مقالات نور الهدى

مقالات نور الهدى

 

لماذا رفضَته زوجاً؟

 

كان شاباً مناسباً من كل الوجوه، يشغل منصباً مرموقاً، سمعته طيبة، وأسرته معروفة بحسن الخلق ومراعاة حقوق الجيران، ولم تكن لديه مشكلة مادية، كما أن شكله مقبول، ولذلك كانت دهشتي عميقة حين رفضت ابنة أختي الارتباط به عندما تقدم لخطبتها، ولم تصرّح بالسبب!

كنت أعرف عنها الدماثة وحفظ السر ودقة الاختيار، وأيضاً عدم وجود موانع للزواج لديها، فقد أنهت دراستها ولا تعمل، وهي ربة بيت ممتازة، نظيفة ومنظمة وجميلة جداً.

زادت دهشتي حينما سألتها عن السبب، فأصرت على صمتها وتحت إلحاحي قالت: أليست لي حرية الاختيار؟ ردّت أختي بحدة: نعم ولكن في حدود إنه شاب لا غبار عليه، متمسّك بك وحصيلة تحرِّينا عنه مشجعة، ملتزم ولبق ومتقدم في عمله، باختصار ليس هناك سبب لرفضه على الأقل لكي يقتنع به حين نخبره برأيك.

لم ترد، ولكنها أمام حدة أمها قالت: أرجوك يا أمي لا تضغطي عليَّ، وإن كان هذا الشاب ملتزماً حقاً فلن يسأل عن سبب الرفض، وإن ألحَّ فليكن السبب عدم قبولي له، والزواج إيجاب وقبول، ودخلت حجرتها مختنقة بعبرتها.


كان منطقياً أن ترفضه لهذا السبب، ولكن لم يكن بكاؤها مفهوماً! ولذلك لحقت بها في حجرتها، وربتُّ على ظهرها وقلت لها: أسرّي إلىَّ وحدي يا حبيبتي بما لديك، ولنتناقش، ربما وجدنا حلاً أفضل من الرفض، نظرت إليَّ بحيرة، ولكن ابتسامتي المشجعة، وملامحي المنصتة جعلتها تتحدث، قالت: يا خالتي هذا الشاب يمكن أن يكون فرصة عظيمة لأية فتاة، فهو ذو مميزات عديدة كما تقولون، ولكن به عيباً قد ترونه تافهاً، ولكنه بالنسبة لي جوهري جداً، قبل أن أسألها عنه.. قالت ببط‏ء: أظافره، أسنانه، حذاؤه!

داعبتها: مالهم؟ هل كان بلا أسنان؟ أم يضع طلاء أظافر؟ أم لا يرتدي حذاء؟ لم تبتسم وأردفت: لا، ولكن أسنانه غير نظيفة وأظافره ليست مقلّمة وحذاؤه صار رمادياً من كثرة ما تراكم عليه من تراب، والإنسان عندما يتقدم لخطبة فتاة يكون في أحسن حالاته من حيث المظهر، وإذا كانت هذه هي أحسن حالاته فما بالنا بالأسوأ يا خالتي: الالتزام لا يتجزأ والنظافة سلوك إسلامي ليس مظهرياً فقط، إنه إعلان للعقيدة، وشعار لها، وإلاّ لما كان الوضوء وغسل الجنابة ـ أيضاً ـ فريضة والأغسال المتعددة سنناً مؤكدة، ولما كان تقليم الأظافر من سنن الفطرة، والسواك أقرب إلى السنة المؤكدة، فقد كاد رسول اللّه‏ صلى‌‏الله‌‏عليه‌‏و‏آله‌‏وسلم يأمرنا به كل صلاة لولا أنه أشفق علينا.

إن عدم الاهتمام بالنظافة نقص في العقيدة وأنا لا أريد أن أغامر بحياتي بارتباطي بإنسان لديه نقص في العقيدة!

صمتت وهي تنظر إليَّ وكأنها تتوقع أن أناقشها،ـ أو أقلل من أهمية السبب الذي ذكرته، ولكنني لم أفعل بل تأملتها بحب، وقلت بلهجة فخور: أكملك اللّه‏ بعقلك وغادرت الحجرة.

في بيتي ظللت أفكر في كلام ابنة أختي وأقلبه على كل وجوهه، وجدتني أمام
مشكلة إن لم تكن مأساة إسلامية، فبعض المسلمين لا يهتمون بالنظافة ولا تمثل عندهم أولوية، فنجدهم حريصين على صلاة الجماعة ولكن بلحى غير مهذبة، ورؤوس شعث وجلابيب كادت ياقاتها تشكو من كثرة ما تراكم عليها من أوساخ، ونجدهن عابدات متنفلات، ولكن بعباءات مبقعة، وخمارات لم يطلها الماء منذ اشترينها، وبيوت غارقة في الفوضى والقذارة، وأطفال لا يعرفون الاستحمام إلاّ لماماً، وأزواج مساكين ينفر زملاؤهم في العمل من رائحة ملابسهم!

وانتقلت بفكري إلى الجانب الآخر من العالم فرأيت حضارة مادية علمانية، وبشراً يرون في النظافة قيمة إنسانية وصحية، ويهتمون بها برؤية مظهرية، فلا يغتسلون من الجنابة، ولكنهم في بيوتهم مهندمون، طيبو الرائحة وفي خارجها حسنو المظهر، منسقو الملابس، نظيفو الأسنان والأظافر والأحذية.

التمست لابنة أختي العذر ـ رغم أنني تساءلت هل كان من الممكن أن يتغير هذا الشاب لو صارحته هي بعيوبه أم أن عدم اهتمامه بالنظافة صار سلوكاً لصيقاً به تربى عليه، وتكيف معه وصار صعباً عليه أن يكون نظيفاً كما هو صعب على من يحب النظافة أن يتحمّل القذارة، عذرتها لأن الإسلام أمر الرجل بالتزين لامرأته كما أمرها بالتزين له، ولأن «النظافة من الايمان» لم يحدد كم يشكل خلق النظافة من مساحة عالم الإيمان الرحب؟

ولكن أياً كانت مكانة النظافة داخل دائرة الايمان، فإنها إحدى شعبه وبعض الدليل على وثاقة الدين، وبرهان واضح على انتماء المسلم واهتمامه بأمر المسلمين وتعففه عن أن يؤذيهم بمظهر غير نظيف.

نعم.. عاقلة هي ابنة أختي، وبعيدة النظر، وليت فتياتنا يكن مثلها، ولا يقيّمن من يتقدمون لهن بمعايير الدين وحده أو اليسر المادي، أو الرقي المنصبي، أو الحسب الأسري، بل يتأملنهم من الرأس إلى القدم، ويوظفن رخصة النظر ليكتشفن
أخلاقهم، فالنظافة خلق والدين والخلق لا ينفصلان، كما أكد من لا ينطق عن الهوى، وهو يلخص معايير الزوج الصالح، ويتركها عامة بلا تعريف.. دينه وخلقه.. لتتسع لكل ما ينم عن التدين من حسن خلق. من أسمى درجات الأخلاق، وحتى نظافة الحذاء.

 

شيء من العقل

 

عاد زوجي من عمله مهموماً، قبّل الصغار بلا روح، تناول طعامه شارداً، وأخبرتني ملامحه أن هناك حواراً يدور داخله، فقد كان يقطّب جبينه تارة، ويهز رأسه أخرى، ويسبح اللّه‏ ثم يعود إلى شروده.

