تمهيد

 تمهيد

الاسلام نظام اجتماعي کامل يستوعب کلّّ شؤون الحياة الإنسانية؛ فهو نظام يرسم للإنسان طريق السعادة في الآخرة ، و يحدد أسلوب الحياة في الدنيا بشکلّّ يضمن له الطمأنينة و الرفاه.

و هو في کلّّ ذلک لا يجعل بين الدنيا و الآخرة حدوداً ، بل يجعل من الدنيا طريقا ًللآخرة.

و من هنا فلا يکون المسلم مسلماً حقّا حتي يکون مسؤلا ًفي حياته الاحتماعية؛ ويکفي لإثبات ذلک أن يُلقي المرء نظرة علي سعة و تنوع الأحکام الاجتماعية.

فالقانون و القضاء يحتل مساحة و اسعة من الإسلام الذي يعتبر إقرار النظام و منع الفوضي و العدوان علي حقوق الآخرين أمراً و اجبا ًلامناص منه ، حتي ليجد المرء نظاما ًمتکاملا ًللقضاء ، لا يهتم بإقامة العدل فحسب بل يتشعّب ذلک؛ ليضمن حقوق العاملين فيه ؛من رؤساء و مرؤوسين و يحددّ واجباتهم.

کما نجد الجهاد في سبيل الله - کوسيلة لتثبيت دعائم الإسلام و نشره - يحتل مسامحة واسعة من الشريعة؛ ليقف في الصدارة من القوانين و الأحکام الدينية فالمسلمون ملزمون و مسؤولون عن الدفاع في وجه المغيرين الذين ينهبون الأموال العامة بالباطل و يطغون في الأرض.

و قد قال الله سبحانه: "ان الله يحبّّّ الذين يقاتلون في سبيله صفّاً کإنّهم بنيانٌ مرصوص"(1).

و قال عزوجل: "وقاتلوهم حتي لاتکون فتنة و يکون الدين لله "(2).

و قال تعالي: "قل إن کان آباؤکم و أبناؤکم و إخوانّکم و أزواجکم و عشيرتکم و أموال اقتر فتموها و تجارة تخشون کسادها و مساکن ترضونها أحب اليکم من الله و رسوله و جهاد في سبيله فتربّّّّصوا حتي يأتي الله بأمره و الله يهدي القوم الفاسقين "(3).

و اذن فالمسلمون ، ملزمون بأمرالله و التعبئة العامة من أجل تأسيس جيش قوي مجهّز بأفصل الأسلحة حتي يمکنه مواجهة العدوّ الذي يتربّّّّص بأهل الإسلام الدوائر.

قال سبجإنّه و تعالي: "وأعدّو الهم ما استطعتم من قوّه و من ربّّّاط الخيل ترهبون به عدوالله و عدوّکم و آخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم "(4).

من هنا فإنّ وزارة للحربّّّ بکلّّ ما يلزمها من مؤسسات و معاهد و کليات للضباط ، و کلّّ مراکز الإنتاج الحربّّّي لتغطية مستلزمات الدفاع ، هي جزء من الإسلام و من و اجبات المسلمين.
 

وهناک الأمر بالمعروف و النهي عن المنکر ، الذي يعدّ في طليعة الواجبات الدينية العامّة التي تستلزم جهازا ً منظّماً يقوم و يضمن تنفيذها في الحياة الاجتماعية؛ ليکون المجتمع الإسلامي مصداقا ً لقوله تعالي: "ولتکن منکم أمّة يدعون الي الخير و يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنکر"(5).

ثم هناک القانون الجنائي الذي يعيّن الحدود والديات و يعاقب القاتل و يقطع يد السارق ، و يجلد الزناة أو يرجمهم. و کلّّ العقوبات المقررة في الاسلام هي لمنع الفساد في المجتمع.

و هناک القانون العام الذي يضمن الميزانية العامّة في البلاد و يحدّد الضرائب؛ حيث الزکاة و الخمس يشکلّّان رقما کبيرا ًفي هذا المضمار.

و هناک الخدمات العامة التي يتکفّلها القانون؛ من قبيل: بناء المستشفيات و المدارس و مراکز التحقيق و تأسيس المساجد و المراکز الصحية ، و الإنفاق علي المحتاجين ، و دعم مراکز التبليغ و الإرشاد ، و مکافحة الفساد ؛ کلّّ ذلک و غيره مما يمکن النهوض به اعتمادا ً علي الخمس و الزکاة اللتين لو تمّت الاستفادة منهما بشکل صحيح و سليم لأمکن القيام بکلّّ ما ذکر ، بل لفاض عليه.

