الحوار الثالث عشر

الحوار الثالث عشر

بدأ الحوار بسؤال طرحه جلال .

جلال: کيف بشخص الإمام زمن الظهور؟ هل هناک وحي من الله فيتحوّل الإمام إلي نبي ؟!

نبيه : تشيرالأحاديث والرويات وکذ اأدلّة الإمامة إلي ان للإمام ارتباطا ًبعالم الغيب، و انّه يکتسب الحقائق وقت الضرورة ، کما تشير بعض الرويات إلي انّه يسمع صوت الملک دون رؤيته .(1)

ومن هنا فمن المتحمل أن يعلم الإمام وقت الظهورعن طريق الإلهام الإلهي.

عن المفضل بن عمرعن أبي عبدالله الصادق عليه السلام في قوله تعالي «فإذا نقرفي الناقور» قال: انّ منّا إماما ً مظفرا ً مستترا ً فإذا أرادالله إظهارأمره نکت في قلبه نکتة فظهر فقام بأمرالله تبارک وتعالي .(2)

وعن أبي الجارود قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: جعلت فداک، اخبرني عن صاحب هذا الأمر؟ قال: يمسي من أخوف الناس و يصبح من آمن الناس، يوحي إليه هذا الأمرليله و نهاره ، قال: قلت : يوحي إليه يا أبا جعفر؟ قال أبا الجارود انّه ليس وحي نبوّة ولکنه يوحي إليه کوحيه إلي مريم بنت عمران و إلي أم موسي و إلي النحل؛ يا أبا الجارود انّ قائم آل محمّد أکرم علي الله من مريم بنت عمران وأم موسي و النحل.(3)

ومن هنا فإن الإلهام بهذه الصورة لن يلغي الفرق بين النبوّة والإمامة ، والنبي مشرع للأحکام حامل للشريعة بينما الإمام حافظ لها أمين عليها.

ومن الممکن القول انّ رسول الله و الأئمة من آله قد ذکروافي أحاديثهم علامات الظهور، ومن هنا يمکن للإمام انتظار تحقق تلک العلامات ويکتشف زمن الظهور.

عن رسول الله صلّي الله عليه و آله و سلمّ قال: له علم ؛ ا ذاحان وقت خروجه انتشرذلک العلم من نفسه ، و أنطقه الله عزوجل ، فناداه العلم : اخرج يا ولي الله ، فاقتل اعداءالله .(4)

و يعزز هذا الاحتمال رويات تشير إلي صحيفة مختومة يتوارثها الأئمة عن رسول الله صلّي الله عليه وآله وسلمّ .(5)

کما تفيد الأحاديث بوقوع حوادث تدّبرأمرالإمام في ليلة واحدة.

فعن الحسني عن الإمام الجواد عليه السلام انّه قال: ان القائم منا هو المهدي الذي يجب ان ينتظرفي غيبته ويطاع في ظهوره ، وهو الثالث من ولدي والذي بعث محمدا ً(صلّي الله عليه وآله وسلمّ) بالنبوّة و خصّنا بالامامة انه لو لم يبق من الدنيا الا يوم واحد لطوّل الله ذلک اليوم حتي يخرج فيملا ًالأرض قسطا ًوعدلا ً کما ملئت ظلماً وجوراً، و ان الله تبارک وتعالي ليصلح أمره في ليلة کما أصلح کليمه موسي اذ خرج يقتبس لأهله ناراً، فرجع و هو رسول نبي؛ ثم قال (عليه السلام): افضل اعمال شيعتنا انتظار الفرج .(6)

وعن الرسول صلّي الله عليه وآله وسلمّ ان الله يصلح أمره في ليلة واحدة .(7)

وعن الأمام الصادق عليه السلام انّه قال: صاحب هذا الأمرتغيب ولادته عن هذا الخلق لئلا يکون في عنقه إذا خرج ويضلح الله عزّوجل أمره في ليلة .(8)

و عن الإمام الحسن عليه السلام انّه قال: في التاسع من ولدي سنّة من يوسف و سنّة من موسي بن عمران و هو قائمنا أهل البيت يصلح الله تبارک وتعالي أمره في ليلة واحدة.(9)

 

الانتظار

جلال: ما هو واجب المسلمين في زمن الغيبة؟

نبيه : أشارالعلماء إلي جملة من الأعمال التي ينبغي للمسلمين اداؤها مثل الدعاء للإمام ، و التصدّق عنه ، و نيابته في الحجّ و الاستغاثة به وقت الشدائد، وکلّ هذه الأعمال حسنة ولاتحتاج إلي بحث ، ولکن هناک واجب آخرهام لم يبحث بشکل کاف و هو الإنتظار.

