تربية الاطفال

تربية الاطفال

 

في طليعة الواجبات ومن أكثرها حساسية هي تربية الاطفال.. وهنا يتحمّل الأبوان مسؤولية جسيمة في هذا المضمار.

واذا أردنا ان نكون صريحين فإنّ المرأة كأم تتحمل هذه المسؤولية بالدرجة الاولى.. فالكلمات الأولى انما يتلقّاها الطفل هي من أمّه.. في رحمها ترعرع وفي حضنها نشأ..

و «الأم مدرسة اذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراقِ» وعلى الأمهات يقع العب‏ء الأكبر في تقدّم المجتمعات وتخلّفها ومن هنا نفهم الكلمات المضيئة لسيدنا محمد صلى‌‏الله‌‏عليه‌‏و‏آله‌‏وسلم وهو يقول:

«الجنّة تحت أقدام الأمهات»[279].

إنّ الاطفال الذين ينشأون في البيوت الآن، هم رجال ونساء المجتمع في المستقبل.. والبيت هو المدرسة الأولى.. الأم المعلّمة الأولى والأب هو الاستاذ الأول.. والأطفال هم تلاميذ يتلقون المعارف الأولى والاخلاق، وينهلون من معين الأبوة والأمومة قبل أن يضعوا أقدامهم في ميدان الحياة.

في البيت.. في أحضان الأبوين.. تتبلور شخصية الطفل..

وفي هذا المهد يكتسب ملامحه المستقبلية.

إنّ اطفال اليوم الخجولين العصبيين، المتملقين والضعيفي الارادة
والخانعين، والذين اعتادوا الكذب والاهانة هم نفسهم الذين يرسمون ملامح المجتمع في المستقبل!

فالطفل الخانع اليوم هو السياسي الخانع في المستقبل، والطفل العدواني اليوم هو المسؤول العدواني في المستقبل، والطفل الذي اعتاد الاهانة هو الانسان الذي يستسلم غداً للظلم ويرتضي حياة الذلّ.

ومن هنا تتجلّى أهمية التربية وحساسية الدور الذي يلعبه الأبوان في مصير الاطفال.

يقول الامام زين العابدين عليه‌‏السلام وهو يحدّد الاطار العام لحقوق الطفل:

«وأمّا حقُّ ولدك فان تعلم أنه منك ومضاف اليك في عاجل الدّنيا بخيره وشرّه، وأنك مسؤول عمّا ولّيته به من حسن الأدب والدلالة على ربّة عزّوجلّ، والمعونة له على طاعته، فاعمل في امره عمل من يعلم أنّه مثاب على الاحسان اليه معاقب على الاساءة إليه».

وفى هذه المناسبة نذكر ان ربّات البيوت لسن جميعاً على اطلاع كاف في اساليب التربية الصحيحة.. وانه يجب ان يتعلمن ذلك.

ولا يسعنا هنا ان نتطرق الى هذا الموضوع الحساس في الصفحات المحدودة والمعدودة[280].

ومن حسن الحظ ان كتب التربية متوافرة ويمكن للسيدات اقتناء الكتاب الذي يحببن. فالتربية فن وعلم والأمهات مدارس كبرى.

وهنا نقطة جديرة بالاهتمام، وهي أن الكثيرين ينظرون الى التربية ويخلطون‏بينها وبين التعليم.. ويتصورون ان تلقين الاطفال سلسلة من المفاهيم الدينية من قبيل رواية الحكايات، والقاء النصائح هو تربية لأطفالهم.


اذ يتصور البعض ان ذم الكذب والاستشهاد بالاحاديث التي تذم الكذب والآيات التي تهدد الكاذب بالمصير الاسود الذي ينتظره يكفي في تربية أطفال صادقين.

في حين ان المطلوب اكثر بكثير من هذا.

وبالطبع إنّ حفظ آيات القرآن والأحاديث الشريفة والحكايات المفيدة مؤثرة تربوياً، ولكن الآثار المطلوبة لا يمكن ان تتم وفق هذا البرنامج.

لأن المطلوب اعداد بيئة مناسبة لتربية الأطفال حتى ينشأ أطفالنا صادقين أمناء وصالحين.

والبيئة المطلوبة يجب أن تكون أجواؤها مفعمة بالايمان والصدق والطهر والصفاء والحرّية.

والطفل الذي ينشأ في بيئة اعتادت الخيانة والكذب لن تنفع معه جميع الاساليب التربوية التلقينية لكي يصبح صادقاً، لأنه يتشرّب الكذب ويتنفس الخيانة فكيف نطلب منه الصدق والوفاء؟!

أو ننتظر منه الإخلاص والصداقة؟!

إذا كان الأبوان يكذبان، فلا ينتظرا من طفلهما الصدق حتى لو قرأوا عليه مئات الآيات والحكايات والأشعار.

واذا كان الوالدان قذرين فلا يتوقعا من ابنهما النظافة حتى لو سمع منهما آلاف النصائح في ذلك.

إنّ سلوك الأبوين هو البيئة التي يتنفس فيها الطفل، ويتشرّبها والولد على سرّابية كما يقال وفرخ البطّ عوّام كما يقول المثل أيضاً.

ومن هنا فان الخطوة الأولى والمصيرية في اصلاح الذات يعني محيط الأسرة، فهي البيئة التي ينبت فيها الاطفال، وينشأ فيها الأبناء ليصبحوا فيما بعد آباءً.. وهكذا تتعاقب الأجيال.

 

[279] مجمع الزوائد: 8/138.
[280] يحيل المؤلف القراءة الى مراجعة كتابه اسلوب التربية «ائين تربيت». (المترجم)