الحوار الثاني عشر

الحوار الثاني عشر

توافد الأصدقاء الموعد المحدّد و بدأ هذه المرّة بسؤال طرحه الدکتور: کيف يتصّورقيام حکومة عالمية يرأسها شخص واحد في عام يموج بالصراعات و الاختلافات؟

نبيه: من المستبعد قيام حکومة عالمية في الضروف الحالية، و لکن وکما هو واضح فإن الشرية تمضي قدما ًفي طريق العلم و التطور و النضج، و بالطبع فإن العالم لم يکن فيما مضي مثلما هو عليه الآن وانّه في حالة تغير مستمره ، و إن سرعة التقدّم العلمي تزداد باستمرار، و سيرقي البشر إلي مستوي من التکفير يجعلهم يهتمون بالبعد الاجتماعي العام، وهذا الاتجاه يؤکده التفکيرالسائد في العصور القديمة.

انّ حبّ الذات والأنا متجذّر في الإنسان منذ فجر الخليقة وهو الباعث الوحيد للعمل و النشاط و السعي؛ انّه يعمل من أجل تحقيق ذاته و إسعاد نفسه ، فإذا اعترض طريقه شيء أزاحه غير مکثرت بمصالح الآخرين ، ولکن عند ما يري انّ مصلحته تتوقّف علي مصلحة الآخرين فإنّه لن يتردّد في السعي لتأمين تلک المصلحة العامّة والتضحية بجزء من مصالحه الخاصّة.

و لعلّ الزواج أوّل خطوة قطعها الإنسان في هذا الطريق، فهو تنازل عن انانية طاغية لصالح الآخر، فالرجل والمرأة کلاهما يشعران بالحاجة لبعضها البعض، و هذا هو الباعث الذي دفعهما الي الاقتران، علي انّ استمرار و ديمومته يضطرهما إلي التخفيف من حدّة الانانية ومن ثم احترام حقوق و مصالح الطرف الآخر، ومن هذا الاقتران ولدت الحياة الاسرية، و هي في الأصل تحقيق لرعبة ذاتية من أجل السعادة و الکمال، وعند ما وجد الإنسان سعادته متوقفة علي إسعاد الآخرين فإنّه لم يتردّد في السعي من أجل إشاعة البهجة في نفوس اسرته.

عاش الإنسان حياته الاجتماعية الصغيرة متنقلا ًهنا و هناک، و کانت تحدّيات الحياة قد أوحت إليه بالاستقرار ضمن تجمّعات أکبر لمواجهة أعباء الحياة ، فهناک الکوارث الطبيعية ، والغارات التي تتطلب الدفاع ، و هکذا ظهرت في العلاقات الاجتماعية أنماط عديدة علي شکل قبائل و طوائف، فکانت مصلحة القبيلة هي الهدف الأعلي لکلّ أفرادها، و من هنا تطلّب الأمر تضحية بالمصالح الشخصية من أجلها، و هذا التطورفي مستوي التفکير هو الذي قاد إلي إنشاء مجتمعات أکبر و من ثم ظهور القري و المدن حيث أصبحت للأفراد مصالح مشترکة محترمة من الجميع.

و استمر التطوّر في هذا الاتجاه و من ثم تعقدّ العلاقات الاجتماعية و ظهور الشعور العدواني الذي دفع بالقري والمدن إلي الانتظام في تجمّعات أکبر اتخذت شکل الوطن الذي يحقّق لأبنائه مصالح و ذوبانهم ضمن قاسم مشترک عريض.

وأصبح الإنسان مواطنا ًيحمل في أعماقه هموم الوطن الکبير متجاوزا ًحدود اللغة والعرق، وانّه يعد أبناء الوطن کما لوکانوا أفراد في اسرته الکبيرة التي ينتمي اليها. و بالطبع فإن هذا الشکل من الحياة الاجتماعية وهذه الطريقة في التفکيرلم يکن وليد حقبة من الزمن ، بل انّه طريق استغرق آلاف السنين ، غيرانّ البشرية لم ترتق في الوقت الحاضر إلي مستوي النضج المنشود، وما يزال المشوار طويلا ً أمام الإنسانية حتي تصل إلي رشدها الکامل.

لقد تطوّرت وسائل الإتصال بين الشعوب و تشابکت مصالح الدول حتي غدا العالم قرية کبيرة، و الإنسان الذي کان يقطع ما في شهور أمسي اليوم وهو يقطعها في دقائق.