ان التأمل في مجموع القوانين الإسلامية و التي أشرنا الي قسم منهالتکشف بوضوح الي أنّ هدف الإسلام و غايته الکبري هو أن يتحقق و تحديد الواجبات و تنفيذ الشريعة الإلهية في الحيا ة البشرية.

و من المستحيل منطقياً أن يکون الإسلام علي هذه الدرجة الکبري من الاهتمام بشؤن الحياة و علي المسبويات کافّة من سيا سة و اقتصاد و اجتماع ، ثم يغفل جانباً هامّاًًً فيها و هو القيادة التي تدخل في الصميم.

فکلّّ هذه النظم الدقيقة فيما يتعلّق بتأسيس جيش قوي يتناسب و متطلبات العصر و يتکفّل حماية الامّة و البلاد والدفاع عن حريم الوطن ، شاهد علي أنّ الشريعة لايمکن أن تهمل جانباً هامّاًًً في الحياة ، و تحديد المسؤول عن کلّّ ذلک.

و القضاء کجهاز أل ايلزمه هو الآخر مسؤول أعلي يشرف علي تطبيق الأحکام الإلهية؟

و الخمس و الزکاة ألا تلزمهما أجهزة إدارية تنهض بتنظيم الجباية و کيفية الانفاق؟ ألم يشر القرآن حتي الي موارد صرفهما و لم يغفل حتي عن القائمين عليها؟

و بشکل عام فإن التشريع الاسلامي بکلّّ تفاصيله لابدّ و أن يحتاج إلي مسؤول يضمن تنفيذه ، و أن مجموع الوزارات و الدوائر الإسلامية تحتاج الي فرد موظف ينهض بأعمالها و يکون مسؤولاً عن سير الأعمال فيها بشکل ينسجم مع الشريعة الإلهية و قوانين السماء.

فالاسلام ليس دينا منزوياً ، و هولا يضع فواصل بين الدين و الدنيا ، بل إنّ المرء ليکتشف أنّ الإسلام يمزج بينهما بشکل يجعلهما کلّّاً و احدا ً يصعب التفريق يبنهما.

و من خلال کلّّ هذا نکتشف أنّ مسألة الحکومة هي في الصميم من التشريع الإسلامي ؛حيث ينهض أفراد معينون بهذه المسؤولية من أجل ضمان تنفيذ الأحکام الإليهة.

و من غيرالمنطقي القول ان الأديان السماوية لا علاقة لها بشأن الحکم و إنّه ليس من حقّها التدخل في ذلک.

ان النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) و الأئمة من آله هم أسمي و أرفع من أن يعرضواعن عده المسألة الحساسة.

هل من المنطقي أن نقول ان مسؤولية النبي و الإمام تتوقف عند التشريع فحسب ؟و إن مسإلة إقامة الشريعة أمر لايعنيهما ؟

ان جهاد الأنبياء و علي مدي التاريخ الإنساني کان منصبّا ًعلي تنفيذ أحکام السماء في حياة البشر ، و لقد سعوا جميعا ً في هذا الطريق في ضوء ما توفّر لديهم من ظروف عامّة مناسبة.

قال سبحانه في محکم قرإنّه: "کان الناس أمّة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين و منذرين و أنزل معهم الکتاب بالحقّ ليحکم بين الناس فيما اختلفوا فيه "(6).

و قال بشأن نبي الله لوط ( عليه السلام): "ولوطا ً آتيناه حکماًًًً و علما ً"(7).

و في يوسف ( عليه السلام): "ولمّا بلغ أشدّه آتيناه حکماًًًً و علما ً"(8).

و عن لسإنّه "ربّّّّ قد آتيتني من الملک "(9).

و في داود ( عليه السلام) قال عز من قائل: "يا داود انا جعلناک خليفة في الأرض فاحکم بين الناس بالحقّ "(10).

و عن سيلمان (عليه السلام) قال سبحانه: "قال ربّّّّ اغفرلي و هب لي ملکا ً لاينبغي لأحد من بعدي "(11).

