حسن التبعّل.

حسن التبعّل

 

ينطلق الرجل في ميادين العمل والحياة.. وهذه الحركة والنشاط تتطلب قدراً من الحرّية؛ من أجل أن يبدع ويعمل ويسعى فانه يحتاج الى الحرّية فاذا أراد احدهم ان يحدّ من حركته وحرّيته فانه سيشعر بالألم ويعتبر ذلك طعنة في شخصيته.

ولذا فان المرأة الفطنة لا تتدخل في نشاط زوجها وعمله، ولا تراقب عمله لأنه تدرك ان سلبه الحريّة ومحاولة السيطرة على نشاطه، سوف يؤدي الى نتائج ليست طيبة.

الرجال الذين عركتهم التجارب لا يحتاجون الى مراقبة.. لأنهم يفكّرون قبل أن يتخذوا قراراً بشأن ما ويتأملون قبل ان يقدموا على عمل.. انهم لا ينخدعون ويعرفون اين تكمن المصلحة ويميزون بين الصديق والعدو.

وبطبيعة الحال ليس كل الرجال هكذا فهناك السذج والبسطاء من الذين يسهل خداعهم.

وفي المجتمع اي مجتمع.. نصّابون يكمنون في طريق مثل هؤلاء الافراد يتظاهرون لهم بشتى الصور الخادعة، فيوقعون بهم ويحتالون عليهم، فلا ينتبه ذلك الانسان المخدوع الاّ بعد فوات الأوان.

ونظرة عابرة على ما يجري حولنا نكتشف فيها كثيراً من هؤلاء المساكين الذين ساقتهم سذاجتهم الى فخ هذا النصّاب أو ذاك المخادع.


مثل هؤلاء البسطاء بحاجة الى رعاية ومراقبة ومن يقوم بهذه المهمة فانه في الحقيقة يقدم لهم خدمة كبرى تحفظ لهم مصالحهم الحقيقية.

ان السيّدة المدبّرة والعاقلة يمكنها أن تنهض بهذه المسؤولية وتجنب زوجها السقوط في فخاخ النصّابين.

ولكن على المرأة أن تقوم بعملها بشكل لا يجرح كبرياء الرجل.

لأنها اذا جعلت من نفسها قيماً على زوجها تأمر وتنهى فأن الرجل سوف يشعر بالاهانة، وسوف يرفض هذا التصرّف من امرأته، ولذا فان التدخل المباشر ومحاولة فرض الوصاية على الرجل سوف تؤدي الى نتائج سلبية.

فالزوجة يمكنها ان تقوم بذلك بشكل غير مباشر وتراقب عن بعد نشاط زوجها وعلاقاته.

فإذا رأت المرأة زوجها يعود متأخراً مرّة أو مرّتين ثم مرّة ثالثة فيجب الاّ تذهب بها الظنون مذاهب الشك، لأن هذه مسألة عادية فقد تصادف الرجل حالة طارئة تضطره الى التأخر في العودة، ولكن إذا تكرر ذلك بصورة ملفتة للنظر وأصبح ديدنه العودة متأخراً فان المرأة في هذه الحالة يجب الاّ تقف مكتوفة الأيدي وتبادر الى التحقق من الأمر.

ومهمة التحقق من هذه الظاهرة ليست أمراً ميسوراً، وتحتاج المرأة في هذه الظروف قدراً كبيراً من الصبر وضبط النفس.

يجب ان تستفسر بطريقة لا تثير غضب الرجل يجب الاّ تسأله بشكل فظ، فقد يكون للرجل عذراً منطقياً كأن يعمل خارج الوقت المقرّر من أجل تعزيز دخل الأسرة. قد يفكر الرجل أحياناً بالاشتراك في محافل اجتماعية تدخل في روحه البهجة وتعزز من حياته الأخلاقية.

وقد يكون قد ارتبط بعلاقات صداقة مع أناس طيبين، إنّ على المرأة في
هذه الحالات ان تشجعه وتسانده وتوفر له أرضية الاستمرار لأن هذا النشاط الاجتماعي سيعود على الأسرة بثمار طيبة.

إنّ الصديق الطيب والانسان الصالح نعمة كبرى ينبغي على المرء أن يعرف قدرها ويشكر اللّه‏ عليها.

