عالم الغيب المصدر الثالث

 عالم الغيب المصدر الثالث

ولا تنحصرعلوم الأئمة بالمصدرين السابقين فهناک مصدر ثالث يتمثّل بالارتباط بعالم الغيب ؛ فالإلهام و الفيض الإلهي لطف من الله سبحانه خصّ به عباده المطهّرين ، فالعلم جذوة تتوقد في أعماق الامام تنيرله رؤيته و تطلعه علي حقائق العالم ؛ وفي هذا جاءت الروايات ؛ منها:

عن الامام موسي بن جعفر قال: مبلغ علمنا علي ثلاثة وجوه: ماضٍ و غابر وحادث فأما الماضي فمفسّر و أما الغابر فمزبور (مکتوب) وأمّا الحادث فقذف في القلوب و نقر في الأسماع(1).

عن الحارث بن المغيرة عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قلت: أخبرني عن علم عالمکم ؟ قال وراثة من سول الله و من علي.قال: قلت: إنّا نتحدّث انّه يقذف في قلوبکم وينکت في آذانّکم ؟ قال: أو ذاک(2).

وعن المفضل بن عمر قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام): روينا عن أبي عبدالله (عليه السلام) انه قال: ان علمنا غابر ، و مزبور ، و نکت في القلوب و نقر في الأسماع ، فقال: اما الغابر فما تقدم من علمنا ، و أما المزبور فما يأتينا

وأما النکت في القلوب فإلهام و أمّا النقرفي الأسماع فأمر الملک (3).

عن صفوان بن يحيي قال: سمعت أباالحسن (عليه السلام) يقول: کان جعفربن محمّد (عليه السلام) يقول: لولا انّا نزداد لأنفدنا(4).

وعن ذريح المحاربي قال: قال لي أبوعبدالله (عليه السلام) ياذريح لولا انّا نزداد لأنفدنا(5).

عن زرارة قال: سمعت أباجعفر (عليه السلام) يقول: لولا انّا نزداد لأنفدنا ، قال: قلت: تزدادون شيئا ً لا يعلمه رسول الله ؟ قال: اما انّه اذا کان ذلک عرض علي رسول الله ثم علي الأئمة ثم انتهي الأمر الينا(6).

وعن الصادق (عليه السلام) قال: ليس يخرج شيء من عندالله حتي يبدأ برسول الله ثم بأميرالمؤمنين ثم بواحد بعد واحد ، لکيلا يکون آخرنا أعلم من أوّلنا (7).

وعن ابي يحيي الصنعائي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال لي: يا أبايحيي ! ان لنافي ليالي الجمعة لشأنا ً من الشأن. قال: قلت: جعلّة فداکو ماذاک الشأن ؟ قال: يؤذن لأرواح الأنبياء الموتي و أرواح الأوصياء الموتي و روح الوصي الذي بين ظهرانيکم يعرج بها الي السماء حتي توافي عرش ربّها فتطوف به اسبوعاً و تصلّي عند کل قائمة من قوائم العرش رکعتين ثم ترد الي الأبدان التي کانت فيها فتصبح الأنبياء والأوصياء قد ملأوا سروراً ًويصبح الوصي الذي بين ظهرانيکم و قد زيد في علمه مثل جم الفقير(8).

عن الفضل بن عمر قال: قال أبوعبدالله (عليه السلام) ذات يوم و کان لا يکنيني قبل ذلک ؛ يا أبا عبد الله قال: قلت لبيک.قال: ان لنا في کلّ ليلة جمعة سروراً قلت زادک الله وماذاک ؟ قال اذا کان ليلة الجمعة وافي رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) العرش و وافي الأئمة معه و وافينا معهم ، فلا ترد أرواحنا الي أبداننا إلّا بعلم مستفاد و لولا ذلک لأنفدنا(9).

وعن الامام الرضا (عليه السلام) في حديث له قال: و إنّ العبد إذا اختاره الله عزوجل لأمور عبادة شرح صدره لذلک ، و أدوع قلبه ينابيع الحکمة ، و ألهمه العلم إلهاماً ، فلم يعي بعده بجواب ، و لا يحير فيه عن الصواب ، فهو معصوم مؤيد ، موفق مسدّد قد أمن من الخطايا والزلل والعثار يخصّه الله بذلک ليکون حجّة علي عباده و شاهده علي خلقه ، و ذلک فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم (10).

