الضرب ممنوع

الضرب ممنوع

 

الحياة الزوجية حياة مشتركة، والحياة الزوجية المشتركة لا تعني أن يلغي أحد الزوجين الآخر فكلٌّ له شخصيته المستقلة وذوقه، وهما يشتركان في كثير من النقاط التي تضفي على حياتهما الانسجام العام.

وهناك في الرجل والمرأة على السواء رغبة في أن يكون هو المتبوع، فالرجل يودّ أن تجري الأمور وفق هواه والمرأة تودّ أن يكون كل شيء على مرامها.

ومن الطبيعي أن تصطدم الأذواق وتختلف، وهنا يبرز دور التفاهم والحوار بعيداً عن الأمر والنهي الذي يؤدي الى نتائج غير طيبة.

فالتشاور والتجاور وتبادل الرأي طريق مثالي في الوصول الى ذوق رفيع على أساس التكامل بين ذوقين متفاوتين.

وعلى الرجل الاّ يفهم القيمومة فهماً خاطئاً، ويتصور أن القيمومة امتياز يجعل منه السيد المطاع، يسوغ لنفسه فرض ذوقه ورغبته على كل شؤون البيت يأمر وينهى؛ ولا حق لزوجته سوى الطاعة المطلقة دون قيد ولا شرط ولا حتى نقاش.

بل أن بعضهم يتطرّف وينهال على زوجته بالضرب لأنها لم تمتثل له أمراً ما!!

في حين أن الرجل لا يحق له أن يضرب زوجته، وإذا كانت هذه الظاهرة
سائدة في عصر الجاهلية فان نبينا صلى‌‏الله‌‏عليه‌‏و‏آله‌‏وسلم الذي أرسى دعائم العدالة الانسانية يقول في هذا الصدد: «أي رجل لطم امرأته لطمة، امر اللّه‏ عز وجل مالك خازن النيران فيلطمه على حر وجهه سبعين لطمة في نار جهنّم وأي رجل منكم وضع يده على شعر امرأة مسلمة سمر كفه بمسامير من نار»[148].

عن رسول اللّه‏ صلى‌‏الله‌‏عليه‌‏و‏آله‌‏وسلم: «انّه نهى عن ضرب النساء من غير واجب»[149].

ويقول أيضاً:

«أيما رجل ضرب امرأته فوق ثلاث اقامة اللّه‏ يوم القيامة على رؤوس الخلايق فيفضحه فضيحة ينظر اليه الاولون والاخرون»[150].

ويقول صلى‌‏الله‌‏عليه‌‏و‏آله‌‏وسلم: «انّي أتعجّب ممّن يضرب امرأته وهو بالضرب أولى منها.. لا تضربوا نسائكم بالخشب فإنّ فيه القصاص»[151].

الرجل الذي يضرب زوجته يظلمها، واللّه‏ لا يحب الظالمين، وليس للظالم من عاقبة طيبة لا في الدنيا ولا في الآخرة.

كما انّ الظلم الذي يصبّه الانسان الضعيف يكون أبشع وأن الرجل الذي يضرب زوجته التي هي رفيقة دربه، والانسان الذي يعيش معه تحت سقف واحد يعدّ نذالة وغدر.

فالمرأة التي وضعت يدها في يد الرجل واتخذته زوجاً لها، فأنها تنتظر منه حمايتها من الخطر.. إنها تحلم أن تضع رأسها على صدره لتشعر بالطمأنينة والسلام.


ولنتصور هذه الأحلام وكيف تتحطم عندما ينهال الرجل على امرأته بالضرب أليست هذا فجيعة في نظر من ينشد الحماية؟!

المرأة أمانة في رقبة الرجل شاء ذلك أم أبى.. أمانة الهية في عنقه.

يقول أمير المؤمنين عليه‌‏السلام:

«إنّ النساء عند الرجال لا يملكن لانفسهنَّ خيراً ولا نفعاً، وانهنَّ أمانة اللّه‏ عندكم فلا تضارّوهنَّ ولا تعضلوهنَّ»[152].

والرجل الذي يضرب زوجته لا يجرح بدنها فحسب بل يجرح قلبها الرقيق المفعم بالعاطفة.

سوف يبذر في نفسها عقدة نفسية قد يصعب علاجها؛ كما أنه يعرّض الوئام الزوجي للخطر.

ومن المخجل جداً للرجل أن يضرب زوجته ويحقرها ثم يطلب منها أن تبادله الحب!!

يقول رسول اللّه‏ صلى‌‏الله‌‏عليه‌‏و‏آله‌‏وسلم:

«أيضرب أحدكم المرأة ثمَّ يظلّ معانقها»[153].

ومن هنا فان للمرأة حقوق وعليها واجبات، ولا يجوز للرجل في الشريعة والقانون، ولا يحق له أخلاقياً اجبارها على عمل هو ليس من واجبها كما ان ضربها من أجل ذلك يعدّ معصية وإثماً.

فالعمل المنزلي ليس من واجب المرأة، ليس من وظائفها الطبخ والغسيل ونظافة البيت بل وحتى حضانة الاطفال وارضاعهم.


ليس من واجبها الخياطة والتطريز والحياكة والى سائر الأمور الأخرى التي عادة ما تقوم بها المرأة تطوعاً.

