الاستقلال

الاستقلال

 

لقد كنتَ قبل الزواج عضواً في أسرة ولا تتحمل أية مسؤولية، فالأب يتحمل الانفاق وتمشية أمور العائلة فيما الام تتكفل ادارة المنزل، ولكن بعد الزواج، ستكون مستقلاً وحرّاً وقد حصل ذلك في الواقع بعد استعدادك لتحمل مسؤوليات الأسرة الجديدة.

الآنسة تصبح سيّدة البيت ويتعيّن عليها أن تنهض بشؤون المنزل وادارته فهي تسعى أن تحدد من ارتباطها بأهلها واعتمادها على الأم مثلاً.. صحيح إنّ ذلك يكلفها الكثير ولكن لا مناص من التحمل والصبر.

فليس من الصحيح أن يقوم الوالدان بواجبات ابنتهما في بيت الزوجية ولكن بمقدور الفتاة وفي بعض الموارد التي يصعب بمفردها أن تتحملها أن تستشير أبويها وتطلب العون منهما، بشرط أن تقنع بأقل ما يمكن من المساعدة.

كما يتعيّن على الفتى الذي أصبح بعد الزواج رجل الأسرة أن ينهض بمسؤوليته في تأمين نفقات اسرته وأن يستقل تماماً في ذلك ولا ينتظر من والديه أن يقوما بذلك بالنيابة عنه... ان عليه أن يدخل ميدان الحياة الكبير حيث العمل والسعي من أجل توفير لقمة عيش كريم.

انه يستطيع فقط وبسبب غياب التجربة الكافية في ادارة الأسرة أن يفيد من تجربة والديه، ومع التأكيد على أن يستقل في محاولاته، ولكن ذلك طبعاً لا يمنع من مدّ يد العون.


لأن اسرة الفتاة وكذا اسرة الفتى ملزمتين أخلاقياً بدعم الاسرة الجديدة الى أن يشتد عودها ويمكنها مواجهة تحدّيات الحياة.

على أن هناك موضوعاً جديراً بالاشارة، هو رغبة اسرة العروس في أن يكون للاسرة الجديدة منزل مستقل خشية من تدخلات أهل العريس كأمّه أو أخته، فيما ترى رغبة الاخيرتين في أن يسكن ابنهما في منزلهم لكي يتسنّى لهم وعن قرب مراقبة ما يجري معتبرين انفسهم ولأمد شركاء في حياة ابنهم الجديدة والاطمئنان على عدم انفكاك الابن عن أهله.

وعادة ما يجنح الابن الى الموافقة لأنه كان قد اعتاد الحياة في كنف اسرته وما يزال تحت تأثير عاطفة الابوين، ويدخل العامل الاقتصادي ليعزز من هذه الرغبة لدى الفتى لعدم قدرته على تهيئة منزل مستقل.

على أن المؤلف يعتقد ـ اذا لم يؤدي ذلك الى مشكلة ـ أن تعيش الأسرة الجديدة مع اسرة الفتى مدّة من الزمن وللافادة خلالها من الارشادات والتجارب وقدراً من العون الى أن يشتد عود الاسرة الفتية، غير أن التجربة العملية وللأسف عادة ما تؤدي الى نتائج ليست مطيبة.

فهناك مثلاً ذرائع تافهة للتدخل في شؤون الاسرة وقد يؤدي انتقاص الأم أو الاخت للعروس وتسقّط اخطاءها الى تعقيد مشكلة ما تبرز خلال الفترة الأولى من الزواج مما يؤدي الى انفجار النزاع العائلي واستحالة العش الزوجي الى ميدان للصراع والشجار. وهنا يصبح الوضع حساساً جدّاً لأن الفتى إذا ما حاول ارضاء امّه  أو اخته فانه سيواجه دموع زوجته وربّما غضبها، اما اذا اعلن تضامنه مع زوجته فان امّه قدتتهمه بالعقوق.

حتى التزام الصمت ازاء هذه المشكلة سوف يسلب المنزل الاستقرار والهدوء المنشودين كما أن الطرفين المتنازعين لن يقتنعا بموقف الفتى الحائر ولن يرضى كل منهما إلاّ بالانحياز إلى جانبه.

وعادة ما يكون هذا النوع من المشاكل ناجماً عن الغيرة والجهل وسوء الخلق.

والغالب أن هذه اللون من المشكلات تبدأه أم الزوج التي تنظر بعدم ارتياح الى هذه الفتاة (الدخيلة) التي انتزعت ابنها وأخذته الى الأبد!!

