مصادر علوم الامام

 مصادر علوم الامام


الکتب المصدرالأوّل

هناک مصادر متعددة تشکل بمجموعها شخصية الامام العلمية ؛ فالمصدر الأول الکتب و الصحف التي و رثها الأئمة عن رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم).

ولقد مرت الدعوة الإسلامية بفصول و منعطفات تاريخية مثيرة و خطيرة ، منذ أن أشرق النورفي مکّة و حتي تشکيل الدولة الإسلامية بعد هجرة النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) الي المدينة.

فالأوضاع المتأزّمة في مکّة و الحرب المعلنة و التعذيب و الحصار والمطاردات لم تسمح للنبي ولا للذين آمنوا به سوي الدفاع عن النفس و الصمود بوجه أذي قريش و محاولاتهم القضاء علي الرسالة الجديدة.

والتأمل في تلک الحقبة المريرة من الحصار و التعذيب و الهجرة و اللجوء الي بعض الدول لم تترک فرصة في التفکير لتدوين الأحکام الدينية.

کما ان تشکيل الدولة الإسلامية بعد الهجرة الي المدينة و المسؤوليات الکبري في إقامة مجتمع جديد و الدفاع عن الکيان الإسلامي جعل من المدينة قاعدة عسکرية کبيرة علي أهبة الإستعداد و في حالة من الاستنفارالدائم ؛ ويکفي أيضا ً الضوء علي مدي إستيعاب الهم الدفاعي في حياة المسلمين إلي أن استتب الوضع بانتصارالإسلام نهائيا ً في شبه الجزيرة.

وبالرغم من الجوّ العام الذي لم يکن يسمح بنشاط ثقافي و اسع فإن الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) لم يغفل هذا الجانب الحيوي ؛ خاصّة بعد شعوره باقتراب أجله.

 

علي في مدرسة الوحي

کان سيّدنا محمّد (صلي الله عليه و آله و سلم) يفکر في المدي البعيد...عندما يرحل عن الدنيا فيستيقظ المسلمون من غفلتهم...يبحثون عمّن يجيب عن أسئلتهم و يعلّمهم أحکام دينهم فلا يجدونه.ومن هنا ، و امتثالا ً لأمرالله ، کان الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) يعدّ عليّا ً خليفة له فيودع لديه علوم الرسالة.

إن شخصية علي إنما هي نتاج المحمدية قبل الرسالة و بعده ، فمنذ أن أطل علي علي الدنيا وجد نفسه في أحضان محمّد (صلي الله عليه و آله و سلم) ، و منذ ذلک الوقت لم يفارق علي أخاه و ابن عمّه الي أن أغمض عينيه.

قال رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم): «يا علي إنّ الله أمرني أن أدنيک و أعلمک لتعي ، فأنزل الله هذه الآية: و تعيها أذن و اعيه»(1).

وعن ابن عباس عن رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) قال: سألت ربي أن يجعلها أذن علي ، و قال علي کرّم الله و جهه: ماسمعت من رسول الله شيئا ً إلّا و حفظته و وعيته و لم أنسه مدي الدهر(2).

وعن علي (عليه السلام) قال في خطبة له: «وقد علمتم موضعي من رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) بالقرابة القريبة و المنزلة الخصيصة ، و ضعني في حجره و أنا و لد يضمّني الي صدره و يکنفني في فراشه و يمسّني جسده ، و يشمّني عرفه و کان يمضع الشيء ثم يلقمنيه ، و ما و جدلي کذبة في قول ، و لا خطلة في فعل ، و لقد قرن الله تعالي به (صلي الله عليه و آله و سلم) من لدن ان کان فطيما ً أعظم ملک من ملائکته يسلک به طرق المکارم و محاسن أخلاق العالم ليله و نهاره ، و لقد کنت اتبعه اتّباع الفصيل إثرامه يرفع لي في کل يوم علما ً من أخلاقه و يأمرني ، بالإقتداء به ، و لقد کان يجاور في کلّ سنة بحراء فأراه و لا يراه غيري و غيرخديجة و لم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) وخديجة و أنا ثالثهما أري نور الوحي و الرسالة و أشمّ ريح النبوّة»(3).