و قد وقف موسي بوجه حکومة فرعون الذي کان يستعبد بني إسرائيل ، و کانت و رسالة موسي لإنقاذهم من العبودية و تحريرهم من نير فرعون و حکمه. و من أجل هذا و قف موسي بوجه فرعون.قال تعالي عن لسان موسي بن عمران (عليه السلام): "فأرسل معنا بني اسرائيل و لا تعذيهم "(12).
کان رسول الله (ص) قائداً أعلي

أجل کان سيّدنا محّمد ( صلي الله عليه و آله و سلم)في قمّة الهرم القيادي و کان مسؤولا ً أعلي في إدارة شؤون المسلمين ، و کان في ذلک القائد العام الفوّض من قِبل الله عزوجل.

قال تعالي: "النبي أوّلي با لمؤمنين من أنفسهم "(13) وهو بهذا مسؤول عن تطبيق حکم الله في الأرض " فاحکم بينهم بما أنزل الله و لا تتبع أهواءهم "(14).

ولم يکن هذا بعد الهجرة بل کان في مطلع الدعوة الإسلامية ، فعن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: لما نزلت: (انذر عشيرتک الأقربّّّين) دعائي النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) فقال: يا علي ان الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين... و اجمع لي بني عبد المطلب حتي أکلّّمهم و أبلّغهم ما أمرت به...الي أن قال: ثم تکلّّم رسول الله ( صلي الله عليه و آله و سلم) فقال: يا بني عبد المطلب اني والله ما أعلم شابّا في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتکم به.قد جئتکم بخير الدنيا و الآخرة ، و قد أمرني الله تعالي أن أدعوکم اليه فأيّکم يؤازرني علي هذا الأمرعلي أن يکون أخي و وصيي و خليفتي فيکم ؟ فأحجم القوم عنها جميعا ، و قلت و إني لأحدثهم سنّاً و أرمصهم عيناً و أعظمهم بطناً و أحمشهم ساقاً: أنا يا نبي الله ، أکون وزيرک عليه.فأخذ برقبتي ثم قا ل: إن هذا أخي و وصيي و خليفتي فيکم ، فاسمعوا له و أطيعوا.قال: فقام القوم يضحکون ، فيقولون لأبي طالب: قد أمرک أن تسمع لابنک و تطيع "(15)

ودعا رسول الله ربّّّه قائلا: الهي "اني اسألک يا سيدي و الهي أن تجعل لي من أهلي و زيرا ً أشدّ به عضدي فاجعل لي عليّاً وزيراً و أخاً"(16).

و قد بعث سيّدنا محّمد (صلي الله عليه و آله و سلم) أفراداً کقضاة في مختلف البلدان الإسلامية و کان علي بن أبي طالب أحدهم.وقد روي ابن عباس أنّ رسول الله ( صلي الله عليه و آله و سلم)بعث علي بن أبي طالب الي اليمن قاضيا ً(17) وزوّده بتعليماته.

و عن مسروق انّ ستة أشخاص تولّوا مسؤولية القضاء أيام النبي (صلي الله عليه و آله و سلم)؛ وهم: کلّّ من علي ( عليه السلام) ، و عبدالله بن مسعود ، و أُبي اين کعب ، و زيدبن ثابت ، و عمربن الخطاب ، أبي موسي الأشعري (18).

کما بعث ولاته الي مختلف الأمصار الإسلامية و نصب عماله في العديد من المدن ، فکان:

عتاب بن أسيد أميرا ً علي مکة ، و باذان حاکما ً علي اليمين ، ثم عامر الهمداني ، و علي بني تغلبة عبدالله بن عمرو ، و علي بعض نواحي اليمن أبو موسي الأشعري ، و الحارث بن بلال علي أجزاء من طي ، و الحارث علي بعض نواحي مکة ، و سعيد بن خفاف علي تميم ، و صيفي بن عامر علي بني ثعلبة ، و علاء بن الحضرمي علي البحرين ، و مروة بن نقاثة علي بني سلول ، و المنذر بن ساوي علي هجر ، و سوادالبلوي علي خيبر ، و خالد بن الوليد علي صنعاء ، و مغافر بن أبي أمية علي کندة ، و زياد بن لبيب علي حضرموت ، و أبوسفيان علي نجران (19). وکان لکلّّ من هؤلاء وظائفه المحدّدة من قِبل النبي ( صلي الله عليه و آله و سلم) وهو لم يعفل عن إصدار مرسوم سمّي فيه و الي مکة الجديد ، و کان ذلک بعد الفتح مباشرة.

و لقد کان سيّدنا محّمد ( صلي الله عليه و آله و سلم)يراقب بنفسه أحيانا ً ما يجري في المدينة ، أويبعث من ينوب عنه في ذلک ، فقد أوفد سعيد بن العاص مثلا ً للإشراف علي أسواق مکّة.

