والمتشائمون

والمتشائمون

 

صحيح إنّ على الرجل ان يراقب سلوك زوجته ولكن ليس الى حدّ الوسواس والشكوك والظنون الباطلة.

وعندما يبتلى الرجل بسوء الظن فهو في حقيقة الأمر مصاب بمرض أخلاقي وقد يصل سوء الظن درجة خطيرة يتوهم فيها الرجل أن زوجته تخونه بطريقة ما!

إنّ هذه الظاهرة المرضية مدمّرة للبيوت والأسر، وعندما يبتلى بها زوج ما فان الحياة الزوجية تستحيل الى جحيم لا يطاق.. ستكون حياته مريرة وحياة زوجته أيضاً لأنها تحترق بهذه النار المجنونة وعندما يبتلى الرجل بهذا المرض فإنّه يصاب بنظرة تشاؤمية ازاء زوجته وسيكون محكوماً عليها بالخيانة مالم تثبت برائتها.

ومعنى هذا ان نظراته وملاحظاته خاضعة لتفسير يهيمن عليه الاتهام لا البراءة وبذلك تفقد المشاهدات موضوعيتها وتكون خاضعة لرؤية يسيطر عليها الوهم أكثر من الحقيقة.

فلأنها حيّت مثلاً جارها فمن المؤكد أن لها علاقة معه ولأنها امتدحت فلانا فهي تميل اليه.. ولأنها لا تتودد اليه كما في السابق فقد ملّته بسبب وجود آخر في حياتها!

بل أن الأوهام تصل درجة يجعل فيها غياب الشبه بينه وبين ابنته أو ابنه
ملاكاً في ادانة زوجته!!

ان سوء الظن والشكوك التي تراود الرجل من المصائب التي تعصف بالأسرة والحياة الزوجية وتطفى‏ء وهج الدف‏ء العائلي.

ويتحول بيت الزوجية الى مركز للشرطة حيث الزوج شرطيّ يراقب باستمرار تلك المرأة المتهمة، وشيئاً فشيئاً تستحيل الزوجة الى كائن مذعور يخاف ظلّه؛ لأن هناك من يراقبه ويحلّل بعين الشك كل تصرّفاته!!

وقد تصل المرأة حدوداً رهيبة من الشعور بالضغط فتفكّر في الطلاق كحلّ لهذه المأساة الدائمة والكابوس المستمر.

لأن من حق المرأة في هذه الحالة أن تخاف موقفاً قد يتخذه الرجل في نوبة من شكوكه فيقدم على ارتكاب جريمة قتل..

وما أكثر الذين أقدموا على قتل زوجاتهم ثم انتحروا!!

إنّ مسألة الخيانة الزوجية مسألة خطيرة، يتوجب على الرجل وقبل أن يشك أو ينتابه وهم ما في ذلك أن يجرّد نظراته من سوء الظن والتشاؤم والشك وإلاّ يصدر أحكامه دون وثائق وأدلّة.

قال اللّه‏ سبحانه في محكم الكتاب العزيز:

« يا أيّها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظنِّ إنّ بَعْضَ الظنّ إثْمٌ »[185].

وقال رسول اللّه‏ صلى‌‏الله‌‏عليه‌‏و‏آله‌‏وسلم:

«من قذف امرأته بالزنا خرج من حسناته كما تخرج الحيّة من جلدها، وكتب له بكلّ شعرة على بدنه ألف خطيئة»[186].


وقال صلى‌‏الله‌‏عليه‌‏و‏آله‌‏وسلم في مناسبة أخرى:

«من بهت مؤمناً أو مؤمنة أو قال فيه ما ليس فيه اقامه اللّه‏ يوم القيامة على تلْ من نار حتى يخرج مما قاله فيه»[187].

ليس من الرجولة أن يقذف زوجته وليس من حقه أبداً أن يتقوّل أو يتفوّه بذلك وكبرت كلمة تخرج من فيه..

إنّ الشريعة الاسلامية تعاقب بشدّة كل من يبهت انساناً، وسيكون عقابه الجلد ثمانين سوطاً!

وحتى نكون أكثر قرباً من الموضوع لنفترض إنّ احداهن زلّت فكتبت رسالة الى شاب بدافع الاعجاب فهل يعد هذا العمل دليلاً على وجود علاقة غرامية بينهما؟

هذه الظواهر تحدث في حياة الشباب، ربّما تتلقى امرأة رسالة غرام من شاب، ولخوفها من عواقب هذه الرسالة ولأنها لا تريد الفضائح تخفي هذه الرسالة.. لا لأنها راضية ولكن خشية النتائج، ولكن عندما تقع هذه الرسالة في يد الزوج فليس من حقه أن يعتبرها وثيقة ودليلاً على خيانة زوجته؟

وعندما تحيّ المرأة رجلاً جاراً لها أو جاراً لأهلها وتتبادل معه كلمات المجاملة فلا يجوز لزوجها أن يشكك في هذه العلاقة ويفاجى‏ء زوجته باتهام خطير!

