العصمة في ضوء الأحاديث

 العصمة في ضوء الأحاديث

کثيرة هي الإحاديث التي تؤکد علي عصمة الاما م ، فعن الرضا (عليه السلام) في حديث له قال: و إنّ العبد إذا اختاره الله لأمور عباده شرح صدره لذلک و أودع قلبه ينابيع الحکمة وألهمه العلم إلهاما ً فلم يعي بعده بجواب و لايحيرفيه عن الصواب. فهو معصوم ، مؤيد ، موفّق ، مسدّد ، قد أن من الخطايا و الزلل و العثار يخصّه الله بذلک ليکون حجّة علي عباده وشاهده علي خلقه: و ذلک فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذوالفضل العظيم»(1).

وعن الإمام الصادق (عليه السلام) في حديث له قال:

فالإمام هوالمنتخب المرتضي و الهادي المنتجي و القائم المرتجي ، اصطفاه الله بذلک واصطنعه علي عينه في الذرّ حين ذرأه و في البرية حين برأه ظلا ً قبل خلقه نسمة عن يمين عرشه ، محبوا ً بالحکمة ، في علم الغيب عنده ، اختاره بعلمه و انتجبه لطهره ، بقية من آدم (عليه السلام) وخيرة من ذرّية نوح و مصطفي من آل إبراهيم و سلالة من اسماعيل ، و صفوة من عترة محمّد (صلي الله عليه و آله و سلم) لم يزل مرعياً بعين الله يخفظه و يکلؤه بستره مطرودا ً عنه حبائل إبليس وجنوده مدفوعا ً عنه وقوب الغواسق و نفوث کل فاسق ، مصروفا ً عنه قوارف السوء ، مبرءا ً من العاهات ، محجوباً عن الآفات ، معصوما ً من الزلآت مصونا ً عن الفواحش کلها ، معروفاً ًبالحلم و البر في يفاعه ، منسوبا ً إلي العفاف و العلم و الفضل عند انتهائه مسنداً إليه أمر والده ، صامتا ً عن المنطق في حياته(2).

وعن علي (عليه السلام) قال: و قد علمتم أنه لا ينبغي أن يکون الوالي علي الفروج والدماء والمغانم و الأحکام و إمامة المسلمين ، البخيل فتکون في أموالهم نهفته ، و لا الجاهل فيضلّهم بجهله ، و لا الجافي فيقطعهم يجفائه ، و ل االحائف للدول فيتخد قوما ًدون قوم. ولا المرتشي في الحکم فيذهب بالحقوق ، وقف بها دون المقاطع و لا المعطل للسنّة فيُهلک الاُمّة(3).

وعن علي بن الحسين زين العابدين (عليهماالسلام) قال: «الإمام منّا لا يکون إلّا معصوصاً.فقيل له: يابن رسول الله ، فما معني المعصوم ؟ فقال: هو المعتصم بحبل الله و حبل الله هو القرآن لا يفتر قان الي يوم القيامة و الإمام يهدي الي القرآن و القرآن يهدي إلي الإمام ، ذلک قول الله عزوجل إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم»(4).

وعن سليم بن قيس قال: سمعت أميرالمؤمنين (عليه السلام) يقول: انماالطاعة لله عزوجل ولرسوله و لأولي الأمرو انما أمر بطاعة أولي الأمر لأنّهم معصومون مطهرون لايأمرون بمعصيته (5).

 

وعن ابن عباس قال: سمعت رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) يقول: أنا وعلي و الحسن والحسين و تسعة من ولد الحسين مطهّرون معصومون»(6).

وعن الامام الصادق في حديث له قال: نحن خزّان علم الله ، نحن تراجمة أمرالله نحن قوم معصومون. أمرالله بطاعتنا و نهي عن معصيتنا ، نحن الحجّة البالغة علي من دون السماء وفوق الأرض (7).

وعن الإمام الرضا (عليه السلام) قال: الإمام المطهّر من الذنوب و المبرّأ عن العيوب المخصوص بالعلم (8).

وعن سيّدنا محمّد (صلي الله عليه و آله و سلم) انه قال: من سرّ أن ينظر إلي القضيب الياقوت الأحمر الذي غرسه الله بيده و يکون متمسکا ً به ، فليتول عليا و الأئمة من ولده فانهم خيرة الله و صفوته و هم العصومون من کل ذنب و خطيئة(9).