و قد جاء في الرويات ما يؤکّد أهمية الحالة لدي المسلم.

عن ابي عبدالله عليه السلام قال: من مات علي هذا الامر منتظرا ً کان کمن کان في فسطاط القائم .(10)

و عن الإمام الرضا عليه السلام عن آبائه عن رسول الله صلّي الله عليه و آله و سلمّ : ان رسول الله صلّي الله عليه و آله و سلمّ قال: افضل اعمال امتي انتظار الفرج من الله عزوجل.(11)

وعن الإمام علي عليه السلام قال: المنتظر لأمرنا کالمتشحط بدمه في سبيل الله .(12)

کما عدّة الرضا أيضا ً من أعمال الخيرمشيرا ًإلي الية الکريمة «فانتظروا إني معکم من المنتظرين».(13)

و هناک أحاديث أُخري في هذا المضمار؛ حيث نجد فيه تأکيدا ًواضحا ًعلي فضيلة الإنتظارو الترقب ، فيا تري ماذا يعني إنتظارالفرج ليکون ثوابه ثواب الشهيد المضمخ بالدماء ؟!

هل ينحصر ذلک بالدعاء إلي الله بأن يعجّل بظهورالإمام؟ ثم يمضي في حال سبيله دون أن يکون له موقف إرادة ضد ما يشاهده من فساد وإنحراف وظلم .

انّ الذين لا يشعرون بأدني مسؤولية تجاه مجتمعهم والذين لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنکر، و الصامتين إزاء ما يجري من ظلم دون أن ينبشوا ببنت شفة ثم يتمتمون قائلين : اللهمّ عجّل فرج الإمام . إن هؤلاء المهزومين نفسا ة لا يمکنهم أن ينهضوا لنصرة الإمام باذلين أرواحهم و أموالهم و أولادهم في سبيل الله و نصرة الحق ّ.

إن للإنتظارمعني أوسع وأشمل وأسمي بکثيرمما يظنّه البعض، ولکي نلقي الضوء علي هذه المسألة يجدران نذکرنقطتين:

الأولي : إنّ الأحاديث تشير إلي عمل ضخم و مهمّة شاقة ينهض بها الإمام وهي تطهير الأرض من الفساد و اجتثاث جذور الظلم و العدوان و محو آثار الکفرو الإلحاد، و يعود الناس سواسية کأسنان المشط منضوين تحت رية التوحيد الکبري ، حيث دين الإسلام دين المحبّة و السلام.

و من هنا فإن مهمّة بهذه الخطورة ينبغي أن يسبقها إستعداد بشري ونضج إنساني يرتقي إلي تقبّل مثل هذه الأفکار الشاملة وان يتعدي هذا التقبل القناعة إلي الحماس والمساندة.

الثانية: انّ انتصارالإمام يحدث بعد حروب مريرة مع الظالمين وانه يستخدم اسلوب القوّة مع الکافرين من الذين يعترضون طريقه الإصلاحي الشامل.

 

عن الإمام الباقرعليه اسلام (14): «واما شبهه من جدّه المصطفي صلّي الله عليه و آله و سلمّ فخروجه بالسيف وقتله أعداءالله وأعداء رسوله و الجبارين والطواغيت وانّه ينصر بالسيف و انّه لا تردّ له رابة».

وعن بشير النبّال قال: لما قلت لابي جعفر(عليه السلام): انهم يقولون ان المهدي لو قام لاستقامت له الامورعفواً و لا يخريق محجمة دم . فقال : کلاّ والذي نفسي بيده لواستقامت لأحد عفوا ًولاستقامت لرسول الله (صلّي الله عليه و آله و سلمّ) حين ادميت رباعيته ، وشجّ في وجهه ، کلا والذي نفسي بيده حتي نمسح نحن وانتم العرق والعلق ، ثم مسح جبهته .(15)

و من هنا فالأخبار تشير إلي انتصارساحق يحققه الإمام بعد معارک مريرة يخوضها ضد المستکبرين والظالمين وانّه يستخدم الأسلحة المتطورة في حروبه ممّا انتجته العقول البشرية .

و علي هذا ينبغي أن نتعرف شروط الظهور أوّلا ًو واجب المسلمين ثانيا ً، وماذا يعني الإنتظار؟ ان الإحاديث الورادة عن أهل البيت «عليهم السلام» تشيرإلي انّ إصلاح النفس هو في مقدّمة الواجبات والوظائف التي ينبغي للمسلم القيام بها.