أما في حالة أخرى لو أن المرأة أكتشفت ان زوجها يتردد على مراكز الفساد، أو أنه يعاشر اناساً منحرفين فاسدين، فيجب الاّ تتأخر في المبادرة وأن تقوم بانقاذ زوجها من براثن الانحراف والفساد؛ ومسؤولية المرأة هنا في غاية الحساسية لأن التساهل في هذه الحالة قد يؤدي الى نتائج مؤسفة.

إنّ على المرأة أن تحاط جداً في التعامل مع هذه المشكلة وأن لا تعمد الى التشاجر معه فقد يؤدي ذلك الى نفور الرجل أكثر واندفاعه في طريق الخطأ.

يجب عليها أن تنهض بمهمتها وأن تقوم بخطوتين: في البداية تلقي نظرة شاملة على منزلها، على سلوكها داخل المنزل وبشكل عام أوضاع البيت فقد تجد سبباً وعلّة دفعت زوجها الى الابتعاد عن البيت بعيداً عن دف‏ء الحياة العائلية.. لتنصب نفسها قاضياً وتنظر بانصاف وبعين العدالة وتشير بشجاعة الى أصل المشكلة.

فقد تكتشف السبب الذي دفع زوجها في طريق الفساد.. قد يكون وراء ذلك المؤاخذات التي لا تنقطع والنقنقة التي لا تتوقف وقد تلتفت الى انها لم تعد تتزيّن لزوجها بالشكل المطلوب، وقد تدرك انها لم تعد تتودد له كما مضى.

وقد تتوصل الى أن السبب في كل ذلك ربّما يعود الى مائدة الطعام لأنها لا تعدّ له طعامه الذي يحبه.

ان مثل هذه القضايا يمكن ان تدفع بالرجل شيئاً فشيئاً الى الابتعاد عن البيت وتقلّل من ذلك الحنين الى المنزل والحياة العائلية.

فالرجل في مثل هذه الظروف انما ينفس عن عقده وما يظنه يوفر له قدراً
من السعادة والفرح.

واذا ما التفتت المرأة الى أصل المشكلة ثم سعت الى سدّ النواقص في بيتها ومنزل الزوجية فانها سوف توفق في إعادة زوجها الى دف‏ء الحياة العائلية لأن الرجل يكون في تلك الحالة قد تأكد من خلال تجربة مرّة أنه كان يبحث عن نبع السعادة في صحراء مترعة بالشقاء.

الخطوة الثانية التي يتوجب على المرأة أن تقوم بها أن تتودد الى زوجها أن تنصحه بطريقة ما ان تقنعه بانها تحبه بل انها ينبغي أن تتوسل حتى بالبكاء وأنها تفتخر بوجوده، وانها تحبه الى الحدّ الذي تضحي من أجله بكلِّ شيء.. فلماذا يتردد رجل مثله على مراكز الفساد أو يرافق هذا وذاك من الساقطين؟! من المحتمل أن الرجل اذا ما اعتاد على خلق قبيح وتشرّب به أن لا يتأثر بتلك السرعة بكلام زوجته ولكن عليها الاّ تفقد الأمل يجب أن تكون صبورة والاّ تتراجع وتهزم في أول تجربة.

سوف توفق في النهاية الى انتشال زوجها من الهاوية التي يتردّى فيها.

عليها الاّ تتوسل بالشجار والعراك والعنف الاّ اذا شعرت باليأس تماماً ولكن اذا لم تجد تلك الوسائل، حينئذ يمكنها الى الزعل وحتى يمكنها ان تتشاجر معه؛ وفي الحالة الأخيرة عليها أن تكون معه طيبة وحنونة، فشجارها ونزاعها لا ينطلق من روح انتقامية، بل من روح طيبة تحاول انقاذ شريك الحياة.

أجل إنّ حسن التبعّل مهمة شاقة ولكنه وظيفة المرأة التي تشعر بالمسؤولية. وصدق رسول اللّه‏ صلى‌‏الله‌‏عليه‌‏و‏آله‌‏وسلم عندما يقول: «جهاد المرأة حسن التبعّل»[115].

[115] بحار الانوار: 103/247.