وعن ابن عباس عن رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) قال: «لما صرت بين يدي ربي کلّمني و ناجاني فما علمت شيئا ً إلّا علّمته عليّا فهو باب علمي»(4).

 

منزلته العلمية

لقد حباالله عليّا ً (عليه السلام) باستعدادات ذاتية ليکون مستودعا ً لعلوم الرسالة وأسرار الوحي ، و کان رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) يشرف علي تربيته منذ نعومة أظفاره ، و لقد و اکب مسيرة الإسلام و هو ما يزال صبياً ، و عاش جميع الظروف ، و وقف إلي جانب صاحب الرسالة لم يفارقه لحظة و احدة.

يقول (عليه السلام): «والله ما نزلت آية إلّا وقد علمت فيما نزلت و أين نزلت و علي من نزلت و إن ربي و هب لي لسانا ً طلقا و قلبا ً عقولاً»(5).

وعنه (عليه السلام) قال: «سلوني عن کتاب الله فإنّه ليس من آية إلّا وقد عرفت بليل نزلت أم نهار ، أم في سهل أم في جبل»(6).

وعن سبط الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) الحسين بن علي (عليهماالسلام) قال: «لما نزلت هذه الآية «وکل شيء أحصيناه في إمام مبين» قالوا: يا رسول الله هو التوراة أو الانجيل أو القرآن قال: فأقبل اليه أبي علي (عليه السلام) فقال (صلي الله عليه وآله و سلم) هو هذا الامام الذة أحصي فيه علم کل شيء»(7).

وعن الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: ما بين لوحي المصف من آية إلّا وقد علمت فيمن نزلت و أين نزلت ، و إن بين جوانحي لعلماً جما فسلوني قبل أن تفقدوني. وقال: إذاکنت غائبا ً عن نزول الآية کان يحفظ علي رسول الله (صلي الله عليه وآله و سلم) ماکان ينزل عليه من القرآن ، و إذا قدمت عليه أقرأنيه و يقول: ياعلي أنزل الله بعدک کذا وکذا و تأويله کذا و کذا ويعلّمني تأويله و تنزيله (8).

وعنه (عليه السلام) قال "«بل اندمجت علي مکنون علم لو بحت به لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطوي البعيدة»(9).

وعنه أيضا ًقال: ان رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) علمني ألف باب وکل باب يفتح ألف باب فذلک ألف ألف باب حتب علمت ما کان و مايکون إلي يوم القيامة وعلمت علم المنايا و البلايا و فصل الخطاب»(10).

وعنه أيضا ً قال: ان في ههنا لعلما ً جما ً علمنيه رسول الله لو أجد له حفظة يرعونه حق رعايته و يروونه عني کما يسمعونه مني اذاً أودعتهم بعضه ليعلم به کثيرا ً من العلم مفتاح کل باب و کل باب يفتح له ألف باب(11).

 

أکثر الصحابة رواية

قيل لعلي (عليه السلام): مالک أکثر أصحاب رسول الله حديثا ً ؟ فقال: أني کنت إذا سألته أنبأني و إذا سکت ابتدأئي(12).

ولم يکن الصحابة کما ورد في کتب التاريخ ليجرأون علي سؤال النبي (صلي الله عليه وآله و سلم) اما تهيباً منه أوعجزا ً عن إدراک الجواب بل کان بعضهم يتمني حضور إعرابي قد يسأل النبي فيصغون اليه ليتعلموا شيئا.

عن سعيد بن المسيب قال: لم يکن أحد من الصحابة يقول: سلوني إلّا علي بن أبي طالب ؛ وعن سعيدالبحتري قال: رأيت عليا ً علي منبر الکوفة و عليه مدرعة رسول الله (صلي الله عليه وآله و سلم) وهو متقلّد بسيفه و معتم بعمامته مدرعة (صلي الله عليه و آله و سلم) فجلس علي المنبر فکشف عن صدره و قال «سلوني قبل أن تفقدوني فأنّما بين الجوانح مني علم جمّ هذا سفط العلم هذا لعاب رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) هذا ما زقّني رسول الله زقّاً ًزقّا»(13).

