الحوار الحادي عشر

الحوار الحادي عشر
الجزيرة الخضراء

انتظم لقاء الأصدقاء في منزل السيد نبيه وبدأ الحواربعد تبادل عبارات المحبّة والودّ:

قال جلال: أُعيد سؤالي مرّة أُخري وهوعن الجزيرة الخضراء.

فهمي: أنا أيضا ً سمعت بأنّ الإمام يعيش مع أبنائه في الجزيرة الخضراء فما هو ريکم ياتري ؟

نبيه: في الحقيقة انّ حکية الجزيرة الخضراء أشبه ما تکون بالأساطير التي لا تمتّ إلي عالم الحقائق بصلة، وقد وردت کاملة في «البحار» للمجلسي الذي عثر علي رسالة مخطوطة تحمل عنوان الجزيرة الخضراء ومؤلّفها الفضل بن يحيي الطيبي وانّه سمع هذه الحکية من الشيخ شمس الدين والشيخ جلال الدين في مرقد الإمام الحسين وذلک في الخامس عشرمن شعبان عام 699 ه وهي منقولة عن صاحب القصّة الذي يدعي بالشيخ زين الدين علي بن علي بن فاضل المازندراني؛ وتبدأ الحکية کالآتي:

انّه کان في دمشق يطلب العلم علي الشيخ عبدالرحيم الحنفي والشيخ زين الدين علي الأندلسي، وکان هذا طيب القلب واتفق ان عزم علي السفر، ولشدّة تعلّقه يرافقه إلي مصر حيث يقيم في القاهرة تسعة أشهر، وتصله رسالة في أحد اليام من والده في الأندلس يذکر فيها مرضه وشوقه إلي لقاء ولده ، فعزم الا ستاذ علي السفر إلي الأندلس، وهنا يرافقه المازندراني أيضا ً و لکنه يتخلّف عنه في إحدي القري وحيدا ًولکن أهل القرية أکرموه غية الإکرام . ولنمکل القصّة کما يرويها التاريخ علي لسانه:

وعينوا لي مکانا ًفي زويا المسجد و ما زالوا يتعاهدوني بالعزة والإکرام مدّة إقامتي عندهم ، وصار إمام مسجدهم لا يفارقني ليلا ً ولا نهاراً فسألته عن ميرة أهل بلده من ين تأتي إليهم فانّي لا أري لهم أرضا ًمزروعة فقال تأتيهم إليهم ميرتهم من الجزيرة الخضراء من البحر الأبيض من جزير أولاد الإمام صاحب الأمر (عجّل الله فرجه) فقلت لهم تأتيکم ميرتکم في السنة فقال مرتين و قد أتت مرة و بقيت لاُخري. فقلت : کم بقي حتي تأتيکم؟ قال: أربعة أشهر. فتأثرت لطول المدة ومکثت عندهم مقدار أربعين يوما ً أعوالله ليلا ً و نهاراً بتعجيل مجيئها و أنا عندهم في غية الإعزاز والإکرام . ففي آخر يوم من الأربعين ضاق صدري لطول المدّة فخرجت إلي شاطئ البحر أنظر إلي جهة المغرب التي ذکر أهل البلدإن ميرتهم تأتي إليهم من تلک الجهة فريت شبحا ًمن بعيد يتحرّک فسألک عن ذلک الشبح أهل البلد وقلت لهم هم يکون في البحرطيرأبيض فقالوا لا فهل رأيت شيئا ًقلت نعم فاستبشروا وقالوا هذه المراکب التي تأتي إلينا في کلّ سنة من بلاد أولاد الإمام فما کان إلا قليل حتي قدمت تلک المراکب وعي قولهم ان مجيئها کان في غيرالميعاد فقدم مرکب کبير و تبعه آخروآخرحتي کملت سبعا ًفصعد من المرکب الکبير شيخ مربوع القامة وبهيّ المنظرحسن الزي ودخل المسجد فتوضأ الوضوء الکامل علي الوجه المنقول عن أئمة الهدي وصلّي الظهرين فلما فرغ من صلاته التفت نحوي مسلما ًعليّ فرددت فقال ما اسمک وأظنّ انّ اسمک علي قلت صدقت فحادثني باللين محادثة من يعرفني فقال ما اسم أبيک ويوشک أن يکون فاضلا ًقلت نعم ولم أکن أشکّ في انّه قد کان في صحبتنا من دمشق الشام إلي مصر فقلت يها الشيخ ما أعرفک بي و بأبي هل کنت معنا حين سافرنا من دمشق فقال لا قلت ولا من مصر إلي الأندلس قال لا ومولاي صاحب العمر. قلت له : ومن أين تعرفني باسمي واسم أبي؟ قال: اعلم انّه قد تقدّم إليّ وصفک وأصلک ومعرفة اسمک وشخصک وهيئتک واسم أبيک (ره) وأنا أصحبک معي إلي الجزيرة الخضراء فسررت بذلک حيث قد ذکرت ولي عندهم رسم و کان من عادته انّه لا يقيم عندهم إلاّ ثلاثة يام فأقام اسبوعا ً وأوصل الميرة إلي أصحابها المقررة فلّما أخذ منهم خطوطهم بوصول ا لمقرر لهم عزم علي السفر وحملني معه وسرنا في البحر فلّما کان في السادس عشرمن مسيرنافي البحر ريت ماءً أبيض فجعلت أطيل النظر إليه فقال لي الشيخ واسمه محمّد مالي أراک تطيل النظر إلي هذ الماء؟ فقلت له: انّي أراه علي غيرلون ماء البحر. فقال لي: هذا هو البحر الأبيض وتلک الجزيرة الخضراء وهذا الماء مستديرحولها مثل السورمن أيّ الجهات أتيته وجدته وبحکمة الله تعالي ان مراکب أعدائنا إذ دخلته غرقت وإن کانت محکمة ببرکة مولانا و امامنا صاحب العصرعليه السلام، فاستعملته وشربت منه فإذا هو کماء افرات. ثم انا لما قطعنا ذلک الماء الأبيض وصلنا إلي الجزيرة الخضراء ، ثم صعدنا من المرکب الکبير إلي الجزيرة و دخلنا البلد فريته محصنا ًبقلاع وأبراج وأسوارسبعة واقعة علي شاطئ البحر ذات أنهار وأشجار مشتملة علي أنواع الفواکه والأثمار المنوعة و فيها أسواق کثيرة وحمامات عديدة وأکثرعمار اتها برخام شفّاف وأهلها في أحسن الزيّ والبهاء فاستطارقلبي سرورا ً لما ريته ثم مضي بي رفيقي محمّد بعد ما استرحنا في منزله إلي الجامع المعظم فريت فيه جماعة کثيرة وفي وسطهم شخص جالس عليه من المهابة والسکينة والوقار ما لا أقدرأن أصفه والناس يخاطبونه بالسيد شمس الدين محمّد العالم ويقرأون عليه في القرآن والفقه والعربية بأقسامها وأّصول الدين والفقه الذي يقرأونه عن صاحب الأمرعليه السلام مسألة مسألة وقضية قضية وحکما ً حکما ً فلما مثلت بين يديه رحّب بي وأحلسني في القرب منه وأحفي السؤال عن تعبي في الطريق وعرفني انّه تقدّم إليه کلّ أحوالي وانّ الشيخ محمد رفيقي انّما جاء بي معه بأمرمن السيد شمس الدين العالم أطال الله بقاء ثم أمرني بتخلية موضع منفرد في زاوية من زويا المسجد و قال لي هذا يکون لک إذا أردت الخلوة والراحة فنهضت ومضيت إلي ذلک الموضع فاسترحت فيه إلي وقت العصروإذا أنا بالموکل بي قد أتي إليّ وقال لي لا تبرح من مکانک حتي يأتيک السيد وأصحابه لأجل العشاء معک فقلت سمعا ًوطاعة فما کان إلاّ قليل وإذا بالسيد سلمه الله قد أقبل ومعه أصحابه فجلسواومدت المائدة فأکلنا ونهضنا إلي المسجد مع السيد لأجل صلاة المغرب والعشاء فلمّا فرغنا من الصلاتين ذهب السيد إلي منزله و رجعت إلي مکاني وأقمت علي هذه الحال مدّة ثمانية عشر يوما ًونحن في صحبته أطا الله بقاه فأوّل جمعة صليتها معهم رأيت السيد سلّمه الله صلّي الجمعة رکعتين فريضة واجبة . فلما انقضت الصلاة قلت : يا سيدي قد ريتکم صليتم الجمعة رکعتين فريضة واجبة؟ قال: نعم لأنِّ شروطها المعلومة قد حضرت فوجبت فقلت في نفسي ربّما کان الإمام حاضراً. ثم في وقت آخر سألت منه في الخلوة: هل کان الإمام عليه السلام حاضرا ً؟ فقال: لا و لکني أنا النائب الخاص ّ بأمرصدرعنه عليه السلام.

