النزاع حول مسألة الانجاب

النزاع حول مسألة الانجاب

 

من المسائل التي قد تثير النزاع في الحياة الزوجية هي مسألة الانجاب، ولهذه المسألة أوجه عديدة، منها الاختلاف في أصل المسألة، وهي فقدان أحدهما القدرة على الانجاب؛ وهناك أيضاً قضية أن المرأة تريد الانجاب ولكن الرجل لا يوافق، أو العكس، وأخيراً الاختلاف الذي ينشأ حول جنسية الطفل المطلوب ويعني بصراحة عندما تلد المرأة بنتاً!

ونحن اذا تأملنا في ملفات وقضايا الحياة العائلية سنجد نماذج كثيرة من مشكلات تؤدي الى الطلاق كل ذلك بسبب مسألة الانجاب!

تقول السيدة «س» أمام قاضي محكمة حماية الأسرة، تزوجت في سن السابعة والعشرين من رجل احبّبته وكان قد تخرج من الجامعة وعيّن فيها معيداً.. لقد رأيته سعيداً بكل وجوده ولكن ما أجنني الآن هو معارضته الانجاب!! أنا لا أدرك سرّ ذلك.. كلانا في سلامة من العاهات.. هذا وهو يحب الأطفال ويعاملهم برّقة.. بل أن من يراه وهو يقبل أولاد أخته ويلاعبهم يظن وجود فراغ في حياته لطفل يملأ عليه دنياه!.. لقد مضت ثلاثة أعوام.. ونداء الأمومة يضج في أعماقي.. أريد أن أصبح أمّاً.. أريد طفلاً أهدهده وأناغيه..».           

وهنا تختنق السيدة في عبرتها وتبذل جهداً جبّاراً في ضبط نفسها.. ان نداء الامومة يدفعها الآن لأن تدوس على حبها وقلبها وتطلب الطلاق.. فقد يأتي ابن الحلال الذي يحقق لها امنيتها.. ويسارع الزوج الى الموافقة لأنه لا يريد وهو الغارق في تحقيقاته العلمية أن يزاحمه أحد!![286]

الانجاب أمنية طبيعية لكل انسان بل وحتى الحيوان، الطفل ثمرة الحياة الزوجية وأجمل ذكرى للأنسان.. الابن امتداد للأب والبنت امتداد للأم.. ومن كان له ولد فان حياته لا تنتهي بالموت لأن ظله ما يزال ممتداً فوق الأرض لكأنه يولد من جديد.

ومن حرم الأولاد يشعر بأنه غريب ووحيد، ولا ملاذ له.. وكلما تقدم في العمر تنامت هذه المشاعر.

ان وجود طفل في الأسرة يشدّ من أواصر العلاقات بين الزوجين.. وبيت بلا أطفال خربة خاوية على عروشها..

وأسرة بلا أطفال تعيش حياة قلقة مضطربة معرضة للتفكك والانهيار.

يقول الامام الصادق عليه‌‏السلام: «من سعادة الرّجل الولد الصّالح»[287].

ويقول سيدنا محمد صلى‌‏الله‌‏عليه‌‏و‏آله‌‏وسلم: تزوجوا فاني مكاثر بكم الامم غدا في القيامة» «أكثروا الولد أكاثر بكم الامم غداً»[288]

أجل ان حب الذرّية ميل غريزي.. ولكن يوجد بعض من الناس يخرجون على هذا الميل.. وبسبب مخاوف الفقر، هذه المخاوف التي تغلب ايمانهم بان اللّه‏ هو الخالق الرزاق.

يقول بكر بن صالح كتبت إلى أبي الحسن عليه‌‏السلام إني اجتنبت طلب الولد منذ خمس سنين، وذلك أنَّ أهلي كرهت ذلك، وقالت: انّه يشتدُّ عليَّ تربيتهم لقلّة
الشي، فماترى؟ فكتب إليّ: اطلب الولد فانَّ اللّه‏ يرزقُهُم»[289].

بل ان اللّه‏ سبحانه يبارك الاسرة التي يعيش في كنفها اطفال ويرزق أبويهم.

وكم من الأُسر التي كانت تعيش في ضنك من العيش، حتى إذا رزقوا اطفالاً انفتحت عليهم بركات السماء والأرض.

وكم من الناس من عاشوا فقراً مدقعاً ثم نراهم بعد الزواج وقد انفتح عليهم الرزق، هناك من ينظر الى الاطفال من زاوية أخرى.. ينظر اليهم كمزاحمين في حين أن الطفل أفضل سلوى للأبوين.

