هل ان علم الغيب من مختصات الله عزوجل؟

 هل ان علم الغيب من مختصات الله عزوجل؟

لاريب في أن الله محيط بعالم الوجود ، و الغيب و الشهادة لديه سواء ، و لايبقي معنيً للزمان والمکان ؛ لأن وجوده سبحانه مطلق لا يحده ، لايغيب عن عمله مثقال ذرة ، کما هو محيط بعالم الشهود بعوالم الغيب لأنّه الله خالق کل شيء ربّ العالمين.

والحديث هنا ، هل هناک من يعلم الغيب غيرالله ؟ وهل يمکن للانسان الاتصال و الإطّلاع علي عالم الغيب ؟

يقول البغض أن علم الغيب من مختصات الذات الإلهية لايشارکه فيها أحدمن العالمين حتي الأنبياء ، و يستدلون عي ذلک بطائفة من الآيات الکريمة:

-«وعند مفاتح الغيب لا يعلمها إلّاهن»(1).

-«ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه فقل إنّما الغيب لله فانتطروا إني معکم من المنتظرين»(2).

-«قل لا يعلم من في السموات و الأرض الغيب إلا الله و ما يشعرون أيّان يبعثون»(3).

 

إضافة إلي آيات اخري تصرّح بعجز الأنبياء عن معرفة الغيب:

-«قل لا أقول لکم عندي خزائن الله و لا أعلم الغيب و لا أقول لکم إني ملک إن أتّبع إلّا ما يوحي إليّ»(4).

-«قل لا أملک لنفسي نفعا و لاضرا ً إلا ماشاء ولو کنت أعلم الغيب لا ستکثرت من الخير وما مسّني السوء إن أنا إلا نذير و بشير لقوم يؤمنون»(5).

-«ولا أقول لکم عندي خزائن الله و لا أعلم الغيب و لا أقول لکم إني ملک»(6).
الجواب:

في معرض الإجابة عن هذا الإشکال نقول إنّ معطيات الآيات المذکورة و بشکل عام هي أنّ الغيب من مختصّات الله عزوجل لايشرکه فيه أحد ، فلا يغيب عنه مثقال ذرّة في الأرض و لافي السماء ، و إن الأنبياء لا يعلمون شيئا ً إلّا ما علّمهم الله سبحانه ، و من هنا فمن الممکن أن يطلع الله عزوجل بعض عباده علي بعض المغيبات کجزء من فيضه عزوجل علي رسله ؛ وهناک من الآيات القرآنية ما يعضد ذلک کقوله تعالي:

«عالم الغيب فلا يظهرعلي غيبه أحدا ً الّا من ارتضي من رسول فإنّه يسلک من بين يديه و من خلفه رصداً !»(7).

-«وماکان الله ليطلعکم علي الغيب و لکن الله يجتبي من رسله من يشاء»(8).

-«إنه لقول رسول کريم.ذي قوّة عند ذي العرش مکين. مطاع ثَمّ أمين. وما صاحبکم بمجنون. ولقد رآه بالاُفق المبين.وما هو علي الغيب بضنين»(9).

_«ذلک من أنباء الغيب نوحيه إليک»(10).

-«وتلک من أنباء الغيب نوحيها إليک»(11).

و کثيرة هي الآيات تفيد بأن الغيب من مختصات الله سبحانه يفيض بها علي بعض عباده ، بل إن ظاهرة الوحي و النبوّة هي شکل من أشکال العلاقة بين الإنسان و عالم الغيب التي لا يمکن فکّ رموزها ، إذ يتغذّر علينا تفسير الطريقة التي يتم بها اتصال الرسل بالملائکة و عالم الغيب ، و هي في کلّ الأحوال من ألطاف الله عزوجل تنعکس علي القلوب المؤمنة التي طهّرها الله من الرجس.

و مهما بلغت مرثية أولئک الأفراد من الشأن و المنزلة فليس بمقدورهم الإطّلاع علي عالم الغيب بشکل مطلق. إنّهم يظلون في دائرة محدودة و في حدود المشيئة الإلهية و الإرادة الربّانية.

و من خلال الجمع بين الطائفتين من الآيات التي تجعل إحداهما الغيب من مختصات الذات الإلهية و الاُخري التي تفيد بأن الرسل يطّلعون علي جزء من الغيبيات ، نستخلص ان الله عزوجل يتلطف علي بعض عباده فيطلعهم علي جزء من المغيبات من أجل صقل نفوسهم و إضاءة قلوبهم و تسديد هم في مهامهم الرسالية.