فالأخلاق الحسنة وتربية النفس وامتثال أوامرالقرآن الکريم ونواهيه وتحرّي الحکم الشرعي وتطبيقه في الحياة اليومية، والسعي في حلّ المشکلات الإجتماعية ، ومکافحة الفقروالبطالة وتکديس الثروات ، والإنفتاح علي الحضارة الحديثة، والإستفادة من تقنيات العصر، والقيام بدورالمبلغ للإسلام باعبتاره الطريق الوحيد لإنقاذ البشرية جمعاء، والسعي لإقامة دولة إسلامية متحضرة تکون مثالا ًيحتذي للآخرين ، وان لا يغفلوا عن تعزيز قدراتهم العسکرية والدفاعية ما يستطاعوا!

انّ کلّ هذا سيکون من شأنه التمهيد لإقامة هو المطلوب وان المنتظرين هؤلاء لهم ثواب الشهداء المضرجين بالدماء.

اما الذين يقفهون مکتوفي اليدي و ما زالوا ينتظرون من القوانين الوضعية حلولا ًلمشکلاتهم ويرددون : عجّل الله فرج الإمام ، ويلهثون وراء الآخرين ويتهافتون علي ما ينتجه الآخرون في ميادين العلم والصناعة ، ولا شغل لهم سوي الاختلافات والتناحر، و الذين لا ينسجمون مع أنفسهم ولا مع الإمام فلا يمکن أن نصنفهم في قائمة المنتظرين لأن هؤلاء لا يخطون باتجاه تمهيد الطريق أمام حکومة الإسلام العالمية حتي لو رددوا مئات المرّات : اللهمّ عجّل فرجه الشريف.

فهل يمکن للمرء أن يفهم معني آخر للإنتظار غير هذا؟ و هو يصغي إلي حديث الأمام الصادق عليه السلام في قوله: ليعدّن احدکم لخروج القائم ولو سهما ً.(16)

ونجد في حديث الباقرعليه السلام ان ّمجرّد العزم علي نصرة المهدي يعادل في ثوابه ثواب الاستشهاد معه:

 

«القائل منکم ان ادرکت قائم آل محمدنصرته کان کالمقارع معه بسيفه بل کالشهيد معه».(17)

و في حديث للصادق عليه السلام يجعل فيه الانتظارفي مستودي الشهادة لله بالوحدانية و للرسول صلّي الله عليه و آله و سلمّ بالنبوّة:

«الا اخبر کم بما لا بقبل الله عزوجل من العباد عملا ًالا به ؟ شهادة ألاّ اله الاّ الله و أنّ محمدا ًعبده ورسوله و الإقرار بما أمر الله و الولية لنا و البراءة من اعدائنا (يعني الأئمة خاصّة) و التسليم لهم والورع و الاجتهاد و الطمأنينة و الانتظار للقائم عليه السلام».(18)

أحاديث تنهي عن الثورة

المهندس: أتصورمن خلال حديثکم يا سيد نبيه انّ من واجب الشيعة وخلال فترة الغيبة السعي لتشکيل حکومة إسلامية و تطبيق الشريعة الإليهة؛ في حين نجد أحاديث أُخري تنهي عن التحرّک في هذا الطريق فما هو ريکم؟

نبيه : أشکرک أوّلا ًعلي ملاحظتک هذه ، ولکن قبل الخوض في هذا البحث ينبغي مناقشة مثل هذا الأحاديث في إطارما يلي:

أوّلا ً: النحث في سندها ومدي صحتها.

ثانياً: البحث في دلالتها و هل يمکن کونها دليلا ًللنهي عن الثورة.

علي ان الموضوع يحتاج إلي مقدمّة تمهّد للبحث في موضوع :

 

 

الحکومة في الدين

کما هو واضح ان الشريعة الإسلامية لا تقصرعلي الجانب العبادي و العقيدي بل هي نظام کامل و شامل للحياة ، بکلّ ما تزخر به الحياة من أخلاق و سياسة و اجتماع .... الخ.

و في کلّ هذه الشريعة يبرز محوران:

الأوّل ، الفردي: حيث يؤدي المسلم ما عليه من عبادات کالصلاة والصيام، والنظافة و الحجّ و الزکاة و الحلال و الحرام من الطعام و الشراب. و بطبيعة الحال فإن أمورا ً کهذه لا تحتاج إلي حکومة بل هي مهمّات فردية.