سألته عما به، فقال باندهاش شديد: تصوري عبداللّه‏ صديقي وزميل العمل طلق امرأته بالأمس، وصمت لتنتقل عدوى الدهشة إليَّ، فقد كنت أظن وغيري كثيرون وكثيرات من معارف أسرة عبداللّه‏ أنه أسعد الأزواج، فزوجه امرأة جميلة، طيبة، مطيعة، وقد رزقهما اللّه‏ طفلين جميلين، فماذا إذن ينقصه؟!

لقد كنت أداعب صفاء ـ زوج عبداللّه‏ ـ فأقول لها: ألا تجيدين سوى إجادة الموافقة، فتقول بطيبة شديدة: يبدو أن رأسي مبرمجة إلى أسفل لا إلى اليمين أو اليسار، وتستوعب ملاحظتي بحب وسماحة شديدين، هكذا كانت صفاء لا ترد لزوجها طلباً، ولا تراجع له رأياً، ولا تناقشه في قرار، يقول فتسمع، يأمر فتطيع، يقرّر فتوافق.

ويتراجع في قرار فلا تعترض، وكم زها بها وامتدحها، وأوغر صدر زملائه ممن رزقوا بنساء مجادلات.

كان زملاؤه ومنهم زوجي يغبطونه، وكم أعلن ذلك زوجي حينما كان النقاش
بيننا يحتدم حول شأن ما فيقول: يا بختك يا عبداللّه‏، زوجك نسمة هادئة، وزوجي ويصمت، فأتكلّم وأنا أدعي الغضب: ريح عاصفة أليس كذلك، يا أستاذ زوجك لها عقل، وتفكر، واحمد اللّه‏ أنك تجد من تتكلم معه بدلاً من أن تحادث نفسك حتى تجن!

هكذا كان إيثاري للحوار مع زوجي على الموافقة المستمرة بدون أن يكون ذلك على حساب حقه في اتخاذ القرار النهائي، يسوؤه ويزعجه، فلم طلق عبداللّه‏ زوجه إذا كانت مختلفة عني وعن كثيرات غيري وتتمتع بشخصية موافقة لينة طائعة؟

أتعبني التساؤل ورثيت لحال صفاء والطفلين نقلت مشاعري إلى زوجي فقال: أنا مثلك لا أدري سبباً لما حدث، وعندما ألتقي عبداللّه‏ سأستفسر عنه ولعلني أستطيع إصلاح ذات البين، وسألني: وأنت ألن تفعلي شيئاً، قلت: أملهني حتى تقابل صديقك وبعدها أزور صفاء، واللّه‏ يفعل ما يشاء.

بعد أيام جاءني زوجي وهو يضرب كفاً بكف ويقول: سبحان اللّه‏ يبدو أننا لم نغبط صديقنا ـ فقط ـ لقد حسدناه، ونظر إليَّ مندهشاً وأردف: عرفت من عبداللّه‏ أنه طلق زوجه لأنها لا تستطيع أن تقول: لا، وعندما أبديت تعجبي قال يا أخي: أنا بشر وأحب أن أعيش مع بشر مثلي، صحيح هي طيبة، وربة بيت ماهرة وذات أصل خيّر، ولكنها تشعرني دائماً بأنني أعيش وحدي، وأفكر لنفسي بنفسي، ولا يشاركني أحد رأياً أو يناقشني في أمر، في بداية الزواج سعدت بموافقتها المستمرة وظننتها ميزة، ولكن بمرور الوقت بدأت أضيق بحالها خاصة عندما كنت أريد أن أناقشها في شأن خاص فأجدها توافق على كل ما أقوله حتى لو كان متناقضاً، ولا تردد سوى جملة واحدة طوال حديثي إليها: الرأي رأيك، أنت أدرى.

نبهتها إلى ما يضايقني فاستغربت وقالت: ألم تقل لي ايام خطبتنا: إن المرأة الصالحة هي الموافقة، نقلت الكرة إلى ملعبي، واستطردت: ثم إنني لم أر أمي يوماً ما
تخالف أبي، وقد عاش ومات ولم يذكرها إلاّ بالخير، فلماذا تتضايق أنت مني؟ وانخرطت في بكاء أشعرني بالخجل، وحاولت التحمل ومراجعتها أكثر من مرة فلم تتغير، تصوَّر لقد حدثتها في الطلاق بغرض التهديد لعلها تشعر بالخطر فقالت بهدوء شديد: إذا كان هذا يريحك فافعل ما يرضيك ولكن أستحلفك باللّه‏ اترك لي الولد والبنت.

شعرت نحوها بإشفاق شديد وفكرت في الزواج ولكنني رأيت أن أسرحها بالمعروف، فربما وجدت زوجاً يرضيه طاعتها العمياء، وتم الطلاق بهدوء برغم اندهاش عائلتي وعائلتها، والواقع أنني ممزق بين إحساسي بأنني قد ظلمتها وعجزي عن تحمل حياتي معها، ترى هل سيخلفني اللّه‏ خيراً أو سيعاقبني؟

ونظر إليَّ زوجي وسألني: في رأيك بم كنت أجيبه؟ إنني مشفق عليه وعليها وليس لدي ما اقوله له.

شعرت بكمد شديد وبنقمة أشد على تراث تربوي ورجال، تراث صورة المرأة المثالية فيه مرسومة بمداد السلبية وإلغاء العقل، ورجال يجدون في هذه الصورة المشوهة ساحة لممارسة رجولتهم المغلوطة التي لا تنتعش إلاّ في ظل نساء خاملات.

وسألت زوجي: ماذا يعجب الرجال نموذج صفاء أم نموذجي أنا، والذي يجعلك تشعرني دائماً بالنقص وتضجر مني كلما حاورتك وتناقشت معك؟

لم يجبني، ولم أجد في قصة صديقتي الطيبة ما يرد لي اعتباري، بل شعرت بخطر شديد، وبأنني يمكن أن ألقى ذات مصيرها يوماً ما، هل أتغير وأصبح مثلها، فيرضى عني زوجي، أو أظل كما أنا وأعيش مهددة؟ غزتني الحيرة، ووجدت السكن في صورة الحبيب صلى‌‏الله‌‏عليه‌‏و‏آله‌‏وسلم وهو يبيت غاضباً حين تراجعه إحدى زوجاته، يغضب ولكنه لا يحرمها هذا الحق، يغضب ليس استعلاء على المرأة ولا تقديساً للرجل،
ولكن ربما إحساساً بوطأة المسئولية والأمانة ورغبة في ألا يزاحمها أعباء نسائية صغيرة.

عزمت على أن أزور صفاء وأنصحها بم اهتديت إليه بعد تفكير عميق ـ وربما استطعت أن أحافظ على استقراري الأسري ـ سأنصحها بأن تستخدم جزءاً من عقلها فقط، جزءاً مرناً يوافق مرة ويسأل أخرى، يقبل تارة ويحاور أخرى.

هي معادلة صعبة، ولكنها ليست مستحيلة، فالإسلام يأبى أن تنتسب إليه موافقات دوماً، أو مناكفات على طول الخط، بل واعيات يقفن على نقطة وسط بين نعم ولا، ويدركن متى يقلن كلاً منهما، ويتحلّين بطاعة مبصرة، مبصرة فقط، لا محدقة بجرأة، ووقاحة، وتبجّح!

جرحان!

كان الطلاق منذ عام ونصف ومع ذلك لم أر صديقتي منفعلة، غاضبة، نادمة مثلما كانت في ذلك اليوم، حين جائتني وارتمت على صدري وبكت، بكت ورأيتها واحدة أخرى غير تلك الفتاة الجميلة شديدة الاعتزاز بنفسها، ضنينة الدموع التي تخفي انفعالاتها وتبدو هادئة متماسكة في أقسى اللحظات، لاهية غير مكترثة مهما كانت مستفزة.

