ادارة المنزل.. أمانة وتدبير

ادارة المنزل.. أمانة وتدبير

 

يتولّى الرجل مسؤولية تغطية نفقات الأسرة... إنه يسعى ليل نهار من أجل توفير دخل مناسب لاسرته.. فالموظف أو العامل وعندما يستلم مرتبه نهاية الشهر يقدمه على طبق الاخلاص لأسرته، انه عرق الجبين، وكدّ الايام وتعب الاعصاب؛ يتحول الى نقود من أجل انفاقها على زوجته وابنائه، وهو لا يفعل ذلك الاّ لأنه يحب اسرته.

ولكن في مقابل ذلك ينتظر تقديراً لجهوده وعرفاناً لكفاحه في ميادين الحياة.

ولذا فانه ما إن يرى زوجته لا تقدر ذلك، وتبعثر ثمار كدّه وتعبه في ما لا طائل من ورائه، وقد يضطره هذا التبذير الى الاقتراض فان ثقته في تدبير زوجته وسياستها في تمشية شؤون الاسرة سوف تتزعزع.

وعادة ما تترك هذه التصرفات آثاراً سيئة على حماس الرجل في العمل والسعي وقد تنتابه هواجس من قبيل تفكيره في نفسه فقط فينفق على نزهاته الخاصّة ما يحصل عليه من مرتّب مهملاً متطلبات اسرته، فيصبح فرداً أنانياً وربّ اسرة فاشل.

سيدتي!

عندما يثق زوجك بك ويسلّمك ما يحصل عليه من كدّ اليمين وعرق الجبين فلا يعني هذا انك مطلقة التصرّف تنفقين كيف ما تريدين!


يجب أن يكون هناك تفاهم حول مسألة الانفاق.. أنك لست صاحبة المال انك مجرّد أمينة عليه.. وهذه مسألة أخلاقية حساسة فأي تصرّف في الأموال دون رضا الزوج يعدّ خيانة.

يقول رسول الاسلام والانسانية محمد صلى‌‏الله‌‏عليه‌‏و‏آله‌‏وسلم:

«المرأة راعية على مالِ زوجها ومسئولة عنه»[232].

عن الامام الصادق عليه‌‏السلام قال: «خير نسائكم الطيّبة الريح، الطيّبة الطبيخ، التي اذا أنفقت أنفقت بمعروف، وإن أمسكت أمسكت بمعروف، فتلك عامل من عمّال اللّه‏ وعامل اللّه‏ لا يخيب ولا يندم»[233].

وسألت امرأة رسول اللّه‏ صلى‌‏الله‌‏عليه‌‏و‏آله‌‏وسلم عن حق الرجل على زوجته فأجاب:

«تطيعه ولا تعصيه ولا تتصدّق من بيته بشيء الا بإذنه»[234].

كما روي عنه صلى‌‏الله‌‏عليه‌‏و‏آله‌‏وسلم قوله:

«أعظم النساء بركة أيسرهنَّ مؤنة»[235].

ان البيت وان كان صغيراً في ساحته ولكنّه مملكة واسعة الأرجاء ونعمة الهية كبرى أنعمها اللّه‏ سبحانه على الرجل والمرأة عندما يكون زوجين متحابّين يقف أحدهما الى جانب الآخر، ويأخذ بيده ويمضيان في الطريق.. طريق الحياة..

وما بيت الزوجية الاّ قارب يشق عباب الحياة.. ربّانه الرجل وتساعده امرأته ويشتركان معاً في المضي صوب شاطى‏ء السعادة.


البيت واحة وارفه الظلال في لهيب الحياة..

أجل.. الكفاح في ميادين العمل سعي وجهاد وجهد جهيد، وعندما يعود الرجل الى البيت يحلم بتلك اللحظات التي يلتقط فيها أنفاسه ويستريح من عناء العمل.

والبيت أيضاً مدرسة الأبناء... تتبلور فيه شخصياتهم ويتعلّمون فيه ألف باء الحياة.. ينتهلون في ظلاله ثقافتهم فإن كان البيت دافئاً تخرجوا منه دافئين طيبين وإن كان هادئاً ولجوا الحياة الاجتماعية في بحر الحياة خيّرين ينشدون الخير والصلاح لمجتمعهم وامتهم.

ولو كان البيت لا سمح اللّه‏ خاوياً على عروشه مقفراً من كل خفقة حب ونسمة حياة طاهرة.. خرجوا الى المجتمع اناساً يعانون من ضغط العقد النفسية.

إنّ البيت والأسرة هي المنطلق والقاعدة التي تحدد نوع الأفراد في المجتمع الانساني.