وأحاديث اخري:

عن المفضل بن عمر قال: أبو عبدالله: ان سليمان و رث داود ، و ان محمّداً و رث سليمان ، و إنّا ورثنا محمّداً ، و إن عندنا علم التوراة و الانجيل و الزبور ، و تبيان ما في الألواح: قال: قلت: إن هذا لهو العلم ؟ قال: ليس هذا هو العلم ، إن العلم الذي يحدّث يوماً ًبعد يوم ساعة بعد ساعة(11).

عن ضريس الکناسي قال: کنت عند أبي عبدالله (عليه السلام) وعنده أبو بصير فقال أبو عبدالله: إن داود ورث علم الأنبياء وإن سليمان ورث داود وإنّ محمّدا ً(صلي الله عليه و آله و سلم) ورث سليمان ، إنّا ورثنا محمّدا ً (صلي الله عليه و آله و سلم) وإن عندنا صحف إبراهيم و ألواح موسي ، فقال أبو بصير: إن هذا لهو العلم ، فقال: يا أبامحمّد ليس هذاهو العلم ، إنّما العلم ما يحدّث بالليل و النهار ، يوما ً بيوم و ساعة بساعة(12).

عن محمّدبن مسلم قال: ذکر المحدّث عن أبي عبدالله (عليه السلام) فقال: انّه يسمع الصوت ولا يري الشخص.فقلت له جعلّة فداک کيف يعلم انّه کلام الملک ؟ قال: انّه يعطي السکينة والوقار حتي يعلم انّه کلام الملک(13).

وعن حمران بن أعين عن الامام الباقر (عليه السلام) قال: قال أبوجعفر: ان عليّا ً (عليه السلام) کان محدّثا ً فخرجت إلي أصحابي فقلت: جئتکم بعجيبة فقالوا: و ما هي ؟ فقلت: سمعت أباجعفر (عليه السلام) يقول: کان علي محدّثا ً فقالوا: ما صنعت شيئا ً الاسألته من کان يحدّثه ؟ فرجعت اليه فقلت: إني حدّثت أصحابي بما حدّثتني فقالوا: ماصنعت شيئا ً ألا سألته من کان محدّثه ؟ فقال لي: يحدّثه ملک ، قلت: تقول: انه نبي ؟ قال: فحرّک يده - هکذا (أي نافياً) - أو کصاحب سليمان أو کصاحب موسي أوکذي القرنين ، أوَ ما بلغکم انّه قال: و فيکم مثله (14).

وکتب الحسن بن العباس المعروفي الي الرضا (عليه السلام) قال: جعلّة فداک اخبرني ما الفرق بين الرسول و النبي و الإمام ان الرسول الذي ينزل عليه جبريل فيراه و يسمع کلامه و تنزل عليه الوحي و ربما رأي في منامه نحو رؤيا إبراهيم.والنبي ربما سمع الکلام وربما رأي الشخص و لم يسمع و الامام هو الذي يسمع الکلام و لايري الشخص (15).

وعن الأحوال قال: سألت أباجعفر (عليه السلام) عن الرسول و النبي و المحدّث قال الرسول: الذي يأتيه جبرئيل قبلا ً فيراه و يکلّمه فهذا الرسول ، و امّا النبي فهو الذي يري في منامه نحو رؤيا إبراهيم و نحو ما کان من عندالله بالرسالة و کان محمّد (صلي الله عليه و آله وسلم) حين جمع له النبوّة و جاءته الرسالة من عندالله يجيئه بها جبرئيل و يکلمه بها قبلاً و من الأنبياء من جمع له النبوّة و يري في منامه و يأتيه الروح و يکلمه و يحدّثه ، من غير أن يکون يري في اليقظة ، و أما المحدّث فهو الذي يحدّث ، و لايعاين و لايري في منامه (16).