هناك عشرات الاحتمالات في مثل هذه الموارد أضعفها الخيانة الزوجية.

سيدي المحترم!

هذا من سوء الظن والشكوك، وإلاّ فكن قاضياً منصفاً يحاكم وفق الأدلة
القاطعة والبراهين الساطعة والوثائق الدامغة لأن الاحتمال مهما كان قويا ولو اصبح 80% فهو يبقى فيى دائرة الظن حتى يصل الى 100% وهي مرحلة اليقين الذي لا يصمد أمامه الشك والوهم والظنون.

انني أطلب منك أن تكون دقيقاً فغيرة الرجل ضاربة جذورها في فطرته كرجل وانسان وليس من الرجولة أبداً أن يتساهل الزوج في هذه القضية.. لكن المطلوب أن يبقى الأمر في دائرة المنطق والعقل والشريعة.

ما هو موقفك يا ترى لو وجه اليك أحدهم اتهاماً خطيراً؟!

ألا تحتج عليه ألا تثور وتثأر؟! ألا تطلب منه دليلاً على مزاعمه؟

فكيف الأمر اذا طعنت أقرب الناس اليك والقلب الذي يخفق بحبك!

أليس هذا الاتهام طعنة نجلاء توجهها الى قلب زوجتك وشريكة الحياة ورفيقة العمر؟!

سيدي!

انتبه الى هذه الملاحظة.. إنّ المرأة التي تُتهم بالباطل وتقذف ظلماً وبهتاناً قد تسقط وتنحرف بسبب ذلك.. ربما بداعي الانتقام أو غيره.

يقول الامام علي عليه‌‏السلام:

«اياك والتغاير في غير موضع غيرة، فانَّ ذلك يدعو الصحيحة الى السقم والبريئة الى الريب»[188].

عندما يساورك شكٌّ في زوجتك، فلا تفاتح أحداً بذلك أيّا كان موقعه منك.

ربما يؤيد شكوكك انطلاقاً من جهله وسذاجته، وربّما من عداء وحقد يكنّه لزوجتك بسبب ما.


وسوف يضاعف ذلك من سوء الظن وقد يتبدّل الظن، الى يقين وعندها يحدث مالا تحمد عقباه.

تجنب مفاتحة أختك أو والديك، لأنهما لا يكنان لها عادة نوايا حسنة هذا في الأجواء العادية فكيف إذا كانا يغاران منها.

فإذا كان ولابد من مفاتحة شخص ما والاستعانة به أو استشارته فليكن صديقاً عاقلاً ورجلاً حكيماً، عرك الحياة وأفاد من تجارب الزمن اضافة الى خير وصلاح في نواياه.

ولتكن الافادة منه في باب المشورة، لا أن تطلب منه أن يثبت لك ما تظنّه وتتوهمه.

دع الشك جانباً وابتعد عن الوهم والظن، وحاول أن تتقمص شخصية القاضي المنصف الذي لا هم له سوى الحقيقة.

امنح فرصة لزوجتك أن تتحدّث بكل حرّية وافترض أن زوج أختك قد ساورته نفس هذه الشكوك في اختك.. ما الذي تطلبه منه وما هو الدليل الذي تركن اليه في اثبات اتهام خطير كهذا.

حاول أن تستعرض شواهدك وكأنك تحاكم اختك.. انك سوف تكون شديداً في قبول ادلّة وشواهد واهية.

فليكن موقفك ازاء زوجتك نفس موقفك ازاء اختك.

المطلوب دائماً ضبط النفس فلكل مشكلة حل..

ولكن أن يدفعك سوء الظن الى الانتحار، أو قتل زوجتك فهذا أبعد ما يكون عن التفكير المنطقي والموقف المعقول.

اضافة الى النتائج الوخيمة التي تترتب على هذا العمل في الدنيا وفي الآخرة.. وذلك هو الخسران المبين.


تصفّح يا سيدي الصحف والمجلاّت واقرأ الأخبار الفجيعة والجرائم التي يرتكبها بعضهم بسبب وبغير سبب.

