تفسير آية التطهير، الإرادة

 تفسير آية التطهير

يطلق العرب علي القذارة الظاهرية و النجاسة اسم الرجس ، و علي الإثم والمعصية و وسوسة الشيطان کذلک ؛ فقي«أقرب الموارد» تعني القذارة و النجاسة والذنب الذي يجرّ إلي العذاب أيضا.

وفي «المنجد» القذارة و العمل القبيح أيضاً ، و لدي «ابن الأثير» في «النهاية»الرجسُ: النجس و القذر ، و تستخدم في العمل الحرام و لدي «الراغب الاصفهاني» في «مفرداته» تعني القذر والملوّث سواء في الطبع ، أو في نظر العقل أو في نظر الشرع ، و في الثلثة معا.

والرجس في ضوء القرآن الکريم له مفهومان ؛ أحدهما ما يدل علي النجاسة الظاهرية کالميتة و الدم و لحم الخنزير کما في قوله تعالي: «إلّا أن تکون ميتة أو دما ً مسفوحا ً أو لحم خنزير فإنّه رجس»(1).

أونجاسة معنوية کتلوّث النفس بالآثام أوجرّاء الضلال کما في قوله سبحانه: «ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا ً حرجا کأنما يصعد في السماء کذلک يجعل الله الرجس علي الذين لايؤمنون»(2).

وقوله أيضا: «وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا ً الي رجسهم وماتوا وهم کافرون»(3).

وقوله عزوجل: «قال قد وقع عليکم من ربکم رجس و غضب»(4).

فالآيات السابقة تشير إلي رجس هو في الواقع مايعتورالنفس من ظلامية في التفکير و السلوک و بتعبير القرآن مرض القلب الذي ينشأ عن غياب الايمان الذي يضيء النفس و ينشر في أنحائها النور.

علي أن الرجس الذي أشارت إليه آية التطهير لا يمکن أن يکون في إطار المعني الاصطلاحي ، ذلک أن وجوب اجتناب الرجس الظاهري هو أمرمطلوب من جميع «المکلّّفين»بينما تصدرت الآية «إنما» التي تفيد الحصربأهل البيت.

ثم إن تنزّه أهل البيت عن النجاسات لايمکن عدّه امتيازا ً لأهل البيت کما لايحتاج إلي کلّّ هذا الاهتمام البالغ الذي سعي رسول الله (صلي الله عليه و آله وسلم) الي تأکيد في ذاکرة المسلمين ، و هو امتياز جعل ام سلمة تطمح في الإنضمام إلي أهل البيت ، و لو کان معناه التطهّر من النجاسات ما افتخر به عليّ (عليه السلام) ولا احتجّ به الحسن و الحسين (عليهما السلام).

وإذن فالتطهّر من الرجس لابد و أن يکون في أعماق الروح و جوانب النفس.

 

الإرادة:

الإرادة التي تطرق إلي ذکرها القرآن الکريم نوعان:

الأول: إرادة تکوينية ، أي ما کانت في نظام الخلق و ناموس الطبيعة عن قبيل قوله تعالي: «و إذا أرادالله بقوم سوءاً فلا مردله»(5). قوله تعالي:

«إنما أمره اذا اراد شيئاً ان يقول له کن فيکون»(6).

ومعني ذلک أن إرادة الله نافذة لا يقف في طريقها شيء إنها مشيئته سبحانه التي تعني الحتمية.

الثاني: إرادة تشريعية ، و هي التي جعلها الله في شريعته و أحکامه الواجب تنفيذها من لدن الناس ، کقوله سبحانه في تشريع الصوم مثلاً:

«فمن شهد منکم الشهر فليصمه و من کان مريضا ً أو علي سفر فعدّة من أيام اُخر يريد الله بکم اليسر ولا يريدبکم العسر»(7).

وقوله عزوجل: «ما يريد الله ليجعل عليکم من حرج و لکن ليطهّرکم وليتمّ نعمته عليکم»(8).