وفي سوي ذلک يبقي الرسل و الأنبياء کسائر البشر لا يعرفون شيئاً سوي الوحي و ما تخبره السماء:

«قل ما کنت بدعاً من الرسل و ما أدري ما يفعل بي و لا بکم إن أتبع إلّا ما يوحي إلي»(12).

«وممن حولکم من الأعراب منافقون ، و من أهل المدينة مردوا علي النفاق لاتعلمهم نحن نعلمهم»(13).

«ولاتقف ماليس لک به علم»(14).

«و ما کان لي علم بالملأ الأعلي إذ يختصمون»(15).


الإمام و علم الغيب

بحثنا فيما مضي ان الله عزوجل هو عالم الغيب و الشهادة و انّه سبحانه يفيض علي بعض عباده بالمغيبات ، و أنّه من الطف الله انّه يوحي إلي عباده و يصطفي منهم ، فيطلعهم علي عالم الغيب.

والسؤال ها ؛ هل يمکن للإمام الارتباط بعالم الغيب أم لا ؟

إنّ الأحاديث التي تفيد بهذه الناحية تنقسم الي طوائف:

 


الأولي:

بحثناها في مصادر علم الإمام و قلنا إن أحدها الإلهام حيث يقذف الله الحقائق في قلب الإمام. فالإلهام يختلف عن و حي الأنبياء ، و الإمام لا يري الملک و لکنه يستمع إلي وقع في الأذن ، و إن الائمة الطاهرين يزادون ، و إلّا نفدما عندهم و إذن فهناک شکل من أشکال الارتباط بعالم الغيب.


الثانية:

وتفيد بأن الأئمة علي ارتباط بأخبار السماء ، لأن الله أکرم من ان يفرض علي الناس طاعة بعض عباده ثم يحجب عنهم أخبار السماء.

 

أحاديث:

عن ضريس الکناسي قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول- و عنده أناس من أصحابه -: عجبت من قوم يتولونا ويجعلونا أئمة و يصفون أن طاعتنا مفترضة عليهم کطاعة رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) ثم يکسرون محبتهم و يخصمون أنفسهم بضعف قلوبهم ، فينقصونا حقنا و يعيبون ذلک علي من أعطاه الله برهان حقّ معرفتنا والتسليم لأمرنا ، أترون أن الله تبارک و تعالي افترض طاعة أوليائه علي عباده ثم يخفي عنهم أخبار السماوات و الأرض و يقطع عنهم مواد العلم فيما يرد عليهم مما فيه قوام دينهم ؟ ! (16).

وعن جماعة بن سعد الخثعمي أنّه قال: کان المفضل عند أبي عبدالله (عليه السلام) فقال له المفضل: جعلّة فداک يفرض الله طاعة عبد علي العباد ويحجب عنه خبر السماء ؟ قال: «لا ، الله أکرم و أرحم و أرأف بعباده من أن يفرض طاعة عبد علي العباد ثم يحجب عنه خبر السماء صباحاً و مساء»(17).

وعن صفوان عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: ان الله أجلّ و أعظم من أن يحتجّ بعبد من عباده ثم يخفي عنه شيئا ً من أخبار السماء والارض»(18).

وعن الامام الباقر (عليه السلام) قال: مئل علي (عليه السلام) عن النبي (صلي الله عليه وآله و سلم) فقال: علم النبي علم جميع النبيين ، و علم ما کان و علم ما هو کائن الي قيام الساعة ؛ ثم قا ل: و الذي نفسي بيده إني لأعلم علم النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) وعلم ما کان و علم ما هو کائن فيما بيني و بين قيام الساعة(19).

وعن عبدالأعلي و عبيدة بن عبدالله بن بشرالخثعمي و عبدالله بن بشير انّهم سمعوا أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: إني لأعلم ما في السموات و أعلم ما في الأرضين وأعلم مافي الجنّة و أعلم ما في النار وأعلم ما هو کائن و ما يکون ثم مکث هنيئة فرأي ان ذلک کبرعلي من سمعه فقال علمت من کتاب الله أنّ الله يقول: «فيه تبيان کل شيء»(20).

