المرأة وعمل الرجل

المرأة وعمل الرجل

 

لكل امرء عمله ولكل عمل ضروراته، فسائق الشاحنة يقضي معظم عمره في الطرق الخارجية انه ليس بوسعه العودة الى المنزل في المساء.

والحارس هو الآخر يمضي الليل ساهراً يحرس مكاناً وبناءً ما، والطبيب الخفر الذي يعمل في مستشفى أو مستوصف بعيد والعالم الذي يمضي الليل في الدراسة والبحث والتنقيب.

ولكل عمل نكهته فهذا تفوح منه رائحة النفط، لأنه يبيع النفط وذاك ميكانيكي تفوح منه رائحة الزيت.. وذاك عمل يختطف صاحبه من بين اسرته وأولاده بعيداً.

وليس هناك عمل خال من المشكلات يتكيّف الانسان معها وإلاّ تنغص عيشه؛ ولكن المشكلة تأخذ بعداً آخر لو اعترضت المرأة على عمل زوجها.

النسوة بشكل عام يحببن أزواجهن، ويرغبن أن يكون الرجل في أحضان اسرته.. ولذا يطمح معظمهن الى الزواج من رجل له عمل جيد يدرّ عليه مرتب أو إيراد جيد.. عمل لا يستهلك وقت الرجل وجهده.. لأن الأسرة تشعر بحاجة الى جلسات سمر أو القيام بنزهة أو رحلة ترفيهية.

ولأن الرياح لا تهب بما تشتهي المرأة وترغب، تبدأ المشكلات الزوجية من هذه النقطة أحياناً.

يعود سائق الشاحنة بعد ليالي التعب والسهر والسير في الطرق الخطرة
يواجه الموت كل لحظة، وربما داعب النعاس عينيه في هذا المنعطف أو ذاك من الطرق الممتدة الطويلة، وهو يحلم بالساعة التي يعود فيها الى المنزل ليلتقط أنفاسه ويستعيد جسده المنهك بعض قواه..

لكنه ما إن يضع قدمه في المنزل حتى يفاجأ بتأففات زوجته ونقنقة امرأته..

ـ أهذه الحياة التي تحلم بها المرأة؟؟

تتركني وحيدة مع اطفالك.. أدير لوحدي شئون المنزل.. اليس في الدنيا شغل غير هذا الشغل.

وهل كُتب عليَّ أن اقضي العمر وحيدة مع هؤلاء الشياطين!!

مسكين ذلك الرجل الذي يعود الى المنزل مهدّم الاعصاب محطّم الجسم تئن خلايا بدنه من التعب وتنشد لحظات الاستراحة.. ثم إذا به يستقبل ب «حرارة» من قبل زوجته!!

دعونا نتصوّر ذهابه الى العمل وجلوسه خلف مقود الأوتوبيس أو الشاحنة.. ذهنه مشتت متعب.. لم يسترح بما فيه الكفاية.. وقد تهوّم عيناه بالنوم..

والنتائج معلومة سلفاً.

سيدتي!

اننا لا نستطيع أن نغير العالم وفق رغباتنا وميولنا، ولكننا نتمكن من التكيّف معها.

لقد كتب القدر أن تكوني زوجة سائق شاحنة مثلاً أو شريكة حياة طبيب في مناطق نائية..

إنّ زوجك لا يعشق هذا الطراز من الحياة، ولكنها لقمة العيش وعلى
الانسان أن يتحمل ويصبر ويقاوم.

كوني عوناً لزوجك لاهمّا اضافياً..

زوجك وهو يعود الى منزله وعشه يحلم بلقائك.. يحلم بالدف‏ء العائلي الذي يفتقده.. ابتسامة ترتسم على وجهك، تكفي في ازاحة همومه وكلمة دافئة تبدد عنه كل معاناة الفراق والتعب.

ماهي جريمة زوجك إذا كان سائقاً وما هو العيب في هذا العمل؟ إنّ العمل هو جوهر الانسان وكرامته.. وان التحدّث عن عمله بشكل مزري يجرح مشاعره.. فحذار من ذلك يا سيدتي هل تريدين لزوجك أن يرابط في المنزل ويتسكع في الأزقة بلا عمل؟

واذا اعترضت على ذلك بأنك تشعرين بالوحدة وتودّين أن يعود زوجك في المساء.. تأكدي يا سيدتي أنه يودّ من أعماق قلبه ذلك ولكن قدره أن يعمل سائق شاحنة أنه وإن كان يطوي المسافات الطويلة في قلب الليل يحلم بلقائك..

حاولي أن تشغلي نفسك بأعمال المنزل.. حتى الأرق يمكن معالجته بالعمل..

انتظري عودته.. واذا ما عاد فليجدك في أبهى منظر.. ابتسامة مشرقة وبدلة أنيقة وكلمات ودودة وأكلة شهية.

أنّك بذلك تضرمين في قلبه دف‏ء الحبّ، وتوقدين في عينيه شموع الأمل.

وتأكدي يا سيدتي أن كل عمل مهما كان، يمثل جوهر وكرامة الرجل وأن البطالة تزعزع ثقة الانسان بنفسه.

فإذا كان لحّاماً تفوح منه رائحة الشحم أو فحّاماً اسودّت يداه، أو يعمل في ورشة التصليح الدراجات أو بائع وقود تصدر عنه رائحة النفط..


ان لكل هذه الأعمال رائحة واحدة فقط هي رائحة الحياة الكريمة.

ولا تكوني كالتي جاءت الى المحكمة تقول:

ـ لقد غير زوجي شغله.. اصبح بائع نفط.. تفوح منه هذه الرائحة ولن اتحمل هذا الوضع[193].


[193] جريدة اطلاعات 13 مرداد 1349.