 

شهادة الرسول:

ولقد بلغ الامام علي درجة رفيعة حتي شهد النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) بعلوّ شأنها قوله (صلي الله عليه و آله و سلم) ليهنئک العلم أباالحسن ، لقد شربت العلم شرباً ًونهلته نهلا ً(14).

وعنه عليه الصلاة و السلام قال: أنا دارالحکمة و علي بابها (15).

وعنه أيضا ً قال: أنا مدينة العلم و علي بابها فمن أراد العلم فليأت الباب(16).

وعنه (صلي الله عليه و آله و سلم) قال: يا علي أنا مدينة العلم و أنت بابها کذب من زعم انّه يصل الي المدينة إلّا من قِبل الباب(17).

 

ويدوّن علوم النبوّة:

دعا رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم)لعليّ ليکون الأذن الوعية فلا ينسي شيئاً ًولايخطئ في شيء فهو مستودع سرّه و أمين علي علمه ، فلم ينس شيئا ً مما سمعه عن النبي و لم يکن محتاجا ً لأن يدوّن ذلک إلاّ امتثالا ً لأمر النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) الذي أمره بتدوين علوم الوحي و أسرار الرسالة.

عن علي (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم): يا علي اکتب ما أملي عليک قلت يا رسول الله أتخاف عليّ النسيان قال: لا و قد دعوت الله عزوجل آن يجعلک حافظاً و لکن اکتب لشرکائک الأئمة من و لدک(18).

 


کتاب علي

و بناءً علي أمرالرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) و إملائه راح علي (عليه السلام) يدوّن العلوم في کتاب ليکون ميراثا ً للأئمة من بعده ؛ و هناک أيضا ً الجامعة و صحيفة فاطمة و هي کلّها من علوم النبوّة و أسرار الوحي و الرسالة.

عن عبد الله بن سنان عن الامام الصادق (عليه السلام) قال:

إنّ عندنا صحيفة طويلها سبعون ذراعا ً من إملاء رسول الله و خط علي بيده فيها کلّ حلال و حرام و کلّ شيء يحتاج الناس إليه حتي الأرش في الخدش (19).

عن محمد بن مسلم قال: سألته عن ميراث العلم أجوامع هو من العلم أم فيه تفسير کلّ شيء من هذه الامور التي يتکلّم فيها الناس من الطلاق و الفرايض فقال: «إنّ عليّا ً (عليه السلام) کتب العلم کله القضاء و الفرايض فلو ظهر أمرنا فلم يکن شيئا ً إلّا وفيه سنّة نمضيها»(20).

 

الجفر و الجامعة

عن أبي عبيدة قال: سأل أبا عبدالله بغض أصحابنا عن الفجر فقال: هو جلد ثور مملوء علماً ً ، قال فالجامعة ؟ قال تلک صحيفة طولها سبعون ذراعا ً في عرض الأديم مثل فخذ الفالج ( الجمل العظيم ذوالسنامين) فيها کل ما يحتاج الناس إليه ، و ليس من قضية إلّا و هي فيها حتي أرش الخدش(21).

وعن بکر بن کرب الصير في قال: سمعت أبا عبد الله يقول: ان عندنا ما لا نحتاج معه الي الناس ، و إنّ الناس ليحتاجون إلينا ، و إنّ عندنا کتابا ً إملاء رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) وخط علي ، صحيفة فيها کلّ حلال و حرام ، و انّکم لتأکلون بالأمر فنعرف إذا أخذتم به و نعرف إذا ترکتموه(22).

وعن أبي مريم قال: قال لي أبوجعفر: عندنا الجامعة وهي سبعون ذراعا ً فيها کل شيء حتي أرش الخدش إملاء رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) وخط علي و عندنا الجفر وهو أديم عکاظي قد کتب فيه حتي ملئت أکارعه ، فيه ما کان و ما هو کائن الي يوم القيامة(23).