وروي ابن عمرأن بعض الصحابة کانوا يستقبلون التجار الوافدين خارج المدينة ؛ فتدخل النبي ( صلي الله عليه و آله و سلم) وأوصي بمنع ذلک (20).

و کانت لعمر مهمة الإشراف علي أسواق المدينة (21).

و لم يکن رسول الله ليغادر المدينة إلاّ و يستخلف عليها أحداً ، فاستخلف في تبوک ابن عمّه علي أبي طالب ( عليه السلام). وقد تعاقب علي إدارة المدينة في غياب النبي العديد من الصحابة ؛ منهم: لبابة ، و بشير بن منذر ، و عثمان بن عفان ، و عبدالله بن ام مکتوم ، و أبوذر ، و عبدالله بن عبدالله بن أبي سلول ، و سباع بن عرفطة ، و نحيلة بن عبدالله ، و عريف بن أضبط ، و محّمدبن مسلمة بن الأنصاري ، و زيد بن حارثة ، و سائب بن عثمان ، و أبوسلمة بن عبدالأسد ، وسعد بن عبادة ، و أبود جانة الساعدي(22).

و کانت القوات الإسلامية تتحلّي بأسمي درجات الإنضباط العسکري و النظام ، و کان الجيش الإسلامي يتحرک بدقّة متناهية محافظا ً علي تنظيمه الحربي لمقسّم الي خمس فرق: المقدّمة و القلب و الجناح الأيمن و الجناح الأيسر و المؤخرة ، و کان هناک حامل للراية ، و مشاة ، وفرسان ، ورصد ، و استخبارات.

وکان هناک نظام دقيق لإدارة مصادر المال ؛من زکاة و جزية و غنائم و خراج وتولي بعض الصحابة مسؤولية استحصالها کخالد بن سعيد بن العاص ، معاذبن جبل ، عدي بن حاتم ، الزبرقان بن بدر ، عمر بن الخطاب ، الأرقم بن أبي الأرقم ، کافية بن سبع ، حذيفة بن اليمان ، کهل بن مالک ، خالد بن برصاء ، خزيمة بن عاصم ، رافع بن مکيت ، سهل بن منجاب ، عکرمة بن أبي جهل ، مالک بن نويرة ، متمم بن نويرة ، و مرداس بن مالک (23). کما تولي الصدقات الزبير بن العوام و الجهم بن صلت و حذيفة بن اليمان (24).

و کان أبوعبيدة بن الجراح و معاذ بن جبل ممّن تولّوا استلام الجزية (25).

و خلاصة القول ان مطالعة سيرة سيّدنا محّمد ( صلي الله عليه و آله و سلم) تکشف عن جانب مشرق في هذا المضمار ، فلم يکن رسول الله ( صلي الله عليه و آله و سلم)مبلغا ً للشريعة فحسب ، بل مسئوولاً عن تنفيذها و عن التأسيس لبناء مجتمع يقوم علي قواعدها ، و هي مهمّة معينة من لدن الله عزوجل ، کما في قوله تعالي:

-"يا أيها النبي حرّض المؤمنين علي القتال"(26)

_"يا أيهاالنبي جاهد الکفار والمنافقيين و اغلظ عليهم "(27).

_"انا أنزلنا اليک الکتاب بالحقّ لتحکم بين الناس بما أراک الله "(28).

فإضافة الي تبليغ الشريعة کان سيّدنا محّمد ( صلي الله عليه و آله و سلم) مسؤولاً عن امّته في إدارة شؤونها و قيادتها.قال تعالي:

-"النبي أوّلي بالمؤمنين من أنفسهم "(29).

_"و أطيعوا الله و الرسول و أوّلي الأمر منکم "(30).

_"و أطيعوا الله و الرسول و لا تنازعوا فتفشلوا "(31)

_"و ما أرسلنامن رسول إلا ليُطاع بإذن الله "(32).

و هناک العديد من الآيات التي توجب طاعة النبي کطريق لطاعة الله سبحانه.

فطاعة الله تتجسد في تنفيذ أحکامه و الائتمار بأوامره ، و اجتناب نواهية ، و لما کان النبي هو مرجع المسلمين في التشريع و الوحي ، فطاعته واجبة ، و الإنقياد اليه جزء من طاعة الله.

و من هنا فإن النبي -إضافة الي مهمّته في إبلاغ الشريعة - مسؤول عن تطبيقها في حياة الناس ، و هو ما يتجلّي في إطار الحکومة و القيادة.