وتتحمّل الأم مسؤولية كبرى في تربية الابناء وما أجمل قول الشاعر:


الأم مدرسة اذا اعددتها

اعددت شعباً طيب الأعراق

 

ان ربة البيت ليست امرأة عاطلة.. انها مديرة ادارية من الطراز الأول ومدرّسة تعلّم ابناءها ألف باء الحياة.. ومعلّمة أخلاق ترضع اطفالها لبناً مفمعاً بالحنان والخُلق من أجل هذا قال رسول اللّه‏ صلى‌‏الله‌‏عليه‌‏و‏آله‌‏وسلم

«الجنة تحت أقدام الامهات».

ان السيدات المتعلمات يتحملن مسؤولية اكبر من غيرهن لأن عليهن أن يثبتن للآخرين ان طلب العلم لن يؤثر أبداً على دور المرأة كربّة بيت، بل ان العلم والثقافة سوف يسهم في صنع مجتمع أفضل من خلال تربية أبناء صالحين.


وانها لذريعة غير منطقية أن تتعلّل المرأة وتتأخر في أداء الاعمال المنزلية بحجة أنها متعلّمة..

لأن العلم ليس هدفاً بل هو وسيلة من أجل حياة أفضل، ولذا فإن المرأة المتعلّمة ينبغي أن تكون ربّة بيت ناجحة تعرف كيف تصون أسرتها زوجاً وابناءً من كل ما يسيء الى العلاقات العائلية ويعرّض دف‏ء الحياة الأسرية للخطر.

وهذه حكاية طريفة نسوقها من أروقة المحاكم:

يقول الرجل وهو يدافع عن نفسه:

ـ «زوجتي لا تكاد تفعل شيئاً في البيت.. لا طبخ ولا غسيل ولا ترتيب لأثاث البيت وحجتها أنها تخرجت من الثانوية وحصلت على شهادة «الدبلوم»[236].

وطالما سمعتها تقول: الغسيل والطبخ ليس من شأن خريجة الثانوية.. طلقني اذا شئت وتزوج من خادمة!

من أجل هذا دعوت بعض الأقارب الى تناول العشاء وعلى الخوان وضعت شهادة الثانوية التي تعود لزوجتي وقلت للمدعوين:

ـ عفواً ايها الاقرباء.. أرجوكم تناولوا من العشاء الذي تقدمه لي زوجتي كل ليلة»[237].

وفي كل الاحوال ان البيت هو مملكة المرأة وعالمها الجميل حيث تستحيل المرأة فيه الى فنّانة من خلال ذوقها وصنع ديكور المنزل بطريقة تجعله جنّة للرجل والأبناء.


ولا بأس أن نستمع الى بعض السيدات في آرائهن في هذا الموضوع:

تعتقد السيدة م. ألف: إنّ ربة البيت الحقيقية تلك التي تنسجم مع مستوى الزوج المعاشي وتتحرك وفق سياسية لا افراط ولا تفريط.

ربّة البيت الحقيقة تلك المرأة التي تعي ظروف زوجها الاقتصادية فتدبّر شؤون المنزل وفق ذلك بحيث لا يضطر زوجها الى الاقتراض بل ويمكنها التوفير أيضاً...

وامرأة بهذه المواصفات هي سيدة بكل معنى الكلمة.

وتقول السيدة فريدة نوروز شميراني وهي تحمل شهادة بكالوريوس.. إنّ السيدة الحقيقية هي المرأة التي لا تكون زوجة مثالية بل وأمّاً لابنائها وجارةً طيبة لجيرانها، ومضيافة لمن يطرق بابها ويزورها.

وتقول السيدة فصيحي (طبيبة اطفال):

ان السيدة الحقيقة تلك المرأة التي تعمل في منزلها وتسهر من أجل راحة زوجها وصحة اطفالها.

وتقول صغرى يكتا المشرفة الفنية في كليّة الطب: السيدة الحقيقية هي المرأة التي تقف الى جانب زوجها دائماً وتتقاسم معه هموم الحياة، وتفعل المستحيل من اجل صنع بيت دافئ لزوجها.

وتقول السيدة ايران نعيمي: السيدة الحقيقية هي من تعرض عن كماليات الحياة وتهتم بما يحفظ لاسرتها حياة هانئة[238].

 

[232] مستدرك الوسائل: 2/550.
[233] وسائل الشيعة: 14/15.
[234] البحار: 103/248.
[235] مستدرك الوسائل: 2/532.
[236] تمنح شهادة الدبلوم في ايران لخريجي المرحلة الثانوية أو الاعدادية المترجم.
[237] جريدة اطلاعات 3 آذر 1350.
[238] المصدر السابق 28 فروردين 1315.