فقلت : يا سيدي وهل ريت الإمام عليه السلام؟

قال: لا ولکن حدّثني أبي رحمه الله انّه سمع حديثه ولم ير شخصه و انّ جدّي رحمه الله سمع حديثه و رأي شخصه .

فقلت له : و لم ذاک يا سيدي يختصّ بذلک رجل دون آخر؟

 

فقال لي: يا أخي إنّ الله سبحانه وتعالي يؤتي الفضل من يشاء من عباده وذلک لحکمة بالغة وعظمة قاهرة کما ان الله اختصِّ من عباده الأنبياء و المرسلين والأوصياء و المنتجبين وجعلهم أعلاما ً لخلقه وحججا ً علي بريته و وسيلة بينهم و بينه ليهلک من هلک عن بيّنة ويحيي من حيّ عن بينّة و لم يخل أرضه بغيرحجّة علي عباده للظفر بهم ولابد لکلّ حجّة من سفير يبلغ عنه.

ثم انّ السيد سلّمه الله أخذ بيدي إلي خالج مدينتهم وجعل يسير معي نحو البساتين فريت فيها أنهارا ً جارية وبساتين کثيرة مشتملة علي أنواع الفواکه عظيمة الحسن والحلاوة من العنب الرمان والکمثري وغيرها ما لم أرها في العراقين ولا في الشامات کلّها. فبينما نحن نسير من بستان إلي آخر مر بنا رجل بهيّ الصورة مشتمل ببردتين من صوف أبيض فلمّا قرب منّا سلم علينا و انصرف عنا ،فأعجبني هيئته فقلت للسيد سلّمه الله : من هذا الرجل؟

قال لي : أتنظر إلي هذا الجبل الشاهق ؟

قلت : نعم .

قال : ان وسطه لمکانا ً حسنا ً و فيه عين جارية تحت شجرة ذات أغصان کثيرة وعنده قبّة مبنية بالآجر، وأنّ هذا الرجل مع رفيق له خادمان لتلک القبة، و انا أمضي إلي هناک في کلّ صباح جمعة و أزور الإمام عليه السلام منها وأُصليّ رکعتين وأجد هناک ورقة مکتوب فيه ما احتاج إليه من المحاکمة بين المؤمنين ، فمهما تضمنت الورقة أعمل به، فينبغي لک أن تذهب إلي هناک وتزورالإمام عليه السلام من القبّة. فذهبت إلي الجبل فريت القبة علي ما وصف لي سلّمه الله، فوجدت هناک خادمين فرحب بي الذي مرّعلينا، وأنکرني الآخر، فقال له : لا تنکره فإني ريته في صحبة السيد شمس الدين العالم . فتوجّه إليّ ورحّب بي، وحادثاني و أتياني بخبز و عنب، فأکلت و شربت من ماء تلک العين التي عند تلک القبة وتوضّأت و صلّيت رکعتين و سألت الخادمين عن رؤية الإمام عليه السلام ، فقالا لي: الرؤية غير ممکنة وليس معنا إذن في إخبارأحد. فطلبت منهم الدعاء فدعو الي وانصرفت عنهما و نزلت من ذلک الجبل إلي ان وصلت إلي المدينة، فلمّا وصلت إليها ذهبت إلي دار السيد شمس الدين العالم فقيل لي انّه خرج في حاجة له فذهبت إلي دار الشيخ محمّد الذي جئت معه في المرکب فاجتمعت به و حکيت له عن مسيري إلي الجبل واجتماعي بالخادمين وإنکار الخادم عليّ فقال ليس لأحد رخصة في الصعود إلي ذلک المکان سوي السيد شمس الدين وأمثاله فلهذا وقع الإنکار منه لک.