الثاني، الاجتماعي: حيث تنطوي فيه قضيا الجهاد و الدفاع و الأمر بالمعروف و النهي عن المنکر، و القضاء، و مسائل القصاص ، و الحقوق المدينة والجزائية و العلاقات الدولية، و تشريعات الزکاة، و هذا المحور هو في الصميم من حياة الإنسان اجتماعيا ً و سياسيا ً، فالمجتمع يحتاج نظاما ًللحياة يکفل له حقوقه و يعين واجباته و وظائفه .

ولأن الحکم يمثّل الجانب العام في الحياة اللجتماعية فهو في الصميم من الدين الإسلامي ، و لهذا نري عشرات اليات التي تحثّ علي الجهاد وترفع من شأنه، إلي طائفة کبيرة من الأحاديث التي تصبّ في هذا المنحي ، قال تعالي : «و جاهدوا في الله حق ّجهاده».(19)
 

«و قاتلوهم حتي لا تکون فتنة».(20)

«فقاتلوا أئمة الکفرانّهم لا يمان لهم لعلّهم ينتهون».(21)

و إذن فالمسلمون مطالبون بنشرالإسلام وتعزيز قوّته وليس هناک ما هو أوضح من هذه الية الکريمة:

«و أعدّوا لهم ما استطعتم من قوّة ومن رباط الخيل ترهبون به عدوّالله وعدوکم وآخرين لا تعلمونهم الله يعلمهم».(22)

فالجانب العسکري جانب حياتي في الإسلام وعلي المسليمن ان يسعوا ما وسعهم ذلک في تعزيز قدراتهم الدفاعية والحربية لکي يکون ذلک رادعا ًللأعداء في التفکيرلشن عدوان علي الأمّة الإسلامية.

 

الأمر بالمعروف

يحتل الأمر بالمعروف والنهي عن المنکر مساحة هامّة في التشريع الإسلامي، و هو في طليعة الواجبات الإجتماعية، و هن هنا يترتب علي المسلمين واجب الإعتراض علي الظلم ين ما کان ، و علي الفساد و الاستکبار و العدوان وبکافة الوسائل الممکنة، وإضافة إلي هذا يتوجب علي المجتمع الإسلامي ترسيخ عقيدة التوحيد في النفوس وغرس عبادة الله وحده في القلوب، و الدعوة إلي الخير والجهاد، و القرآن الکريم و کذا الأحاديث يزخران بالأمثلة التي ترفع من هذا الجانب في حياة المسلم فردا ًومجتمعا ً.

قال تعالي: «ولتکن منکم امّة يدعون إلي الخير و يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنکر».(23)

«وکنتم خير امّة اُخرجت للناس تأمرون بالمعروف و تنهون عن المنکر و تؤمنون بالله».(24)

إنّ الأحکام الشرعية والقانون السياسي والإجتماعي الإسلامي وقضيا الجهاد والدفاع والحقوق المدينة، والقوانين القضائية والأمر بالمعروف والنهي عن المنکر، ومواجهة الفساد والظلم وتنفيذ العدالة الإجتماعية تحتاج إلي مؤسسات أدارية ضخمة ولا يمکن إقامتها إلاّمن خلال حکومة إسلامية.

و من هنا فإن مسألة تشکيل الحکومة الإسلامية التي من شأنها إقامة حکم الله في کلّ نواحي الحياة هي من صميم الدين . وإذا الشارع الإسلامي قد أورد کلّ هذه القوانين فإنّه لا بدّ قد أخذ بعين الاعتبارجانب التنفيذ، فکيف نکفل تطبيق العدل الإجتماعي دون قوّة تنفيذية تحق ّوتبطل الباطل، وتضع حدّاً للفوضي.

أنّ الإسلام و هو يشرّع کلّ هذه القوانين قد فکر في من ينفذها وهذا هو معني الحکومة الإسلامية ، و الحاکم الإسلامي هو الذي يقف في قمّة الهرم الإداري و هو المسؤول عن تنفيذ الشريعة الإليهة ، و من هنا فإن مسألة الحکم هي من جوهر الإسلام.

 

 

الرسول القائد

کان رسول الله صلّي الله عليه و آله و سلمّ هو القائذ العام والرئيس الأعلي في الحکومة الإسلامية، و بهذا فقد کان يباشر الإدارة ومنحه الله في ذلک صلاحيات و اسعة حتي يمکنه النهوض بهذه المسؤولية الکبري .