وإنّ قيامها بهذه الأعمال أمر يستحق التقدير والشكر، ولا يحق للرجل في كل الظروف اجبارها على القيام بهذه الأعمال.

الشريعة لا تجيز للرجل ضرب زوجته إلاّ في موارد محدودة جداً عندما تتعرّض حقوقه كرجل للاهمال والضياع.

فاللرجل حقوقه الجنسية على المرأة، وعلى المرأة الاستجابة لرغبات الرجل وتمكينه وتسليم نفسها.

ويعدّ امتناع المرأة عن ذلك وعدم تمكينها زوجها انتهاكاً لحقوق الرجل.

وفي مثل هذه الحالة ينبغي على الرجل اتباع اسلوب هادى‏ء في اقناع زوجته بل الأفضل أن يقدّم لها هدية ويستحوذ بذلك على قلبها.

وقد رسم القرآن الكريم منهجاً أخلاقياً رائعاً في تحديد مواقف واعية في مثل هذه الحالات:

قال تعالى: « واللاتي تخافون نشوزّهُنَّ فعِظوهنَّ واهجروهنَّ في المضاجع واضربوهنَّ فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهنَّ سبيلاً إنَّ اللّه‏ كان عليّاً كبيراً »[154].

ولذا نلاحظ أولاً اتباع اسلوب الاقناع والموعظة والنصيحة ثم تأتي مرحلة أخرى وهجرتها في المضاجع ثم يأتي الضرب كمرحلة ثالثة، والضرب له أيضاً شروطه التي لا تخرج عن اطار التأديب والالتفات الى النقاط التالية:

ـ الهدف من الضرب الاصلاح والتربية لا الانتقام.

ـ باستخدام اليد أو العصا الرقيقة وقد ورد في بعض الروايات غصن من شجرة الأراك الذي يستخدم في السواك.

ـ الضرب الذي لا يترك اثراً على الجلد وإلاّ لزمت الرجل الديّة.

ـ لا يكون الضرب على الأماكن الحساسة كالأذن والعين والرأس والبطن.

ـ الضرب الذي لا يؤدي بالمرأة الى اتخاذ موقف متشنج يعني لا يترك الكراهية في قلبها.

ـ انه يقصد اصلاحها والعيش معها تحت ظل سقف واحد.

ـ الاّ يكون للمرأة عذر شرعي مثلاً انها لم تمكّن الرجل بسبب العادة الشهرية أو أنها صائمة في رمضان أو بسبب سوء حالتها الصحية.

هذا فيما يتعلق بالمسألة الجنسية.

أما في مسألة الخروج من المنزل فمن واجب المرأة ومن حق الرجل عليها إلاّ تخرج من المنزل إلاّ بإذنه وخروجها بدون اذن يعدّ معصية وإثماً.

عن الصادق عليه‌‏السلام عن آبائه عليهم‏السلام عن النبي صلى‌‏الله‌‏عليه‌‏و‏آله‌‏وسلم قال: «ونهى أن تخرج المرأة من بيتها بغير أذن زوجها، فإن خرجت لعنها كل ملك في السماء وكل شيء تمر عليه من الجنّ والانس حتى ترجع الى بيتها»[155].

وفي نفس الوقت ينبغي على الرجل الاّ يتشدّد في استخدام حقه هذا ويضيّق الخناق على زوجته يعني الاّ يستغل ذلك بشكل تعسّفي.

لأن هذا الحق لم يشرّع له ليجعل منه سيّداً مطاعاً مرهوب الجانب، وانما من أجل مصلحة الأسرة والحياة الاسرية.

لأن الرجل في استخدامه المنطقي لهذا الحق يصون المرأة ويحميها من الانزلاق.


أما التشدّد والتعسّف فانه يؤدّي الى نتائج سلبية لأنّ حرمان المرأة من الخروج مطلقاً أو غالباً سوف يترك آثاراً نفسية ربّما تصل بالمرأة الى مرحلة الانفجار جرّاء الكبت المستمر.

غير أنه في كل الأحوال يترتب على خروج المرأة بدون أذن الزوج اثم واضافة الى الاثم والمعصية ان يستخدم الرجل نفس الاسلوب في المسألة الجنسية حيث يتدرّج من النصح أولاً ثم هجرتها في الفراش إذا لم ينفع الاسلوب الأول ثم استخدام الضرب بشروطه المذكورة آنفاً.

مع التأكيد على أن خروج المرأة في بعض الحالات وبدون اذن الزوج لايعد انتهاكاً لحقوق الرجل ولا تتحمل المرأة وزراً والحالات هي كما يلي:

ـ من أجل تعلّم احكام الدين.

ـ سفر الحج إذا وجب عليها (شرط الاستطاعة).

ـ تسديد ديون بذمتها حيث لا يمكن تسديدها إلاّ بهذه الطريقة.

 

[148] مستدرك الوسائل: 2/550.
[149] المصدر نفسه.
[150] بحار الأنوار: 103/249.
[151] المصدر السابق.
[152] مستدرك الوسائل: 2/551.
[153] وسائل الشيعة: 14/119.
[154] النساء: الآية 34.
[155] وسائل الشيعة: 14/154.