الامامُ الحادی عشر: الامامُ الحسنُ العسکری علیه‌السلام

الامامُ الحادی عشر

الامامُ الحسنُ العسکری علیه‌السلام

وُلد الامامُ الحسنَ العسکریُّ علیه‌السلام  فی الیوم الثامن من شهر ربیع الثانی عام مائتین واثنین وثلاثین هجریة فی المدینة المنورة.

إِسمه: حسن وإسم أبیه: علیُّ بن محمد وإِسم أُمه: حدیث أوسوسن.

کنیته: أبو محمد، وألقابه: الصامت والهادی والرفیق والزکیّ والنقی والخالص والعسکریّ.

وتوفی (شهیداً) فی الیوم الثامن من شهر ربیع الثانی عام مائتین هجریة فی مدینة سامرّاء، ودفن الی جانب والده الکریم.

کان قد انقضی من عمره‌الشریف ،یوم استُشهدَ ثمانی وعشرون سنة، وکانت مدة إمامته منها حوالی ستة أعوام علیه‌السلام .

النصوصُ علی إمامته

إن الادلة والبراهین  علی الإمامة - کما اسلفنا - تنقسم إلی قسمین: القسم الاول هی الأدلة العامة التی یمکن الإستفادة منها لإثبات إمامة کل واحد من الأئمة وقد سبق البحث فی هذا النوع من الأدلة تفصیلاً.

القسم الثانی، الأدلة الخاصة باثبات إمامة کل واحد من الأئمة بخصوصه
مثل النصوص التی صدرت من کل إمام علی الامام الذی یلیه، ونحن هنا نکتفی بادراج هذه النصوص:

قال عبدالعظیم الحسنی: دخلت علی سیدی علی بن محمد فلما بُصر بی قال لی: مرحباً بک یا أبا القاسم أنت ولینا حقاً.

قال: فقلت له : یا ابن رسول اللّه إنی أُرید أن أعرض علیک دینی فإن کان مرضیاً، ثبت علیه حتی ألقی اللّه عزوجل.

فقال: هات یا أبا القاسم.

فقلت: إنی أقول: إن اللّه تبارک وتعالی واحد، لیس کمثله شئٌ، خارجٌ عن الحدین: حدِّ الابطال وحدِّ التشبیه، وإنه لیس بجسم ولا صورة، ولا عرض ولا جوهر، بل هو مجسِّم الاجسام، ومصوِّر الصور، وخالق الأَعراض والجواهر، وربُّ کلِّ شئ ومالکُه وجاعلُه ومحدثُه، وإن محمداً علیهماالسلام عبدُه ورسولُه، خاتمُ النبیین فلا نبیَّ بعده إلی یوم القیامة، وإن شریعتَه خاتمةُ الشرائع فلا شریعةَ بعدها إلی یوم القیامة.

وأقول: إن الامام والخلیفة وولیّ الأمر بعده أمیرُ المؤمنین علیُّ بن أبی طالب، ثم الحسنُ، ثم الحسینُ، ثم علیُّ بن الحسین، ثم محمدُ بن علی، ثم جعفرُ بن محمد، ثم موسی بن جعفر، ثم علیُّ بن موسی، ثم محمد بن علی، ثم أنت یا مولای.

فقال علیه‌السلام : « ومن بعدي الحسنُ ابني، فكيف للناس بالخلَف من بعده »؟

قال: فقلت: وکیف ذاک یا مولای؟

قال: « لأنه لايُرى شخصُه ولايحلُّ ذكره باسمه حتى يخرجَ فيملأَ الارض قسطاً وعدلاً كما ملِئت جورا وظلماً ».[714]

وقال ابوهاشم الجعفریّ قال: سمعتُ أبا الحسن العسکریَ علیه‌السلام  یقول: «الخَلَفُ
من بعدِ الحَسَن إبنى، فكيف لكم بالخَلَفِ من بعدِ الخَلَف؟»

قلت: ولِمَ جَعَلَنی اللّه فداکَ؟

فقال: «لأنّكمْ لاترونَ شَخصَهُ، ولايحلُّ لكم ذِكرُهُ بإسْمِهِ».

قلتُ: فکیفَ نَذْکرُهُ.