وأنت يا سيدتي انك تتحملين مسؤولية كبرى.. لأن المسألة تتعلّق بمصيرك ومصير ابنائك وزوجك.

يجب أن تدركي انّ زوجك مصاب بمرض نفسي خطير، لأنه ليس من المنطقي أن يجلب المرء على نفسه المرارة لولا هواجس تنتابه وظنون.

كيف ينبغي أن يكون تصرّفك ازاء هذه الظاهرة المرضية؟ هذا هو السؤال..

المطلوب يا سيدتي الحبّ.. اغدقي عليه من حبّك وعطفك حتى يشعر قلبه بالدف‏ء، وتتبدّد الوساوس والشكوك.. تبدّد الضباب مع طلوع الشمس.

لقد وهبك اللّه‏ نبعاً فياضاً من الحنان، فلا تبخلي على زوجك فتصبح حياته كالصقيع والزمهرير.

انك بمواقفك المرّنة بتحملك لقسوته أحياناً سوف تسخّرين قلبه.. سوف تنفذين الى أعمق أعماق نفسه، وسوف تقهرين ذلك المرض اللعين وتنقذين بذلك زوجك من تعاسته.

تجنّبي كل من له أثر في اثارة وساوسه وهواجسه كائناً من كان.

يقول سيدنا علي عليه‌‏السلام: «من وقف نفسه موقف التهمة فلا يلومنَّ من أساء به الظن».

ربما يكون زوجك حساساً ازاء علاقتك بأحدهم.. اقطعي هذه العلاقة مهما كانت برائتها.

لأن الثمن الذي تدفعينه ازاء احتفاظك بزوجك سيكون تافهاً جداً.

واذا كان للمرأة كزوجة وربّة بيت من فن فهو في معاشرة زوجها، وحسن تبعّلها وكسبها ثقته، يقول الامام الصادق: «جهاد المرأة أن تصبر على ما ترى من
اذى زوجها وغيرته»[189].

لا تمتدحي رجلاً أمامه لأنه سيغيظه ذلك، حتى لو لم يصرّح به ولا تنظري الى غير زوجك لأنه يغار.

يقول سيدنا محمد صلى‌‏الله‌‏عليه‌‏و‏آله‌‏وسلم: «اشتدّ غضب اللّه‏ على امرأة ذات بعل ملأت عينها من غير زوجها»[190].

ولا تغادري البيت يا سيدتي إلاّ بإذنه، وتصرّفي بطريقة بعيدة عن الغفلة والبساطة.

ربما يقع حادث بسيط، وبريء في نفس الوقت، ولكنه يثير هواجس وشكوك زوجك.

تأملي في هذه الحكاية:

تقول فتاة في السابعة والعشرين من عمرها أمام المحكمة أنه في شتاء سنة 1342 ذهبت لتذاكر دروسها في منزل زميلتها وصديقتها وكان الثلج ينزل بغزارة وعندما حان وقت عودتها الى البيت.. زميلتها أصرّت أن يقوم خالها بايصالها بسيارته.

كان قد مرّ شهران على عقد قرانها وكان موعد الزفاف قد عيّن بعد اتمام دراستها الثانوية وهي في السنة الأخيرة منها.

وصادف أن كان زوجها واقفاً في الشارع قرب المنزل فلمحها داخل السيارة..

ارتبكت الفتاة وطلبت من السائق الفرار، مما أثار شكوك الزوج.


ثم أخطأت الفتاة في انكارها القضية برمّتها مما زاد الطين بلّة، ولم تنفع شهادة زميلتها ولا أهلها في تبديد شكوك الزوج الذي رفض فسخ العقد كما رفض فكرة الزفاف..

وها أنا انتظر مصيري بعد ثمان سنوات!!

هذا ما قالته الفتاة[191].

ومن المؤكد أن ما قامت به الفتاة يعود الى غفلتها وإلاّ فان ركوب سيارة رجل اجنبي وبمفردها أمر مرفوض شرعياً وأخلاقياً.

ولو انها اعترفت لزوجها بكل شيء، منذ الوهلة الأولى ولم تطلب من السائق الهرب لما وصل بموقف الزوج الى هذا الحدّ من القسوة ليترك زوجته معلّقة: لا امساك بمعروف ولا تطليق باحسان.

 

[185] الحجرات: الآية 12.
[186] بحار الأنوار: 103/248.
[187] المصدر السابق: 75/194.
[188] المصدر نفسه: 103/252.
[189] وسائل الشيعة: 14/111.
[190] بحار الأنوار: 104/39.
[191] اطلاعات 23 اسفند 1350.