ولذلك توقعت أمراً جللاً، وظللت أسألها وهي منخرطة في البكاء عما بها، وأستفسر عن صحة أبيها المريض، وأخبار شقيقتها المسافرة مع زوجها، وشقيقها الذي أجرى عملية جراحية مؤخراً.

لم تجبني سوى بإشارات نفي لما خطر على بالي من احتمال إصابة أحد من أفراد أسرتها بمكروه!


ظلت الاحتمالات تتزاحم في رأسي حتى هدأت قليلاً وتكلمت، ولم تنطق سوى بجملة واحدة رأيته اليوم، سألتها من؟ فأجابت بصوت لا زال مختنقاً بالدموع، خطيبي السابق، وكان يركن سيارته أمام مطعم شهير مجاور للشركة التي أعمل بها، ورأيت زوجته وطفليه، أما هو فيبدو أنه لم يرني، فقد دخل إلى المطعم ولوّح لزوجته لتلحق به، فأشارت برأسها ولمحت وجهها الجميل وملابسها التي تبدو باهظة الثمن و...

قاطعتها وتساءلت بانزعاج واستنكار: ألهذا تبكين؟ ردت باستنكار أشد: وهل هذا شيء هين، مستقبلي ضاع وخسرت كل شيء، وربح هو كل شيء؟.

كان هذا آخر ما قالته قبل أن تغادرني وعيناها مختنقتان ووجهها شديد الذبول!

وتذكرت حكايتها الي انتهت بطلاق موجع تنازلت من أجله عن كل حقوقها، وكانت تبدو بعده سعيدة وكأنها تخلصت من عب‏ء ثقيل، لم ألمحها تبكي مرة واحدة بعد طلاقها الذي مضى عليه أكثر من عامين، واليوم بكت وكأنها كانت تدخر دموعها لتذرفها كلها دفعة واحدة.

كان خطيب صديقتي شاباً طموحاً جمعت أسرتيهما جيرة طويلة، وعندما تقدم لخطبتها وكان حديث التخرج أمامه مستقبل علمي مرموق بعد تعيينه معيداً بكليته ـ وافقت بلا تردد، وظلت تزهو بخطبتها له شهوراً قصيرة، وتتباهى بمهنته وثقافته، وبعد عام من الخطبة عرض عليها إتمام الزواج في شقة أسرته الواسعة حتى يستطيع تدبير سكن مستقل، رفضت رغم أن كل شقيقاته كن قد تزوجن وتوفي والده، ولم يكن هناك سوى أمه الطيبة التي يشهد لها الجميع بالتقوى وحسن الجوار.

كان رفضها حاداً مشفوعاً بعبارات جارحة قالتها لي وهي تحكي الموقف
بلهجة ساخرة وتتساءل: طالما هو ليس قادراً على شراء سكن مستقل وتأثيثه بشكل لائق، لماذا يطلب بنات الناس للزواج؟ نصحتها بالقبول وتحدثت معها عما ينتظر خطيبها في المستقبل إن شاء اللّه‏ من ارتقاء مهني، ورزق واسع لتخصصه النادر، وكفاءته العلمية، ضربت لها أمثلة بنماذج أعرفها وتعرفها هي كافحت وصبرت وتحملت قسوة الظروف حتى كافأها اللّه‏؛ لم تقتنع وسألتني: ولم التحمل؛ ولماذا أضيع شبابي في الكفاح والصبر والعيش في بيت قديم وليس في شقة لي وحدي لا تشاركني فيها عجوز مريضة؟ لا.. لا.. إن لم يكن لديه حل آخر فلديّ أنا الحل نصحتها بالتمهل وعدم اتخاذ أي قرار متعجل فوعدتني.

وعرفت بعد ذلك أنها فسخت خطبتها عندما أكد لها خاطبها أنه لن يستطيع تدبير مسكن مستقل قبل ثلاثة أعوام ناشدها أن تتحملها معه حتى يقدر اللّه‏ لهما الخير معها، رفضت وانتهت خطبتها، وتزوجت صديقتي بعدها بشهور من قريب لها كان مسافراً إلى دولة عربية، وكان الزواج سريعاً في شقة فاخرة وبأثاث أفخر، ولم يمض عامان حتى طلقت بعد خلافات عديدة، أرهقتني بتفاصيلها وكنت أراها خلافات عادية تحدث في كل بيت ولكنها لم تجد لها حلاً سوى الطلاق!

وكنت قد عرفت بعد فسخ خطبتها الأولى أن جارها خطب زميلة له، قبلت الزواج في بيت أسرته، وأنه يعمل في مكتب هندسي براتب مجز فترة مسائية بجوار عمله في الكلية، وقد فتح اللّه‏ عليه واراد شراء شقة فرفضت زوجته حتى لا يترك أمه وحدها، فاشترى سيارة، وحصل على الماجستير ويعد للدكتوراه، كل هذا عرفته وصديقتي متزوجة لم أقل لها شيئاً منه، ولكنها عرفته وحدها حين رأت خاطبها السابق وأسرته، وعرفت أن اللّه‏ عوضه خيراً عما سببته له من آلام الخذلان والتخلي، قطف هو الثمرة، ولم تجن هي سوى الشوك، عمل ففاز، وتعجلت فخسرت وحملت لقب «مطلقة» وهي لا زالت شابة استكثرت شبابها على الصبر ومساندة
شريك الحياة القادمة، فدفعته كله ثمناً لحرية مزعومة!

احترمت خاطبها قدر ما أشفقت عليها، وتخيلت حجم الندم الذي يسكنها فتمنيت لو حكت هي قصتها لكل فتاة تستثقل صعوبات البداية فتختار ما هو أثقل وتتخيل مرارة تحديات الاستمرار فتركن إلى ما هو أكثر مرارة.

رثيت لها وتيقنت أنها في ذلك اليوم ـ وفيه فقط ـ صار جرحها جرحين، وأن رؤيتها لخاطبها الهانى‏ء وزوجته الطيبة طعنتها في الصميم، فأيقظت فيها طعنة كانت تحاول مدارتها.. طعنة الطلاق!

 

مرافق بيوتنا.. والدولة الشاهدة

صوت خرير الماء من الصنبور المعطل يخترق أذني.. والثلاجة التي تجمد ما على الأرفف تحوّل طعامي إلى جليد صيفاً وشتاءً، والغسالة الخربة جعلت يدي أشبه بمصفاة من فرط ما أنهكها الغسيل اليدوي، والبالوعة الطافحة بالماء تجعل حمامي جزيرة أدخله بحذر، وكأنني أمشي على حبل في سيرك متجول!

أهي شكوى متكررة.. نعم!! وتلك الشكوى ـ للأسف ـ يضاعف مرارتها أزواج يتعاملون مع بيوتهم كفنادق للنوم والأكل، ويمثل مصروف البيت مقابل الإقامة في هذه الفنادق، ولذلك لا يعبأون «بمرافق» البيت المعطلة، ولا يكترثون بما تعانية الزوجات وهن يتعاملن طوال يومهن مع أجهزة تحتاج إلى إصلاح، وصنابير غير قابلة للغلق، ومفاتيح كهرباء تلسع من فرط حساسيتها، وتُعرَّض كل من يلمسها لخطر الموت صعقاً!

ويزيد العطب تفاقماً.. وتكاد الزوجة تشعر بأنها تتسول من زوجها الاهتمام، ليس الاهتمام العاطفي فحسب، بل الاهتمام «المنزلي» الاهتمام بتفقد أحوال شركة
الزواج، ومعاينة مرافقها وإصلاح ما يحتاج إلى إصلاح، وتغيير ما انتهى عمره الافتراضي!