لقد ولّي الزمن الذي تعيش فيه الدول و البلدان في عزلة عن العالم، وباتت الدول تتطلع إلي علاقات أوسع من أجل تأمين السعادة لها و لغيرها.

و انعکست هذه الإرادة في الإنسان لتتبلورفي شکل أحلاف سياسية و عسکرية وأسواق اقتصادية مشترکة وحلّ الأزمات العالمية و توفير أسباب الرفاه و الإستقرار و السلام للبشرية جمعاء.

ويعتقد بعض المفکّرين انّ التغيرات الحالية ما هي إلا ارهاصات لتحوّل شامل وجذري ، حيث ستدرک البشرية بعدها انّ القدر المحدود من المعاهدات والأحلاف الضيقة لن يجنّب البشر المخاطر المحدّقة بهم ، ولا يعالج أزماته المتوترة هنا و هناک من دنيا الله ، بل ان بعضها يؤدي إلي مضاعفات خطيرة مشکلات کبري.

لقد أدرک الإنسان في الوقت الحاضر إنّ الانانية لن تکون طريقا ًلتحقيق السعادة ، وانّ حبّا الذات الحقيقي يکمن في حبّ الإنسانية بأسرها، و انّ البشرية کلها ما هي إلا أسرة واحدة.

 

وستدرک المجتمعات أنّ الشرائع التي لا تسمع لهوم الأرض کلّها و التي تبث روح القرقة ولن تکون قادرة علي إصلاح العالم ، و ما تشکيل المؤسسات الدولية کالاُمم المتحدة و المجامع العالمية وحقوق الإنسان إلاّ مؤشرات عميقة علي هذا التوجّه الإنساني وانّه مقدّمة لصحوة کبري حيث يکون العقل البشري في ذروة رشده ونضجه وتکامله .

وبالرغم من تسلّط غير المخلصين علي مقدّرات الشعوب وتمکّنهم من المواقع الحسّاسة فإنّ ذلک لا يبعث علي اليأس من مستقبل الإنسانية المشرق.

و يمکن القول انّ الوضع العالمي العام وما يجري من حوادث في هذه البقعة أو تلک من العالم يقود إلي الاعتقاد بأن البشرية ستقف عند مفترق طريقين حيث الاختيار بين المادّية والدين، و التسليم إلي إرادة الله.

انّ قوانين الأرض وشرائعها لم تمنح السلام والطمأنينة للبشر، بل زادتهم خبالا ً وبالتالي فإنّ غريزة العبودية لله متجذّرة في النفوس وانّ جذوة اليمان بالله الخالق الرحيم لا تنطفئ أبدا ً، وانّ الدين وحده خاصّة الإسلام هو الذي يمنح الإنسان الأمل.... الأمل بحياة طبيبة؛ لأّنه يبني الحياة علي أساس شريعة الله و فطرة الإنسان، و عند ما تنشرح الصدور لدين الإسلام فانّها ستجد نفسها في الطريق إلي السعادة.

إنّ دعوة الإسلام عالمية تخصّ البشر جميعا ً، وانّ المسلمين هم من ينهض بهذه مسؤولية الکبري ، فمنذ أربعة عشر قرنا ًيدعو القرآن أتباع الاديان الماضية إلي کلمة التوحيد، قال تعالي : «يا أهل الکتاب تعالوا إلي کلمة سواء بيننا و بينکم ألّا نعبد إلاّ الله ولا نشرک به شيئا ً و لا يتخذ بعضنا بعضا ً أربابا ً من دون الله».(1)

و قد ورد في الأحاديث عن رسول الله (صلّي الله عليه وآله وسلمّ) خروج رجل من أهل بيته يوقظ العقول، و يجمع الناس علي عقيدة التوحيد، و يجتثّ من النفوس العداوة و البغضاء، ويکون عهده السلام.