فسألته عن أحوال السيد شمس الدين أدام الله أفضاله . فقال : انّه من أولاد الإمام (عليه السلام) وانّ بينه و بين الإمام خمسة آباء وانّه انائب الخاصِّ عن أمرصدر منه عليه السلام.

قال الشيخ الصالح زين الدين عليّ بن فاضل المازندراني المجاور بالغري علي مشرفه السلام:

 

واستأذنت السيد شمس الدين العالم أطال الله بقاءه في نقل بعض المسائل التي يحتاج إليها عنه وقراءة القرآن المجيد ومقابلة المواضع المشکلة من العلوم الدينية وغيرها فأجاب إلي ذلک وقال إذا کان ولا بد من ذلک فابدأ أوّلا ً بقراءة القرآن العظيم فکان کلمّا قرأت شيئا ًفيه خلاف بين القرّاء أقول له قرأ حمزة کذا وقرأ الکسائي کذا و قرأ عاصم کذ او أبو عمروبن کثير کذا فقا ل السيد سلّمه الله : نحن لا نعرف هؤلاء وانّما القرآن نزل علي سبعة أحرف قبل الهجرة من مکة إلي المدينة و بعدها لمّا حج ّرسول الله صلّي الله عليه وآله وسلمّ حجّة الوداع نزل عليه الروح الأمين جبرئيل عليه السلام فقا ل يا محمّد صلّي الله عليه وآله وسلمّ اتل عليّ القرآن حتي أعرفک أوائل السور و أواخرها و شأن نزولها فاجتمع إليه عليّ بن أبي طالب عليه السلام و ولداه الحسن والحسين و أبي بن کعب وعبدالله بن مسعود و خذيفة بن اليمان وجابر بن عبدالله الأنصاري وأبوسعيد الخدري وحسّان بن ثابت وجماعة من الصحابة رضي الل ه عن المنتجبين منهم ، فقرأ النبيّ (صلّي الله عليه وآله وسلمّ) القرآن من أوّله إلي آخره فکان کلمّا مر بموضع فيه اختلاف بينه له جبرئيل وأميرالمؤمنين عليه السلام يکتب ذاک في زوج من أدم فالجميع قراءة أميرالمؤمنين (عليه السلام) و وصي رسول ربّ العالمين.

و يستر سل المازندراني في حکيته في استئذان السيد بنقل تسعين مسألة.

کما تساءل عن حديث يفيد بکذب کلّ من ادّعي المشاهدة في الغيبة الکبري فأيُد السيُد صحّة الحديث و قال انّه يرتبط بزمان خاصّ وهو عهد بني العباس، اماّ الآن فقد ارتفع المحظور، و إن هذه المدن بعيدة عن متناول الأعداء فالا مانع من اللقاء.

ثم يتساءل المازندراني عن حديث آخرحول إباحة الإمام الخمس لشيعته حيث يد السيد ذلک ، والذي أخبره أيضا ً برؤية المازندراني الإمام مرّتين ولکن من دون أن يعرف انّه الإمام.

و في ختام الحکية يوصي السيد المازندراني بعدم المکوث في المغرب والإسراع في العودة إلي العراق، و قد امتثل الأخير لذلک.(1)

وإلي هنا تنتهي قصّة الجزيرة الخضراء وهي کما قلت لها طابع الأساطير، لم يلي:

- لا تتوفّر الحکية علي سندذي أهمية حتي انّ المجلسي الذي أوردها في کتابه اعترف بعدم وجودها في کتب معتبرة ولهذا فقد أفرد لها بابا ًخاصا ً حتي لا تختلط بالأبواب الأُخري.