كان هذا دأب الرسول في بيته، لم يكن يهتم بأثاثه فحسب؛ بل بما يخص زوجاته في هذا البيت، ولنتأمله ـ عليه الصلاة والسلام ـ يخيط ثوب عائشة بدأب واهتمام، وحين ينتهي من إصلاح تمزقه يريها إياه ويسألها عن رأيها، فتنهمر دموع امتنانها وهي ترد عليه بخجل: بأبي أنت وأمي يا رسول اللّه‏!

لنتأمل دلالات هذا الموقف الجميل.. إن الرسول الخاتم صلى‌‏الله‌‏عليه‌‏و‏آله‌‏وسلم، والذي خيّر زوجاته بين الحياة الدنيا وزينتها، وبين اللّه‏ ورسوله، فاخترن الأبقى ـ لا يستطيع شراء ثوب جديد لزوجه، فيعوض هذا بأن يصلح ثوبها المرتق، ولا يجد فيما يفعل ما يمس شخصه الكريم!

أين هذا السلوك مما يفعله بعض رجالنا حين يتجاهلون مطالب زوجاتهن مهما كانت واضحة ملحة.. ويتفننون في تسويفها وإرجائها.. ويتلذذون بإلحاح زوجاتهم عليهم لتلبيتها، ويعتبرون مطالبتهن بها تبجحاً وغفلة عن ظروف الزوج الاقتصادية.

كثير من الأزواج المسلمين يضطرون زوجاتهم لأن يشمّرن عن سواعدهن ويغامرن بمحاولة اصلاح المرافق الفاسدة في المنزل، وإما أن يصلحنه أو يزيدن الطين بلة، وينسون أن هذا الإهمال المتعمد أو العفوي من جانب الزوج يترك آثاره السلبية في نفس شريكته، فتشعر بضآلة أهميتها عنده، وتوقن أن راحتها لديه لا تساوي شيئاً، وأنه لا يكترث بما يسعدها.

فلماذا لا يقيس رجالنا صلاح بيوتهم العمراني بفقه الاستخلاف، وينظرون إلى هذه البيوت باعتبارها جزءاً من الأرض التي استخلفنا اللّه‏ عليها لإعمارها، ويعتبرون أن اهتمامهم بأحوال منازلهم ومرافقها تحقيقاً لبعض أهداف هذا
الاستخلاف، وإعانة للزوجة على ألا يكون كل تفكيرها منصرفاً إلى الإصلاحات المنزلية المؤجلة.

القضية ليست شكلية.. والمشكلة ليس سطحية، ولا شيء في أحوال بيوتنا المسلمة يصح أن ننظر إليه بسطحية، فهذه البيوت مقدمات للدولة الإسلامية، ولا نتائج مرضية على مقدمات فاسدة، وهذا لا يعني أن نصنع من الحبة قبة، بل أن نقف عندما يستحق الوقوف عنده، ونمرر ما يمكن أن يمرّر دون أن يمس أصلاً من الأصول.

مرافق بيوتنا الصالحة تعيننا على الطاعة، وتُيسَّر أمر أداء مهامنا المنزلية دون كلل، إنها وسيلة لغاية أعمق، وأقولها لكل أزواجنا المسلمين: يسروا لزوجاتكم الوسائل، وتعاونوا معهن على تحقيق الغايات تكتمل في حياتكم دوائر رائعة يسلم بعضها إلى بعض، وتصبح دولتنا الشاهدة متصلة بأصغر بيت في أبعد بقعة من عالمنا الإسلامي.

 

الصعود إلى أسفل

 

لم يكن هناك شيء يمكن أن يفسر نظرة التعاسة الدائمة في عينيها ـ أو نبرة صوتها الفاترة في أكثر المواقف مرحاً، حيث نجتمع في بيت إحدانا بشكل منتظم!

كانت صديقتي زوجة لرجل ناجح في عمله، وأمَّاً لأطفال متفوقين في دراساتهم، وكانت هي أيضاً طبيبة نابهة بدأت زواجها من الصفر، ثم تحسن حالهما فانتقلا إلى مسكن أوسع مؤثث بشكل فخم، وارتقت هي في عملها حتى صارت رئيسة لأحد أقسام المستشفى الذي تعمل به، وبدأت حياتهما تأخذ شكلاً منتظماً أكثر سعة ورقياً.. فماذا يحزنها إذن؟


كان السؤال يشغلني.. ولم أشعر يوما ما بأنني أريد أن أتطفل عليها، كل ما كنت أبغيه أن أشاركها وأخفف عنها، فقد كانت أقرب صديقاتي إليّ، وكثيراً ما شاطرتني همومي بحب، من دون أن تفشي ما كنت أخصها به من مشكلات بيتي وعملي.

وعندما سألتها: ماذا يشغلك؟ هزت رأسها بأسىً.. وترقرقت في عينيها دموع جاهدت لتخفيها، ثم قالت بصوت مختنق بالبكاء لا عليك، كل الناس لديهم همومهم، فلماذا أثقل عليك بهمي؟

ناشدتها أن تفضفض فقالت بحزن: كل الظواهر المحيطة بحياتي تؤكد أنني لابد أن أكون في منتهى السعادة: يسر مادي.. عمل راق.. ابناء يمرحون.. زوج مشهور في مجال عمله.. ولكنني لا أشعر بالهناء العائلي، وأتذكر ايام زواجي الأولى بحسرة، فقد كنت أهنأ برغم ضيق ذات اليد، وأسعد برغم عملي البسيط، وأرغد برغم نقودنا القليلة التي كنا نمرر بها الشهر بالكاد.. أتعرفين ماذا كان لدينا؟! أغلى من كل ما أنعم اللّه‏ به علينا حالياً!! لم تنتظر إجابتي واستطردت: الدف‏ء يا صديقتي والمشاركة، كنا نناقش جميع أمور حياتنا سوياً أدقها وأجلها، كان اجتماعنا على الطعام البسيط أسعد لحظات حياتنا..

اليوم صار كل منا داخل جزيرة نفسه مشغولاً بعمله وعلاقاته، وأصبحنا نلتقي كغريبين، ولا نجتمع أبداً إلى طعام لاختلاف مواعيد حضورنا إلى المنزل، ونتحدث باقتضاب، وكلانا ينظر في ساعته لكيلا يفوته موعد مهم، ويخفي هو عني ما يتعلق بعمله وأنا كذلك.

باختصار صارت حياتنا كالجليد.. وأنت تدركين طبعاً أن النقود والنجاح المهني لا يذيبان الجليد، فالثلج لا يذوب إلاّ بالحرارة التي غابت عن حياتنا بقدر ما حضرت فيها المظاهر البراقة الخادعة التي لا تصنع السعادة.


وتحدثت صديقتي عن محاولاتها لإعادة الروح إلى حياتها وفشلها الذي لم يزعج زوجها قط، بل كان يرى أن إصرارها على الصورة الرومانسية للزواج بلاهة وسفه، وأن الأمر الواقع يجب أن يفرض نفسه، ولذلك فلا عودة إلى الوراء!

وتنهدت وهي تقف استعداداً للانصراف: لقد صعد زوجي في عمله وصعدت، ولكنه للأسف كان صعوداً إلى أسفل.. أسفل درك الهناء الأسري الذي كان، وكانت ضريبة صعودنا باهظة جداً..ها.. هل عرفتِ سر شقائي؟

لم أرد عليها سوى بنظرة متسائلة عن سر السعادة وعن منبعها، ولماذا اختلف البشر في الإجابة عن هذا السؤال؟ وهل صار الزواج السعيد حلماً عسيراً وسط ضغوط الحياة المتزايدة أو أن السعادة الزوجية يمكن أن تكون عامل تخفيف لهذه الضغوط؟

ولماذا يكافح البعض ليرتقوا مادياً ومهنياً، فيجورون على بيوتهم التي كانت تشع سكناً ومودة ورحمة؟

هززت رأسي أنفي لنفسي هذا الترابط السلبي.. لابد أن الخطأ فينا وليس في المجتمع والظروف، فبيت النبوة لم تهدأ فيه حركة الكفاح الدعوي، ولم يخل يوماً من أعباء جسام، ومع ذلك لم تفارقه السعادة وكان اللّه‏ يعين رسوله صلى‌‏الله‌‏عليه‌‏و‏آله‌‏وسلم على حل ما يواجه هذا البيت المبارك من مشكلات عبر وحي السماء.