قال تعالي: "يا أيها النبي إنا أرسلناک شاهداً و مبشراً و نذيرا ً"(33).

وإن الايمان بالله و طاعته يتسّجد في ما ترمي إليه الآية الکريمة في قوله تعالي: "فلا و ربّّّک لا يؤمنون حتي يحکّموک فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا ً مما قضيت و يسلّموا تسليما "(34).

و نجد في حوادث فتح مکة ان أبا سفيان فد امتلأ دهشة و خوفا و هو يراقب کتائب الجيش الإسلامي و هي تزحف باتجاه مکة ، فهتف مأخوذاً و هو يخاطب العباس عم النبي( صلي الله عليه و آله و سلم)لقد أصبح ملک ابن أخيک عظيما. فقال العباس: و يحک إنّها النبوّة(35).

 


و بعد أن رحل رسول الله (ص)

لقد تضافرت النصوص لدي الشيعة و السّنة علي أن رسول الله ( صلي الله عليه و آله و سلم) قد استخلف عليّاً (عليه السلام) و نصّبه إماما ً للناس ، و قد ذکرنا آنفا ً في الحديث المعروف بحديث الدار يوم نزلت الآية: "وأنذر عشيرتک الأقربين " أن سيّدنا محّمداً ( صلي الله عليه و آله و سلم) قال لعشيرته و هو يشير الي علي: ان هذا أخي و وصيي و خليفتي فيکم فاسعموا له و أطيعوا"(36).

و في غديرخم لدي عودة النبي من حجّة الوداع قال رسول الله ( صلي الله عليه و آله و سلم) و قد أخذ بيد علي (عليه السلام): ألستُ أوّلي با لمؤمنين من أنفسهم ؟ قالوا: بلي يا رسول الله فقال: من کنت مولاه فعليٌ مولاه ثم قال: اللّهم والِ من و الاه و عادِ من عاداه ، فلقيه عمر بن الخطاب فقال: هنيئا ً لک يابن أبي طالب أصبحت مولي کلّّ مؤمن و مؤمنة (37)".

وهناک نصوص کثيرة من هذا القبيل تشير الي خلافة علي بن أبي طالب (عليه السلام) و إنّه قائد المسلمين بعد النبيّ ( صلي الله عليه و آله و سلم)

ولما کان سيّدنا محّمد ( صلي الله عليه و آله و سلم)أوّلي بالمؤمنين من أنفسهم و استشهد المسلمين بذلک ، فقدجعل لعلي بن أبي طالب ذات المسؤولية في الولاية ، و قد أدرک عمربن الخطاب ذلک وهنّأ عليا ً قائلا: هنيئا ً لک يا بن أبي طالب ، أصبحت مولي کلّّ مؤمن و مؤمنة.

وقد أوردت بعض الأحاديث تفاصيل اخري حول ذلک تشيرالي بيعة العديد من الصحابة لعلي في تلک المناسبة.

و بالطبع فإنّ البيعة لا تعني شيئاً غير الطاعة للقيادة ؛ليس في بيان الشريعة فحسب بل في سائر ما کان يقوم به النبي ( صلي الله عليه و آله و سلم) من و ظائف أخري ، و ماينهض به من مسؤوليات.

کما ان مجموع الحوادث التي أعقبت رحيل الرسول الأکرم يشير الي قيام مجموعة من الصحابة بالالتفاف علي الخلافة و مصادرة حقّ علي فيها. وليس امتناع علي عن البيعة شهوراً و احتجاجه و استنکاره إلّا دليل علي ذلک ، و لقد کان الخلفاء لما استتبت لهم الامور يراجعونه في کثير من المعضلات و المشاکل و الأزمات التي تعصف بالامّة الإسلامية.وقد اعترف عمر بن الخطاب بذلک أکثر من مرّة و أقر بّّّأ علمية علي ، و طالما سمع يردّد: "لولا اعلي لهلک عمر".

و هتف علي في خضم تلک الحوادث المؤسفة: الله الله يا معشر المهاجرين لا تخرجوا سلطان محّمد في العرب من داره و قعر بيته و لا تدفعوا أهله عن مقامه في الناس و حقه.فوالله يا معشر المهاجرين لنحن أحق الناس به لأنّا أهل البيت و نحن أحقّ بهذا الأمر منکم "(38).

و کتب علي (عليه السلام) الي أخيه: فقد قطعت قريش رحمي و ظاهرت عليَّ و سلبتني سلطان ابن عمي"(39).