فقال: قولوا: «الحجةُ ابنُ الحُجّة».[715]

وقال الصقرُ بن أبی دُلف قال: لما حمل المتوکِّل سیدَنا أبا الحسن علیه‌السلام  جئتُ لاسأل عن خبره، قال: فنظر إلیَّ حاجب المتوکل  فأمر أن أَدخل إلیه، فأُدخلت إلیه، فقال: یا صقر ما شأنُک؟

فقلت: خیر، أیها الاستاذ.

فقال: أُقعد،

قال الصقر: فأخذنی ما تقدم وما تأخر، وقلتُ فی نفسی: أخطأت فی المجیء.

ثم قال: ما شأنک وفیم جئت ؟

قلت: لخبرٍ مّا.

قال: لعلک جئتَ تسألُ عن خبر مولاک ؟

فقلت له: ومَن مولای؟ مولایَ أمیرُ المؤمنین ،

فقال: أُسکت مولاک هو الحق، لا تتحشمنی فإنی علی مذهبک.

فقلت: الحمد للّه.

فقال: أتحب أن تراه؟

فقلت: نعم.

فقال: إجلس حتی یخرجَ صاحبُ البرید.

قال: فجلستُ فلما خرج قال لغلام له: خذ بید الصقر فأدخِله إلی الحجرة
التی فیها العلویُّ المحبوس وخلِّ بینه وبینه.

قال: فأدخلَنی الحجرة وأومأ إلی بیتٍ، فدخلتُ فإذا هو علیه‌السلام  جالسٌ علی صدر حصیر وبحذاه قبرٌ محفورٌ،

قال : فسلَّمت فردَّ  علی السلام  ثم أمرنی بالجلوس فجلست ، ثم قال لی : یا صقر ما أتی بک؟

قلت : یا سیدی جئتُ أتعرف خبرک.

قال: ثم نظرتُ إلی القبر وبَکیتُ، فنظر إلیَّ وقال: «يا صقر لا عليك لن يصلُوا إلينا بسوء».

فقلت: ألحمد للّه.

ثم قلت: یا سیدی حدیث یروی عن النبی  صلی‌الله‌علیه‌وآله  لا أعرف معناه،

قال: فما هو؟

قلت: قوله  صلی‌الله‌علیه‌وآله : «لا تعادُوا الأيام فتعاديكم» ما معناه؟

فقال: «نعم، الأَيام نحن، بنا قامتِ السماواتُ والارض، فالسبت اسم رسول اللّه‏  صلى‌‏الله‌‏عليه‏‌و‏آله‌‌  والأحد أمير المؤمنين، والإثنين الحسن والحسين، والثلاثاء عليُّ بن الحسين ومحمدُ بن علي الباقر وجعفر بن محمد الصادق والأَربعاء موسى بن جعفر وعلي بن موسى ومحمد بن علي وأنا، والخميس ابني الحسن، والجمعة ابن ابني وإليه تجتمع عصابة الحق، وهو الذي يملأُها قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، فهذا معنى الأَيام ولا تعادوهم في الدنيا فيعادوكم في الآخرة».

ثم قال علیه‌السلام : «ودِّعْ واخرج فلا آمَنُ عليك».[716]

وعن الصقر بن أبی دلف قال: سمعت علی بن محمد بن علی الرضا علیه‌السلام  یقول: «الامامُ بعدي الحسن إبني وبعد الحسن إبنه القائم الذي يملأ الارض قسطاً و عدلاً
كما ملئت جوراً و ظلماً».[717]

عن یحیی بن یسار العنبری قال: أوصی أبو الحسن علی بن محمد إلی إبنه الحسن علیه‌السلام  قبل مضیه بأربعة أشهر، وأشار إلیه بالامر من بعده وأشهدنی علی ذلک وجماعة من الموالی.[718]

عن علیِّ بن عمرو النَوفلی قال: کنت مع أبی الحسن علیه‌السلام  فی صحن داره فمرَّ بنا محمدٌ إبنه، فقلت :جعلت فداک، هذا صاحبنا بعدک؟

فقال: لا صاحبکم بعدی الحسنُ.[719]

وعن عبد اللّه بن محمد الاصبهانی قال قال أبو الحسن علیه‌السلام : «صاحبُكم بعدي الذي يصلّي عليَّ».

