تجتمع في شخصية كل الحسنات ومنزّه من كل نقص وعيب فالناس هكذا يمتازون بخصائص متفاوتة وأخلاق مختلفة.

فالقصير الى جانب الطويل والأسود في مقابل الابيض والاصفر والأسمر وترى أحدهم نحيفاً هزيلاً والآخر بديناً سمينا، وربما تصادف رائحة كريهة تنبعث من فم شخص.. وقد تشم رائحة منفرة من رجل.

هذا بخيل وذاك مبذّر يبعثر أمواله بلا حساب، هذا منطلق الوجه وذاك كئيب، نعم هذه نماذج نراها في كل مجتمع بشري لا يكاد يخلو منها مجتمع.

وإلاّ فأين الذي لا تجد في شخصه عيوباً؟!

يعيش الرجل هاجس الزواج في مخيلته صورة عن الفتاة التي يريد والخيال خصب كعادته ينحت تمثالاً جميلاً لامرأة هي فريدة العصر في جمالها ووحيدة الدهر في أخلاقها وصفاتها، ويجنح به الخيال حتى يرسم صورة ملائكية عن فتاة أحلامه..

وبطبيعة الحال فان وجوداً خارجياً لهذه الفتاة مستحيل فهو من وحي الخيال المجنّح!

ويتزوج الرجل ويرى زوجته عن قرب وكثب ثم يصدمه المصداق فأين هو عن تلك الصورة الملوّنة؟!

وتبدأ مرحلة جديدة يبدأها الرجل بالبحث عن العيوب ثم ينعى حظه
العاثر الذي ساق اليه هذا النصيب أو ساقه اليه.

وهو في كل هذ الفترة لاتراه إلاّ حانقاً لا تفوته الاشارة الى العيوب صغيرها وكبيرها، وقد يصل به الأمر أن يفتح هذا الملف الحساس أمام القاصي والداني غير مقدّر للعواقب لأنّ الذي يتحدث عنه هو انسان له كرامة وكيان وهويّة وليس سلعة اشتراها من السوق.

انه من حيث يدري ولا يدري يطعن قلباً ينبض بالعاطفة ويقتل حبّا طاهراً قبل أن تتفتح براعمه.

بل انه يوقظ كل الشرور النائمة في الأعماق واذا بالمرأة هي مصدر الحنان تستحيل الى نمر جريح يقاوم بشراسة... ولذا قد تسمع حواراً هو أقرب الى تبادل الشتائم:

ـ ياله من أنف يشبه الخرطوم!

ـ انظر الى نفسك والى قوامك المعوجّ.

ـ رائحة قدمك قاتلة.

ـ أغلق فمك العريض وشفتيك الغليظتين.

وهذا بطبيعة الحال هو مقدمة لما قد يحصل.. وما يحصل عادة يكون أنكى وآلم. وعندها سوف يغادر الحب منزلاً ينبغي أن يكون عشاً دافئاً.. إن هذه التصرفات اللامسؤولة لا تقود إلاّ الى نهاية سوداء هي الحياة الجهنمية والعذاب المتواصل والشجار المستمر وقد تنتهي بتدمير بيت الزوجية الذي قد ينقض فوق اطفال صغار هم الضحايا الأولى والأخيرة.

ومخطى‏ء من يتصور أن الطلاق يعيد كل شيء الى حاله الأول حتى لو لم يكن هناك اطفال وابناء.. لأن الزواج تجربة عاطفية يعيشها المرء بكل كيانه روحه ووجدانه، وهو عملية التحام.. ثم يأتي الطلاق الذي يحدث حالة من
التمزق النفسي لا يعرف مرارته وآلامه سوى المطلقين والمطلقات.

ولنفترض جدلاً أن الطلاق لم يحدث آثاره التخريبية المدمّرة وأنه وفر فرصة الزواج الثاني فمن أين يضمن المرء أنه سيحصل على النموذج الذي يرتضيه؟

ومن المعروف اجتماعياً أن المرأة لا تحبذ الزواج من رجل طلّق امرأته الأولى فهي تعيش نفس الهاجس: ان هذا الرجل لا يؤمن جانبه!

وربّما تزوّج الرجل ولكن من أين له أن يعرف أنها تفضل زوجته الأولى وعندها سيضطر الى التنازل كثيراً من أجل أن يتكيف مع الوضع الجديد الذي هو أسوأ بكثير من الأول.. وقد حدث أن رأينا بعض الذين تزوجوا امرأة ثانية بعد طلاق الأولى فطلقوا الثانية وعادوا الى الأولى.

سيدي اخلع نظارات التشاؤم من فضلك، فهي المسؤولة عن مشاهدة العيوب الصغيرة جداً وهي المسؤولة عن تهويل هذه العيوب..

وليكن في حسابك أن البحث عن العيوب وانتقاص الزوجة يشبه لعباً بالنار.. فلا تأمن عواقب ذلك وكن حذراً لأن مصيرك ومصير بيتك، وسعادتك يتوقف على سلوكك وليكن في عيوبك شغل عن عيوب الآخرين.. أو عندما ترى عيباً في زوجتك فلتكن نظراتك شاملة بحيث ترى فضائلها أيضاً حتى تغفر لها بعض صغار العيوب.

ان البحث عن العيوب امر لا يحبّذه الاسلام وينهى عنه بشدّة.