عن حسين الأشقر قال: قلت لهشام بن الحکم: ما معني قولکم: إن الامام لايکون إلامعصوماً ؟ قال سألت أباعبدالله عن ذلک فقال: المعصوم هو الممتنع بالله من جميع محارم الله و قد قال الله: و من يعتصم بالله فقد هدي إلي صراط مستقيم (10).

وعن الصادق (عليه السلام)قال: الأنبياء و أوصياؤهم لا ذنوب لهم ، لأنهم معصومون (11).

وعن الإمام علي (عليه السلام) قال: لايقاس بآل محمّد (صلي الله عليه وآله و سلم) من هذه الأئمة و الاُمّة أحد...هم أساس الدين و عماد اليقين...ولهم خصائص حق الولاية و فيهم الوصية و الوراثة»(12).

وعنه (عليه السلام) أيضا: و کيف تعمهون و بينکم عترة نبيکم و هم أزمّة الحق و أعلام الدين و ألسنة الصدق و فأنزلوهم بأحسن منازل القرآن وردوهم ورود الهيم العطاش(13).

وفي قوله (عليه السلام)«فأنزلوهم منازل القرآن»ما يدلّ علي عصمتهم.اي اتبعوهم کما تتبعون القرآن.(14)

وعن الباقر (عليه السلام) في جواب علي عن سؤال سأله جابر: لأي شيء يحتاج الي النبي والإمام ؟ فقال: لبقاء العالم علي صلاحه ، و ذلک ان الله عزوجل يرفع العذاب عن أهل الأرض إذا کان فيها نبي أو إمام.قال الله عزوجل: «ماکان الله ليعذبهم و أنت فيهم»وقال النبي (صلي الله عليه و آله و سلم): «النجوم أمان لأهل السماء وأهل بيتي أمان لأهل الأرض ، فإذا ذهبت النجوم أتي أهل السماء ما يکرهون و إذ اذهب أهل بيتي أتي أهل الأرض ما يکرهون ، يعني بأهل بيته الأئمة الذين قرن الله عزوجل طاعتهم بطاعته فقال: «يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله و أطيعوا الرسول و أولي الأمر منکم»وهم المعصومون المطهّرون الذين لا يذنبون و لا يعصون ، و هم المؤيدون الموفّقون المسدّدون»(15).

وروي سليم بن قيس عن علي(عليه السلام) أنه قال: إن الله تبارک و تعالي طهّرنا و عصمنا و جعلنا شهداء علي خلقه و حجّةه في أرضه و جعلنا مع القرآن و جعل القرآن معنا لانفازقه و لايفازقنا(16).

ويبقي حديث الثقلين في طليعة الأحاديث التي تؤکد عصمة أهل البيت (عليهم السلام) و هو من الأحاديث المتواترة و المشهورة في کتب المسلمين جميعاً ، و لايمکن لأحد أن يشکک في صدوره عن سيّدنا محمّد (صلي الله عليه و آله و سلم)(17).

وعلي سبيل المثال ما روي عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله (صلي الله عليه و آله وسلم) يقول: أيّها النّاس إني ترکت فيکم الثقلين إن أخذتم بهما لن تضلّوا ، أحدهما أکبر من الآخر: کتاب الله حبل ممدود من السماء إلي الأرض و عترتي أهل بيتي ، ألا و إنّهما لن يفترقا حتي يردا علي الحوض(18).

والتأمل في الحديث يقودالي الإيمان بما يلي:

إن عترة النبي منزهة عن الخطأ والذنب ؛لأن سيّدنامحمّدا ً (صلي الله عليه و آله و سلم)قال: إن أخذتم بهما لن تضلّوا بعدي ، و لما کان اتباعهم أماما ً من الضلال والانحراف ، فمعني هذا عصمتهم عن الخطأ ، و أنّهم قدوة للمسلمين في عملهم و قولهم.

انّهم المرجع العملمي للمسلمين ، و إن علي المسلمين ، حتي من الذين لا يعتقدون إمامتهم ، الرجوع اليهم في شؤون دينهم.

