آية التطهير

 آية التطهير

قال سبحانه في محکم کتابه الکريم: «إنما يريد الله ليذهب عنکم الرجس أهل البيت و طهّرهم تطهيراًً»(1)

 

احتلت هذه الآية موقعا ً حساسا ً في المباحث الإسلامية ، و أضحت محوراً لجدل و اسع مدلولها و مصداقها ، و استنداليها علماء الإمامية في استدلالهم علي عصمة الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام)، فيما يقف أهل السنّة مواقف متحفظة ازاء بعض تفاسيرها و ما ترمي إليه من معاني و دلالات. ولکي تسلّط الضوء أکثر فينعرض باختصار البحت التالي:

 

أسباب النزول

تضافرت الروايات و الأحاديث بشکل لا يدع مجالا ً للتشکيک في أن الآية نزلت في سيّدنا محمّد (صلي الله عليه و آله و سلم) غداة غد و عليه مرط مرجل من شعر أسود فجاء الحسن فأدخله ثم جاء الحسين فأدخله ثم جاءت فاطمة فأدخلها ثم جاء علي فأدخله ثم قال " إنما يريدالله ليذهب عنکم الرجس أهل البيت و طهّرهم تطهيراً ً»(2).

وعن ام سلمة ان النبي (صلي الله عليه و آله و سلم)جلل علي الحسن والحسين و علي و فاطمة کساء ثم قال: اللّهم هؤلاء أهل بيتي و خاصّيتي أذهِب عنهم الرجس و طهّرهم تطهيراً ً.فقالت أم سلمة: و أنا معهم يا رسول الله ؟ قال قفي في مکانّک انّک إلي خير»(3).

 

وعن عمربن أبي سلمة ربيب النبي (صلي الله عليه و آله و سلم)قال: نزلت: «انما يريد الله ليذهب عنکم الرجس أهل البيت و طهّرهم تطهيراً»في بيت ام سلمة فدعا النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) عليّا و فاطمة و حسناً و حسيناً ، وعلي خلف ظهره فجلّلهم بکساء ثم قال: اللّهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس و طهّرهم تطهيراً. قالت ام سلمة: و أنا معهم يانبي الله ؟ قال: أنت علي مکانک و أنت إلي خير»(4).

وعن زينب ان النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) لما رأي الرحمة هابطة من السماء قال: من يدعو لي عليّاً و فاطمة و حسناً و حسينا ً ؟ قالت زينب: أنايا رسول الله فدعتهم فجعلهم في کسائه فنزل جبرئيل بهذه الآية و دخل معهم في الکساء»(5).

عن شداد أبي عمّار قال: دخلت علي وائلة بن الأسقع و عنده قوم فذکروا عليّا ً (رضي الله عنه) فلما قاموا قال: أخبرک بما رأيت من رسول الله قلت: بلي قال: أتيت فاطمة (رضي الله عنها) أسألها عن علي قالت: توجّه إلي رسول الله و معه و حسن و حسين فجلست أنتظره حتي جاء رسول الله (صلي الله عليه وآله و سلم) ومعه حسن و حسين آخذ کلّّ واحد منهما علي فخذ ثم لفّ عليهم ثوبه أو کساءه ثم تل اهذه الآية «إنمايريد الله ليذهب عنکم الرجس أهل البيت وطهّرهم تطهيراً»وقال اللّهم هؤلاء أهل بيتي و أهل بيتي أحق»(6).

عن أبي سعيد الخدري قال: «نزلت هذه الآية في خمسة: النبي(صلي الله عليه و آله و سلم) وعلي و فاطمة و الحسن و الحسين (عليهم السلام)»(7).

وعن الحسن بن علي ( عليه السلام) قال في خطبته: نحن أهل البيت الذين قال الله سبحانه فينا «إنما يريد الله ليذهب عنکم الرجس أهل البيت و طهّرهم تطهيراً»(8).

وعن وائلة بن الأسقع "«وأجلس النبي (صلي الله عليه و آله و سلم)حسنا ً دعا عليّاً فجاء ثم أغدف عليهم کساء ً خيبريا ً ثم قال: اللّهم هؤلاء أهل بيتي أذهب عنهم الرجس و طهّرهم تطهيراً. فقيل لوائلة: ما الرجس ؟ قال: الشکّ في الله عزوجل»(9).

