أوّلو الأمر

 أوّلو الأمر

احتدم الجدل في سقيفة بني ساعدة حول مسألة الخلافة و شخص الخليفة وأبدي کلّّ فريق حججه و أدلّته في إثبات حقّه و محأوّلة حسم الصراع في صالحه ، و دارت المناقشات الحامية التي ندر فيها استخدام لفظ الإمام ، فيها نجد کلمات أخري کثُر استخدامها من کلا الفريقين ؛ من قبيل: الأمر ، أوّلو الأمر وأحقّ بالأمر ، و صاحب الأمر.

ولهذه الکلمة جذورها العميقة منذ فجرالدعوة الإسلامية يوم کان سيّدنا محّمد (صلي الله عليه و آله و سلم) يدعو قومه الي الإسلام في مکة ، فقد دعا رسول الله عشيرته الأقربين و أوّلم لهم طعاما ً ثم خطب فيهم و بيّن لهم رسالته ، وقال: "أيّکم يؤازرني علي هذا الأمر علي أن يکون أخي و وصيي و خليفتي؟". فأحجم الجميع و التزموا الصمت ، و عندها نهض علي بن أبي طالب و کان يومها فتيً ، فهتف بحماس الشباب: أنا يا نبي الله أکون وزيرک.وعندها أخذ النبي برقبته و قال: "إن هذا أخي و وصيي و خليفتي فيکم ، فاسمعوا له و أطيعوا "(1).

ويوم جاء المشرکون الي أبي طالب يطلبون منه أن يکفّ ابن أخيه و الّا يعترض الي آلهة قريش بسوء فقال رسول الله لعمّه:

-يا عمّاه لو وضعوا الشمس في يميني و القمر في يساري علي أن أترک هذا الأمر ما ترکته حتي يظهره الله أو أهلک دونه "(2).

ورسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) کان يتمتع بمقامين ؛ الأوّل: کمبلّغ للرسالة و الوحي و شريعة السماء کما أنزلها الله سبحانه.

والثاني: کحاکم و قائد للمسلمين و مسؤول عن تنفيذ إحکام الله و تطبيق الشريعة في الأرض ، و أدارة المجتمع الإسلامي و هدايته باتجاه الصلاح و خير الدارين.

وکان هذا جزءاً من نبوّته و رسالته ، حتي يمکن القول ان "الأمر"الذي أشار اليه سيدنا محّمد (صلي الله عليه و آله و سلم) منذ فجر دعوته هو هذا الجانب من الرسالة. ومن المنطقي أن نفهم أن هذه المسؤولية کان يتحملها رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) وحده ما دام حيّاً لا يشارکه فيها أحد ، و لذا أسلم المسلمون إليه واستجابوا له مطيعين ، فلما التحق بالرفيق الأعلي شبّ النزاع وانفجر الصراع.

وبعد أن تمّت البيعة لأبي بکر قال أبو عبيدة لعليّ بن أبي طالب (عليه السلام): يابن عم انّک حديث السن و هؤلاء مشيخة قومک ، ليس لک مثل تجربتهم و معرفتهم بالأمور ولا أري أبابکر إلا أقوي علي هذا الأمر منک و أشدّ احتمالاً و اضطلاعا ً به ، فسلم لأبي بکر هذا الأمر ، فانّک ان تعش و يطل بک بقاء ، فآنت لهذا الأمر خليق وبه حقيق في فضلک و دينک و علمک و فهمک و سابقتک ونسبک و صهرک.

فقال علي کرّم الله وجهه: الله الله يا معشر المهاجرين ل اتخرجوا سلطان محّمد في العرب عن داره و قعر بيته الي دورکم و قعور بيوتکم ، ولا تدفعوا أهله عن مقامه في الناس و حقه"(3).

وقال معاوية لابن عباس: يا بن عباس ، انّا کنّا و إيّاکم في زمان لا نرجو فيه ثوابا ، و لانخاف عقابا ً ؛وکنّا أکثر منکم ، فوالله ما ظلّّمناکم و لا قهرناکم و لا أخّرناکم عن مقام تقدمناه ، حتي بعث الله رسوله منکم ، فسبق إليه صاحبکم ، فوالله ما زال يکره شرکنا و يتغافل به حتي و لي الأمر علينا و عليکم ثم صار الأمر الينا و اليکم فأخذ صاحبنا علي صاحبکم لسنه"(4).

وقال معاوية لعلي و سائر الناس "ليسلبنّ أمرکم و ليُنقلنّ الملک من بين أظهرکم "(5).

وکتب علي بن أبي طالب (عليه السلام)الي أخيه: "فقد قطعت قريش رحمي و ظاهرت علي وسلبتني سلطان ابن عمي"(6).

وجاء في رسالة للامام الحسن الي معاوية: فلمّا توفي رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) تنازعت سلطانه العربّّّ ، فقالت قريش: نحن قبيلته و اُسرته وأوّلياؤه و لا يحلّ لکم لن تنازعونا سلطان محّمد (صلي الله عليه و آله و سلم) وحقّه ، فرأت العربّّّ ان القول کما قالت قريش و ان الحجّة لهم في ذلک علي من نازعهم أمر محّمد (صلي الله عليه و آله و سلم) فأنعمت لهم العرب و سلمت ذلک "(7).

وفي السقيفة کان عمربن الخطاب يهدر بکلّّماته مستنکراً موقف الأنصار: من ينازعنا سلطان محّمد (صلي الله عليه و آله و سلم) و ميراثه و نحن أوّلياؤه وعشيرته إلا مدلّ بباطل أو متجانف لاثم أو متورط في هلکة"(8).

وهکذا نجد "الأمر"لا ينفک عن کلّّ حديث يتنأوّل خلافة النبي (صلي الله عليه و آله و سلم)في الحکم و الإدارة.

ويمکن القول ان (الأمر) هو بمعناه الأساس الذي يفيد إصدار الأوامر ، و من هنا جاء توظيفه في إصطلاحات متعددة مثل صاحب الأمر و"أوّلو الأمر"و من تکون أوامره نافذة ، واحبة الطاعة.

ويمکن القول إنّه بمعني الشأن ، فصاحبه شخص ينهض بمسؤولية قيادة الامّة ورئاستها.

 

(1) الکامل في التاريخ: ج2ص63
(2) تاريخ الطبري: ج2ص67
(3) الامامة و السيا سة: ج1ص12
(4) المصدر السابق: ص28
(5) المصدر السابق: ص30
(6) المصدر السابق: 55
(7) مقاتل الطالبيين ص35
(8) الامامة و السياسة: ج1 ص8