قال تعالي :

«النبيّ أولي بالمؤمنين من أنفسهم».(25)

«فاحکم بينهم بما أنزل الله و لا تتبع أهواءهم».(26)

و من هنافإن رسول الله صلّي الله عليه و آله و سلمّ يمثّل القوّتين التشريعية و التنفيذية.

فارتباطه باسماء من خلال الوحي الذي يمثل المصدر التشريعي الوحيد يجعله مسؤولا ً عن إبلاغ الرسالة الإلهية ، کما انّ تصدّيه لقيادة الامّة الإسلامية يجعله المسؤول الأوّل عن تنفيذ الشريعة السمحاء.

وها هو التاريخ يمدّنا بأعظم سيرة للإنسان فوق وجه البسيطة؛ فبأ يديه أزمّة الاُمور و قيادة الجهاد المسلّح و الدفاع ضد العدوان و کلّ ما يتعلق بإدارة المجتمع الوليد.

قال تعالي :

 

«يا أيهّا النبيّ حرّص المؤمنين علي القتال».(27)

«يا أيهّا النبيّ جاهد الکفارو المنافقين واغلظ عليهم».(28)

«إنّا أنزلنا إليک بالحقّ لتحکم بين الناس بما أراک الله ولا تکن للخائنين خصيما».(29)

ومن هنا فإنّ مهمّة الرسول لم تکن في إبلاغ الرسالة فقط، بل تتعدّي إلي قيادة المسلمين و تنفيذ شرعة الله في الأرض ، و کان المسلمون ملزمين بطاعة النبيّ التي تعدّ طاعة لله سبحانه ؛ قال تعالي :

«وأطيعوا الله والرسول و أولي الأمرمنکم».(30)

«و أطيعوا الله و رسوله و لا نتازعوا فتفشلوا».(31)

«و ما أرسلنا من رسول ِ إلاّ ليطاع بإذن الله».(32)

و هذا الحشد من اليات في مضمار طاعة النبيّ (صلّي الله عليه و آله و سلمّ) المقرونة دائما ًوأبدا ًبطاعة الله ؛ فبالإضافة إلي اتّباعه في التشريع ، هناک طاعة أُخري متوجبة له کقائد و حاکم و هي واجبة لأن الله أمرذلک .

و من هنا فإن الحکومة الإسلامية هي في الصميم من الدين و کان الرسول صلّي الله عليه و آله و سلمّ أوّل تجسيد لذلک .

 

الحکم الإسلامي بعد رحيل النبيّ الأکرم

بوفاة الرسول صلّي الله عليه وآله وسلمّ انتهي التشريع و فترة الوحي والنبوّة، وبقيت بعده الشرائع التي جاء بها من السماء، و هنا سؤال ؛ هل انتهت حاکمية النبيّ نهائيا ًبمجرد وفاته ؛ و هل سمي النبيّ أحدا ًخليفة من بعده ، وهل انّ النبيّ قد أوکل هذه المهمة الخطيرة إلي المسلمين ؟ أم انّه عين أحدا ًيقوم مقامه في القيادة والحکم.

يؤمن الشيعة يمانا ً قاطعا ًانّ رسول الله کان حاکما ًللمسلمين منفّذا ًلشرع الله وکان يدرک ضرورة استمرار الحکومة الإسلامية التي أرسي دعائهما بعد هجرته ؛ وان مصلحة المسلمين تتطلب وجود حاکم عادل ، عالم بالشريعة و الأحکام ، و هو إلي جانب ذلک يکون تقيا ً وأمينا ً لا تأخذه في الله لومة لائم؛ ومن أجل هذا کان النبيّ صلّي الله عليه و آله و سلمّ وبأمرمن الله عزّوجلّ يشير ألب إلي بن أبي طالب وليا ًو خليفة من بعده ، و هناک حشد کبيرمن الأحاديث الصحيحة تزخر بها کتب الشيعة و السُنّة معا ً؛ و من أشهر هذه الأحاديث حديث الغديرالذي صدرعن النبيّ لدي عودته من حجّة الوداع، فقد خطب النبيّ في مکان يدعي غديرخم، وأمام آلاف المسلمين قائلا ً: ألستُ أولي بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قالوا: بلي يارسول الله . فقال : من کنت مولاه فهذا عليّ مولاه، ثم قال: اللهم ّوال ِمن والاه وعادِ من عاده، فلقي عمربن الخطاب عليا عليه السلام فقال له : هينئا ًلک يا ابن أبي طالب، أصبحت مولاي و مولي کلّ مؤمن و مؤمنة.(33)

وهذا الحديث يؤکد استمرار ولية النبيّ صلّي الله عليه وآله وسلمّ حيث سلّم ذلک إلي عليّ بن أبي طالب، وهو يدرک تماما ًأنّ عليآ ًعليه السلام هو المؤهّل الوحيد فجعله مستودعا ًلعلمه وأمينا ًلأسراره ، کلّ هذا بأمرمن الله سبحانه وتعالي.