ولذا فانه ينبغي على الأم أن تسلك سلوكاً معقولاً ازاء كنّتها وتنظر اليها كاحدى بناتها وأفضل، كما أن على العروس أن تعامل حماتها بمنتهى الاحترام والمحبّة لتخفف من الحساسيات الناجمة عن الحياة الجديدة لابنها.. غير أننا ومع شديد الأسف نواجه ثقافة اجتماعية خاطئة في هذا المضمار.

وانطلاقاً من هذا ارجّح للفتى والفتاة أن يستقلا في حياتهما الزوجية منذ البداية في منزل خاص بهما حتى لو اضطرا للإيجار.

أما اذا تعسّر عليهما ذلك فان من الممكن أن يعيشا في كنف اسرة احدهما بشرط صيانة استقلالها من التدخل السلبي في شؤونهما.

واجد من اللازم هنا أن اذكر والديَّ الفتى بانه ما دام من غير المعقول تبعية الابن لكما الى الأبد وأنه لابد من استقلاله مع زوجته في حياة جديدة فانه من الاحرى وحتى لا ينشب نزاع ما أن تُهيأ للأسرة اسباب الاستقلال مما يعزز من دف‏ء الحياة الاسرية لابنكما بعيداً عن التدخل السلبي في شؤونهما.

فإذا كان بإمكانكما تهيئة منزل للعروسين وإلاّ منحهما فرصة الحياة في ظلالكما مستقلّين في عشهما الجديد؛ وإنّ افضل اسلوب للتعايش هو اجتناب الفتنة وتسقّط الخطأ والبحث عن العيوب، فكونا لهما ملائكة سلام ومحبّة لاغولاً للنزاع والشجار.

كما أذكر الشباب بان الاستقلال في الحياة الزوجية هو أفضل اسلوب
للحياة حتى لو أثار هذا المطلب مشاعر اسركم فثقوا أن النهاية ستكون في صالحكم وان آبائكم سوف يكنّون لقراركم الاحترام ولكم الاخلاص والحبّ والتضامن.

وفي كل الاحوال ينبغي الانتباه الى سلوك الأخت والأم وكونوا على حذر من كل ما يؤدي الى وقوع أزمة مع العروس.

وأنه من الضروري جداً إذا ما شاهد الفتى سلوكاً ما يكدّر صفو الفتاة أن يواجه الأم والأخت مذكّراً اياهما قائلاً.

ـ أنا أحب زوجتي ولذا أرجو احترامها وتجنب كل ما يؤلمها من قول وعمل... انني لن اسمح لأحد بإيذائها.

إنّ موقفاً حازماً يتخذه الفتى منذ البداية سوف يؤدي شيئاً فشيئاً الى تبلور علاقات تنهض على الاحترام المتبادل.

وهنا أيضاً اذكر العروس أن تأخذ بنظر الاعتبار ظروف زوجها، لأنه من المستحيل أن تتوقعي منه أن يقطع ومن أجلك كل علاقاته مع اسرته كما أن عملاً كهذا ليس صحيحاً أبداً، أضافة الى أنك بحاجة اليهم، ولذا فمن المنطقي أن تتعايشي معهم، كما أن عليك أن تحترمي اسرة زوجك قبل أن تنتظري احترامهم لك.

واذا ما صادفك سلوك غير مريح فعليك أن تتجاوزي ذلك بدماثة الخلق وابراز المحبّة لهم، وثقي أن هذا كفيل بكسبهم الى جانبك.

ان الانسان اجتماعي بالطبع وأن عليه من أجل ذلك التعايش مع الجميع والإفادة منهم وافادتهم.. كما أن اسرة زوجك جزء من المجتمع الذي نعيش فيه بل هم أقرب الشرائح الاجتماعية اليك فالاحرى التكيّف في الحياة معهم بما يخدم الجميع، انهم اجداد طيبون لابنائك كما أنهم أعمام وعمّات.


ومن أجل ذلك ينبغي أن تتحّملي بعض الهنات.

واذا ما اضطرتك الظروف أن تعيشي مع زوجك في منزل أهله فلا تظهري الجزع من ذلك، حاولي أن تطبعي سلوكك بالأدب والاحترام وكوني طيبة معهم وغضي الطرف عن بعض التجاوزات لأن المستقبل في صالحك، كما أن اللّه‏ سبحانه يراقب سلوكك وقد يمنّ عليك بما يهيء لك حياة مستقلّة.