و لو کان الأمر غير ذلک فکيف نفسّر الحوادث التي أعقبت و فاة الرسول ( صلي الله عليه و آله و سلم) و مواقف علي و فاطمة ( عليهما السلام) و بعض الصحابة.

 

و عندما انتخبته الجماهير للخلافة بعد خمسة و عشرين سنة من الإقصاء نهض بمسؤولياته في الحکم و الإدارة فنصّب ولاة جدداً ، و نصّب قضاة آخرين ، و عبأ قوّاته ، لإعادة النظام و الإستقرار للبلاد. وقال في إحدي المناسبات: و قد قال قائل انّک علي هذا الإمر يا بن أبي طالب لحريص ، فقلت: بل أنتم لأحرص و أبعد ، و أنا أخصّ و أقرب ، و انما طلبت حقّاً و أنتم تحولون بيني و بينه ، و تضربّّّون و جهي دونه ، فلما قرعته بالحجّة في الملأ الحاضرين هبّ کإنّه بهت لا يدري ما يجيبني به (40).

ولم تکن حرب الجمل سوي اعتراض من طلحة و الزبير علي حکومة علي التي لم تنسجم و مصالحهما ، و قدقال طلحة قبل اشتعال المعرکة: فاعتزل هذا الأمر ونجعله شوري بين المسلمين (41).

کما لم يکن تمرد معاوية هو الآخر إلّا من أجل ذلک ، و لقدکان صراع معاوية مع علي لأن الأوّل کان يتشبث بالحکم و الزعامة ، و کان علي يريد تنفيذ حکم الله في الأرض و تطبيق الشريعة الإسلامية.

وکما استخلف النبي ( صلي الله عليه و آله و سلم)عليّا و نصّبه إماما للناس ، فقد قام علي (عليه السلام)باستخلاف ابنه الحسن سبط النبي ( صلي الله عليه و آله و سلم) ليقوم مقامه ، و لقد بايع الکوفيون حفيد الرسول قائداً و خليفة ، و استمر عصيان معاوية و اعتراضه علي حکومة الحسن (عليه السلام) ، لا لأن الحسن أمين علي الشريعة و داعٍ للصلاة ، فليس لمعاوية شأن بالصلاة ، بل لأن الحسن کان حاکماً و مسؤولاً أعلي في الحکومة الإسلامية.

 

و قد استخلف الحسن (عليه السلام)أخاه الحسين في ميراث الإمامة. و بالرغم من عدم تسنم الإمام للخلافة و استشهادة في کربّّّلاء إلا إنّه يعدّ الإمام الثالث و الخليفة الثالث لرسول ( صلي الله عليه و آله و سلم)؛فيما يظلّّّ معاوية و يزيد مجرّد غاصبين للحق.

قال الإمام الحسن مخاطباً معاوية: و رأيتک عرضت بنا بعد هذه الامر ومنعتنا عن آبائنا تراثاً ، و لقد لعمرالله أورثنا الرسول(ص)ولادة(42).

کما خاطب الجيش الذي اعترض طريقه في کربلاء:

"أما بعد أيّهاالناس فانّکم إن تتقوالله و تعرفوا الحقّ لإهله يکن أرضي لله ، و نحن أهل البيت أوّلي بولاية هذا الأمر من هؤلاء المدّعين ما ليس لهم و السائرين فيکم بالجور والعدوان"(43).

و عن داود بن فرقد ، قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام)قول الله عزوجل: "قل اللّهم مالک الملک تؤتي الملک مَن تشاء و تنزع الملک ممّن تشاء<" فقد آتي الله بني امية الملک ، فقال: ليس حيث يذهب الناس اليه ، ان الله آتانا الملک و أخذه بنو اٌومية بمنزلة الرجل يکون له الثوب و يأخذه الآخر فليس هو للذي أخذه"(44).

و استنادا ً الي هذا کان لهم الحقّ في التصرّف في أموال الخمس و الزکاة.

و من هنا ندرک أنّ قيادة المعصوم هي من الصميم في الدين و جزء لا يتجزأ من رسالة الأنبياء ، و هو أمريتعدّي أهليتهم لذلک الي اعتباره تکليفا ً إلهيا.

 

و ما أسمي أن ينتخب الله إنسانا ً معصوما ً ليکون عالما ً بالشريعة أمينا ً عليه مسددا ً من لدنه في تنفيذ أحکام السماء.