جامع للاحکام

عن عذافر الصيرفي قال: «کنت مع الحکم بن عيينة عند أبي جعفر (عليه السلام) فجعل يسأله وکان أبوجعفرله مکرما ً فاختلفا في شيء فقال أبوجعفر (عليه السلام): يا بني قم فاخرج کتابا ً مدروجاً عظيما ً ففتحه و جعل ينظر حتي أخرج المسألة فقال أبوجعفر هذا خط علي وإملاء رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) وأقبل علي الحکم و قال: يا أبا محمد اذهب أنت وسلمة و أبو المقدام حيث شئتم يميناً و شمالا ً فوالله لا تجدون العلم أوثق منه عند قوم کان ينزل عليهم جبرئيل»(24).

عن المعلي بن خنيس قال: عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: «ان الکتب کانت عند علي(عليه السلام) فلما سار الي العراق استودع الکتب ام سلمة فلما مضي عليّ کانت عند الحسن فلما مضي الحسن کانت عند الحسين فلما مضي الحسين کانت عند علي بن الحسين ثم کانت عند أبي»(25).

عن الحارث بن المغيرة عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قلت أخبرني عن علم عالمکم ؟ قال: وراثة من رسول الله و من علي ، قال: قلت: إنّا نتحدّث أنّه يقذف في قلوبکم و ينکت في آذانّکم قال: أو ذاک (26).

وسيتفاد من مجموع الأحاديث أن سيّدنا محمّدا ً (صلي الله عليه و آله و سلم) قدعمل علي تدوين کتاب يضمّ مسائل الحلال و الحرام ليکون ميراثا ً للمسلمين و انه أودعه لدي أوصيائه من بعده لأنّهم و رثة علمه و مراجع المسلمين في قابل الأيام ، و انّه قام بتربية علي و إعداده لتحمّل هذه المسؤولية الخطيرة إمتثالا ً لأمرالله عزوجل ؛ ومن هناک فإن هذه الکتب هي ميراث الأئمة الأطهارعن جدّهم (صلي الله عليه و آله و سلم) ، فکلّ ما يحدّثون به هو في الواقع لايمثل آراءهم الخاصّة بل هو من العلم الذي و رثوه عن صاحب الرسالة صلوات الله عليه.

عن هشام بن سالم و حماد بن عثمان و غيرهما عن الامام الصادق (عليه السلام) قال: حديثي أبي ، و حديث أبي جدي ، و حديث جدي حديث الحسين ، و حديث الحسين حديث الحسن و حديث الحسن حديث أميرالمؤمنين (عليه السلام) وحديث أميرالمؤمنين حديث رسول الله (صلي الله عليه وآله و سلم) وحديث رسول الله قول الله عزوجل(27).

 

(1)غاية المرام: ص367
(2)مناقب الخوارزمي: ص200- غاية المرام: ص367
(3)نهج البلاغة: الخطبة 187- ينابيع المودة: ص76
(4)ينابيع المودة: ص79
(5)ينابيع المودة: ص79- نظم درر السمطين: ص126- مناقب الخوارزمي: ص46طبقات ابن سعد: ج 2ص101
(6)مناقب الخوارزمي: ص46
(7)ينابيع المودة: ص87
(8)المصدر السابق: ص83
(9)نهج البلاغة: الخطبة (4)
(10)ينابيع المودة: ص88
(11)غاية المرام: ص518
(12)طبقات ابن سعيد ، ج2 ، ق2 ، ص101
(13)ينابيع المودة: ص84
(14)ذخائرالعقبي: ص78- مناقب الخوارزمي ص41
(15)ينابيغ المودة: ص81- ذخائر العقبي: ص77
(16)ينابيع المودة: ص82-مناقب الخوارزمي: ص40
(17)ينابيع المودة: ص82
(18)ينابيع المودة: ص22
(19)جامع أحاديث الشيعة: ج1ص133
(20)جامع أحاديث الشيعة: ج1ص138
(21)اصول الکافي: ج1ص241
(22)المصدر السابق
(23)جامع أحاديث الشيعة: ج1ص132
(24)جامع أحاديث الشيعة: ج1ص8
(25)المصدر السابق: 141
(26)اثبا ت الهداة: ج1ص248
(27)اصول الکافي: ج1ص53