- انّها نتطوي علي تناقضات ، فالسيد شمس الدين الذي يدّعي نيابة الإمام وانّه لم يرَالإمام بشخصه حتي الآن و انّ جدّه التقاه وحدّه التقاه وحدّثه نراه يقول للراوي فيما بعد:

أنا أذهب صباح کلّ جمعة للقاء الإمام في الجبل ثم يعرض ذلک علي الراوي نفسه.

- انّها تضمنت مسألة إباحة الخمس وهي مرفوضة من الفقهاء جميعا ً.

- إنّ مسرح القصّة أو مکان الجزيرة يعدّ خياليا ً خاصّة في هذا الزمن ، و ليس هناک من بحرأ بيض اللهم إلاّ إذا کان يقصد البحر الأبيض في شمال الاتحاد السوفيتي السابق و هو من غير الممکن أبدا ًنظرا ًلبعده عن المغرب وإذا کان يقصد البحر المتوسط و هو ما يطلق عليه أيضا ً بالبحر الأبيض فتسميته تشمل البحر کلّه .

ثم ّانّ وجود الإمام في نقطة نائية جدّا ً لا ينجسم مع شخصية الإمام و أهدافه الکبري في إنقاذ المستضعفين و المقهورين في العالم ؛ وهذه خلاصة الموضوع يا سادة وهي کما ترون لا تستحق کلّ هذا الوقت من الحديث.

جلال: لقد خطر في بالي سؤال وهو هل للإمام أبناء حقا ً؟

نبيه : ليس هناک ما يؤيد أو ينفي وجود أ ولاد و ذرّية للإمام . ومن المحتمل ان يکون له زوجة وأبناء، فهو يفعل ميراه صالحا ً، علي ان بعض الأدعية تُشير إلي هذا الموضوع ولکنّها کما هو معروف لا تنهض کدليل بأيّ حال من الأحوال، فمثلا ًالدعاء الذي يقول:

- «اللهم اعطه في نفسه و ولده وذرّيته واٌمته وجميع رعيته ما تقرّ به عينه».(2)

- «اللهم اعطه في نفسه وذرّيته و شيعته و رعيته وخاصّته وعامته وعدوه وجميع أهل الدنيا ما تقر ّبه عينه» . (3)

و مع کلّ هذا فإن احتمال وجود ذرّية للإمام ولو فيما بعد وارد. و قد روي عن الإمام الصادق عليه السلام قوله : کأنيّ أري نزول القائم في مسجد السهلة بأهله وعياله .(4)

 

زمن الظهور

الدکتور: هل هناک زمن محدّد لظهورالمهدي؟

نبيه : ليس هناک توقيت لظهورالإمام أبدا ً، بل انّ الأئمّة الأطهار کذّبوا کلّ من يقول بذلک.

فعن الفضيل قال : سألت أبا جعفر عليه السلام هل لهذا الأمر وقت؟ فقال: کذب الوقانون ، کذب الوقانون ، کذب الوقانون.(5)

وعن عبدالرحمن بن کثيرقال:

کنت عند أبي عبدالله (عليه السلام) اذ دخل عليه مهزم الاسدي فقال: اخبرني جعلت فداک متي هذا الأمرالذي تنتظرونه فقد طال؟ فقال: يا مهزم کذب الوقانون وهلک المستعجلون ونجا المسلَّمون. (6)

وعن محمّد بن مسلم عن أبي عبدالله عليه السلام قال: من وقّت لک من الناس شيئا ًفلا تهابّ أن تکذبه فلسنا نوقّت لأحد . (7)