وفي زمن الغيبة

ان مسألة القيادة و الحکم ظاهرة عريقة في حياة البشرية ، و من ضرورات الحياة الاجتماعية ، و لايشکّ في ذلک عاقل. و بدون نظام للحکم و للإدارة تعمّ الفوضي و يختلط الحابل بالنابل.

و إنّ وجود فرد أو أفراد في قمة الهرم الاجتماعي لقيادة الحياة اجتماعيا ً و تکون مهمتهم إقامة العدل و منع العدوان و کفالة الحقّوق العامة أمرفي غاية الضرورة ، و مسألة بديهية لا تحتاج الي جدل.

و بالطبع فإن الإسلام لم يؤيّد هذه الظاهرة العقلائية في الحيا ة الإنسانية فحسب ، بل إنّه جعل من النبي و اثني عشر إماما ً من أهل بيته قادة للمسلمين ، و أوجب طاعتهم علي الجميع.

و لقد بلغت هذه المسألة درجة من الأهمية البالغة لا يمکن إهمالها في کلّّ العصور و في کلّّ الظروف ، حتي لو لم تبلغ الامّة درجة من الوعي الذي يجعلها علي قناعة بذلک ، فإن قائدا ًکهذا يبقي علي قوّته و متانته لإقامة العدل و بناء نظام يقوم علي معادلة الحقّ و الواجب المتبادل بين أفراد المجتمع.

و حتي في غياب المعصوم أو الإمام فإن مسألة إقامة النظام الإسلامي مهمة عامّة تنطلب من الامّة الاستجابة لها کتکليف الهي ، و انتخاب الفرد الصالح الذي ينطوي علي مقومات القيادة.

قال تعالي: " و ما محّمد إلّا رسول قد خلت من قبله الرسول أفإن مات أو قتل انقلبتم علي أعقابکم "(45).

وقد نزلت هذه الاية في معرکة احد عندما تعرّض المسلمون الي هجوم عنيف شنّه فرسان المشرکين في عملية التفاف إثر عصيان الرماة لتعليمات النبي ( صلي الله عليه و آله و سلم) و ترک مواقعهم في جبل عينين ، و قد اُشيع وقتها بأنّ محّمداً ( صلي الله عليه و آله و سلم)قد قتل ، و سرعان ما فعلت هذه الشائعة فعلها الخطير في نفوس المسلمين الذين بدأوا فرارهم من ساحة المعرکة.ولولا صمود بعض الصحابة و التفافهم حول الرسول لقتل (صلوات الله و عليه و آله).

و شيئا ً فشيئا ً عادت للمسلمين ثقتهم و بدأوا تجمعهم حول النبي ( صلي الله عليه و آله و سلم)بعد أن تبيّن لهم کذب الشائعات.

و قد نزلت هذه الآية في تلک الظروف العصيبة تخاطب المسلمين و تستنکر هزيمتهم و تخلّيهم عن الرسالة؛ فهل يکون النبي أو وفاته مدعاة للانقلاب و التقهقر؟

و في هذه الآية تأکيد علي حفظ النظام الاجتماعي باعتباره ضرورة عقلية ، وبالتالي استمرار الجهاد حتي في غياب النبي ( صلي الله عليه و آله و سلم)

و لقد کانت مسألة الحکومة من البديهيات لدي المسلمين ، و هذا ما ظهر جليا في الجدل الذي احتدم في سقيفة بني ساعدة عشية دفن النبي ( صلي الله عليه و آله و سلم)حول مسألة الخلافة ، فقدقال الأنصار: فينا الإمارة و قال المهاجرون مثل قولهم ، و قال الأنصار: منّا أمير ومنکم أمير ، و قال المهاجرون: نحن الاُمراء و أنتم الوزراء !

 

ولکن أحدا ً لم يتفوّه أبدا ليقول: لا ضرورة للخلافة و ان الحياة الاجتماعية لا تتطلب ذلک ، و لم يقل علي و الصحابة الذين امتنعوا عن البيعة إنّه لاضرورة للخليفة ، بل قال: أن الخلافة حقّه و ميراثه من الرسول ( صلي الله عليه و آله وسلم) الذي جعله و صيّاً و خليفة له من بعده ؛ وکان هذا رأي بعض الصحابة الذين و قفوا الي جانبه في محنته.

و لم يقف علي (عليه السلام)بعد ذلک موقفا ً سلبيا ً من جهاز الخلافة طيلة حياتة بل تعاون معهم با لقدر الذي يدعم الوجود الإسلامي و يرسّخه في الحياة ، ولم يسع إلي إضعاف مرکزهم ، و کان يدعم موافقهم أحياناً ، و کانت له موافقه المشهودة في الأزمات العاصفة ، و قد اشتراک ابناه الحسن و الحسين ( عليهما السلام)في حروب الفتح الإسلامي.