و کان عمربن الخطاب أوّل من أدرک عمق هذه المسؤولية.

 

خليفة الرسول

ومن هنا فإن الحکومة الإسلامية لم تنته برحيل النبيّ صلّي الله عليه وآله وسلمّ، بل انّه أکّد استمرارها بتعيين خلفته من بعده وهوعليّ بن أبي طالب، وعلي هذا فإن الإسلام لم يهل أبدا ًاستمرار الجانب السياسي والعسکري والإجتماعي ، بل جعل ذلک أمرا ًواجبا ًباستمرارالخلافة والإمامة و يتجلّي هذا الموضوع باستخلاف عليّ عليه السلام لابنه الحسن عليه السلام و استخلاف الحسن لأخيه الحسين، وهکذا حتي يصل الأمرإلي الأمام الثاني عشروهو المهدي عليه السلام.

و قد توارث الأئمة العصمة والطهروالعلم، و هم أئمة المسلمين سواء أکانوا في موقع الحکم أم لم يکونوا.

وتاريخيا ًلا نجد سوي الإمام الأوّل عليِ بن أبي طالب يحکم الدولة الإسلامية لفترة قصيرة نسيبا ً.

 

 

إنني أعتقدان حادثة السقيفة کانت أوّل کارثة في تأريخ الإسلام لأنّها حرفت المسارالإسلامي في اتجاه بعيد عن الحقّ، وکانت مقدّمة للکوارث التي وقعت فيما بعد.

و لقد بذل الإمام عليّ وکذا الصدّيقة الزهراء جهودا ًکبري لتصحيح المسارلکن دون جدوي ، فاضطر الإمام إلي السکوت حفاظا ً علي بيضة الإسلام، و کان يشارک المسلمين مشکلاتهم وسعي في حلّها و کان الخلفاء لا يفتأون يرجعون إليه في المعضلات و يدرکون انّه باب مدينة العلم کما قال النبيّ صلّي الله عليه و آله و سلمّ .

وبعد أن وصل الإمام إلي الحکم بدأ بإرساء دعائم حکومة جديدة وعين الولاة ونصّب القضاة و عبأ الجيوش لإعادة الأمن والإستقرار إلي البلاد الأسلامية.

و هذا ما يعزّز ضرورة الحکومة الإسلامية في التشريع الإلهي و انّها أمرلا يحتاج إلي جدل.

 

الحکومة زمن الغيبة

و السؤال الآن ماهو موقع الشريعة الإسلامية بکلّ نظمها السياسية والإجتماعية زمن الغيبة؛ هل سقط الواجب الإسلامي عن المسلمين في غياب الإمام؟ وهل من المعقول أن يکون کلّ هذا التراث الضخم وقفا ًعلي حياة الرسول فقط ، ثم تبقي معطّلة حتي زمن الظهور؟ وهل يتخلي الإسلام خلال هذه الفترة الطويلة عن مهمّة في الجهاد و الدفاع وتنفيذ الأحکام الإليهة و مواجهة الظلم و الفساد و الطغيان، و انّ کلّ ذلک موکول إلي المهدي؟

وهل يمکن القول انّ کلّ هذه اليات و کلّ هذه الرويات انّما وجدت لتکون في طيات الکتب وفوق الرفوف.

انّ وجدان المسلم لن يصدّق أبدا ً، وانّ الجميع علماء وبسطاء يجمعون علي انّها وجدت لتطبّق ، وإذن الشريعة الإلهية وخلال المعصورجميعا ًواجبة التنفيذ، ولا يمکن أيضا ً أن نتصورانّ الإسلام بکلّ هذه التفاصيل الدقيقة قد أغفل جانبا ًحياتيا ًوهو وجود الحاکم الشرعي.

