الامامة في القرآن

 الامامة في القرآن

ورد ذکر الإمامة و الائمّة في موارد متعددة في القرآن الکريم و کلّّها ترجع الي ذات المعني اللغوي ، و هو إنّه عندما ينجذب فريق من البشر الي فرد ما يتخذونه مثا لاً و نموذجاً و قائدا ً لهم ، فهم يترسمون خطاه و يسيرون في خطّه ، بغض النظر عن حقيقته واتجاهه.

قال تعالي: "وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا و أوحينا اليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزکاة و کانوا لنا عابدين "(1).

وقال تعالي: "الذين يقولون ربّّّنا هب لنا من أزواجنا و ذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما"(2).

فربّّّما کانوا صالحين و ربّّّما کانوا أشراراً ظالمين.

قال تعالي في فرعون و ملئه: "وجعلناهم أئمة يدعون الي النار و يوم القيامة لا ينصرون"(3).
 

وقال سبحانه: "فقاتلوا أئمة الکفر إنّهم لا أيمان لهم لعلّهم ينتهون"(4).

و ربّّّما يصبح الکتاب إماما ً هاديا ً کما نري ذلک في قوله تعالي:

"ومن قبله کتاب موسي إماماً و رحمة"(5).

وقال تعالي: "وکلّّ شيء أحصيناه في إمام مبين "(6).

و يستفاد من الآيات القرآنية انّ کلّّ مجموعة بشرية سواء کانت علي حقّ أو باطل تتبع فرداً و تتخذه قدوة تتمثل سيرته و فکره و رؤاه ، فإنّه يعدّ إماما ً لها ، و ستحشر معه يوم القيامة ، فإن کان محسنا ً قاد قومه الي الجنّة ، و ان کان مسيئا ً هوي بنفسه و باتباعه الي قرار الجحيم.قال تعالي:

"يوم ندعو کلّّ اناس بإمامهم فمن أوتي کتابه بيمينه فأوّلئک يقرأون کتابهم ولا يظلمون فتيلا ، و من کان في هذه أعمي فهو في الآخرة أعمي و أضلّ سبيلا ً"(7).

ولقد کان الأنبيا ء وعلي امتداد التاريخ أئمة صالحين ، و کان زعماء الکفر و رؤوس الاستکبار أئمة طالحين ، و ستستمر هذه الظاهرة الي يوم الدين ، مع التأکيد ان إمامة المتقين والصالحين لن تکون نصيب المنحرفين عن التقوي والصلاح و کانوا ظالمين.

قال تعالي: "وأذا ابتلي إبراهيم ربُّّّه بکلمات فأتمهن قال اني جاعلک للناس إماما.قال و من ذرّيتي قال لا ينال عهدي الظالمين"(8).

وتنطوي هذه الآية علي دلالات عديدة ؛ منها:

ان احراز مقام الإمامة يتطلّب استعداداً ذاتياً و صفاءً روحياّ عالياّ ، إذ لا يمکن أن تکون نصيب کلّّ من هب و دبّ. ولم ينلها إبراهيم (عليه السلام)إلّا بعد أن رأي ببصيرته ملکوت السموات و الأرض ، و سما الي مرتبة اليقين ، و لقد ابتلاه الله بنار النمرود ثم بذيح ابنه إسماعيل و امتحانات اخري اجتازها الخليل بنجاح حتي أصبح أهلا ً للأمامة فنصّبه الله لها.

ان الآية تشيرالي ان مقام الإمامة شأن إبراهيم و کانت أسمي من النبوّة لإنّها جاءت متأخرة عن النبوّة بل في شيخوخته.

وماذکرناه يتعلّق بإبراهيم الخليل (عليه السلام) ولا يعني أبدا ً ان کلّّ إمامة هي أسمي من منزلة النبوّة ؛ ذلک انّ لکلّّ منهما درجات و مراتب فقد تسمو نبوّة بعض الرسل علي إمامة غيرهم ، و من الممکن أن تکون نبوّة سيّدنا محّمد (صلي الله عليه و آله و سلم) أسمي من إمامة ابراهيم الخليل (عليه السلام).

ويستفاد من الآية أيضا ً احتمال اجتماع الإمامة مع النبوّة في شخص مرتبطا ًبالله بطريق الوحي يتلقي عنه حقائق العالم ، و مرتبطا ً بالناس و الأئمّة ، علي صعيد العمل کقدوة و اسوة.

ان من شروط الإمامة انتقاء المعاصي و الذنوب عن شخص الإمام ، و هو ما يصطلح عليه بالعصمة ، فمن کان ظالما ً لايکون أهلاً للإمامة.

 

ان سيّدنا إبراهيم نال درجة الإمامة بعد أن کان نبيّاً و کان مبلّغاً للوحي والشريعة و أحکام الله ثم اختاره الله إماما ً. ومن هنا نفهم ان مقام الإمامة للناس هي هداية خاصّة تختلف عن هداية الأنبياء.

ان الإمامة عهد الهي يثبت بالنص ، و هي ليست من خيارات البشر وآرائهم.

قال تعالي: "وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا و کانوا بآياتنا يوقنون ".

فالإمامة درجة رفيعة تتطلب صلاحاً و أهلية و قابلية ذاتية. فمن أراد أن يکون إماماً ، يتوجب عليه أن يطوي مراحل من الخلوص الروحي و الصفاء النفسي.والآية الکريمة تنطوي علي إشارتين حول هذا الموضوع:

الأوّلي: ان احراز الإمامة يتطلب صبرا ً عظيما و ثباتا ً کبيرا ً في مواجهة المحن و الإبتلاءات الإلهية ، و التحلي بأقصي درجات ضبط النفس و الاستقامة الکاملة في الحياة و في کلّّ الظروف.

الثانية: إنّها تتطلب يقينا ً عالياً و ايمانا ً عميقا ً تندمج فيه عوالم الشهادة بالغيب فتتفتح البصيرة لتري کما يري البصر الأشياء ، وهو ما عبّرت عنه الآية الکريمة:

"وکذلک نري إبراهيم ملکوت السماوات و الأرض و ليکون من الموقنين"(9).

 

(1) الانبياء الآية (73)
(2) الفرقان الآية)74)
(3) القصص الآية (41)
(4) التوبة الآية (12)
(5) الاحقاف الآية(13)
(6) يس الآية (12)
(7) الاسراءالآيتان(71-72)
(8) البقرة الآية (124)
(9) الانعام الآية (75)