وعن أبي بصير قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): هل رأي محمّد (صلي الله عليه و آله وسلم) ملکوت السموات و الأرض کما رأي إبراهيم ؟قال: نعم. وصاحبکم (21).

 

عن ابن مسکان قال: أبوعبدالله (عليه السلام): «وکذلک نري إبراهيم ملکوت السموات والأرض و ليکون من الموقنين» قال: کشط لإبراهيم (عليه السلام) السماوات السبع حتي نظر إلي ما فوق العرش و کشط له الأرض حتي رأي ما في الهواء ، و فعل بمحمّد (صلي الله عليه وآله و سلم) مثل ذلک و إني لأري صاحبکم و الأئمة من بعده قد فعل بهم مثل ذلک»1(22).

وعن علي (عليه السلام) قال: «أيّهاالذين الناس سلوني قبل أن تفقدوني فلأنا بطرق السماء أعلم مني بطرق الأرض»(23).

وأحاديث اخري:

عن الصادق (عليه السلام) قال: «والله لقد أعطينا علم الأولين و الآخرين ، فقال له رجل من أصحابه: جعلّة فداک أعندکم علم الغيب ؟ فقال: و يحلک إني لأعلم ما في أصحاب الرجال وأرحام النساء ، و يحکم وسعوا صدورکم و لتبصر أعينکم ولتع قلوبکم فنحن حجّة الله تعالي في خلقه ، ولن يسع ذلک إلاصدر مؤمن قوي قوته کقوة جبال تهامة إلا بإذن الله ؛والله لو أردت أن أحصي لکم کل حصاة عليها لأخبرتکم و ما من يوم و ليلة إلّا والحصي تلد إيلاداً ًکما يلد هذا الخلق ؛ والله لتتباغضون بعدي حتي يأکل بعضکم بعضا ً(24).

وعن أبي بکر الحضرمي قال: قال لي أبوعبدالله (عليه السلام): «يا أبابکر ما يخفي عليّ شيء من بلادکم»(25).

 

وعن علي بن اسماعيل الأزرق قال: قال أبوعبدالله (عليه السلام): «إن الله أحکم و أکرم وأجلّ و أعظم و أعدل من أن يحتج بحجّة ثم يغيّب عنه شيئا ً من أمورهم»(26).

وعن أميرالمؤمنين في حديث له مع رميلة قال: «يا رميلة ليس يغيب عنّا مؤمن في شرق الأرض ولا في غربها»(27).

وعن المفضل عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «أعطيت تسعا ً لم يعطها أحدٌ قبلي سوي النبي (صلي الله عليه و آله و سلم): لقد فتحت لي السبل و علمت المنايا و البلايا و الأنساب و فصل الخطاب. و لقد نظرت في الملکوت بإذن ربي فما غاب عني ما کان قبلکم و لا ما يأتي بعدي و أنّ بولايتي أکمل الله لهذه الاُمّة دينهم وأتمّ عليهم النعم و رضي لهم إسلامهم ، إذيقول يوم الولاية لمحمّد (ص) يا محمّد أخبرهم أني أکمات لهم اليوم دينهم و أتممت عليهم النعم و رضيت إسلامهم کل ذلک منّا ً من الله عليّ فله الحمد»(28).

 

(1)الانعام الآية: 59
(2)يونس الآية(20)
(3)النمل الآية(65)
(4)الانعام الآية(50)
(5)الاعراف الآية(188)
(6)هود الآية(31)
(7)الجن الآية(26)
(8)آل عمران الآية(179)
(9)التکوير الآِية(25)
(10)آل عمران الآية (44)- يوسف الآية(102)
(11)هود الآية(49)
(12)الاحقاف الآية(9)
(13)التوبة الآية(101)
(14)الاسراء الآية)36)
(15)ص الآية(71)
(16)اصول الکافي: ج1ص261
(17)اصول الکافي: ج1ص261
(18)بحار الأنوار: ج26ص110
(19)بحار الأنوار: ج26ص110
(20)بحار الأنوار: ج26ص111
(21)بحار الأنوار: ج26ص115
(22)بحار الأنوار: ج26ص114
(23)ينابيع المودة: ص76
(24)بحار الأنوار: ج26ص27
(25)المصدر السابق: ص136
(26)المصدر السابق: ص138
(27)المصدر السابق: ص140
(28)المصدر السابق: ص141