إن اقترانهم بالقرآن يعني بقاءهم الي يوم القيامة ، و إذن فجميع العصور لا تخلو من وجود إمام.
إشکال:

لقد ورد في أدعية الأئمة الأطهار ما يدلّ علي اقترافهم الذنوب و طلبهم الغفران من الله عزوجل بل کانوا يبکون خوفا ً من عذاب الله و جحيم الآخرة ، و مع هذه الاعترافات الصريحة کيف ننسبهم الي العصمة ، و هم ينوحون خشية ً من عذاب الله يوم القيامة ؟ !
الجواب:

لا يبقي بعد إثبات عصمة الأئمة الأطهار (عليهم السلام) في ضوء الأدلّة العقلية و القرآن الکريم و الأحاديث الشريفة سوي تأويل هذه الأدعية و فهمها في أطر معينة علي افتراض صحة أسانيدها ؛ حيث يمکن تفسير ذلک من خلال ما بلي:

إن الأئمة (عليهم السلام) يعيشون حالة من الشهود الکامل ؛ فهم قد وقفوا علي قدرة الله و عظمته المطلة ، کما أنهم يشعرون بفقرهم الذاتي في کل شيء وأنهم لا شيء أمام الله عزوجل ، فکل شيء منه سبحانه ، فمهما عبدوا الله سبحانه و مهما تضرعوا إليه فإنهم لن يؤدوا حقه.

إن الأئمة (عليهم السلام) يسيرون في طريق الکمال و مدارج التکامل فکما ارتقوادرجة اشتدت نصاعة نفوسهم فيشعرون بتقصيرهم و يندمون علي عباداتهم و طاعاتهم فيما مضي لأنّها في نظرهم لا تليق بشأنه تعالي ، فهم في حياء من الله و شعور بالذنب يدفعهم إلي طلب المغفرة.

ان الأئمة جعلوا من الدعاء وسيلة لإرشاد الأئمّة خاصّة في الفترات الحرجة حيث سيوف الجلّادين تکاد تهوي علي أعناقهم ، فکانوا بدعادهم يبشرون معارف الإسلام و يرشدون المسلمين إلي جادة الصواب و هذا ما نراه جليّا ً في تراث السجاد (عليه السلام).

و الأئمة المعصومون هم معلمو الإنسانية ، فربما کانوا يهدفون من دعائهم تعليم الناس أدب الدعاء ولغة التضرّع إلي بارئ الإنسان و واهب الحياة. و من يقرأ أدعية المعصومين (عليهم السلام) يجدها قريبة إلي النفس مؤثرة في القلب لأنها تنبع من طبيعة الإنسان المحتاج الفقير الغافل الذي يخاف سوء العاقبة و يرجو رحمة ربّه.

وأخيرا ًيمکن تفسير ظاهرة الدعاء الأئمة بأنها نابغة من کلّ ما ذکرنا جميعا.

 

(1)أصول الکافي: ج1ص202
(2)اصول الکافي: ج1ص204
(3)نهج البلاغة: ج2ص19
(4)بحار الأنوار: ج25ص194
(5)اثبات الهداة: ج1ص232
(6)ينابيع الموة: ص534
(7)أصول الکافي: ج1ص269
(8)المصدر السابق: ص200
(9)بحار الأنوار: ج25ص193
(10)المصدر السابق ص194
(11)المصدر السابق: ص199
(12)نهج البلاغة: الخطبة 2
(13)المصدر السابق: الخطبة 83
(14)شرح ابن ابي الحديد ج6ص376
(15)بحار الأنوار: ج23ص19
(16)أصول الکافي: ج1ص191
(17)يتجاوز عدد الصحابة الذين رووا الحديث أکثر من ثلاثين صحابياً ، و قدروي بعبارات مختلفة و أسانيد متعددة ضبطتها کتب الفريقين ، فهناک ما يربو علي التسعة و الثلاثين حديثاً ً في صحاح أهل السنة و اثنان و ثمانين حديثا ً ضبطتها کتب الشيعة ، و قد أفرد مير حامد حسين الهندي في کتابه «العقبات» جزءا ً مستقلا ً لهذا الحديث.
(18)ينابيع المودة: ص36