وفي ضوء ما تقدّم فما هوالمعني الذي ترمي اليه آية التطهير ، هل إرادة تشريعية أم تکوينية ؟

بعبارة اخري هل کانت الإرادة مقررة في نظام التشريع فآصبح أهل البيت المخاطب المعني بها ؟ وهل کان الخطاب القرآني يطلب من أهل البيت اجتناب الرجس والنجاسات ليکونوا طاهرين ، و اذن سيکون معني الآية الکريمة: ان الله يريد من أهل البيت أن يجتنبوا الرجس و النجاسة ليکونوا طاهرين. مع علمنا جميعا ً أن الأمر هو من الشمول بحيث يستوعب المسلمين کافّة.

ونحن هنا نحتکم الي و جدان القارئ في فهم مدلول الآية و ما ترمي إليه.

ولو کان الخطاب القرآني يرمي إلي هذه المعاني فما هو السرّ في اهتمام النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) بذلک و ما هي بواعث ام سلمة في محاولة الانضمام إلي أصحاب الکساء ؟ !

وهل ان الله لم يرد من ام سلمة اجتناب الذنوب و المعاصي و الآثام. إن آيةالتطهير وما رافقها من حوادث و مواقف تجعل لأصحاب الکساء وأهل البيت امتيازا ً رفيعا و فريدا.

فلقد احتج بها علي بن أبي طالب في حواره مع أبي بکرحول مسألة فدک ، و استشهد بها يوم الشوري بعد مصرع عمر ، و افتخر بها الحسن في أول خطبة له في خلافته

وهنا نحن نحتکم الي و جدان القارئ و هو يستعرض حوادث التاريخ و مواقف الحسن و الحسين والأئمة من بعدهما ، و الجوّ العام المؤيد للمضامين الحقيقية التي ترمي اليها الآية الکريمة ، لأن التاريخ لم يذکر أبدا ً أن أحدا ً حتي من أولئک الذين وقفوا في الجانب الآخر من خط أهل البيت وقف يوماً و اعترض علي مرامي الآية بأنها لا تستحق کلّ هذه الضجة لأنّها مجرد إرادة إلهية تشريعية تطلب من أهل البيت اجتناب المعاصي و الذنوب ليکونوا طاهرين !

و بانتفاء الجانب التشريعي من الآية لا يبقي سوي التسليم بالإرادة التکوينية المضون الوحيد للآية من معني الإرادة.وهذا ما أکّدته الروايات و الإحاديث قال رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم): انا أهل البيت قد أذنب الله عنا الفواحش ما ظهر منها و ما بطن (9).

وعنه صلوات الله عليه: أنا محمّد بن عبدالله بن عبد المطلب ان الله خلق الخلق فجعلني في خيرهم فأنا خيرکم خلقا و خيرکم قبيلاً و خيرکم بيوتاً و خيرکم نفسا ً(10).

وعن علي (عليه السلام) قال: فضل أهل البيت لا يکون کذلک و الله عزوجل يقول «انما يريد الله ليذهب عنکم الرجس أهل البيت و ليطهّرکم تطهيرا» فقد طهرنا الله من الفواحش ما ظهر منها و ما بطن علي منهاج الحق(11).


اشکال:

يعترض البعض علي ان تکون آية التطهير دالّة علي العصمة ، ذلک انها جاءت في سياق آيات اخري تخاطب نساء النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) ممّا يوحي جوّها العام إلي ان نساء النبي معنيات بخطاب الآية أيضاً و إذاکانت آية التطهير دالّة علي العصمة فلابد أن تکون نسوة النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) معصومات أيضا ً في حين أن أحدا ً لم و لن يدّعي ذلک و انه لا مناص من شمولية خطاب الآية لنساء الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) ، و بالتالي انتفاء دلالتها علي العصمة في کل الأحوال.

 


الجواب:

کان السيد عبد الحسين شرف الدين (رضوان الله عليه) قد أثار نقاطا ً عديدة امام الإشکال أعلاه.