فمن يعد لنا روح الزواج الإسلامي؟ ومن يرد إلى بيوتنا دف‏ء المشاركة وروعة الحوار؟ ومتى يصبح النجاح المهني والمالي وسيلةً لا غاية تسقط أمامها باقي الغايات العليا، ومنها السعادة الزوجية التي لا يقدر روعتها إلاّ من حُرموا منها، حتى لو أُعطوا في مقابلها كل شيء.. وأي شيء؟!

 

الرقص على السلم!

 

فيم أحتاج الرجل؟.. كان هذا تساؤلها الذي تخرس به ألسنة كل من يسألونها عن سر عدم زواجها، على الرغم من بلوغها الثلاثين.. ولم تكن ألسنة المتسائلين تصمت اقتناعاً بردها ـ وإنما اندهاشاً واستنكاراً وإيثاراً للسلامة، فقد كان تساؤلها الساخر يأتي من فمها المفتوح عن نصف ابتسامة مستهزئة.. وبلهجة حادة زاعقة!

والمتأمل لحياة وطفولة ابنة أختي يدرك سبب رفضها الزواج، بالرغم من جمالها وثقافتها، وقد يلتمس لها العذر ويعاملها كضحية مجنيّ عليها، وربما ألقى باللوم على والديها، اللذين فشلا في إقناعها بالزواج، وقد كان من بين المتقدمين لها من لا يوجد سبب لرفضهم!

كان زوج أختي وحيد والديه، ويمتّ لأسرتنا بصلة قرابة بعيدة وطالما زارنا والداه ونحن أطفال وهو بصحبتهما، فكان يلعب مع اشقائي، ويتعرض لمقالبهم وسخريتهم منه؛ لفرط هدوئه وحيائه وصوته الخفيض الذي لا يكاد يسمع.

وعندما تقدم للزواج من أختي، قالت أمه لها: أتمنى لكما الهناء وأرجو أن «يخاوى اللّه‏ ابني من ظهره»، أي يرزقه ابناً من صلبه يكون بمثابة أخ له، وظلت حماة أختي طوال فترة حملها الأول تناديها  بأم محمد؛ حتى إذا أنجبت بنتاً اتخذت منها موقفاً عدائياً، وكأنها هي التي خلقت طفلتها، وفوجئت بموقف زوج شقيقتي، فقد أصر على أن يسمي ابنته اسماً مشتركاً بين الجنسين، ولم يشتر لها ملابس البنات إلاّ نادراً وتحت إلحاح شديد من أختي..

كان يعاملها منذ صغرها بجدية مبالغ فيها، ويضعها في مواقف صعبة ليختبر صلابتها، وعندما كانت أختي تلومه كان يرد عليها بحزن واضح: دعيني
أربيها على الاعتماد على نفسها، فليس هناك رجل تستند عليه! تشفق عليه زوجته، فتقول له بحب: أبقاك اللّه‏ لها، ويرد هو متنهداً: يا عالم!! وكثيراً ما ناقشه زوجي في أسلوب تربيته لابنته، ولكنه كان يصر أنه على صواب، لدرجة أنه أهدى ابنتي دمية كانت قد أُهديت لابنته بحجة أن الدمية لعبة رقيقة، وهو يفضل أن تلعب ابنته بالكرة والمسدس والألعاب النارية!

وظل أمر أبنة أختي يشغلني خاصة بعد أن تمادى أبوها في معاملته لها كصبي، إذ أنجب بعدها ثلاث بنات أخريات فزاد داخله اليقين بضرورة أن يجعل شقيقتهم الكبرى رجلهم البديل، ولم أشعر يوماً ما باستياء الابنة من معاملة أبيها، وكأنها كانت مهيأة لأن تصبح رجلاً لا فتاة؛ حتى عندما ارتدت الخمار قالت باسمة: بصراحة هذا الزي يوفر الوقت خاصة لمن لا يعشقن المرأة ولسن شغوفات بالتزين وتصفيف الشعر! وعلى العكس الابنة الكبرى كانت شقيقاتها رقيقات جداً فيهن سمت الأنوثة، فقد رباهن أبوهم على أنهن بنات بعد أن أقنع كبراهن بأنها رجل!

وشبت الابنة، وتخرجت في الجامعة، ثم التحقت بكلية الشرطة وسط مباركة أبيها لاتجاهها، وحزن شقيقتي التي لم تستطع أن تفعل شيئاً إزاء إصرار زوجها على موقفه، فاستعانت بالصبر، خاصة وقد لمست رضا ابنتها بما يفعله أبوها!.. أبعد كل هذا يمكن أن تُطمح هذه الفتاة الرجل إلى الزواج؟! أظن أن الاحتمال ضعيف جداً. فهي تشعر بأنها رجل. والرجل لا يتزوج رجلاً. والتكامل بين جنسين مختلفين هو محور حكمة الزواج، كما تفرد بها الاسلام، فلكل دوره ومهامه، وكلاهما يسد ثغرة ويؤدي مهمة، والاستغناء عن أحدهما، كسر لأحد جناحي المجتمع.. لازالت ابنة شقيقتي على رفضها، ولا زلت أشفق عليها وأحنق على أبيها، فخطؤه في حقها اغتال فطرتها، وجعلها مكتفية بذاتها، تعشق حريتها التي سيضبطها الزواج.. وترى
نفسها أقوى من أن تعتمد على رجل!.. إنها ثمرة فاسدة لشجرة زُرعت في غير أرضها، ونتيجة طبيعية لعدم الرضا بقضاء اللّه‏، ومحصلة بديهية لِلَيّ عنق الفطرة والحقيقية.. بناتنا بنات، ويجب أن يعاملن كما خلقهن اللّه‏، والمجتمع المسلم كفيل بحماية نسائه ـ إذا عُدَّ من الرجال! وإذا ربينا نساءنا على الاكتفاء بذواتهن انقطع إعمار الأرض وانشطر المجتمع إلى نصفين، نساء مسترجلات، ورجال منحرفين، وانطمست بينهما حكمة خلق البشر من جنسين مصدرهما نفس واحدة، زوّجها اللّه‏ ليبث منها البشر جميعاً، فلماذا نجرم في حق بناتنا ونحولهن إلى شبيهات رجال يرقصن على سلم الندم، فلا يصعدن إلى مرتقى الإسلام الرائع زوجات وأمهات، ولا يهبطن إلى مستنقع العداء الزائف للرجل وحيدات منبوذات؟!

 

رفقاً بالقوارير!!

 

هل لابد أن تكون النساء مطأطئات الرؤوس.. يحبسن أنفاسهن في حضور الأزواج.. وتتعالى دقات قلوبهن رهبة منهم واحتراماً لهم.. ويهرعن إلى تلبية طلباتهم بارتباك حتى لا يطول انتظارهم.. ويصمتن إذا تحدثوا مهما كان الحديث تافهاً.. يوافقن على كل ما يقولون مهما كان غير منطقي أو معقول؟

سؤال مركب يفرضه سلوك بعض الرجال في مجتمعنا ونظرتهم المتدنية للمرأة، ورؤيتهم المسبقة لواجبات الزوجة، وفهمهم القاصر للقوامة وللأسرة كمؤسسة إسلامية تمهد للمجتمع المسلم.