و التاريخ يذکر مقولته المشورة عند ما رفع الخوارج شعارهم الخطير"لا حکم إلا لله"فقال: "کلمة حق يراد بها باطل.نعم إنّه لا حکم إلا لله ، و لکن هؤلاء يقولون: لا إمرة إلا لله ، و إنّه لابد للناس من أمير بّّّر أو فاجريعمل في امرته المؤمن ، و يستمتع فيها الکافر و يبلغ الله فيها الأجل و يجمع به الفيء، و يقاتل به العدوّ ، و تأمن به السبل و يؤخذ به للضعيف من القوي، حتي يستريح برّ ويستراح من فاجر"(46).

وفي الختام يتبغي القول ان مسألة الحکم الإسلامي و تشکيل الدولة الإسلامية أمر لا ينحصر بفترة النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) و حياته الشريفة، بل إن ضرورة استمرارها وإقامتها يستوعب جميع العصور حتي في زمن غياب المعصوم (عليه السلام).

 

و إن مسألة القيادة و الزعامة من حتميات الإسلام ،.إنّها احتلت مرکزاً حسّاساً بالغ الأهمية ، بحيث يکون القائد فردا ً معصوما ً من الخطأ مطهّرا ً من الذنوب.

و من هنا فإن الذين يعتقدون بضرورة القيادة کواجب ديني مقدس و تکليف الهي أکيد لابد وأن يولوها أهمية فائقة ، فإن وجد المعصوم فهو ، و ألّا توجّب السعي الحثيث من أجل انتخاب الفرد الصالح الذي يتمتع بمقومات القيادة و نيابة المعصوم في ذلک.

و من المثير للدهشة ان الامّة التي تعتقد بضرورة القيادة کواجب ديني مقدس نراها تهمل عمليا ً هذا الجانب الحياتي بل و تتحفظ من الذين يتدخلون فيها !

و تعتقد الامّة ان منزلة القيادة تبلغ من حساسيتها درجة لا تري سوي المعصوم فرداً يمکنه أن يشغلها، و مع کلّ هذا نجدها لا تکپترث أبداً في حياتها العملية و في حالة غياب المعصوم في أمر يتوقّف عليه مصيرها و مصيرالرسالة التي تؤمن به.

قم
ابراهيم الأميني
خريف 1350ه ش

 

(1) الصف الآية (4)
(2) البقرة الآية (193)
(3) التوبة الآية (24)
(4) الأنفال الآية (60).
(5) آل عمران الآية (104).
(6) البقرة الآية (213)
(7) الأنبياء الآية (74)
(8) يوسف الآية (22)
(9) يوسف الآية (101)
(10) ص الآية (26)
(11) ص الآية (35)
(12) طه الآية (47)
(13) الأحزاب الآية (6)
(14) المائدة الآية (48)
(15) الکامل في التايخ: ج 2ص62-تاريخ الطبري ج 2ص321
(16) ينابيع المودّة: ص71
(17) التراتب الإدارية: ج 1ص 257
(18) المصدر السابق: ص258
(19) التراتيب الإدارية: ج 1ص240-246
(20) التراتيب الإدارية: ج1ص285
(21) المصدر السابق: ص 287
(22) المصدر السابق: ص 313 -391
(23) المصدر السابق: ص 396-398
(24) المصدر السابق: 398
(25) المصدر السابق: 392
(26) الأنعام الآية (65)
(27) التوبة الآية (73)
(28) النساء الآية (105)
(29) الأحزاب الآية (6)
(30) النساء الآية (59)
(31) الأنفال الآية (46)
(32) النسا ءالآية (64)
(33) الاحزاب الايه (45)
(34) النساءالآية (65)
(35) الکامل في التاريخ ج 2ص246
(36) الکامل في التاريخ: ج 2ص63
(37) ينابيع المودة: ص297
(38) الامامة و السياسة: ج 1ص12
(39) المصدر اسابق "ص55
(40) نهج البلاغة: ج1ص37
(41) الامامة و السياسة ج 1ص75
(42) الامامة و السياسة ج 1ص 186
(43) الکامل في التاريخ: ج 4ص 47
(44) روضة الکافي: ص 222- بحار الانوار ج 3 ص 288
(45) آل عمران الآية(144)
(46) نهج البلاغة الخطبة (40)