ان الاحتمال المذکور سيکون اجتهادا ً مقابل النص ، ذلک ان الروايات التي بلغت حدّ التواتر تؤکد علي انحصار آية التطهير بالنبي (صلي الله عليه و آله و سلم) وعلي و فاطمة والحسن و الحسين و ما عرف فيما بعد بأصحاب الکساء ، و ما ورد عن ام سلمة و محاولتها الانضمام إلي أهل البيت حيث أجابها النبي (صلي الله عليه و آله و سلم): مکانّک و انّک علي خير.

إن سياق الآيات التي تخاطب نساء النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) کانت تعتمد نون النسوة بما لا يدع مجالاً للشک في أن الخاطبيت کانوا نساء النبي فقط فيما نجد في آية التطهير تغيّراً و اضحا ً في ضمير المخاطب ، و لو کانت النسوة محلا ً لخطاب آية التطهير لکانت بالشکل التالي: انمايريدالله ليذهب عنکن الرجس أهل البيت و يطهّرکن تطهيرا. لا بصيغة الجمع المذکر الذي ورد في نص الآية الکريمة.

لقد کان شائعا ً استخدام الجمل الاعتراضية لدي العرب فنجد في سورة يوسف مثلا ً جملة اعتراضية في السياق القرآني التالي: «فلما رأي قميصه قدّ من دبر قال انّه من کيدکن ان عظيم ، يوسف أعرض عن هذا و استغفري لذنبک انّک کنت من الخاطئين»(112).

 

فجملة «يوسف أعرض عن هذا» جملة اعتراضية ، و من هنا فما هو المانع من أن تکون آية التطهير جملة اعتراضية جاءت ضمن السياق القرآني ، لتؤدّي دورها و تأثيرها المطلوب في احترام أهل البيت من قبل الجميع حتي من لدن نسوة النبي (صلي الله عليه و آله و سلم).

بالرغم من ايماننا الکامل بعدم تحريف القرآن الکريم و أن آيات الله هي هي کما نزلت علي صدر سيّدنا محمّد (صلي الله عليه و آله و سلم) لا يوجد فيها نقص أو إضافة ، ولکن هناک سؤال حول تدوين القرآن و الطريقة المّتبعة آنذاک في جمعه ، و من المحتمل أن تکون آية التطهير في سياق سورة اخري ، ثم غيرمکانها عمدا ً أو جهلا ً(13).


ملاحظة:

لقد سبق و ان تحدثنا عن الموضوع و ان قصّه الآية لم تکن عادية لتمر مرور الکرام بل ان سيّدنا محمّداً (صلي الله عليه و آله و سلم) جمع إهل بيته و هم علي و فاطمة و الحسن و الحسين وغطّاهم بکساء خيبري تأکيدا ً علي ذلک ثم دعالهم و تلا آية التطهير. و بذلک وضع حدّاً للتساؤلات حول المغيين بأهل البيت ، و أعقب ذلک استمرار النبي و لشهور عديدة في تلاوتها کلّما مرّ بمنزل فاطمة ليسمعه الآخرون حتي بات البحث من البديهيات آنذاک ، و أصبحت الآية حقّا ً مسلما ً لعلي (عليه السلام) يحتج بها و للحسن و الحسين (عليهما السلام) يفتخران بشأنهما فيها.

 

(1)الانعام الآية(145)
(2)الانعام الآية(125)
(3)التوبة الآية(125)
(4)الاعراف الآية(71)
(5)الرعد الآية(19)
(6)يس الآية(82)
(7)البقرة الآية(185)
(8)المائدة الآية(6)
(9)ينابيع المودة: ص292
(10)المصدر السابق
(11)غاية المرام: 295
(12)يوسف الآية(29)
(13)عن کتاب الکلمة الغراء في تفضيل الزهراء للعلّامة السيد عبد الحسين شرف الدين: ص213