فكثير من بيوتنا أبوابها مغلقة على نساء ورجال يعيشون علاقات متوترة يحكمها الخوف والإحساس بعدم الأمان، ويسودها الشقاق وسوء الفهم، وأيضاً سوء الظن، وتُردد فيها الزوجات المثل الشعبي: «ظل رجل ولا ظل حائط» ويردد
عليهن الأزواج: اكسر لها ضلعاً يخرج لها آخر!».

ذلك أن نموذج المرأة المثالية في عرف الرجال هو المرأة الصامتة الخانعة الموافقة دوماً والتي تلغي عقلها؛ لأن عقل زوجها يكفي لإدارة البيت، وتحبس لسانها؛ لأنه لا صوت يعلو فوق صوت الزوج، وتضحي بكرامتها؛ لأن في «ذلِّها» لرجلها منتهى الكرامة!!

هذه المرأة مرفوضة في الرؤية الإسلامية؛ فنساء سلفنا الصالح لم يكن مجرّد دميات جميلات، أو رياحين يشمهن الرجال، وإنما كن شريكات في بناء المجتمع المسلم، وكن سنداً لرجاله وقدوة لأبنائه. كانت الواحدة منهن مؤسسة كاملة فعالة تدرك دورها، وتعي تماماً أن طاعتها لزوجها لا تعني إلغاء شخصيتها، وأن حسن تبعلها له لا يرادف تحولها إلى مجرد خيال ظل!

لماذا إذن نغلق بيوتنا على صور مشوهة وعلاقات ممسوخة؟

حكت لي إحدى الصديقات أن زوجها عندما يحضر إلى البيت لا يقبل أن يكون هناك صوت سوى صوته، وأنها تتفاهم معه بالإشارة، وإذا أخطأت مرة ونبست ببنت شفة عاجلها بنظرة تهديد يرتد بسببها لسانها إلى فمها متجمداً من الخوف، وأنه حين يثور ـ لأي سبب ـ لا يعطيها مصروف البيت، ويحبس نفسه في حجرته ويقيد حركة الأطفال الذين لا يُدركون مما يحدث شيئاً.

قالت أيضاً إنه غلَّ يدها عن كل شئون البيت ليديرها هو بمعرفته، حتى تحولت إلى مجرد خادمة تتلقى الأوامر من سيدها، ولم يعد من حقها حتى اختيار نوع الطعام الذي تطهوه لأسرتها، فهو الذي يحدده لها سلفاً كل يوم وبلهجة آمرة قبل أن يخرج إلى عمله!

سألتها على استحياء: ألم تشعري أبداً بأنه يحبك؟ فقالت بحسرة: طبعاً شعرت، ولكنه حب مادي لا يظهر إلاّ في أوقات بعينها، يعود بعدها إلى جفائه
وقسوته وكأنه مصاب بانفصام في الشخصية!

هذه الصديقة جامعية.. وقد عجزتْ عن تغيير نمط حياتها مع زوجها، فعاشته مرغمة لأجل عيون الصغار، ورضيت بالمال مقابل الهناء والمشاركة، فتحولت إلى إنسان آلي يتحرك بدقة وتلقائية حتى يظل البيت مفتوحاً ولا يجوع الأطفال أو يتعروا.

نموذج زوج صديقتي ـ للأسف ـ متكرر وإن كان هناك بعض الرجال الذين يدركون ما للمرأة من قدر ومكانة، ويتعاملون معها كما أراد لها اللّه‏ أن تعامل، ويحترمون عقلها وآراءها ـ ويفهمون القوامة فهماً شاملاً عميقاً.. يفهمونها كتكليف ومسئولية لا كتشريف وتسلّط، ويعرفون أن الزواج السعيد هو الزواج الآمن الذي تشعر المرأة في كنفه بالاطمئنان، ولا تخشى الغد، ولا تنظر إلى زوجها كعدو خفي تتحسب ضد غدره في أية لحظة!

لذلك.. نريد من رجالنا أن يكونوا أرباب أسر صحيحة البنيان.. يشاورون النساء ليستأنسوا برأيهن لا ليخالفوهن.. ويستمعون لهن ليستفيدوا لا ليسفِّهوا ويسخروا من قدراتهن، ويأمرونهن في إطار الحق والرحمة لا ليتسلطوا ويقهروا عليهن، ويدركون أن نقصان العقل ليس حكماً بالموات المعنوي على النساء وإنما هو رحمة إلهية بهن..

فلماذا يكون حجة لبعض الرجال في القسوة على نسائهن، وكيف يسعد رجل مسلم سوي عاقل بأنه تكون شريكة حياته وأم أبنائه وحاملة اسمه والبضعة من نفسه كياناً خائفاً مذعوراً يخشى إن تحدث أن يُتهم بالبجاحة وقلة الأدب، فيصمت مرغماً. البيت السعيد قوامها شركاء، وقلوب متضافرة وعقول متحاورة.. ولا يمكن أن تقوم لها قائمة على رجال.. وآلات!

 



العسل الغائب

 

هل يمكن أن ينبت الحرث في البحر زرعاً؟! وهل يمكن أن نصيد من الصحراوات القفار سمكاً؟!

سؤال غريب.. أو مجنون ـ أليس كذلك؟ ولكنه سؤال يتردد بصيغ عديدة في بيوت كثيرة يعيش فيها أصحابها مدفوعين بالأمر الواقع، مجبرين لأجل عيون الصغار الأبرياء، وتتردد بين جنباتها أنفاس رجال ونساء يشعرون بالظلم، ويقلّبون أكفهم في الهواء خاوية من لمسات الامتنان ودف‏ء الشكر! في كثير من بيوتنا المرأة تدور كنحلة تؤدي مهامها الأسرية: ترعى الزوج والأطفال، تتسوق، تدبر مطالب أسرتها في حدود دخل زوجها.. تنظف.. وترتب.. وتطهو.. وترتق ثياباً، وتهيى‏ء فراشاً، وتساعد صغاراً في حل واجباتهم الدراسية، وتنفذ أوامر الزوج وتتحرى ما يرضيه. تدور وتدور، وفي نهاية اليوم لا تجني عسلاً.. بل ربما جنت المر العلقم في نظرة استخفاف بمعاناتها يرسلها نحوها زوجها، أو في عبارة دلالتها عدم اكتراث بما تفعل، وعدم إحساس بادميتها، وعدم تقدير لجهدها، فتلقى بنفسها على الفراش لتنسى الغبن والقهر فلا تستطيع؛ لأن الدائرة مفرغة والواقع يفرض نفسه كل يوم، والشريك ـ على حاله ـ لا يهتم ولا يعين ولو بالكلمة الحلوة أو الدعاء!

في الجانب الآخر من الصورة رجال يشقون ويكدون ولا يسوفون مطالب رعيتهم، ولكنهم لا يجدون في نسائهم سوى الجحود والنكران.

ويتحول البيت من واحة سكن ومودة ورحمة إلى ساحة صراع نفسي حاد، ويشعر الزوجان أنهما أسيران لواجبات لا تنتهي، ومسؤوليات تتضاعف يوماً بعد يوم، والطرف الآخر متغافل.. يتجاهل العون ويحط من شأن المشاركة.

ماذا يكون رد الفعل عندئذ؟ الأمر واحد من اثنين: استمرار في العطاء والبذل
وأداء للواجب كما ينبغي بنية صادقة وابتغاء للأجر من اللّه‏، أو نكوص وتراجع ولا مبالاة بالمسئوليات المتراكمة، وعقاب لا شعوري للآخر بإهماله وءهمال بيته.

