أخلاق الزوج

أخلاق الزوج

 

تسير أحداث الحياة وفق برنامج منظم، وتتجلى حوادث الزمن الواحدة بعد الأخرى وفق نظام غامض، حيث يؤلف الانسان في هذا الوجود المترامي ذرّة صغيرة وهي خلال حركتها تصطدم بالذرّات الأخرى، في عالم تقوده ارادة أعلى من البشر.

وتبقى ظاهرة الحوادث تتحدّى الانسان لأنها جزءً من الغيب الذي لا يعلمه والمستقبل المكنون الذي لم يطلع عليه.

إنك تغادر منزلك في الصباح فتواجه عشرات الحوادث التي لم تكن تتوقعها صغيرة كانت أو كبيرة.. في ميدان الحياة وفي ساحات العمل وكأنك تخوض صراعاً مع المشكلات التي تظهر هنا وهناك كما لو أنك في ساحة الحرب.

ربما تتعرض للوم رئيسك لأنك وصلت متأخراً الى محل عملك وهو لا يعلم أنك خرجت مبكراً ولكن لم تحصل على تاكسي يوصلك في الوقت المناسب.. وبعض هذه المشكلات قد يجعل منك قنبلة معبّأة قد تنفجر في أية لحظة انك طوال ذلك اليوم تكبت غضبك وانفجارك..

ولكن لدى عودتك الى المنزل تحاول استعراض عضلاتك تريد أن تثأر لنفسك ممن لا حول له ولا قوّة.. زوجتك وابنائك.

وتصبح لحظة وصولك الى البيت لحظة انقضاض ملك الموت فيفرّ أطفالك كحمامات تفرّ من الموت.. ولا سمح اللّه‏ لو توفرت لك ذريعة ما..


الطعام مالح جداً أو دون ملح.. الشاي لم يهيأ بعد.. وربّما ارتفع صوت ابنك الصغير.. أوكان وضع البيت غير مرتبٍ. أو اقتنصت زلّة لزوجتك وامصيبتاه!

وهنا يحدث الانفجار ويستحيل البيت الى معسكر للأسرى في قبضة ضابط لا يرحم..

وعندها يترقب الجميع اللحظة التي تقرر فيها مغادرة المنزل وكأنهم ينتظرون لحظة الخلاص..

إنّ ما يحدث في البيت وينجم عنه هو مسؤولية ربّ الاسرة الذي لم يستطع ضبط النفس، فحطّم اعصابه وأعصابه الآخرين ممن يعيشون في كنفه..

سيدي إنّ حوادثُ الزمان ظاهرة تخرج عن إرادتك، والرياح تجري بما لا تشتهي السفن.. والانسان مقدّر عليه أن يواجه من المشكلات... كنهر يرتطم بالصخور وهكذا الحياة البشرية.. والانسان الناجح من يواجه كل ذلك بروح من الصبر والمقاومة.

إن حوادث الزمن مهما بلغت من المرارة فانها لا تأخذ شكلها المرير الاّ لدى الضعفاء القلقين.

إن الحوادث التي يقابلها لها الانسان تنقسم الى نوعين نوع لا يمكن للانسان مواجهته فهو خارج عن ارادته، وعندها لا ينفع الجزع ولا الفزع، ولا يجدي التفكير فيها ولا التدبير.. لأنها جزء من القدر الانساني وعلى الانسان أن يواجه هذا النوع بصدر رحب وابتسامه تتجسد فيها روح الانسان المقاوم الباسل.

ونوع آخر خاضعة للحل والتدبير وعلى الانسان أن يُعمل فكره لأن هذا النوع من المشكلات قابل للحلّ وفي كل الاحوال على الانسان أن يمارس حالة من ضبط النفس في مواجهة المشكلات من كل نوع..

الانسان مخلوق ينطوي على قدرة كبيرة من المقاومة والتحمل.. انه بصبره
وحلمه ينتصر على مصائب الدهر.. أليس من المؤسف أن يخسر الانسان نفسه في أول مواجهة صغيرة فيطلق صيحات التأوه والمرارة والخسران؟!

ثم ما هي جريرة الأسرة عندما يتعرض الرجل خارج المنزل الى مضايقات شتّى؟! إن اجمل لحظات الاسرة تلك التي يطرق فيها ربّ البيت عائداً يحمل اكياس الفاكهة أو علب الحلوى أو في اسوأ التقادير ابتسامة حب لزوجته أو نظرة عطف لابنته أو حضن دافى‏ء لابنه الصغير.

سيدي لا تحاول أن تجعل من العش الدافى‏ء سجناً رهيباً، وتصبح سجاناً قاسياً يمارس التعذيب الروحي لسجنائه!

كن منطقياً مع نفسك، إنك مهما ثرت ومهما صرخت فلن تحل مشكلاتك انك تفعل شيئاً واحداً هو تدمير أعصابك.. ومن الأفضل لك أن تلتقط أنفاسك بعد يوم صاخب، وعندها تستطيع أن تفكر في حل لمشكلاتك.. وحاول في وقت العودة الى المنزل أن تترك مشكلاتك ومعاناتك عند عتبة الباب.. فالبيت مكان استراحتك وواحة خضراء لك في صحراء الحياة..

من أجل هذا تحث أدبيات الاسلام على حسن الخلق وتجعله جزءً لا ينفك عن الدين، ومن علامات كمال الايمان.

يقول رسول اللّه‏ صلى‌‏الله‌‏عليه‌‏و‏آله‌‏وسلم:

«إنَّ أكمل المؤمنين ايماناً أحسنهم خلقاً، وخياركم خياركم لنسائهم»[63].

ويقول أيضاً:

«أفضل الاعمال حسن الخلق»[64].

ويقول الامام الصادق:


«البر وحسن الاخلاق يعمّران الدّيار ويزيدان في الارزاق»[65].

ويقول في مناسبة أخرى:

«من ساء خلقه عذّب نفسه»[66].

وعن لقمان الحكيم قوله:

«ينبغي للعاقل أن يكون في أهله كالصبي فإذا كان في القوم وجد رجلاً»[67].

وعن رسول اللّه‏ صلى‌‏الله‌‏عليه‌‏و‏آله‌‏وسلم أنه قال:

«لا عيش أهنأ من حسن الخلق»[68].

وعنه أيضاً قال:

«الخلق الحسن نصف الدين»[69].

لقد كان سعد بن معاذ حبيباً الى قلب رسول اللّه‏ صلى‌‏الله‌‏عليه‌‏و‏آله‌‏وسلم وكان من أجل الصحابة، ولما استشهد شيعه رسول اللّه‏ حافياً وانزله في مثواه بنفسه، وعندما رأت أمه ما صنع رسول اللّه‏ صلى‌‏الله‌‏عليه‌‏و‏آله‌‏وسلمخاطبت ابنها قائلة:

ـ هنيئاً لك الجنة يا سعد!

فقال رسول اللّه‏ صلى‌‏الله‌‏عليه‌‏و‏آله‌‏وسلم: يا أمَّ سعد مه! لا تجزمي على ربّك، فانَّ سعداً قد أصابته خمّة».

وتساءلت أمه عن سرّ ذلك فقال صلى‌‏الله‌‏عليه‌‏و‏آله‌‏وسلم:

«نعم إنه كان في خلقه مع أهله سوء»[70].

 

[63] بحار الأنوار: 13/226.
[64] والشافي: 1/166.
[65] والشافي: 1/166.
[66] المصدر السابق: 176.
[67] المحجة البيضاء: 2/54.
[68] بحار الأنوار: 71/389.
[69] المصدر السابق: 71/389.
[70] المصدر نفسه: 73/298.