قال: و لم نکن نعرف أبا محمد قبل ذلک.

فخرج أبو محمد بعد وفاته فصلّی علیه.[720]

وعن علی بن جعفر قال: کنت حاضراً أبا الحسن علیه‌السلام  لما توفی ابنُه محمد فقال للحسن:«يا بنيّ أحدث اللّه‏ شكراً فقد أحدثَ فيك أمراً».[721]

وعن أحمد بن محمد بن عبد اللّه بن مروان الأَنباری قال : کنت حاضراً عند مضیّ أبی جعفر محمد بن علی علیه‌السلام  فجاء أبو الحسن علیه‌السلام  فوُضع له کرسیٌّ فجلس علیه و حوله أهل بیته ، و أبو محمد ابنُه قائمٌ فی ناحیة، فلما فرغ من أمر أبی جعفر التفت إلیَّ أبی محمد علیه‌السلام  فقال:«يا بنيَّ أحدِث لله شكراً، فقد أحدث فيك أمراً».[722]


و عن علی بن مهزیار قال قلت لأبی الحسنعلیه‌السلام : إن کان کونٌ وأعوذ باللّه‌فإلی مَن؟

قال: عهدی إلی الأَکبر من وُلدی یعنی الحسنَ  علیه‌السلام .[723]

وعن علیِّ بن عمرو العطار قال: دخلتُ علی أبی الحسن  علیه‌السلام  و ابنُه أبو جعفر یحیاو أنا أظن أنه هو الخلف من بعده فقلت له: جعلت فداک من أخصُّ من ولدک؟

فقال: لا تخصوا أحداً حتی یخرج إلیکم أمری.

قال: فکتبت إلیه بعد فیمن یکون هذا الأَمر؟

قال: فکتب إلیَّ «في الأَكبر من ولدي».

قال: و کان أبو محمد  علیه‌السلام  أکبرُ من جعفر.[724]

وعن سعد بن عبد اللّه عن جماعة من بنی هاشم منهم الحسن بن الحسین الأَفطس أنهم حضروا یوم توفیِّ محمد بن علی بن محمد فی دار أبی الحسن [الهادی] علیه‌السلام  وقد بُسِط له فی صحن داره والناس جلوسْ حوله، فقالوا: قدَّرنا أن یکون حوله من آل أبی طالب وبنی العباس و قریش مائة وخمسون رجلاً سوی موالیه و سائر الناس إذ نظر إلی الحسنِ بن علی علیه‌السلام  وقد جاء مشقوقَ الجیب حتی قام عن یمینه و نحن لا نعرفه فنظر إلیه أبو الحسن علیه‌السلام  بعد ساعة من قیامه، ثم قال له:«يا بنيّ أحدث لله شكراً فقد أحدث فيك أمراً».

فبکی الحسنُ علیه‌السلام  واسترجع، فقال: «الحمد لله رب العالمين وإياه أسأل تمام نِعمه علينا، إنا للّه‏ وإنا إليه راجعون».

فسألنا عنه، فقیل لنا: هذا الحسن ابنُه، فقدّرنا له فی ذلک الوقت عشرین سنة ونحوها، فیومئذ عرفناه وعلمنا أنه قد أشار إلیه بالإِمامة وأقامه مقامه.[725]

وقال  محمد بن یحیی: دخلتُ علی أبی الحسن [الهادی] علیه‌السلام  بعد مضیِّ أبی
جعفر إبنه فعزَّیته عنه وأبو محمد جالس فبکی أبو محمد فأقبل علیه أبو الحسن علیه‌السلام  فقال: «إن اللّه‏ تعالى قد جعل فيك خلفاً منه فاحمد اللّه‏ عزوجل».[726]

وعن شاهویه بن عبد اللّه: کتب إلیَّ أبو الحسن علیه‌السلام  فی کتابٍ: «أردتَ أن تسأل عن الخلف بعد أبی جعفر وقلقتَ لذلک فلا تقلق فإن اللّه لا یضلّ قوماً بعد إذ هداهم حتی یتبین لهم ما یتَّقون، صاحبک أبو محمد إبنی وعنده ماتحتاجون إلیه، یقدم اللّه مایشاء ویؤِّر ما یشاء «وما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها»».[727]

