مقدّمة

مقدّمة

الإمامة لیست مجرّد مسألة إعتقادیّة أو قضیّة فکریّة بحتة لا ترتبط بالحیاة، بل هی من أکثر القضایا الإسلامیة إرتباطا بالحیاة، وتأثیرا فی جمیع مجالاتها وأبعادها.

من هنا تُعتبر معرفةُ الإمام من الواجبات وقد أکّدت علیها أحادیث کثیرة إلی درجة أنّها عدّت عدم معرفة الإمام علی حد الکفر.

قال رسول اللّه صلی‌الله‌علیه‌وآله : «من مات بغير إمام ماتَ ميتةً جاهليّةً»[1].

وقال  صلی‌الله‌علیه‌وآله  أیضا: «من ماتَ وهو لا يعرف إمامَه ماتَ ميتةً جاهليّةً»[2].

وقال ابن أبی یعفور : سألت أبا عبداللّه]جعفر الصادق[  علیه‌السلام  عن قول رسول اللّه  صلی‌الله‌علیه‌وآله :«من ماتَ وليس له إمامٌ فميتته ميتةٌ جاهليّةٌ».

قلت : میتةُ کُفر ؟


قال:«ميتةُ ضلالٍ».

قلت: فمن مات الیومَ ولیس له إمامٌ فمیتتُه میتةٌ جاهلیةٌ؟

قال:«نَعم»[3].

قال فُضیل بن یسار : «قال ابتداءً أبو عبداللّه  علیه‌السلام  یوما: قال رسول‌اللّه  صلی‌الله‌علیه‌وآله : «من مات وليس عليه إمامٌ فميتتُه جاهليةٌ».

فقلت: قال ذلک رسولُ اللّه  صلی‌الله‌علیه‌وآله  ؟

فقال: «إي واللّه‏ قد قالَ».

قلت: فکلّ من مات ولیس له إمامٌ فمیتتُه میتةٌ جاهلیةٌ؟

قال:«نَعم»[4].

یستفاد من هذه الأحادیث والعشرات من الأحادیث المشابهة البالغة حدّ التواتر أنّ معرفة الإمام فرضٌ علی کلّ مسلم.

والآن یجب أن نری ما هو المراد من هذه المعرفة، وما هو الهدف منها؟

فی البدایة نقرأُ بیانا لمعنی الإمامة عن لسان الأئمّة المعصومین أنفسهم.

قال عبدالعزیز بن مسلم : کنّا مع الرضا علیه‌السلام  بمَرو فاجتمعنا فی الجامع یوم الجمعة فی بدء مقدَمنا فأداروا أمر الإمامة وذکروا کثرة اختلاف الناس فیها فدخلتُ علی سیّدی علیه‌السلام  فأعلمتُه خوض الناس فیه فتبسّم علیه‌السلام  ثمّ قال: «إنّ الإمامة زمام الدین ونظام المسلمین وصلاح الدنیا وعزّ المؤمنین.

إنّ الإمامة أُسّ الإسلام النامی وفرعُه السامی، بالإمام تمام الصلاة والزکاة والصیام والحجّ والجهاد، وتوفیر الفییء والصدقات، وإمضاء الحدود والأحکام ومنع الثُغور والأطراف.

الإمامُ یحلّ حلال اللّه ویُحرّم حرامَ اللّه، ویُقیم حدودَ اللّه ویذُبُّ عن دین اللّه.
ویدعو إلی سبیل ربّه بالحکمة والموعظة الحسنة والحجة البالغة.

الإمام أمینُ اللّه فی خلقه وحجّتهُ علی عباده وخلیفتُه فی بلاده والداعی إلی اللّه والذابّ عن حُرَم اللّه.

الإمام المطهَّر من الذنوب والمبرَّأ عن العیوب، المخصوص بالعلم الموسوم بالحلم، نظام الدین وعزّ المسلمین وغیظ المنافقین وبَوار الکافرین.

الإمام واحدُ دَهره، لا یدانیه أحد ولا یعادِله عالم ولا یوجد منه بدل، ولا له مثل ولا نظیر، مخصوصٌ بالفضل کلّه من غیر طلب منه له، ولا اکتساب، بل إختصاص من المفضِل الوهّاب»[5].

یُستفاد من هذا الحدیث و عشرات الأحادیث المشابهة له عدّه أُمور مهمّة هی:

 

أوّلاً: الصفات والخصوصیات الذاتیة للإمام .

یُستفاد من هذه الأحادیث أنّه لیس لکلّ شخص صلاحیّة التصدّی لمنصب الإمامة، بل لابدّ من أن تتوفّر فیه الشروط والصفات التالیة:

1 ـ العصمة الکاملة من المعصیة والخطأ، والاشتباه والنسیان.