وظيفة المسلمين زمن الغيبة

صحيح ان النبيّ والإمام المعصوم هو المنصّب من قِبل الله في قيادة الناس وتولّي زمام أمورهم ، ولکن واجب المسلمين و وظيفتهم هو التمکين للحکم الإسلامي وتعزيزه و قدوة بالنبيّ والإمام في تشکيل الحکومة الإسلامية، و هذا السعي مستمرحتي في غياب الإمام ، ذلک انّ الشريعة لازمة التنفيذ في کلّ الظروف، و ما يعززهذا الرأي اننا نجد الکثيرمن اليات تتوجّه بالخطاب إلي المسلمين عامّة:

«وجاهدو في الله حقّ جهاده».(34)

«انفروا خفافا ًوثقالا ًوجاهدوا بأموالکم و أنفسکم في سبيل الله».(35)

«وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونکم و لا تعتدوا».(36)

«فقاتلوا أولياء الشيطان ان کيد الشيطان کان ضعيفا».(37)

«وقاتلوهم حتي لا تکون فتنة ويکون الدين کلّه لله».(37)

«وما لکم لا تقاتلون في سبيل الله».(39)

«فقاتلوا أئمة الکفر انّهم لا يمان لهم».(40)

«وقاتلوا المشرکين کافّة کما يقاتلونکم کافة».(41)

«و اعدّوا لهم ما استطعتم من قوّة ومن رباط الخيل ترهبون به عدّوالله وعدّوکم».(42)

«و السارق و السارقة فاقطعوا يديهما جراءً بما کسبا نکالا ًمن الله والله عزيزحکيم».(43)

«و الزانية و الزاني فاجلدوا کلّ واحد منهما مائة جلدة و لا تأخذکم بهما رأفة في دين الله».(44)

«ولتکن منکم امّة يدعون إلي الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنکر».(45)

«يا أيها الذين آمنوا کونوا قوّامين باقسط شهداءالله».(46)

ان القرآن يزخرب الأمثلة و الشواهد علي الخطاب الجمعي الذي يحدّد الواجب والدوائر المختلفة.

بل إن أقامة الدين کواجب إلهي لا يتم ّإلاّ عن طريق تشکيل الحکومة، قال تعالي: «شرع لکم من الدين ما وصّي به نوحا ًو الذي أوصينا إليک وما وصّينا به إبراهيم وموسي و عيسي انّ أقيموالدين و لا تتفرّقوا فيه».(47)

و إذن فإنّ مجموع الخطاب القرآني يؤکّد استمرارفاعلية الشريعة کنظام حياتي المسلمين و انّهم موظفون بإقامة الدين سواء في حضورالإمام أوغيابه . و إلاّ هل يمکن الإستمرارفي ظلّ الفوضي ، إذا کانت الشريعة الإليهة ترفض الفوضي فلابد انّها وقد جاءت بما يکفل سعادة الناس في الدنيا والآخرة.


شهادات

إن ضرورة تشکيل الحکومة الإسلامية أمريکاد يکون بديهيا ً، فحکم العقول بضرورته ، و الإسلام لا يرفض أمرا ً عقلانيا ًبهذا المستوي فحسب ، بل و يؤيده و بقوّة تأمّل هذه الية الکريمة:

«و ما محمّد إلاّ رسول قد خلت من قبله الرسل أفأن مات أوقتل انقلبتم علي أعقابکم».(48)

و من هنا نستشف ان المسيرة مستمرة النبيّ (صلّي الله عليه وآله وسلمّ) وفي غيابه ، و هل هناک ما هو أوضح من الإنقلاب في التعبيرعن استمرارالنظام الإسلامي وديمومته في الإتجاه الصحيح.

و التاريخ يمدّنا بموقف صارخ أعقب وفاة رسول الله مباشرة و هو الإجتماع العام الذي انعقد في «سقيفة بني ساعدة» حيث أجمع الحضور من خلال صراعهم حول الخلافة علي شيء واحد هو ضرورة إستمرار الحکومة الإسلامية ؛ و لم يذکر التاريخ انّ أحدا ًقال أو شار إلي عدم الحاجة الي وجود حکم إسلامي .

و کان الصراع يدورحول هوية الخليفة ، فقد ري الأنصارانّهم أحقّ بالخلافة من غيرهم ، و قال المهاجروين أنّهم شجرة النبيّ وأصله وانّهم أحقّ من غيرهم وقالت طائفة من الأنصار فيما بعد منّا أمير ومنکم أمير، وردّ المهاجرون : منّا الأمراء وأنتم الوزراء ، ولکن لم يقل أحد انّه لاضرورة للخلافة ولا للخليفة.