و عن الإمام الباقر عليه السلام قال: اذا قائمنا وضع يده علي رؤوس العباد فجمع به عقولهم و أکمل به أخلاقهم .(2)

و عن الإمام عليّ عليه السلام: بنا يفتح الله ، وبنا يختم الله ، وبنا يمحو ما يشاء، وبنا يثبت ، وبنا يدفع الله الزمان الکلب، وبنا ينزل الغيث ، و لو قد قام قائمنا لأنزلت السماء قطرها، و لأخرجت الأرض نباتها، و لذهبت الشحناء من قلوب العباد.(3)

و عن الباقر عليه السلام قال:.... و يجمع اليه أموال الدنيا من بطن الارص ومن ظهرها.(4)

النصر للمستضعفين

جلال: العالم يزخر بالظلم والقهر والاستعباد، و مقاليد الحکم بيدي الجبّارين من الطغاة و المستکبرين ، و الشعوب مغلوبة علي أمرها، خائفة ، ليس لها حول ولا قوّة ، فکيف يمکن المهدي أن يثور في مثل هذه الظروف و ينتصر؟!
 

نبيه : أن انتصار المهدي هو انتصار المستضعفين و المقهورين ؛ ان المستضعفين وإن کانوا مقهورين فهم يمثّلون الأکثرية الساحقة، و الظالمين و إن يدوا أقوياء فهم فئة قليلة، و من هنا فإنّ الأمل بانتصار المستضعفين کبير. إن انتصار الهمدي أمر محتمل جدّ ا ً، و من المستحسن جدّاً أن أُضيف هنا:

انّ اليات القرآنية، و کذا الأحاديث الشريفة تشير إلي يوم يهب ّ فيه المستضعفون في کلّ العالم فتتهاوي و إلي الأبد الأنظمة الفاسدة التي تمثّل إرادة الطاغوت . قال سبحانه و تعالي في کتابه الکريم:

«و نريد أن نمن ََّ علي الذين استضعفوا في الأرض و نجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين.(5)

و الية الکريمة إشارة عميقة جدّا ًإلي حکومة المستضعفين القادمة؛ و لکي اُسلّط الضوء الکافي علي هذا الموضوع أُشير إلي ميلي:

- ما ذا يعني الاستضعاف ، ومن هم المستضعفون ؟ - من هم المستکبرون؟

- کيف يقهر المستکبرون المستضعفين ؟ - و کيف سينتصر المستضعفون ؟

- من يقود هذه الثورة العاليمة؟

أشار القرآن الکريم إلي فريقين هما المستضعفين والمستکبرين و حدّد علامات و خصال کلّ منهما، فمثلاً کان فرعون مستکبرا ً«إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا ًيستضعف طائفة منهم يذبّح أبنائهم ويستحيي نسائهم انّه کان من المفسدون».(6)

 

ففرعون قد علا في الأرض وراح يقهر طائفة من الناس، ويبثّ القرقة بينهم.

«إنّ فرعون لعال في الأرض وانّه لمن المسرفين». (7) وهومسرف متکبّر.

«فاستخف قومه فأطاعوه انّهم کانوا قوما ً فاسقين».(8)

«وقارون وفرعون وهامان ولقد جاء موسي بالبينّات استکبروا في الأرض».(9)

و انّهم يرفضون الانصياع للحقّ، بالتالي فهم يکفرون به.

«قال الذين استکبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون انّ صالحا ً مرسلٌ من ربّه. قالوا بما أرسل به مؤمنون . قال الذين استکبروا و انّا بالذي أنتم به کافرون».(10)

- المستکبرون لا يألون جهداً في نشر الکفر و الفساد و الانحراف

«قال الذين استضعفوا للذين استکبروا بل مکر الليل والنهار إذ تأمروننا انّ نکفر بالله ونجعل له أندادا».(11)

و بالاستفادة من مجموع اليات المذکورة يمکن الإشارة إلي بعض صفات المستکبرين :

 

- التکبّر والعلوّ في الأرض. - إشاعة الاختلاف والفرقة.

-الإسراف والتبذير. - الاستخفاف بالشعوب. - الفساد.

- رفض الحقّ. – نشر الفساد والانحراف.

انّهم يسعون إلي الاستعلاء علي الآخرين مدّعين الريادة والسياسة والعقل ومعرفة المصلحة أفضل من الآخرين ، طالبين الطاعة العمياء لهم.

ولکي يحکموا سيطرتهم و تسلّطهم علي الناس فانّهم يبثّون روح الفرقة بين الناس علي أساس اللون و الدين، و اللغة والقومية ..... الخ.