 

فضائله ومکارم اخلاقه

کتب الشیخ المفید  رحمه اللّه فی هذا المجال یقول :کان الامامُ بعد أبی الحسن علیِّ بن محمد علیه‌السلام  ابنَه أبا محمد الحسن بن علی لإجتماع خلال الفضل فیه وتقدمه علی کافة أهل عصره فیما یوجب له الإمامة، ویقتضی له الرئاسة من العلم والزهد، وکمال العقل والعصمة، والشجاعة والکرم، وکثرة الاعمال المقرّبة إلی اللّه ثم لنص أبیه علیه‌السلام  علیه وإشارته بالخلافة إلیه.[728]

وعن الحسین بن محمد الأشعری ومحمد بن یحیی وغیرهما قالوا: کان أحمد بن عبید اللّه بن خاقان علی الضیاع والخراج بقُم فجری فی مجلسه یوماً ذکر العلویّة ومذاهبهم وکان شدیدَ النصب والانحراف عن أهل البیت علیه‌السلام  فقال: ما رأیتُ ولاعرفت بسرِّ من رأی من العلویة مثلَ الحسن بن علی بن محمد بن الرضا فی هدیه وسکونه وعفافه ونبله وکبرته عند أهل بیته وبنی هاشم کافة، وتقدیمهم إیاه علی ذوی السنِّ منهم والخطر، وکذلک کانت حاله عند القُواد والوزراء وعامة الناس، فأذکر إننی کنت یوماً قائماً علی رأس أبی وهو یوم مجلسه للناس إذ دخل
حُجّا به فقالوا: أبو محمد إبن الرضا بالباب.

فقال بصوتٍ عالٍ: إئذنوا له فتعجبْت مما سمعت منهم ومن جسارتهم أن یُکَنُّوا رجلاً بحضرة أبی ولم یکن یکنّی عنده إلا خلیفة أو ولّی عهد أو من أمَر السلطان أن یُکنّی.

فدخل رجلٌ أسمرٌ حسنُ القامة، جمیلُ الوجه، جید البَدَن، حدیثُ السن، له جلالة وهیئة حسنة، فلما نظر إلیه أبی قام فمشی إلیه خطیً ولاأعلمه فعلَ هذا بأحد من بنی هاشم والقُواد، فلمادنا منه عانقه وقبَّل وجهه وصدره وأخذ بیده وأجلسه علی مصلاه الذی کان علیه وجلس إلی جنبه مقبلاً علیه بوجهه وجعل یکلِّمه ویفدیه بنفسه وأنا متعجب مما أری منه إذ دخل الحاجبُ فقال الموفق: قد جاء، وکان الموفق إذا دخل علی أبی یقدمه حُجابه وخاصة قُواده، فقاموا بین مجلس أبی وبین باب الدار سماطین إلی أن یدخل ویخرج، فلم یزل أبی مقبلاً علی أبی محمد یحدِّثه حتی نظر إلی غلمان الخاصة فقال حینئذ له: إذا شئتَ جعلنی اللّه‌ُ فداک.

ثم قال لحجّابه: خُذوا به خلف السماطین لا یراه هذا یعنی الموفق، فقام وقام أبی فعانقه ومضی.

فقلتُ لحجّاب أبی وغلمانه: ویلَکم من هذا الذی کنَّیتموه بحضرة أبی وفعل به أبی هذا الفعل؟

فقالوا: هذا علویٌّ یقال له الحسن بن علی یعرف بإبن الرضا.

فازددتُ تعجباً ولم أزل یومی ذلک قلقاً مفکراً فی أمره وأمر أبی و ما رأیته منه حتی کان اللیل وکانت عادته أن یصلی العتمة ثم یجلس فینظر فیما یحتاج إلیه من المؤمرات وما یرفعه إلی السلطان.

فلما صلی و جلس جئتُ وجلست بین یدیه ولیس عنده أحدٌ فقال لی: یا أحمد أ لک حاجة؟


فقلت: نعم یا أبه، فإن أذنتَ سألتُک عنها.