2 ـ العلم الکامل بجمیع المعارف والأحکام المرتبطة بالدین فی مختلف مجالات الحیاة الدنیویة والأُخرویة، علی أن لا تکون تلک العلوم و المعلومات حاصلة له عن طریق الاکتساب، بل تکون نابعةً من الوحی، إما بصورة مباشرة أو بصورة غیر مباشرة.

3 ـ الإتّصاف بجمیع الفضائل والکمالات الإنسانیة.

وعلی هذا الأساس فإنّ الإمام إنسانٌ کاملٌ وشخصیةٌ فریدةٌ لا یکون له نظیر فی عصره.


ثانیا: الوظائف والمسؤولیات.

لقد وُضعت من جانب اللّه تعالی مسؤولیاتٌ جدّ مهمّة علی کاهل الإمام أبرزها وأهمّها ما یلی:

1 ـ الحفاظ علی جمیع الأحکام والقوانین المتعلّقة بالدین، والناشئة من الوحی والتی تَلَقّاها من جانب النبی صلی‌الله‌علیه‌وآله .

2 ـ نشر العلوم والمعارف والأحکام وبثُّها بین الناس، وبیان ما هو حلال وما هو حرام، ودعوة الناس إلی سبیل اللّه عبر إقامة الأدلّة والبراهین والموعظة الحسنة والجدال بالتی هی أحسن، والدفاع عن حوزة الدین والقیم الدینیة.

3 ـ إقامة الواجبات العبادیة کالصلاة والصیام والحجّ کما ینبغی وکما یجب.

4 ـ إدارة الشؤون المرتبطة بالحکومة کالقضاء وإجراء الحدود الإلهیة وإقرار وضمان الأمن النفسی والشخصی والإقتصادی لجمیع أفراد الاُمّة، وتوفیر المستلزمات المادّیة والموارد المالیة لإدارة البلاد، عن طریق جبایة الضرائب، والزکوات والصدقات، وصرفها فی مصارفها المقرّرة، والمحافظة علی الثروات العامّة. وتقسیم بیت المال، وتقویة القوی العسکریة والنظامیة، وإصدار الأمر بالجهاد والدفاع، وحفظ ثغور المسلمین، وحدود بلادهم، والتخطیط للتنمیة الثقافیة، و نشر القیم الإسلامیة ومکافحة الفساد الأخلاقی والاجتماعی وتقویة البنیة الاقتصادیة، وتوفیر أُمور الناس المعیشیة، والقیام بغیر ذلک من الأُمور التی ترتبط بإدارة البلاد الإسلامیة بصورة صحیحة.

 

ثالثا: وظائف الناس تجاه الإمام

تقع علی عاتق الناس عدّة مسؤولیات هامّة هی:

1 ـ فی مجال أخذ العلوم والمعارف والأحکام والقوانین المرتبطة بالدین
یجب الرجوع إلی الإمام، لأنّ الأئمّة خُزّان العلوم النبویة، ولأنّ عندهم الأحکام والقوانین الإسلامیة الواقعیة، فیجب سؤالهم عنها إن کانوا أحیاءً، و أخذ العلوم المأثورة المرویة عنهم من کتب الحدیث، فی حال وفاتهم.

ولقد أرجع رسولُ الإسلام  صلی‌الله‌علیه‌وآله  المسلمین ـ فی حدیث الثَقَلین ـ إلی هؤلاء الأئمّة لأخذ العلوم والمعارف منهم .

2 ـ یجب علی المسلمین أن یقبلوا باتّخاذ الأئمّة المعصومین قدوةً وأُسوةً لهم، وأن یستلهموا من سیرتهم وسلوکهم، ومن أخلاقهم الدروسَ والمناهجَ، ویتّبعوهم ویقتدوا بهم.

ولقد لفت رسولُ اللّه  صلی‌الله‌علیه‌وآله  نظرَ الناس إلی هذا الأمر المهمّ مرارا.

3 ـ یجب علی المسلمین أن یطیعوا إمامَهم باعتباره أحد مصادیق أُولی الأمر وأن یعملوا وفق أوامره ونواهیه، فقد جاء فی القرآن الکریم:

«أَطِيعُوا اللّه‏َ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ»[6].

وقد أُکّد علی هذا الأمر ایضاً فی أحادیث کثیرة أیضاً.

فقد قال الحسین بن أبی العلاء ذکرتُ لأبی عبداللّه  علیه‌السلام  قولَنا فی الأوصیاء: إنّ طاعتَهم مفترضةٌ.

فقال:«نعم، هم الذین قال اللّه تعالی: «أَطِيعُوا اللّه‏َ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ» وهم الذین قال اللّه عزّوجلّ: «إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللّه‏ُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ»»[7] [8].

4 ـ إنّ أهمّ وظیفة من وظائف الناس تجاه الإمام هوالسعیُ -بتمام الجهد- لتهیئة الأرضیّة المناسبة لإستقرار حاکمیة الإمام المعصوم وتمکینه من ممارسته
لقیادة المجتمع، والدفاع عن  حاکمیّته وقیادته، لکی یتمکن من إدارة شؤون الاُمة، وقیادة البلاد الإسلامیة والقیام بتنفیذ أحکام الإسلام الواقعیة، فتنعم الأُمّة الإسلامیة، بالبرامج الإلهیة فی ظلّ الإرشادات المعصومیة الرشیدة.