رد الفعل الأول هو سلوك الخاصة من الأتقياء والتقيات الذين يؤمنون بأن اللّه‏ عدل لا يضيع أجراً.. بل يضاعفه، ويجازي ويثيب ليس على العمل فحسب وإنما على النية أيضاً، ولذلك فهم ينتظرون مثوبتهم من الخالق، ويفوضون له الأمر في شركاء حياتهم.

أما الثاني فهوالأغلب، والذين يفعلونه ليسوا معوجي الفطرة، ولكنهم ناس معذورون؛ فالنفس البشرية جبلت على ثنائية العطاء والأخذ، ويسعدها أن تُشكر حين تُعطى، والنفس السوية يسعدها أكثر أن تَشكر حين تأخذ وحين تختل هذه المعادلة تكون النتيجة تعاسة وشقاءً وعدم إحساس بالجدوى.

وليس هناك تعارض بين أن نخلص النية للّه‏ وبين أن يؤذينا نفسياً عدم إحساس من يشاركوننا الحياة بمعاناتنا وعطائنا؛ فالتعب الجسدي تخفف منه بل وتزيله لفظة شكر، وربته امتنان، وكلمة عتاب رقيق على تفريطنا في حق أنفسنا في الراحة!

اللّه‏ سبحانه وتعالى يأمرنا بأن نحيي من حيّانا بأحسن مما حيّانا أو بردِّ تحيته، والعطاء داخل الأسرة تحية لكل أفرادها، فلماذا لا يرد الزوج تحية أمرأته، ولا تحيي الزوجة زوجها بأحسن مما أعطاها؟

وهل يرى الرجال أن إشعار نسائهم بهذا الامتنان الواجب انتقاص من رجولتهم؟.. وتعتبر النساء أن شكر الزوج تفريط في أنوثتهن؟

أسئلة تفجر قضية «الشكر في علاقاتنا الأسرية ومكانته ودوره في إثراء هذه الحياة بحب متجدد، وطاقة عطاء متزايدة».

«من لا يشكر الناس لا يشكر اللّه‏»، هكذا علمنا رسولنا صلى‌‏الله‌‏عليه‌‏و‏آله‌‏وسلم وفي سيرته
الكريمة من المواقف ما يعلمنا كيف لا نفرط في واجب الشكر للّه‏ ـ أولاً، ثم لمن ساقهم هو أسباباً لراحتنا وخدمتنا ـ ثانياً. وإذا كنا نريد أنه «لا شكر على واجب» فليس أقل من الاكتراث بمن يؤدون واجبهم واحترام آدميتهم.

كيف نكافى‏ء الحيوان بعد جهد يبذله بوجبة شهية أو ربتة حب على جسده أوربما قبلة، وننسى أن نفعل ذلك مع بشر مثلنا؟! أليس هذا أمراً محيراً ومزعجاً، وأليس مما يصدم الجاحدين والجاحدات أن يعرفوا أنهم فرطوا في حق اللّه‏ بالتفريط في حق عباده؟

جزاكم اللّه‏ خيراً.. لا حرمنا اللّه‏ منك.. قدِّرني اللّه‏ على رد جميلك.. سَلِمَت لي يداك.. عبارات يجب ألا يخلو منها قاموس معاملاتنا اليومية، نطقها لا يكلفنا كثيراً، ويمنحنا من المثوبة ما لاندرك مداه، بينما تجاهلها يبني بيننا وبين شركائنا أسواراً من الجفاء وعدم الإحساس بالأمان، ويجعلنا نؤدي مهامنا بآلية كريهة ـ فتسكن أفواهنا دائماً مرارة الجحود بدلاً من حلاوة الشكر.

 

الأهم.. كيف؟!

ربتت الكلمة على قلبي حانية رؤوم، ونزلت عليه برداً وسلاماً، وأحسستها طبيباً بارعاً شفاني اللّه‏ على يديه من أوجاع شككت كثيراً في أن يكون لا دواء!

فأنا الأم المهرولة بين بيتي وعملي، الشاعرة دائماً بالتقصير في كلتا الجبهتين التي تحاول أن تسد النقص وتجبر الكسر على حساب صحتها وراحتها، والتي تدرك تماماً أنها مذنبة في حق أبنائها، أنا تلك المرأة التي تغبط المتفرغات، وتغبط أبناءهن عليهن، والتي يذكرها ابنها بزهو وامتنان حين يسأل في حفل عام لتوزيع جوائز مسابقة للمواهب فاز بالجائزة الأولى فيها عمن يعزو إليه فضل تفوقه بعد اللّه‏ فيقول وعيناه تنظران نحوي بعرفان شديد: أمي، ويستدرك، وأيضاً: أبي!


باغتني رده، وشعرت للوهلة الأولى بأنه يجاملني، أو يلفت نظري بلباقة إلى قدر افتقاده لي، وتقصيري نحوه إذ لم أحس يوماً أنني منحت أبنائي ما يستحقون من وقت، وما يحتاجون من إنصات، كنت دائماً في حالة سباق مع الزمن، أقتطع سويعات قليلة لهم، لا أعرف بشكل سريع مشاكلهم الدراسية وأناقشهم في احتياجاتهم، فقد نزع زوجي يده من مسئولياته التربوية، وأوكلها إليَّ استسهالاً أو ثقة فيَّ لا أدري، وكم ناقشته في تهاونه، وذكرته بواجباته، فكان رد فعله الوحيد الصمت وترك المكان بعد نظرة تجمع ببراعة عجيبة بين الاستعطاف والتجاهل، ومن رحمة اللّه‏ أن كان الولدان وشقيقتهما متفوقين دراسياً معتمدين على أنفسهم، يدركون ما عليهم، ولذلك كم سجدت للّه‏ شكراً؛ لأنه وصل لي ما قطعه زوجي، وأعانني على مسئولياتي المضاعفة، وعندما اكتشفت في ابني الأكبر شغفه بالقراءة ولواذه بالقلم في ساعات فراغه، وولعه بكتابة خواطره وانطباعاته الصغيرة، لم أدّخر وسعاً في إمداده بالكتب، وفي إطراء ما يكتب، ومناقشته فيه، ومع ذلك شعرت دائماً بأن هناك الكثير مما لم أفعله لأصقل موهبة ابني.

كثيراً ما فكرت في التفرغ لبيتي وأسرتي، ولكنني كنت أتراجع بعد تفكير عميق وأسترجع كم عانيت في ولادتي الأولى لحرصي على الا يقوم بتوليدي طبيب، وكم بحثت عن طبيبة كف‏ء أطمئن إليها وأقول لنفسي: ربما لو تركت مهنتي كطبيبة كسبت إثم إغلاق باب للشفاء أمام من يحول حياؤهن بينهن، وبين الكشف الطبي عند طبيب رجل، خاصة المصابات بأمراض جلدية، وهذا هو التخصص الذي اخترته.

كنت أذكر هذا عرضاً على مائدة الطعام أو في بعض النزهات الأسرية لأختبر موقف أبنائي، ولم أحصل منهم على رد فعل واضح، ولم يشجعني زوجي قط على التفرغ. رعيت موهبة ابني قدر استطاعتي، وحاولت أن أشرك ابنتي معي في بعض
الأعمال المنزلية وأحببها في الطهي وترتيب البيت، وكانت هديتي لآخر العنقود في كل مناسبة كتب التلوين التي ترضي هواية الرسم عنده، وفي الأوقات القليلة التي كنت أصاحبهم فيها، لم أشعر بأنني أم واحدة فقط، كان عليّ أن أمتلك أكثر من عينين، وأكثر من أذنين، وأكثر من عقل، وكثيراً من القلوب، وفماً واحداً، لأرى أوضح، وأنصت أدق، وأتفهم أعمق، وأحب أجم، وأتحدث قليلاً ودون أو أعظ أو أوبخ أو أقارن، أو أمدح بمبالغة مكشوفة، وفي كل مرة كنت أشعر بالذنب، وبأن أحبائي يستحقون مني أكثر، بأن داخلهم جبل من الشكوى مني ويمنعهم أدبهم من الجهر به.