فقال: قد أذنتُ.

قلت : یا أبه مَن الرجل الذی رأیتُک بالغداة فعلتَ به ما فعلتَ من الإِجلال و الکرامة والتبجیل، و فدیته بنفسک وأبویک؟

فقال: یا بُنیّ ذاک إمام الرافضة الحسنُ بن علی المعروف بابن الرضا، ثم سکت ساعةً وأنا ساکتٌ، ثم قال: یا بنیَّ لو زالت الإمامة عن خلفائنا بنی العباس ما استحقها أحدٌ من بنی هاشم غیره لفضله وعفافه وهدیه وصیانته وزهده وعبادته وجمیل أخلاقه وصلاحه، ولو رأیتَ أباه رأیت رجلاً جزلاً نبیلاً فاضلاً.

فازددتُ قلقاً وتفکراً وغیظاً علی أبی وما سمعتُ منه فیه ورأیت من فعله به فلم یکن لی همَّةٌ بعد ذلک إلا السؤل عن خبره والبحث عن أمره، فما سألتُ أحداً من بنی هاشم والقُواد والکُتاب والقضاة والفقهاء وسائر الناس إلاّ وجدته عنده فی غایة الإجلال والإعظام، والمحلّ الرفیع، والقول الجمیل والتقدیم له علی جمیع أهل بیته ومشایخه فعظم قدرُه عندی إذ لم أر له ولیاً ولا عدواً إلا وهو یحسن القول فیه والثناء علیه.[729]

و عن محمد بن إسماعیل العلوی قال :حُبس أبو محمد علیه‌السلام  عن علی بن أوتامش و کان شدید العداوة لآل محمد غلیظاً علی آل أبی طالب و قیل له: إفعل به وإفعل.

قال: فما أقام إلاّ یوماً حتی وضع خدیه له و کان لا یرفع بصره إلیه إجلالاً له وإعظاماً وخرج من عنده وهو أحسن الناس بصیرةً وأحسنهم قولاً فیه.[730]

وعن محمد بن إسماعیل بن إبراهیم بن موسی بن جعفر قال: دخل العباسیون علی صالح بن وصیف عند ما حبس أبو محمد علیه‌السلام  فقالوا له: ضیِّق علیه
ولا توسع.

فقال لهم صالح: ما أصنع به قد وکلتُ به رجلین شرَّ من قدرت علیه فقد صارا من العبادة والصلاة والصیام إلی أمر عظیم، ثم أمر بإحضار الموکَّلین فقال لهما: ویحکما ما شأنکما فی أمر هذا الرجل؟

فقالا له: ما نقول فی رجلٍ یصومُ النهار ویقوم اللیل کله، لا یتکلم ولا یتشاغل بغیر العبادة، فإذا نظر إلینا ارتعدتْ فرائصنا، وداخَلَنا ما لا نملکه من أنفسنا.

فلما سمع ذلک العباسیّون انصرفوا خاسئین[731].

وقال أبو هاشم الجعفری قال: شکوت إلی أبی محمد علیه‌السلام  ضیق الحبس وکَلَب القید فکتب إلیَّ أنت مصلی الیوم الظهر فی منزلک، فأُخرجت وقت الظهر فصلَّیت فی منزلی، کما قال، وکنت مضیَّقا فأردت أن أطلب منه معونةً فی الکتاب الذی کتبته فاستحییت، فلما صرت إلی منزلی وجَّه لی بمائة دینار، وکتب إلیَّ إذا کانت لک حاجة فلا تستح ولا تحتشم واطلبها تأتِک علی ما تحب إن شاء اللّه.[732]

وعن محمد بن أبی الزعفران عن أمّ أبی محمد علیه‌السلام  قال: قالت لی یوماً من الأَیام:«تصيبني في سنة ستين ومائتين حزازةٌ أخاف أن أُنكبَ منها نكبة».

قالت: وأظهرتُ الجزعَ وأخذنی البکاء.