و يستفاد من مجموع الأحاديث انّ الرسول صلّي الله عليه وآله وسلمّ والأئمة عليهم السلام من بعده لم يحدّدوا وقتا ًللظهور، بالرغم من وجود أحاديث ضعيفة لا يؤيه لها، مثال ذلک : الحديث الذي روي عن أبي عبيد المخزومي وقال فيه: قال ابوجعفر (الباقر): يا أبا لبيدانه يملک من ولد العباس اثنا عشرتقتل بعد الثامتن منهم اربعة ، تصيب احدهم الذبحة ثم يسترسل في استعراض حروف القرآن الي أن يصل الي (ألر) حيث يقوم القائم ! .(8)

 

علامات الظهور

المهندس: هناک علي ما أظنّ علامات للظهورفما مدي صحتها؟

نبيه : وردت في مجمل الأحاديث علامات لظهور الإمام، وبالطبع فأنّ استعراض الأحاديث في ذلک يستغرق وقتا ً طويلا ً دون جدوي، علي اني أؤکد علي بعض النقاط:

- انّ مصدر بعضها هو أخبار الآحاد، وغالبا ً ما يکون مصدرها أُناس مجهولون أوغير موثّقين ، وبالتالي فلا يرکن إليها.

- تنقسم أحاديث أهل البيت في هذا المضمار إلي طائفتين ؛ الأوُلي تشير إلي علامات حتمية الوقوع قبل الظهور، وهي غيرمشروطة ، والطائفة الثانية تشير إلي علامات مشروطة فإن تحققت الشروط وقعت وإلاّ فلا.

- إنّ الظهورلا يتحقّق ما لم تقع علاماته الحتمية فإذا وقع بعضها عدّ ذلک علي قرب الفرج، لا علي وقوعه مباشرة.

- انّ بعضها يأتي بشکل خوارق إعجازية تعزّزمن مصداقية الإمام ، و هي في ذلک تناظرمعجزات الأنبياء.

- هناک بعض العلامات التي يعدّ وقوعها مستحيلا ًمن قبيل شروع الشمس من ناحية المغرب کسوف الشمس في منتصف شهر رمضان وخسوف القمرفي آخره، ومثل هذه العلامات تعدّ تغيرا ًًهائلا ًفي النظام الکوني ، وهذه الأخبار بالطبع أخبارآحاد لا تفيد القطع، وربما تعدّ من تلفيقات الحقبة الاُموية والعباسية، لعلم الحکومات آنذاک بأنّ طمس أحيدث المهدي يعدّ عملا ًمستحيلا ًفعمدت إلي التشويش علي الحقائق في وضع علامات مستحيلة و بذلک يمکنهم تمزيق صفوف الملتفين حول العلويين.

 

قصة السفياني

المهندس: من هوالسفياني الذي عدّ خروجه من علامات الظهور؟

نبيه: تفيد الأحاديث بخروج رجل من نسل أبي سفيان قيل في وصفه انّه ظاهر الصلاح ، يلهج بذکرالله وهو في حقيقته من أمکر الناس وأخبثهم ، يحتلّ الشام وحمص وفلسطين والأردن وقنسرين ، ويکون زوال حکم بني العباس علي يديه، يقتل من الشيعة جمعا ًغفيرا ً، فإذا سمع بظهورالإمام بعث إليه جيشا ً لقتاله فيخسف بجيشه بين مکّة و المدينة.

جلال: و لکن دولة بني العباس قد زالت منذ قرون؟!

نبيه: لقد جاء في الرويات انّها تزول حتي لا يبقي منها أثرولکنّها بعد ذلک تعود کما کانت.

فعن الإمام موسي الکاظم عليه السلام : ملک بني العباس مکر و خدع يذهب حتي لم يبق منه شيء ويتجدّد حتي يقال: مامرّ به شيء.(9)

ويستفاد من ظاهر الحديث انّ دولة العباس تقوم مرّة اُخري يکون زوالها النهائي علي يد السفياني ، ومن التحمل أن يکون خروج السفياني من المسائل الحتمية ولکن زوال دولة بني العباس علي يديه ليس حتمياً.