صحيح ان تربية الاطفال مسؤولية كبيرة، ولكن ليس للحدّ الذي يدفع بالمرء الى مواجهة الناموس الطبيعي للحياة الانسانية.

ومن غير المنطقي أن يقدم المرء على تقويض حياته الزوجية، ويحرم شريكه من هذه النعمة لاسباب وذرائع واهية!

ربما النجد اختلافاً بين الزوج والزوجة حول اصل مسألة الانجاب، ولكن نجدهما يختلفان حول الزمان المناسب للانجاب.

ربما يقول الرجل أو تقول المرأة ان السنوات الأولى للحياة المشتركة هي أجمل سنوات الحياة.. انها فترة الشباب.. فترة النزهات والرحلات الترفيهية والسفرات، ولكن أحد الزوجين لا يقتنع بمبررات شريكه فيبدأ النزاع.

وهنا نذكّر الأزواج بأن الانجاب المبكر أفضل فترة في ولادة أطفال أصحاء، وان الانجاب بعد تقدم السن قد يؤثر على صحة الاطفال، فيولدون ضعفاء.. هذا على صعيد السلامة البدنية أما من ناحية تربوية فان الانجاب المبكر يعني قضاء الطفل أطول فترة ممكنة مع أبويه، فيعيش مرحلة تربوية أطول، ولا ننسى ان ازدياد الفاصلة بين سن الآباء والبنين قد يضعف من امكانات التفاهم بينهم.

ومن جهة ثالثة إنّ ابناء الفترة المبكرة في الانجاب سوف يكبرون.. وقد يوفّقون في حياتهم مما يجعلهم في موقع افضل في تقديم خدمة لآبائهم الذين بلغوا مرحلة الشيخوخة.. هذا بشكل عام ولكن هذا لا يرقى لأن يكون مبرراً للنزاع العائلي وتعريض كيان الاسرة لخطر التفكك.

وقد تصادف حالة أخرى من النزاع حول عدد الابناء.. أو جنسهم كهذه الحالة التي ترويها السيدة «س» وهي تحتضن بنتيها بحزن وتقول: تزوجت قبل أربعة أعوام وانجبت هاتين البنتين.. ولكن زوجي كان يريد ولداً ولهذا حملت للمرة الثالثة، وعلى خلاف ما يشتهي زوجي انجبت طفلة ثالثة، ولأن زوجي موظف فأنا اعتقد ان دخل الاسرة لن يكفي لأكثر من ثلاثة أطفال ولكن زوجي يصرّ على الحمل باستمرار الى أن ألد ولداً.. ولكن ما هو الفرق بين البنت والولد؟! انني أخشى أن انجب بنتاً للمرّة الرابعة والخامسة فمن أين لنا أن نربّي هذا العدد من الأطفال.. لقد تشاجرنا بسبب ذلك[290].

ربّما يود الرجل أن تنجب زوجته ولداً، ولكن من غير الصحيح أن ينتقد زوجته إذا ولدت بنتاً، بل ان ذلك لا ينسجم مع أخلاق الانسان المسلم، الذي ينبغي أن يعي ان اللّه‏ هو الرزّاق، وانه لا فرق بين الذكر والانثى، وقد انتقد القرآن الكريم المشركين في الجاهلية على وأد البنات وهذه النظرة الجاهلية الى البنات.

يجب أن يتفهم الرجل إنّ تحديد جنسية الطفل أمر لا يخضع لإرادة المرأة ولا لرغبة الرجل.. اللّه‏ وحده الذي يعلم ما في الارحام، فما هو ذنب المرأة اذا انجبت بنتاً؟!

دعونا نستمع الى مرافعة هذه المرأة التي تقول:

«تزوجت قبل خمسة عشرة شهراً وشعرت بالحمل بعد ستة أشهر من الزواج.. ومنذ ذلك الوقت وزوجي يردد باستمرار يجب أن يكون الطفل ولداً.. أريد ولداً هل تفهمين؟!

في المستشفى اخبروني بانني انجبت توأماً.. بنتين.. لقد فرحت جداً.. أما زوجي فقد دخل علي عابساً وغادرني عابساً.. بل انه طلب مني أن أترك هاتين البنتين في المستشفى.. لهذا لجأت الى أهلي وها أنا أطلب الطلاق[291].

وتقول سيدة أخرى لمراسل جريدة اطلاعات: بعد 21 سنة من الحياة الزوجية، وبعد أن اصبح عندنا خمسة أطفال.. عليَّ أن اقدم كل هذه السعادة الى امرأة أخرى لا لشيء إلاّ اني لا أنجب إلاّ بنات.. انه يريد مني ولداً.. إن بناتي جميعاً جميلات وذكيّات ولم يزعجن يوماً أباهن..