وعلی هذا الأساس لا یجوز، بل لا یمکن أن یُقال: انّ الإمامة مجرّد عقیدة جافّة، ومجرد قضیة تاریخیة غیر مفیدة، أو مسألة طارئة نشأت فی صدر الإسلام عقیب الإختلاف فی شروط الإمام والحاکم الإسلامی، فلا مکان لها بل و لا ثمرة عملیة لها فی هذا العصر، وأن البحث فی هذا الصعید غیر مفید، ولهذا فان من الأفضل أن تُترک، ویُدفع بها إلی زاویة النسیان، وعلینا بدل ذلک أن نفکّر فی وحدة الأُمّة !

کلا، لایصحّ کل هذه التصورات حول الإمامة لأنّ الإمامة هی فی الحقیقة صیغة الحاکمیة الإسلامیة وهی أُسلوب قیادة الإمام المعصوم، ولهذه المسألة دورها العملیٍّ  فی هذا العصر، بل فی جمیع العصور، شریطة أن تُفهم جیّدا، وأن یُستفاد منها بصورة صحیحة وسلیمة.

ولهذا وردت أحادیث کثیرة عن النبیّ والأئمّة الأطهار علیهم‌السلام  فیما یرتبط بوجوب معرفة الإمامة، ومعرفة مصادیقها الحقیقیّة، والتأکید علیها.

إنّ من أهمّ مشاکل العالم الإسلامی طوال التاریخ هو أنّ هذه المسألة الهامّة أی مسألة الإمامة، الحیویّة لم تَحْظَ باهتمام المسلمین کما یجب وکما ینبغی، وکما أراده رسولُ الإسلام صلی‌الله‌علیه‌وآله ، فانحرفت عن مسارها الحقیقی.

ولو کان المسلمون طوال التاریخ یعرفون وظائفهم فی مجال معرفة الإمام معرفةً صحیحةً، وکانوایقومون بواجباتهم فی مجال إعداد الأرضیة المناسبة لتحقیق ذلک علی صعید الواقع، لکان وضع العالم الإسلامی علی شکل آخر.

إنّ مسألة الإمامة - وللأسف -لم تُعرَف ولم تُفهَم کما یجب ولم یُستفد منها کما ینبغی حتّی بین قطاعات من الشیعة أیضا.


إنّ التشیّع یعنی إتّباع النبیّ صلی‌الله‌علیه‌وآله  والأئمّة المعصومین علیهم‌السلام  وطاعتهم، والأخذ بتعالیمهم، وینبغی أن لا یُختصر فی إظهار المحبّة الشکلیّة، وإقامة المآتم والاحتفالات، و مجرد إظهار الحزن والسرور، والمدح والرثاء، و لا فی زیارة مراقد الأئمّة المشرّفة وارتیادها فحسب، رغم أهمیة هذه الامور و الممارسات فی حد ذاتها.

علی أنّ من المحتَّم أنّ هذه الأعمال جمیعها إنّما تکون صحیحةً ومفیدةً إذا کانت مقدّمة لمعرفة الإمام معرفةً واقعیّةً، و أرضیّة لطاعة الأئمّة وإتّباعهم، ولهذا جاء فی ذکر ثواب الزیارات التی یُزار بها الأئمّة أن یکون الزائرللإمام: «عارفا بحقّه».

أمّا لو کان الأمر علی غیر هذا النمط لکان نوعا من عدم المعرفة، بل وانحرافا عن جادّة الإمامة الحقیقیّة.

والکتاب الحاضر أُلِّفَ للمساعدة علی تحقیق هذاالهدف، وهو توفیر المعرفة الصحیحة بالإمامة وبالأئمّة الهداة.

ولقد نُظّم هذا الکتاب علی ثلاثة فصول:

الفصل الأوّل ـ معرفة الإمامة.

الفصل الثانی ـ عملیة الإعداد التی قام بها النبیُّ الاکرم  صلی‌الله‌علیه‌وآله للتعریف بالمصادیق الحقیقیّة للإمامة.

الفصل الثالث ـ التعریف بالأئمّة، وبیان أحوالهم، وشرح سیرهم فی مختلف مجالات العلم والعمل والأخلاق، بشکل یمکّن المسلمین من الإقتداء بهم، واتّخاذ الأُسوة منهم.

9 رجب المرجّب 1424

إبراهیم الأمینی


[1] مسند أحمد بن حنبل ج4 ص96
[2] بحارالأنوار ج23 ص67
[3] الکافی ج1 ص376
[4] الکافی ج1 ص376
[5]  الکافی ج1 ص198
[6] النساء 59
[7]  المائدة 55
[8]  الکافی ج1  ص189