وعنه أيضا ً قال: کنت في البيت يوم الشوري فسمعت عليّاً و هو يقول: استخلف الناس أبابکر وأنا والله أحقّ بالأمر وأولي به منه و استخلف عمر وأنا والله أحق بالأمر وأولي منه إلا ان عمر جعلني مع خمسة و أنا سادسهم لا يعرف عليّ لهم فضلاً و لو شاء لا حتججت عليهم ثم قال: نشدتکم بالله هل فيکم أحد أنزل الله فيه آية التطهير علي رسول الله «إنما يريد الله ليذهب عنکم الرجس أهل البيت و يطهّرهم تطهيرا» فأخذ رسول الله کساء ً خيبريا ً فضمني فيه و فاطمة والحسن و الحسين ثم قال: يا ربّّّ إن هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراًً ، قالوا اللّهم لا(10).

ولقد کان علي أحب الناس إلي رسول الله باعتراف عائشة.

 

عن العوام بن حوشب عن ابن عم له قال: دخلت مع أبي علي ام المؤمنين عائشة فسألتها عن علي فقالت: تسألني عن رجل کان أحبّ الناس الي رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) وکانت ابنته تحته ، رأيت رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) دعا عليّاً و فاطمة و حسناً و حسينا ً فألقي عليهم ثوبا ً فقال: اللّهم هؤلاء أهل بيتي فأذهِب عنهم الرجس و طهّرهم تطهيراً ، قالت فدنوت منهم فقلت: يا رسول الله و أنا من أهل بيتک ؟ فقال: تنحي انک علي خير»(11).

عن ام سلمة: ان النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) قال لفاطمة ائتني بزوجک و ابنيک فجاءت بهم فألقي عليهم کساء ً فدکيا ً ثم و ضع يده عليهم و قال: اللّهم إن هؤلاء آل محمّد فاجعل صلواتک و برکاتک علي محمّد وعلي آل محمّد انّک حميد مجيد. قالت ام سلمة: رفعت الکساء لأدخل معهم فجذبه (صلي الله عليه و آله و سلم) وقال: قفی مکانک إنک علی خیر (12).

و کل هذا الحشد من الروایات تدل دلالة أکیدة علی أن سیدنا محمد (صلي الله عليه و آله و سلم) جمع من حوله سبطيه الحسن و الحسين و ابنته فاطمة و بعلها علي بن إبي طالب و ألقي عليهم کساءه ، و تلا آية التطهير ثم دعا لهم بأن يشملهم الله برحمته و يطهّرهم من الرجس.

ويبقي الحديث باسانيده المتعددة واحداً من أهم الأحاديث المتواترة في کتب المسلمين جميعا.

الشهود:

وحادثة الکساء لها شهود عديدون يتمتعون باحترام المسلمين و إجلالهم؛

 

وهم: -ام سلمة زوج النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) التي تکاد الأحاديث أن تجمع نزول آية التطهير في منزلها.

-علي بن أبي طالب (عليه السلام) وهو أحد أصحاب الکساء ، و قد روي الحادثة في مناسبات متعددة.

- الحسن بن علي و هو أيضا ً أحد أصحاب الکساء.

- عائشة زوج الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) ، و قد روي عنها أنّها - کانت أحد الشهود.

- عمربن ام سلمة و هوربيب النبي (صلي الله عليه و آله و سلم).

-زينب بنت ام سلمة و ربيبة النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) ، و قد أمرها بدعوة علي و فاطمة و الحسن و الحسين (عليهم السلام).

- ثوبان و هو مولي لرسول الله و کان ملازما ً له في الحضر والسفر.

-وائلة بن الاسقع و کان يخدم في بيت النبي.

- سيّدنا محمّد(صلي الله عليه و آله و سلم) وهو أصل الحادثة حيث روي لبعض أصحابه شأن نزول الآية.

إضافة الي رواة آخرين من بينهم: أبو الحمراء ، أنس بن مالک ، أبو سعيد الخدري ، و ابن عباس ، هؤلاء قد يکونون شهودا ً أو رواة لها فقط سمعوها فيما بعدعن رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) ؛ وهم يروون أيضا ً بال و يشهدون علي ان سيّدنا محمّدا ً کان إذا مر بمنزل فاطمة تلا آية التطهير.

وقد يشير تکرار الأسانيد و الاختلاف في بعض جوانب الحادثة إلي احتمال تکرار الحادثة ، الأمر الذي أراد رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) من و رائه التأکيد علي أهميتها و تجذيره في ذاکرة المسلمين حتي لا يبقي مجال للتشکيک و محأولة تجيير ها الي نساء حيث وردت الآية في السياق العام من السورة أو اعتبارها أمرا ً عاديا(13).