وکان للإمام علي موقفه الفريد فهو بالرغم من يمانه العميق بحقّه الإلهي إلاّ انّه لم ينسق وراء دعوة البعض في تفجير الصراع حول الخلافة، کما انّه لم يقل ان لاضرورة لها، بل وقف - بعد أن سجّل اعتراضه و تحفظه -إلي جانب الخلافة مصححا ًومسدّدا ً ، و شعاره الإسلام أوّلا ًوأخيرا ً، و ما لبث الخلفاء أن عادوا إليه يستشيرونه في أمّهات المسائل و التحدّيات فکان النبع المتدفّق علما ًوخلقا ًوفکرا ً.

و في فتنة الخوارج الذين رفعوا شعرهم «لا حکم إلالله» کان للإمام موقفه الصارم، إذ يقول: «کلمة حقّ يراد بها باطل».

ويضيف عليه السلام موضّحا ً:«نعم انّه لا حکم إلاّ الله ولکن هؤلاء يقولون لا إمرة إلاالله ؛ و انّه لابدّ للناس من أمير، برّ أو فاجر، يعمل في امرته المؤمن ؛ و يستمتع فيها الکافر، ويبلغ الله فيه الأجل و يجمع به الفيء ويقاتل به العدوّ، و تأمن به السُبل ويؤخذ به للضعيف من القوّي حتي يستريح برّ و يستراح من فاجر».(49)

ومن الوضع هنا انّه لا شکّ ولا ريب أبدا ًفي ضرورة تأسيس الدولة الإسلامية وانّها واجب عام علي کلّ المسلمين حتي في غياب النبيّ والإمام ، و ان عليهم في هذه الفترة اتنخاب أحدا لفقهاء ممّن تجتمع فيه الصفات المطلوبة من إطّلاع باسياسة والإجتماع ، إضافة إلي التقوي و حسن الإدارة؛ ذلک انّ فردا ًکهذا سيحظي بالرضا من لدن الأئمة الأطهار.

و بالطبع فإن هذا الحديث سيقودنا إلي بحث عميق جدّا ًو هو «ولية الفقيه» و هو ما لا يسعنا بحثه لضيق الوقت.

و خلاصة القول انّ الشريعة الإسلامية تنطوي علي واجبات الهية لا يمکن أداؤها إلاّ من خلال تشکيل حکم إسلامي يوفر الأرضية المناسبة لإنجازها و القيام بها؛ وفي ضوء ذلک ينبغي ان ندرس کلّ الأحاديث التي قد تشير إلي النهي عن الثورة و الخروج .

الدکتور: أتقدّم إلي جميع الأصدقاء الأعداء بالتفضّل لحضوراللقاء القادم في منزلي.

 

(1) اصول الکافي ج2ص271.
(2) اثبات الهداة ج6ص364.
(3) اثبات الهداة ج7ص172-بحارالأنوارج52ص389.
(4) بحارالأنوارج52ص311.
(5) اصول الکافي ج1ص279.
(6) اثبات الهداةج6ث420.
(7) الحاوي للفتاوي ليسيوطي ط 3ج2ص124.
(8) بحارالأنوارج52ص96.
(9) بحارالأنوارج51ص133.
(10) کمال الدين ج2ص357.
(11) کمال الدين ج2ص357.
(12) کمال الدين ج2ص358.
(13) کمال الدين ج2ص358.
(14) بحار الأنوار ج51ص218.
(15) بحار الأنوار ج2ص358.
(16) بحار الأنوارج52ص366.
(17) کمال الدين ج 2 ص357.
(18) الغيبة النعمانية ص106.
(19) الحج الية (78).
(20) البقرة الية(193).
(21) التوبة الية(12).
(22) الأنفال الية (60).
(23) آل عمران الية (104).(2)آل عمران الية (119).
(24) آل عمران الية(110).
(25) الأحزاب الية (6).
(26) المائدة الية (48).
(27) الأنعام الية (65).
(28) التوبة الية(73).
(29) النساء الية(105).
(30) النساء الية (59).
(31) الأنفال الية(46).
(32) النساء(64).
(33) ينابيع المودة ص297.
(34) الحج الية (78).
(35) التوبة الية(41).
(36) البقرة الية(190).
(37) النساء الية(76).
(38) الانقال الية (39).
(39) النساء الية (75).
(40) التوبة الية (12).
(41) التوبة الية(36).
(42) الأنفال الية(60).
(43) المائدة الية (38).
(44) النور الية(2).
(45) آل عمران الية(104).
(46) النساء الية(135).
(47) الشوري الية (13).
(48) آل عمران -الية(144).
(49) نهج البلاغة ج 1 کلام رقم 39.