ولکي يعزز و انفوذهم فإنّهم يعمدون إلي نشر الفساد و إلهاء الناس بالآثام والموبقات، و بالتالي استغلال الثروات لأطماعهم ومصالحهم ، و بناء المؤسسات التي تکرّس سيطرتهم و تمکنهم من البلاد.

فهم لا يرون إلاّ أنفسهم ولا يقيمون للشعوب وزنا ًولا اعتباراً.

و من خلال ذلک يتّضح لنا معني الاستضعاف والمستضعفين ، وما هم إلاّ الشعوب المقهورة المغلوبة علي أمرها، و هؤلاء الذين نسوا قوّيهم و انخدعوا بأباطيل المستکبرين وانطلت عليهم حيلهم ومکرهم و رضوا بالحياة الذليلة و رکنوا إلي الظالمين.

بينما الحقيقة هي انّ الأرض بما فيها من مقدّرات هي ملک للمستضعفين وانّ أسباب القوّة والتقدّم بيديهم ، و هم الذين يؤلّفون الجيوش أيضا ً، وهم الذين يديرون المؤسسات التعليمية و يشغّلون الإنتاجية، و يعلمون ليل نهار، و بدونهم تتوقّف الحياة، فهم عصب القوّة الحقيقي.

غير انّ المستکبرين نفذوا إلي نفوسهم و صوّروا لهم الأباطيل حقائق و استغلّوا جهلهم فتسلّطوا عليهم.

و لقد أرسل الله أنبياء ليوفقطوا هؤلاء المقهورين المغلوبين علي أمرهم.

فکان الأنبياء رُسل الحرّيه لإنقاذ الناس من الظلم، ومعلّمي البشرية لإضاءة القلوق و طرد ظلام الجهل من العقول و النفوس، و کانوا يجهرون بکلمة الحقّ قائلين للمستضعفين انهضوا فما الطواغيت إلاّ قوّة کاذبة وانّ قوّتهم تمکن في خوفکم و في جهلکم و في غفلتکم عن الله . آمنوا بالله وحده و اکفروا بالطاغوت.

لقد نهض إبراهيم عليه السلام في وجه النمرود، وصرخ موسي عليه السلام في وجه فرعون ، وقام عيسي عليه السلام في وجه الجبابرة، و ثار محمّد صلّي الله عليه و آله و سلمّ في وجه طغاة مکّة من أمثال أبي جهل وأبي سفيان وأبي لهب.

و کان جهاد الأنبياء جميعا ً ضد الکفرو الشرک والفساد وقهر الناس.

«و لقد بعثنا في کلّ امّة رسولاً انّ اعبدواالله واجتنبوا الطاغوت». (12)

«فمن يکفر بالطاغوت و يؤمن بالله فقد استمسک بالعروة الوثقي» . (13)

«و ما لکم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربّنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها و اجعل لنا من لدنک وليا ًواجعل لنا من لدنک نصيرا. الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله و الذين کفروا يقاتلون في سبيل الله الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان انّ کيد الشيطان کان ضعيفا».(14)

و تؤشّر هذه اليات نقاطا ًعديدة منها:

 

- انّ المستکبرين ما هم إلاّ قلّة ضعيفة وانّ قوّتهم مستمدة من مقدّرات المستضعفين و استغلالهم .

- المستضعفون أکثرية ساحقة وهم يملکون کلّ أسباب القدرة والقوّة الحقيقية، انّهم ليسوا ضعفاء وانّ ضعفهم جاء من انخداعهم بالأطيل التي يلقّنها المستکبرون.

- انّ أسوأ العوامل في شقاء المستضعفين هو احساسهم بالضعف وانّهم لا يملکون لأنفسهم ضرّاً ولا نفعا ً ، ولهذا انقاد وا للمستکبرين خانعين متحمّلين صنوف الغذاب والقهروالذلّ، وهذا الاحساس هو أساس المشکلة، لقد نسوا أنفسهم والقوّة التي ينطوون عليها وتصوروا خاطئين انّ الطواغيت بعبع لا يغلب!

- ان الطريق الوحيد للخلاص هو عثور المستضعفين علي هويتهم المفقودة، وشخصيتهم الضائعة، ثم اکتشافهم قدراتهم الکامنة، وعند ما يجدون ذلک تحدث المعجزة فتتحطم القيود و السلاسل و يتهاوي الطواغيت ؛ فالطواغيت لا يملکون ذاتيا ً ية قدرة يستندون إليها. انّها قدرة المستضعفين المستغلّين الغافلين.

