الانفصال

 الانفصال

وبعد أن التحق سيّدنا محّمد (صلي الله عليه و آله و سلم) بالرفيق الأعلي تصدي لخلافته أفراد لم يدعوا أبدا ً النبوّة و لا الاتصال بالسماء ، کمالم يدّعوا الإمامة أيضا ً بإطارها المعنوي و الروحي أيضاً ، و کانوايدرکون تماما ً أن مستوياتهم العلمية و الأخلاقية لا تؤهلهم ليکونوا أئمة هداة و مثالاً للمسلمين.

ولقد أهمل هذا الجانب تماماً أثناء الجدل المحتدم في السقيفة ، و کان النزاع يدور حول الجانب السياسي و الإداري في الزعامة و قيادة المسلمين ، و کانوا متحمسين له بحيث أهملوا جميع الأعمال الاخري حتي مواراة الجثمان الطاهر لسيّدنا محّمد (صلي الله عليه و آله و سلم) ، و کان الهمّ الوحيد هو الاستحواذ علي الحکم بکلّّ وسيلة و بأي ثمن.

فقد احتجّ المهاجرون بإنّّهم شجرة النبي و أصله و أن محّمداً (صلي الله عليه وآله و سلم)مکّي المولد و المنشأ ، و أن فيهم من هاجر مع النبي و من أمّ المسلمين يوم مرضه ، و ان الخلافة حق قريش و ميراثها.أما أن يکون الخليفة عالما ً با لقرآن متبحرا ً في الأحکام و مدرکا ً للحلال و الحرام مثالاً في الايمان و الإسلام فهذا مالم يتطرّق إليه أحد و لم يذکره فرد.

ولم يقل أحد ان رسول الله کان معصوماً عن الخطأ منزها ً عن الاثم و ان خليفته لابد و أن يکون نظيرا ً له في ذلک.

لم يقل أحد ان رسول الله لم يسجد لصنم و لم يفعل منکرا ً حتي قبل بعثته وکان تاريخه ناصعاً مشرقاً بالرغم من غمرة الظلام. ظلام الجاهلية الأوّلي ، و أن خليفته يجب أن يکون کذلک مثالا ً في الإنسانية ليکون قدوة للمسلمين و اسوة للمؤمنين.

لم يذکر ذلک أحد سوي شخص واحد هو علي بن أبي طالب (عليه السلام).

کان سعد بن عبادة يصول في السقيفة بالرغم من مرضه و علّته قائلاً: يا معشر الأنصار ان لکم سابقة في الدين و فضيلة في الإسلام ليست لقبيلة من العرب.ان رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) لبث في قومه بضع عشرة سنة يدعوهم الي عبادة الرحمن و خلع الأوثان فما آمن به من قومه إلّا قليل.والله ما کانوا يقدرون أن يمنعوا رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) و لا يعرفوا دينه ، ولا يدفعوا عن أنفسهم حتي أراد الله تعالي لکم الفضيلة ، و ساق اليکم الکرامة ، وخصّکم بالنعمة و رزقکم الايمانيه و برسوله (صلي الله عليه و آله و سلم) و المنع له و لأصحابه والاعزاز لدينه و الجهاد لأعدائه فکنتم أشدّ الناس علي من تخلّف عنه منکم و أثقله علي عدوّکم من غيرکم ، حتي استقاموا لأمرالله تعالي طوعاً وکرهاً ، و أعطي البعيد المقادة صاغرا ً داحرا ً حتي أثخن الله تعالي لنبيه بکم الأرض و دانت له بأسيافکم العرب ، و توفاه الله تعالي و هو راضٍ عنکم قرير العين ، فشدّوا أيديکم بهذا الأمر ، فانّکم أحق الناس و أوّلادهم به "(1).

وتشاء الأقدار أن يکتشف أبوبکر و عمر اجتماع الأنصار فأسرعوا الي السقيفة لإحباط خطط الأنصار في الإستيلاء علي الخلافة.

وقال أبوبکر فيما قاله مدافعاً عن حق المهاجرين في الخلافة: "فهم أوّل من عبد الله في الأرض ، و أوّل من آمن بالله و رسوله و هم أوّلياؤه و عشيرته وأحق الناس بالأمر من بعده لا ينازعهم فيه إلّا ظالم ".

و أردف مسجّلاً أوّل تفوّق في الاستدلال:

"فنحن الامراء وأنتم الوزراء لانفتات دونکم بمشورة و ل اتنقضي دونکم الأمور"(2).

وقال عمر ردا ً علي الحباب بن منذر الأنصاري: إنّه ولله لا ترضي العرب أن تؤمّرکم و نبيها من غيرکم و لکن العرب لا ينبغي أن تولي هذا الأمر إلّا من کانت النبوّة فيهم و أوّلوالأمر منهم ، لنا بذلک علي من خالفنا من العربّّّ الحجّة الطاهرة والسلطان المبين.من ينازعنا سلطان محّمد (صلي الله عليه و آله و سلم) و ميراثه ونحن أوّلياؤه و عشيرته؟"(3).

وقال بشير بن سعد الأنصاري مستسلماً: إن محّمدا ً رسول الله رجل من قريش و قومه أحقّ بميراثه و تولّي سلطانه ، و أيم الله لا يراني الله أنازعهم هذا الأمر أبدا ً"(4).

وهنا تدخّل أبوبکر ليحسم الصراع لصالحه ، فقال بعد أن دعاهم الي الجماعةونهادهم عن الفرقة:

اني ناصح لکم في أحد هذين الرجلين: أبي عبيدة بن الجرّاح أو عمر.

 

فبايعوا من شئتم منهما ، فقال عمر: معاذ الله أن يکون ذلک و أنت بين أظهرنا ، أنت أحقّنا بهذا الأمر ، و أقدمنا صحبة لرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) وأفضل منا في المال و أنت أفضل المهاجرين و ثاني اثنين ، و خليفته علي الصلاة؛ والصلاة أفضل أرکان دين الإسلام.فمن ذا ينبغي أن يتقدّمک ، و يتولّي هذا الأمر عليک ؟ ابسط يدک أبايعک (5).

وهنا اندفع بشيربن سعد الأنصاري إلي بيعته ، و إنهارت بذلک جبهة الأنصار ، و غادر أبوبکر السقيفة خليفة غير منازع.

وبالرغم من أن انتصار جبهة المهاجرين جاء علي أساس احتجاج قبلي صرف ، فإن موقفهم القويّ هذا سجّل علي نفسه نقطة ضعف قاتلة في مقابل علي (عليه السلام) الذي يعدّ أقرب الناس الي رسول الله في کلّّ شيء حتي القرابة فهو ابن عمه و أخوه و صهره.

 

(1) الامامة و السياسة: ج1ص5
(2) الامامة و السياسة: ج 1 ص 7
(3) المصدر السابق
(4) المصدر السابق: ص 8
(5) الإمامة و السياسة ج1 ص9