تأکيد:

إن حادثة الکساء وآية التطهير وقعت في منزل النبي (صلي الله عليه و آله وسلم) وقد شهدها جماعة ، غير أن رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم)ولکي لاتمر مرورا ً عابرا ً تنتفي من و رائه مداليلها المطلوبة ، سعي إلي تأکيدها و منحها بُعدين هامّين ؛ الأول: تعيين مصداق الآية بشکل لايبقي مجالا ً للشک و التأويل وسدّ الطريق علي محأولات تفسيرية غيرصحيحة. الثاني منحها الأهمّية الکافية لتکون محورا ً أساسيا ً يرتبط بمستقبل الرسالة الإلهية ؛ فتخرج عن إطارها کشأن عائلي عابر لتکون همّاً إسلاميا ً کبيرا ً ؛ ومن هنا فقد ضل سيّدنا محمّد (صلي الله عليه و آله و سلم) ولمدة طويلة يمرّ بمنزل فاطمة (عليهاالسلام) کلّّما ذهب الي الصلاة فجرا ً فيتلوا آية التطهير ، فکان يدعو قائلاً: الصلاة يا أهل البيت ، ثم يتلو قوله «إنما يريد الله ليذهب عنکم الرجس أهل البيت و طهّرهم تطهيرا».

وروي عن أنس بن مالک أنّ رسول الله ظلّّ مدّة ستة أشهريمرّ بمنزل فاطمة فجرا و يدعوهم قائلاً: الصّلاةيا أهل البيت ثم يتلو الآية الکريمة(14).

وعن أبي الحمراء قال: رأيت رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم)يأتي باب فاطمة ستة أشهر فيقول «إنمايريد الله ليذهب عنکم الرجس أهل البيت وطهّرهم تطهيراًً»(15).

وعن أبي برزة قال: صليت مع رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) سبعة عشر شهرا ً فإذا خرج من بيته أتي باب فاطمة فقال السلام عليکم «إنما يريد الله ليذهب عنکم الرجس أهل البيت و طهّرهم تطهيراًً»(16).

وعن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: کان رسول الله (صلي الله عليه وآله و سلم) يأتينا کلّّ غداة فيقول: الصلاة رحمکم الله الصلاة «إنمايريدالله ليذهب عنکم الرجس أهل البيت و طهّرهم تطهيراًً»(17).

وعن ابن عباس قال: شهدنا رسول الله تسعة أشهر يأتي کلّّ يوم باب علي (عليه السلام) عندوقت کلّّ صلاة فيقول: السلام عليکم أهل البيت «إنمايريد الله ليذهب عنکم الرجس أهل البيت و طهّرهم تطهيراً»خمس مرات (18).

وروي عن أبي سعيد الخدري ان رسول الله ظل أربعين يوما ً يتلو الآية کلّّما مرّ بمنزل فاطمة لصلاة الفجر(19).

وإذن فلقد کان النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) يهدف من وراء هذا التأکيد منح المسألة أبعادها الحقّيقة حتي لا تبقي شأنا ً عائليا ً عابرا ، هذا أوّلاً ، و ثانيا ً تعيين المصداق الحقيقي لأهل البيت و تبديد الشکوک التي قد ترد إلي الأذهان مستقبلاً ، و أخيراً أن يکون للحادثة شهود کثيرون يعز زون الحقيقة و يشهدون بالحق ، و ينقلونها إلي الأجيال.

 

(1)الاحزاب الآية (33)
(2)ينابيع الموة: ص124- الدر المنثور: ج 5 ص 198- جامع الاصول: ج 1 ص 101
(3)ينابيع الموة: ص 125- الدر المنثور: ج 5 ص 198
(4)ينابيع الموة: ص125-جامع الاصول: ج10ص101
(5)ينابيع المودة: ص126-مجمع الزوائد: ج9ص167
(6)مجمع الزوائد: ج1ص167
(7)ينابيع المودة: ص 126
(8)ينابيع المودة: ص126- مجمع الزوائد: ج 9 ص 172
(9)غاية المرام: ص 287
(10)المصدر السابق: ص 294
(11)الامام الصادق و المذاهب الأربعة: ج1ص88
(12)ذخائر العقبي: ص21
(13) ورد حديث الکساء في مصادر متعبرة من کتب أهل السنة في طليعتها: صحيح مسلم ، مسند أحمد ، الدر المنثور ، مستدرک الحاکم ، جامع الاصول ، ذخائر العقبي ، الصواعق المحرقة ، ينابيع المودّة ، کفاية الطالب ، سنن الترمذي ، نور الأبصار ، اسعاف الراغبين ، مجمع الزوائد ، مناقب الخوارمي ، و کذا في کتب الشيعة من قبيل: اصول الکافي ، بحار الأنوار ، کشف الغمة ، تفسير العياشي ، تفسير نور الثقلين ، غاية المرام.
(14)جامع الاصول: ج1ص101
(15)مجمع الزوائد"ج9ص168
(16)مجمع الزوائد: ج9ص199
(17)عايي المرام: ص195
(18)الامام الصادق و المذاهب الأربّّّعة: ج1ص89
(19)مناقب الخوارزمي: ص23