عالم الغيب، عالم الشهادة


عالم الشهادة:

الغيب هو عکس الشهود ، و عالم ماوراء الحواس الخمس ، فکلّ ما تدرکه الحواس يعدّ شهوداً ، فالمادّة و خواصها و کل ماهو قابل للأدراک من الموادّ ذاتها أو خواصها و صفاتها تنطوي تحت عالم الشهادة ، و هي اما مرئية تدرک بالأبصار أو سمعية تدرک من خلال الأسماع، أو رائحة تدرک بحاسة الشمّ ، أو لها طعم تدرک من خلال حاسة الذوق ، أو لمسية تدرک باللمس حتي الطاقة الکهر بائية و الذرة و الجراثيم و غيرها هي الاُخري تعدّ من عالم الشهادة حتي و إن تعذّرت الحواس من الإحاطة بها لأنّها قابلة للرؤية و إن تعذرت بسبب صغرها المتناهي فلو أمکننا صنع أجهزة تکبير فائقة لأمکن رؤيتها ، و إذن فهي قابلة للرؤية.

ومن هنا فإن بعض الموادّ وإن تعذّرت رؤيتها أو الإحاطة بها من خلال إحدي الحواس إلّا انها لا تعدّ جزءاً من عالم الغيب ، لآن الإنسان مرکّب بطريقة محدودة أي ان لحواسّه قابليات محدودة ؛ ومن المحتمل جدّاً وجودحيوانات تفوق الإنسان في قابليتها للسمع والرؤية و الشمّ.

کما إن إدراک آثار تلک الأشياء وصفاتها يجعلها بالتالي ضمن عالم الشهود.

 


عالم الغيب:

وتنطوي فيه کل مالاتدرکه الحواس بذاته أو صفاته من قبيل يوم المعاد والقيامة الجنّة ، الجحيم ، الثواب ، و الجزاء في الآخرة ، صفات الله ، و الملائکة ، فکل هذه الأشياء وغيرها ممّا لاتدرکه الحواس هو جزء من الغيب.

اننا لا يمکننا رؤية الملائکة لأنّها خارجة عن حواسنا ، ل الأنّها صغيرة متناهية الصغر ولا لأنّها شفافة بالغة الشفافية ، بل لأنّها موجودات أسمي من الحواس و هي خارج إدراکاتنا المحدودة لأننا موجودات زمانية و هي موجودات خارج الزمان ، و إذن فکلّ الموجودات التي لايمکن للحواس الشرية إدراکها هي جزء من عالم الغيب ، و لاطريق لإدراکها إلّا بالعقل وإرشاد من اطّلع علي علم الغيب و من خلال الايمان و العقيدة الدينية ، و هو من قبيل الايمان بالجنة و الاعتقاد بالجحيم.

فنحن لا نملک عن عالم الغيب سوي سلسلة من الفاهيم و الصور العليمة التي لايمکن تصوّرها والإحاطة بها ، لا لقصور ذاتي فيها بل لعجز حواسّنا عن إدراکها ، و إذن يمکن القول اننا نحن الذين نعيش حالة الغياب عن حقائق العالم و حقيقته.

علي ان إدراکنا للأجسام و خواصّها يأتي بسبب التناسب بينها وبين حواسنا ؛ وبتعبير آخر بسبب توحّد سنخيتها ، فمثلا ً إننا لا ندرک طاهرة مادّية ما إلّا في ذات الزمن الذي توجد فيه ، فحادثة وقعت قبل إلفي سنة أو بعد ألفي سنة لايمکن لحواسنا إدراکها کما اننا لاندرک بصرياً ًالأشياء التي تقع خارج مديات الرؤية.

وقد نري أشياء بعيدة جدا ً باستخدام النواظير المقرّبة و هي آلات تعزّز من قدرة الرؤية لدينا ؛ أو اننا لاندرک وجود الأشياء مع قربها لوجود حواجز بيننا وبينهما وقد يمکننا اختراع آلات معينة من شأنها رفع هذا الحاجز وتجعله عديم التأثير.