فهمي: يقال انّ بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان کان يطمع إلي الخلافة وهوالذي وضع حديث السفياني بعد أن ري الخلافة في البيت المرواني، وصفه صاحب الأغاني بالشاعر والعالم وهوالذي وضع حديث السفياني .(10)

و ذکرالطبري في تاريخ خروج عليّ بن عبدالله بن خالد بن يزيد بن معاوية سنة 159 وادعائه بأنّه السفياني المنتظر(11)، ومن الممکن القول بأنّ حديث السفياني من الموضوعات.

نبيه: لقد تضافرت الأحاديث حول خروج السفياني ولا يمکن الحتمال الوضع، و لعلّ شيوعه بين الناس هو الذي دفع بعض ذوي الطموح لا ستغلاله.

 

قصّة الدجّال

جلال : لقد عدّوا خروج الدجال من علامات الظهور، وهو رجل کافر له عين واحدة تقع في جبهته ، تسطع کأنّها نجمة، مکتوب علي جبينه کافر، يقرأها حتي الأمين، و معه جبل من طعام و نهرمن ماء يمتطي حماراً أبيض ، خطوته ميل، وتمطرالسماء بأمره، ينادي بصوتٍ بسمعه الناس جميعا ً، أنا ربّکم الأعلي ، الذي خلقکم ويرزقکم فهلوا إليّ.

و يقال انّه کان منذ عهد رسول الله صلّي الله عليه وآله وسلّم وانّ اسمه عبدالله أو صائد بن صيدا، و ذهب الرسول إليه في جمع من أصحابه و کان يدّعي الربوبية فأراد عمر قتله فمنعه رسول الله وهو ما يزال حياً، سيخرج في آخرالزمان من قرية يهودية في أصفهان.(12)

وقد روي عن تميم الداري الذي کان نصرانياً ثم أسلم في العالم التاسع من الهجرة انّه ادّعي رؤية الدجال في إحدي المغرب وکان مصفدا ًبالسلاسل.(13)

نبيه : تعني کلمة الدجال في الانگليزي «Antichticr» عدوّ المسيح، وهي في العربية لا تشيرإلي شخص بعينه و إنّما تطلق علي کلّ من کان کذابا ًخبيثا ًضالا ً.

و کثيرا ًما وردت الإشارة إليه في الأنجيل وانّه لا ينکرالمسيحية بل ينکرالأب والإبن.(14)

و انّه سيظهر دجالون کثيرون، وان کلّ روح تنکر المسيح فهي ليست من الله ، بل هي روح الدجال.(15)

وانّ هذا العالم يزخر بالذين ينکرون ظهورعيسي في قالب الجسد وهم الدجالون.(16)

الدجال يعني الکذّاب والمضلّ ، وانّ النصاري کانوا يترقبون ظهورة؛ وانّ المسيح عليه السلام کان قد أخبر المؤمنين بخروجه، ومن المحتمل إن يکون الدجال الذي اخبر به عيسي هو المسيح الکذّاب الذي ظهربعد خمسة قرون وادّعي النبوّة فصلب.(17)

وهناک رويات عديدة تشير إلي انّ رسول الله(صلّي الله عليه وآله وسلمّ) کان يخذّر من فتنة الدجال، وانّ الأنبياء قبله کانوا يخذّرون قومهم من فتنته.

فقد روي عن رسول الله قوله :ما بعث الله نبيا ً الا وقد أنذرقومه الدجال (18).

وعن أبي هريرة قال :قال رسول الله صلّي الله عليه وآله وسلمّ : لا تقوم الساعة حتي يخرج ثلاثون دجالون کلّهم يزعم انّه رسول الله .(19)

وعن الإمام عليّ عليه السلام انّه حذّر من خروج دجالين من نسل فاطمة يخرجان، و من دجال يخرج من دجلة البصرة وهو أوّل الدجالين. (20)

وعن الرسول (صلّي الله عليه وآله وسلمّ) ان سبعين دجّالاً يسبقون خروج الدّجال.(21)

وخلاصة القول ان لقصّة الدجل جذورها في الکتب المسيحية ، کما انّ کتب الحديث لدي أهل السنة هي الاُخري تزخر بذکرالدجال.