فقال:«لا بدّ من وقوع أمر اللّه‏ لا تجزعي».[733]

فلما کان فی صفر سنة ستین أخذها المقیمُ والمقعد وجعلت تخرج فی الأحایین إلی خارج المدینة و تتجسس الأخبار حتی ورد علیها الخبر حین حبسه المعتمد فی یدی علی بن جریر و حبس جعفراً أخاه معه، وکان المعتمد
یسأل علیاً عن أخباره فی کل وقت فیخبره أنه یصوم النهار ویصلی اللیل، فسأله یوماً من الأیام عن خبره فأخبره بمثل ذلک.

فقال له: إمض الساعة إلیه و أقرئه منی السلام، وقل له: إنصرف إلی منزلک مصاحباً.

قال علی بن جریر: فجئت إلی باب الحبس فوجدت حماراً مسرجاً، فدخلت علیه فوجدته جالساً و قد لبس خُفه وطیلسانه وشاشته، فلما رآنی نهض فأدیت إلیه الرسالةَ، فرکب فلما استوی علی الحمار وقف، فقلت له: ما وقوفک یا سیدی؟

فقال لی: حتی یجیء جعفر.

فقلت: إنما أمرنی بإطلاقک دونه.

فقال لی: ترجع إلیه فتقول له: خرجنا من دار واحدة جمیعاً، فإذا رجعتُ ولیس هو معی کان فی ذلک ما لا خفاءَ به علیک.

فمضی و عاد فقال له: یقول لک قد أطلقتُ جعفراً لک، لأنی حبسته بجنایته علی نفسه، وعلیک وما یتکلم به، وخلّی سبیله فصار معه إلی داره.[734]

وقد نقل انه وقع لبهلول أنه رآه وهو صبیٌّ یبکی والصبیان یلعبون فظن أنه یتحسر علی ما بأیدیهم، فقال له: أشتری لک ما تلعب به؟

فقال: «يا قليل العقل ما لِلّعب خُلقنا».

فقال له: فلماذا خُلقنا؟

قال: «للعلم والعبادة».

فقال له: من أین لک ذلک؟

فقال : من قوله تعالی: «أفحَسبتم أنما خَلقناكم عَبثاً وأنكم إلينا لا تُرجَعون».


ثم سأله بهلول أن یعظَه، فوعظه بأبیاتٍ، ثم خرَّ الحسن رضی اللّه عنه مغشیاً علیه فلما أفاق قال له: مانزل بک وأنت صغیرٌ ولا ذنبَ لک.

فقال: إلیک عنی یا بهلول، إنی رأیت والدتی توقد النار بالحطب الکبار فلا تتقد إلا بالصِّغار، وإنی أخشی أن أکونَ من صغارِ حَطَب جهنم.[735]

عَن مُحمدِ بن علیِّ بنِ إبراهیم بن موسی بن جعفرٍ قال: ضاقَ بِنا الامرُ.

فقالَ لی أبی: امضِ بِنا حتَّی نَصیرَ إلی هذا الرَّجل یعنی أبا محمدٍ فإِنهُ قد وصف عنه سَماحةٌ.

فقلتُ: تعرفُه؟

فقال: ما أعرفه و لا رأیتُه قَطُّ.

قال: فقصدْناهُ، فقال لی أَبی وهو فی طریقه: ما أحْوَجَنا إلی أن یأمر لنا بخمسمائة درهمٍ مائتا درهمٍ للکسوةِ ومائتا درهمٍ للدَّینِ ومائةٌ للنَّفقة.

فقلتُ فی نفسی: لیتهُ أَمر لی بثلاثمائةِ درهمٍ مائةٌ أشتری بها حماراً ومائةٌ للنّفقةِ ومائةٌ للکِسوةِ وأخرُجَ إلی الجبل.

قال : فلمَّا وافَینا البابَ خرجَ إلینا غلامُه فقال: یدخُل علیُّ بن إبراهیم ومحمد إبنه، فلما دخلنَا علیه و سلمنا قال لابی: یا علی ما خلَّفکَ عنا إلی هذا الوقت؟

فقال: یا سیدی استحییتُ أن ألقاک علی هذه الحال.