والخلاصة فإن مديات الحواس و طبيعة أدراکها هي الاخري محدودة و مشروطة و خاضعة لدائرة معينة لايمکنها أن تتجاوزها إلي نطاق مطلق أو بلاقيد أو شرط.

 

الغيب و الشهود:

ان الحوادث التي تعد غيبا ً بالنسبة لحواسنا هي بالنسبة لخالق العالم شهادة و حضور ، ذلک ان وجودة لاتحدّه حدود بل هو محيط بما خلق ، خارج عن اطار الزمان ، لأنّه خالق الزمان و المکان ، و لا معني عنده للماضي و الحاضر والمستقبل.

وإذن فالطوفان الذي أغرق العالم زمن نوح هو بالنسبة لدينا من عالم الغيب و لکنه بالنسبة للّه وحضور و شهود ، و الحوادث التي ستقع بعد مئه ألف سنة هي غيب بالنسبة لنا و حضور بالنسبة لله ، و کذا الجنّة و الجحيم.

والخلاصة فإن العلوم التي نکتسبها من خلال الحواس الخمس لاتعدّ جزءا ً من العلم بالغيب ، أماالمعارف التي نحصل عليها خارج إطار الحواس فهي من عالم الغيب.

وبتعبير آخر إن البراهين العقلية أثبتت في محلّها ان کل الحوادث و الظواهر في عالم المادّة لا تفني و أنها تحقق بشکل أکمل في عالم آخر ، عالم غير مرئي ، عالم هو أسمي من العالم الذي نحيا فيه و إذن فالأنسان الذي يستخدم حواسّه حتي يمکنه إدراک ظواهرالأشياء ويجد طريقه إلي عالم الواقع ، فإن هذا العلم لايعد علما ً للغيب ، إمّا إذا أعمل بصيرته و شاهد الملکوت و حقائق الأشياء وطوي طريق الباطن و مرحلة الکمال و لم يکن لحواسه في ذلک من دور فإن علما ً کهذا هو علم للغيب.

الغيب و الشهادة في القرآن

استخدم القرآن مصطلح الغيب في مقابل الشهادة کما في قوله تعالي:

«عالم الغيب و الشهادة و هو الحکيم الخبير»(1).

«عالم الغيب و الشهادة الکبير المتعال»(2).

«ثم تردّون إلي عالم الغيب و الشهادة فينبئکم بما کنتم تعملون»(3).

«عالم الغيب و الشهادة أنت تحکم بين عبادک»(4).

کما أشار إلي مرتبتين وجوديتين حيث مرحلة الباطن هي الغيب و هو من مختصات الله سبحانه:

«ولله غيب السموات و الأرض»(5).

«ان الله يعلم غيب السموات و الأرض»(6).

«اني أعلم غيب السموات و الأرض»(7).

کما عدّ القرآن الحوادث الماضية من أنباء الغيب کقوله تعالي:

«ذلک من أنباء الغيب نوحيه اليک»(8).

«ذلک من أنباء الغيب نوحيه إليک»(9) وقد جاءت هذه الآية في معرض الحديث عن قصة يوسف (عليه السلام) «تلک من أنباءالغيب نوحيهااليک»(10). وهذه في معرض الحديث عن حوادث و قعت في زمن نوح (عليه السلام) «أن لوکانوا يعلمون الغيب ما لبثوافي العذاب المهين» (11).

وهؤلاء کانوا الجن سخّروا للعمل في خدمة سليمان (عليه السلام)

 

(1)الانعام الآية(73)
(2)الرعد الآية (9)
(3)الجمعة الآية (8)
(4)الزمر الآية (46)
(5)هود الآية (123)
(6)الحجرات الآية (18)
(7)البقرة الآية (33)
(8)آل عمران الآية (44)
(9)يوسف الآية (102)
(10)هود الآية(49)
(11)سبأ الآية (14)