و بشکل عام فإنّ من غير المستبعد صحّة هذه القصّة، علي انّ أوصافه التي وردت في بعض الأحاديث لا تستند إلي مصادرمعتبرة ، وهناک حديثان مثبتان في بحارألانوار وغيره وسند أوّلهما: عن محمّد بن عثمان عن أبي رسول الله (صلّي الله عليه وآله وسلمّ).

سند و ثانيهما: عن الطالقاني عن الجلودي عن الحسين بن معاد عن قيس بن حفض، عن يونس بن أرقم ، عن أبي سيارالشيباني، عن الضحاک بن مزاحم ، عن نزال بن سبرة عن عليّ عليه السلام.

و کلاهما غير موثقين ، فقد ذکر المامقاني عن محمّد بن عمربن عثمان انّه مجهول، وعن نافع بانّه ضال، وعن عمرغيرمعلوم الحال، وعن الضحاک بن مزاحم انّه لم يعثرعلي ما يؤيد انّه من الأخيار، وعن ابن سبرة بانّه مجهول.

ولو افترضنا صحّة خروج الدجال من حيث المبدأ، إلاّ انّها لا تخلو من کثيرمن الإضافات التي لا أساس لها والتي جعلت منها اسطورة من الأساطير.

ومن الممکن القول: انّه سيظهر في آخر الزمان رجل دجّال يفوق کلّ من سبقوه، و يکون ظهوره مؤشرا ًعلي قرب ظهورالمهدي، و انهّ يخدع الناس فيتّيعوه حتي ليظنوا بأنّ مقاليد السماء والأرض بيده ، ويصل به الخبث والدجل ان يصوّرالقبيح جميلا ً والجميل قبيحا ً، ويجعل من الجنّة جحيما ً، ثم يتّضع کفره للجميع.

امّا صائد بن صيدا فلا تتوفر ادلّة معتبرة علي انّه الدجال، وانّه ما يزال حيا ًمنذ عهد النبيّ صلّي الله عليه وآله وسلمّ ، فالحديث ضعيف، وهناک أيضا ً ما يدفعه في حديث آخرعن الرسول صلّي الله عليه وآله وسلمّ من انّ الدجال يدخل مکّة و لا المدينة، بينما نجد صائد بن صيد ا يدخلها ويموت فيها ويشهد جماعة موته.(22)

ومن المتحمل ان يکون الرسول صلّي الله عليه وآله وسلمّ قد وصف صائدا ً بالدجال وهو ما يعني الکذاب فقط لا الدجّال الذي اخبر بفتنته وهومن علامات ظهورالمهدي.

ولعلّ سبب هذا الخلط يعود إلي انّ المسلمين سمعوا رسول الله يصف صائدا ًبأنّه دجّال فاقترن ذلک بأحاديث سابقة حول ظهورالدجّال في آخرالزمان . ومن هنا نشأت قصّة بقائه حياً حتي اليوم .

 

(1)بحار الأنوار ج 52 ص 159-174.
(2) بحار الأنوار ج95ص334.
(3) بحار الأنوار ج94ص82.
(4) بحار الأنور ج52ص317.
(5) بحار الأنوار ج51ص103.
(6) المصدر السابق ج52ص103.
(7) المصدر السابق ج52ص104،117.
(8) المصدر السابق ج52ص106.
(9) بحارالأنوارج52ص250.
(10) الأغاني ج16ص171.
(11) تاريخ الطبري ج7ص25.
(12) بحارالأنوارج52ص193-197،صحيح مسلم ج18ص46-87،سنن أبي داودج2ص212.
(13) صحيح مسلم ج18ص79-سنن أبي داودج3ص214.
(14) رسالة يوحناباب 2يه 22.
(15) المصدرالسابق الية 18.
(16) المصدرالسابق الباب 4الية3.
(17) الميزان ج3.
(18) بحارالأنوارج52ص197.
(19) سنن ابي داودج2.
(20) الملاحم والفتن ص113.
(21) مجمع الزوائدج7ص 333.
(22) بحارالأنوارج52ص199.