ما هو ذنبي اذا لم يهبني اللّه‏ ولداً ولم يجعلني أنجب أولاداً؟[292]

ان هذه الروح هي بقايا من روح الجاهلية التي حاربه االاسلام..

في الجاهلية كانوا يشككون في انسانية المرأة، وكانوا يعتبرون البنت عاراً يقول القرآن الكريم: « وإذا بُشِّرَ أحدُهم بالانْثَى ظلَّ وجْهُهُ مسودّاً وهو كظيم * يتوارى من القومِ مِن سوءِ ما بشّرَ به أيُمسِكُهُ على هونٍ أم يدسُّه في الترابِ ألا ساء ما يحكمونَ »[293].

هذا هو الموقف الجاهلي من المرأة.. في حين ان الاسلام وعلى لسان النبي
يقول: «نعم الولد البنات ملطفات مجهّزات مؤنسات مباركات»[294].

ويقول أيضاً: «من يمن المرأة أن يكون بكرها جارية»[295].

ويقول صلى‌‏الله‌‏عليه‌‏و‏آله‌‏وسلم في مناسبة أخرى: «من عال ثلاث بنات أو ثلاث أخوات وجبت له الجنّة»[296].

ولو كانت المرأة عاراً ما جعل اللّه‏ سبحانه نسل رسول اللّه‏ في فاطمة!

سيدي!

يا من تدعي الحضارة والثقافة والتمدّن.. انبذ هذه الافكار الخاطئة بعيداً ترى ما هو الفرق بين البنت والولد.. ان ابنتك اذا ماربيتها تربية صحيحة فستكون لك فخراً ومجداً..

ثم هل تعلم ان البنت اكثر حبّاً لوالديها من الصبي؟! وهل تعلم ان الولد اذا كبر واشتد ساعده واستقلّ في حياته قلّما يفكر في والديه؟! بينما البنت تحمل هموم أبويها الى آخر العمر!

وهل تعلم يا سيدي ان البنت أقل مصروفاً من الولد؟! لأنها أقلّ مكثاً في البيت من الولد..

البنت تمكث الى أن يأتي ابن الحلال ويخطبها، فتذهب الى بيت آخر وتخفف من أعباء والديها.. أما الولد فقد يبقى الى أمد غير معلوم الى أن يكمل دراسته وربّما دراسته العالية ويحصل على عمل مناسب!

ثم هل هي جريمة أن تنجب امرأتك بنتاً.. الوالدان شريكان في تحديد جنس الوليد..

ويقول العلماء في هذا الخصوص ان نوع الغذاء يؤثر في تحديد جنسية
الطفل، ولذا من الأفضل مراجعة طبيب مختص بهذا الشأن.

وأخيراً يقول بعض العلماء أيضاً.. أن الرجل هو الذي يحدد جنس الطفل ولا دور للمرأة في ذلك!

فلماذا اذن نؤذي أزواجنا ونطلب منهن ما لا علاقة بهن فيه.. وبدل أن ننظر الى المسألة نظرة منطقية نصبّ العذاب على أزواجنا دون مبرّر! ان هذه الافكار والتصوّرات هي بقايا الفكر الجاهلي، الذي يجب ان نتخلص منه ونعتنق بدله الثقافة الاسلامية الصافية.

ولنتأمل في هذه الحكاية: «أتي رجل وهو عند النبي صلى‌‏الله‌‏عليه‌‏و‏آله‌‏وسلم فأخبر بمولود أصابه فتغيَّر وجه الرجل، فقال النبيُّ صلى‌‏الله‌‏عليه‌‏و‏آله‌‏وسلم: مالك؟ فقال: خير، فقال: قل، قال: خرجت والمرأة تمخض فاخبرت أنّها ولدت جارية، فقال النبيُّ صلى‌‏الله‌‏عليه‌‏و‏آله‌‏وسلم: الأرض تقلّها والسماء تظلّها، واللّه‏ يرزقها، وهي ريحانة تشمّها».

 

[286] جريدة اطلاعات 28 بهمن 1350.
[287] وسائل الشيعة: 15/97.
[288] المصدر السابق: ص96.
[289] المصدر نفسه.
[290] جريردة اطلاعات 2 مرداد 1351.
[291] المصدر السابق 14 تير 1349.
[292] المصدر نفسه 16 اسفند 1350.
[293] النحل: الآية 58.
[294] وسائل الشيعة: 15/100.
[295] المصدر السابق: 15/111.
[296] وسائل الشيعة: 15/100.