حتى جاء يوم حفل ابني، وقالها وبعد نهاية الحفل قبلته وسألته: أتشعر فعلاً بأن لي فضلاً في تفوقك يا حبيبي؟ فرد بعد أن قبل كفى: طبعاً يا أمي، قلت وكأنني أهمس لنفسي: ليتني أستطيع أن أعطيكم أكثر، وأبقى معكم طوال الوقت، وجائني رد ابني ليشفيني من عقدة الذنب، ويدخل إلى صدري هواءً رائعاً لم استنشقه منذ زمن.

قال: أعطيتنا كثيراً يا أمي، وأعطيت أيضاً مرضى احتاجوا إليك مثلنا، صدقيني يا حبيبتي أنا لم أشعر لحظة بأنك مقصرة في حقوقنا، كنت أشفق عليك دائماً مما تعانيه وأدعو اللّه‏ أن يعينك ويقف إلى جوارك.

تيقنت أن اللّه‏ استجاب دعاءه النقي الخالص، ونظرت بحب إليهم جميعاً وزوجي وأبنائي، زوجي الطيب المشغول الذي كان يرقب حواري مع ابننا بابتسامة مشجعة، وحين غادرنا الحفل أحاط كتفي بذراعه ومضينا سوياً، وخرجت من عقلي الباطن جملة لا أذكر اين قرأتها أو سمعتها، خرجت لتستقر أمام عقلي الواعي وعيني طوال طريق العودة، مهم جداً كم نبقى مع أطفالنا؟ ولكن الأهم كيف نبقى؟                   


ليس الصغار.. وحدهم!

آهة حارة تتردد في صدور كثيرة.. تشعر أنها مجبرة على استنشاق هواء يشاركها فيه من تكره، وكلما ضاقت وفاض بها الكيل.. تذكرت أن هناك ما يستحق أن تتجمل من أجله.. هناك نفوس غضة لاذنب لها.. هناك صغار أبرياء من أبسط حقوقهم الا يشعروا باليتم وأبواهم على قيد الحياة.. وألا يتمزقوا بين شريكين سابقين استبدلا الكيد.. والبغض.. والقسوة بالسكن والمودة والرحمة.

وحين تضيق الدائرة.. وتختنق الزوجة.. أو يمتلى‏ء الزوج حنقاً وغضباً.. تبرز صورة الثمار الصغيرة التي تتحول إما إلى أدوات لتفريج الغل وإذهاب الكيد والغيظ.. أو إلى كائنات لا حول لها ولا قوة تستحق الشفقة وتزيد الأم أو الأب اسى وحزناً.

يستمر الكارهون للاستمرار معاً من أجل الصغار.. يظل هناك أمام الآخرين شكل ما للأسرة من رجل وأمرأة وأطفال من أجل الصغار.. يقع الطلاق النفسي ويتحقق الانفصال الجسدي والروحي ويتحمل الاثنان من أجل الصغار، تتسع مساحة البغض.. وتنسحب المودة.. يتحول الإنفاق الى واجب ثقيل.. ويصبح حسن التبعل مهمة انتحارية، ومع ذلك يعيش المتباغضان معاً من أجل الصغار.. الصغار الذين يتحولون إذا وصل ضعف النفس إلى أدنى منحدر، إلى صورة مصغرة مما يكره كل طرف في الآخر.. صورة يصبان عليها جام الغضب.. ويحولانها إلى ورقة يضغط كل منهما بها على الآخر ويتجاذبانها حتى تتمزق بينهما وتتحول إل قطع صغيرة متطايرة تحمل معها إلى أي هواء تتنفسه وفي اي مكان تنتقل إليه أسباب عقدها النفسية وبغضها للزواج وتصبح قنبلة بشرية موقوتة.. مؤهلة للانفجار، وربما تنفجر أول ما تنفجر في وجه من ملآها بالمادة شديدة الانفجار وضبطاها
على وقت التفجير!

هكذا يصبح الصغار جسراً من الشوك يمر عليه اثنان منفصلان عاطفياً.. ليلتقيا معاً في المكان.. المكان فقط.. بنفوس مدممة.. وأقدام تميد الأرض من تحتها..

هكذا يصبح الصغار همزة وصل.. وقطع معاً.. ينقلون الأبصار البريئة بين المتنافرين في دهشة وحيرة يزيدان كلما ردد أي منهما أنه يتحمل الآخر لأجل هؤلاء ويشير إليهم، فيشعرون بالذنب دونما ذنب، ويتجرعون مرارة الإحساس بأنهم عب‏ء على من سخرهما اللّه‏ لرعايتهما نفسياً وصحياً فإذا بهما يمنان عليهم بأنهما يتحملان العيش معاً من أجلهم!

قمة المأسأة أن تعجز القلوب الصافية عن تأليف قلبين متباغضين، وتصبح العيون البريئة أضعف من أن تغرس بذور الحنان في عيون أجهدها التحديق في تحفز وأرهقتها نظرات التهديد.. ودموع الندم على البداية والخوف من الاستمرار.

لماذا لا يجرب كل اثنين يعيشان معاً لأجل أطفالهما سؤالاً أخر يوجهانه لنفسيهما بإلحاح: «وماذا لو لم يكن هناك صغار؟».. وأزعم أن كثيراً من الاجابات ستجيء على عكس المتوقع.. وستكون سنظل معاً.. نجاهد لنستمر.. ونفتش عن نقاط الضوء لنمضي معاً.. وننقب عن المزايا لنستجلب مشاعر الحب والرغبة في استكمال الطريق، ونتذكر اللحظات الحلوة لنقوى على تحمل المرارات الصغيرة.. ونشحذ خيالنا لنتصور مشاعر الوحدة.. فنتيقن بأن أنساً لا يخلو من التغاضب خير من وحشة تغضبنا من أنفسنا لا من الآخرين.

حتى لو لم يكن هناك صغار.. ستكون هناك أسباب أخرى للاستمرار.. فلماذا نختزل كل هذه الأسباب في صغار يعيشون حياتهم مكبلين بالعقد.. ومحاصرين بالمخاوف، ومحرومين من مشاعر فطرية رائعة؟ ولماذا لا نستمر حتى من أجلهم وحدهم، ولكن برضا وسعادة.. وحب؟


إذن.. قبل أن تطلقا الآهة الحزينة اسألا معاً السؤال البديل.. اجلسا سوياً وتخيلا أنكما بلا أبناء وستجدان ما تعيشان معاً من أجله راضيين وستكتشفان أن الأمور أبسط مما تريانها.. وأن لديكما حوافز كثيرة لتمضيا سوياً.. فكثير مما نتمنى حدوثه سنراه بغيضاً جداً إذا حدث بالفعل..

فتخيلا قبل أن تشيرا للصغار بأصابع الاتهام.. واستشرفا الغد قبل أن تكرها اليوم.. وحتى لو توصلتما إلى أن الصغار.. الصغار وحدهم هم مبرر الاستمرار فاستمرا أيضاً راضيين..

في الإيثار والتضحية والتجرد سعادة أعمق كثيراً من السعادة الزوجية التقليدية التي تجاوزها كثير من الأزواج الحكماء.. فصاروا إلى جانب حكمتهم وبُعد نظرهم أسعد!