فلما خرجنا من عِندهِ جاءَنا غلامُه، فناوَل أَبی صُرَّةً، فقال: هذه خمسمائة درهمٍ مائتان للکسوةِ ومائتان للدین ومائة للنفقة، وأعطانی صرة، فقال: هذه ثلاثمائة درهمٍ، إجعلْ مائةً فی ثمن حمارٍ و مائة للکسوةِ ومائة للنّفقةِ ولا تخرجْ إلی الجبَلِ، وصِر إلی سوراء.


فصار إلی سوراء، وتزوج بامرأة فدخله الیوم ألف دینار.[736]

 

علمُه

کان الامامُ الحسن العسکری علی غرار آبائه العظام عارفاً بجمیع العلوم والمعارف المرتبطة بالدین وأحکامه وقوانینه، وکانت منابعُ علوم الدین متوفرةٌ لدیه جمیعاً، کما کان یتمتّع بالعصمة والحصانة الالهیة الموهوبة له، وکان یعتبر نشر علوم الدین وحفظها من أهم وظائفه وواجباته، ولم یکن یمتنع عن أداء رسالته أبداً.

علی أن الأَئمة لم یکونوا متساوین من حیث الأَوضاع والظروف، ولقد کان کل إمام یعمل بوظائفه من نشر أحکام الدین ومعارف الشریعة حسب ظروفه وفی حدود إمکاناته.

إن العلوم والمعارف المنقولة عن إِلامام الحسن العسکری لیست - وللأَسف - بالقدر الذی روی عن الإمام الباقر والإمام الصادق، ویمکن إرجاع ذلک إلی سببین:

الأول: ان فترة إمامة الإمام الحسن العسکری کانت قصیرة لم تتجاوز ستة أعوام.

ثانیا: أنه کان یعیش هذه الفترة فی سامراء فی محلة العسکر وقد کان العیون السِّریون والعلنیون المکلفون من جانب الخلفاء یراقبونه بشدة، ولهذا کان محدوداً فی قوله وفعله ومراجعیه.

لقد کان تحت الرقابة الشدیدة، ولهذه الأسباب وغیرها لم یؤثَر عنه علیه‌السلام  من
الروایات بمقدار ما أُثر من آبائه.

ومع ذلک فقد نُقلت عنه أحادیث فی مختلف مجالات التوحید والمعاد والإمامة والاخلاق والمواعظ وشتی مجالات الفقه وهی موجودة فی کتب الحدیث، ومع کل هذا نحتمل بقوة أن یکونُ کثیر من الاحادیث الصادرة عن ذلک الإمام وغیره من الأئمة قد ضاع طوال التاریخ ولم تصل الینا.

ولقد ربّی الإمام الحسن العسکری علیه‌السلام  فی أثناء ستة أعوام ورغم کل تلک الضغوط والمحدودیات جملة من الشخصیات ورواة الأَحادیث وقد ذکرت أسماؤهم فی الکتب المرتبطة.[737]


[714]  کفایة الاثر ص282
[715]  کفایة الاثر 284
[716]  کفایة الاثر ص 285
[717]  کفایة الاثر ص 318
[718]  الإرشاد ج 2 ص 314
[719]  الإرشاد  ج 2 ص 314
[720]  الإرشاد ج 2 ص 315
[721]  الإرشاد ج 2 ص 315
[722]  الارشاد ج 2 ص 316
[723]  الإرشاد  ج 2 ص 316
[724]  الإرشاد ج 2 ص 316
[725]  الإرشاد ج 2 ص 317
[726]  الإِرشاد ج 2 ص 318
[727]  الارشاد  ج 2 ص 219
[728]  الارشاد ج 2 ص 313
[729]  الإرشاد ج2 ص321
[730]  الإرشاد ج2 ص329
[731]  الارشاد ج2 ص 334
[732]  الارشاد ج2  ص313
[733]  الارشاد ج2 ص 329
[734]  بحار الانوار ج 50 ص 313
[735]  نور الابصار ص138 والصواعق المحرقة ص207
[736]  الکافی ج 1 ص506
[737]  وقد جمع أحد المحققین أحادیث ذلک الإمام فی المجالات المتنوعة، ونشره تحت کتاب أسماه مسند الامام العسکری کما جمع أسماء رواته فی هذا الکتاب وبلغ عددُهم مائة وتسعة وأربعین شخصاً