ولو انتبه المستضعفون إلي ذلک لما بقي الطواغيت في الحکم لخظة واحدة.

انّ قوّة المستضعفين قوّة عظمية تنطوي علي آلاف العقول المفکّرة والسواعد الفتولة والقلوب الطاهرة التي يمکنها أن تغير وجه الدنيا؛ وها هو العالم شئنا أم أبينا يسير باتجاه اليوم الموعود يوم يثورالمظلوم علي الظالم.

«و نريد أن نمنَّ علي الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة و نجعلهم الوارثين».(15)

 

و هو يوم وعد الله به الذين آمنوا أن يسود السلام و الأمن «وعد الله الذين آمنوا منکم و عملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض کما استخلف الذين من قبلهم و ليبدلّنهم من بعد خوفهم أمنا ًيعبدونني وليشرکون في شيئا».(16)

اننا نجد إضافة إلي ما ذکرناه من مؤشرات ويات بينات أحاديث کثيرة تبشّر المقهورين بيوم الخلاص.

عن الباقر عليه السلام : اذا قام قائمنا وضع يده علي رؤوس العباد فجمع به عقولهم و أکمل به أخلاقهم .(17)

و سيشهد العالم انتشار الإسلام دين المحبّة والسلام علي يد المهدي و أنصاره من المستضعفين ، و عندها تتها وي قصورالطواغيت و المستبدّين من الذين قهر و الشعوب وأذلّوها واستخفوا بکرامتها و انسانيتها؛ وسيکون عهده عهدا ًمشرقا ًو مفعما ًبالسلام و الحرية و الطمأنينة ، في عالم تسوده الفضلية و العدالة و الأخلاق .

لماذا لا يظهر المهدي

جلال: الظلم والجور والکفرفي کلّ مکان، والإنحراف والفساد في کلّ بقعة، فلما ذا لا يظهرالمهدي وينقذ العالم؟

نبيه: ان انتصارثورة ما أو تحقيق هدف منشود انّما يتوقّف علي توفرالظروف المناسبة ، فمتي تهيأت الأجواء ومقوّمات النجاح تحقّق الهدف؛ و انّ أول مقدمات النجاح في حرکة المهدي و نهضته هو وجود المناخ العام المؤيد لثورة المهدي ، انّ حرکة المهدي ليست هامشية أوسطحية ولا حتي مؤقتة، انّها حرکة عميقة وساملة ومتجذّرة و انسانية تتجاوز فوارق اللغة و اللون و العرق و القومية و الدين ، هدفها تحرير الإنسان و ردّ اعتباره و کرامته المهدورة عبر العصور.

و هدفها اجتثات الفساد و الإنحراف والظلم بکلّ أشکاله وألوانه وهدية البشرية نحو شريعة الله الخالدة التي تحقق للإنسان سعادته الضائعة.

و ثورة شاملة عميقة کهذه لا يمکن أن تحدث من لا شيء بل ينبغي أن تسبقها ارهاصات تهيئ الأرضية المناسبة لنجاحها، و ان يکون هناک تعاطف روحي تام من کلّ المستضعفين في العالم ، ولعلّ أهم شرط من شروط النجاح هو العمل الصالح:

«وقد کتبنا في الزبور من بعد الذکر انّ الأرض يرثها عبادي الصالحون».(18)

و النضج الفکري لا يحدث فجأة، انّه عملية تبلورتتم ببطء وهدوء فالإنسانية تتعلم من تجاربها وترتقي شيئا ً فشيئا ً سلّم الرشد والکمال ، ومتي ما وجد الجيل الذي يتجاوز الحدود المصطنعة للون والقومية واللغة وأصبح تفکيرة إنسانيا ً خالصا ً يتعاطف مع المظلومين والمقهورين في کلّ مکان ويعتبر العالم أسرة واحدة لافرق بين أسود و أبيض و أصفر و أحمر، و لا امتياز للأمريکي و الأوربي علي الأفريقي والآسيوي ، عندها يکون الظرف مناسبا ًلظهور الإمام المنقذ .

ومع الأسف فإن الإنسان ما يزال مؤمنا ً بالعلم وحده ، ويعتبره السبيل الوحيد السعادة المنشودة و الرفاه.

 

انّه ما يزال يلهث وراء المادّية نحو انتاج السلاح الأکثر فتکا ً و تدميراً، و سوف يبقي يرکض و يلهث حتي يصطدم بجدار الحقيقة، و عندها سيفيق إلي نفسه ليفکّر تفکيرا ًسليما ً، فالعلم مهما بلغ شأوا ًلا يمکن أن يحلّ مشکلة ما. انّه يبنّه لها فقط.

عن هشام بن سالم : عن ابي عبدالله (الصادق) انّه قال: ما يکون هذا الامرحتي لا يبقي صنف من الناس الاّ و(قد) ولوّا علي الناس حتي لا يقول (قائل) : ان ولّينا لعدلنا ثم يقوم القائم بالحق ّوالعدل.(19)

و عن الإمام الباقر عليه السلام قال:

دولتنا آخر الدول، ولنا يبقي أهل بيت لهم دولة الاّ ملکوا قلبنا حتي لا يقولوا اذ رأوا سيرتنا: اذا ما ملکنا سرنا مثل سيرة هؤلاء ، و هو قول الله عزوجل: «والعاقبة للمتقين».(20)

و من هنا يتّضح انّ البشرية ليست مستعدة حاليا ً لهکذا حرکة عاليمة وليست لها القناعة الکافية بحکومة التوحيد الإلهية.

انّ الإنسانية تتحرّک في هذا الاتجاه ، ولقد أودع الله في الذات البشرية غريزة السعي نحو الکمال ، وسيصل الإنسان إلي هدفه ، فهو و منذ أن وطأت قدماه والأرض يسعي من أجل تحقيق حياة هانئة مطمئنة و ما يزال يرنو نحو غدِ أفضل و مستقبل مشرق ، و ما يزال يأمل في تحقيق ذلک اليوم، وعند ما يفکّربطريقة سليمة و يکتشف انّ قوانين الأرض قد أخفقت و انّها عاجزة عن تحقيق هدف الإنسانية عندها يتّجه نحو السماء مؤمنا ًبشريعة الله .

 

علّةٌ أُخري

وهناک في الرويات ما يشيرإلي سبب آخريفسّرمسألة تأخيرالظهور.

فعن الإمام الصادق عليه السلام قال: کان لله وديع مؤمنون في أصلاب کافرين ومنافقين ، فلم يکن علي يقتل الآباء حتي تخرج الوديع ، فلما خرجت ظهرعلي من ظهر فقتله، وکذا قائمنا أهل البيت لن يظهر أبدا ًحتي تخرج وديع الله فاذا خرجت يظهرعلي من يظهر فيقتله .(21)

و عند ما يظهر الإمام المهدي فانّه سيعلن عن الإسلام عقيد ة التوحيد الشاملة و سيؤمن به الکثيرمن الکافرين.

و هناک مسألة جديرة بالإلتفات وهي انّ الکفرلا يدوم، فکثيرمن الکفّارخلفوا مؤمنين، و في تاريخ صدرالاسلام ما يوضّح هذه المسألة حيث نجد المؤمنين المخلصين کانوا من نسل کفّارومشرکين.

ولو قام رسول الله بتصفية المشرکين جميعا ًفي فتح مکّة لما خرج من ذرّيتهم کلّ أولئک المسلمين.

انّ من لطف الله و حلمه أن ترک الإنسان وشأنه حتي يتوالد عبر الزمن ويظهر جيل مؤمن بالله، و عندها يکون الظرف و تفرق الأصدقاء علي أمل اللقاء في منزل الدکتور.

 

(1) آل عمران الية 64.
(2) بحار الأنوار ج 52ص 336.
(3) المصدر السابق ص316.
(4) المصدر السابق ص351.
(5) القصص الية (5).
(6) القصص اليي(4).
(7) يونس الية(83).
(8) الزخرف الية (54).
(9) العنکبوت الية(39).
(10) الأعراف الية(76).
(11) سبأ الية (33).
(12) النحل الية (36).
(13) البقرة الية(256).
(14) النساء الية(76).
(15) القصص الية(5).
(16) النور الية (55).
(17) بحار الأنوار ج52ص336.
(18) الأنبياء الية 105.
(19) بحار الأنوار ج52ص244.
(20) بحار الأنوار ج52ص332.
(21) اثبات الهداة ج7ص105.