وعن جماعة بن سعد قال: کان الفضل عند أبي عبدالله (عليه السلام) فقال له الفضل: جعلّة فداک يفرض الله طاعة عبد علي العباد و يحجب عنه خبرالسماء ؟ قال: لا الله أکرم و أرحم و أرأف بعباده من أن يفرض طاعة عبد علي العباد ثم يحجب عنه خبر السماء صباحاً و مساءً (17).

وأحاديث اخري أيضاً:

عن أبي حمزة قال: سمعت أباجعفر (عليه السلام) يقول: لاوالله لايکون عالم جاهلاً أبداً ً ، عالما ً بشيء جاهلا ً بشيء ، ثم قال: الله أجل و أعز وأکرم من أن يفرض طاعة عبد يحجب عنه عالم سمائة و أرضه ، ثم قال: لايحجب ذلک عنه (18).

وفي خطبة لأميرالمؤمنين علي (عليه السلام) جاء فيها: «ولقدکان سيّدنا محمّد (صلي الله عليه وآله و سلم) يجاورفي کلّ سنة بحراء فأراه و لايراه غيري ، و لم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غيررسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) وخديجة و أنا ثالثهما ، أري نور الوحي والرسالة ، و أشم ريح النبوّة و لقد سمعت رنّة الشيطان حين نزل الوحي عليه (صلي الله عليه وآله و سلم). فقلت يا رسول الله ما هذه الرنة ؟ فقال: «هذا الشيطان قد أيس من عتادته.انّک تسمع ما أسمع و تري ما أري إلّا انّک لست بنبي و لکنّک لوزير وانّک لعلي خير»(19).

عن أبي بصير قال: سمعت أباعبدالله (عليه السلام) يقول: انّا نزاد في الليل والنهار ولولا انّا نزاد لنفذ ما عندنا ، فقال أبوبصير: جعلّة فداک من يأتيکم ؟ قال: ان منّا لمن يعاين معاينة و منّا من ينقر في قلبه کيت و کيت و منّا من يسمع باذنه وقعا ً کوقع السلسلة في الطست: قال: قلت: جعلني الله فداک من يأتيکم ؟ قال: هو خلق أکبر من جبرائيل و ميکائيل(20).

عن الباقر (عليه السلام) قال: کان علي (عليه السلام) يعمل بکتاب الله و سنة نبيه فإذا ورد عليه الشيء الحادث الذي ليس في الکتاب و لا في السنّة ألهمه الله الحق فيه إلهاماً ، و ذلک و الله من المعضلات(21).

وعن عيسي بن حمزة الثقفي قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): ان نسألک أحيانا ً تتسرع في الجواب و أحيانا ً تطرق ثم تجيبنا ، قال: نعم انّه ينکت في آذاننا و قلوبنا فإذا نکت نطقنا و إذا أمسک أمسکنا(22).

عن الحسن بن يحيي المدائني عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قلت له: أخبرني عن الامام اذا سئل کيف يجيب ؟ فقال: إلهام و سماع و ربما کان جميعا ً (23).

و عن الحارث بن المغيرة قال: قلت لأبي عبدالله: هذا العلم الذي يعلمه عالمکم أشيء يُلقي في قلبه أوينکت في اُذنه ؟ فسکت حتي غفل القوم ثم قال: ذاک و ذاک(24).

عن سليمان الديلمي قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) فقلت: جعلّة فداک سمعتک و أنت تقول غير مرة: لولا انّا نزاد لأنفدنا ، قال: أما الحلال و الحرام فقد والله أنزله الله علي نبيه (صلي الله عليه و آله و سلم) بکماله ، و ما يزاد الامام في حلال و لاحرام(25).

وهذا غيض من فيض الروايات و الأحاديث التي تشير الي أن الأئمة من أهل البيت وبما حبا هم الله من الطهر وجبلهم عليه من عصمة کانوا محلاّ ً لفيوضات الغيب يستلهمون الحقائق و تتدفق في قلوبهم ينابيع الحکمة و الکمال و الحقيقة.

 

(1)اصول الکافي: ج1ص264
(2)المصدر السابق
(3)المصدر السابق
(4)المصدر السابق: ص254
(5)المصدر السابق
(6)اصول الکافي: ج1ص155
(7)المصدر السابق
(8)المصدر السابق: ص253
(9)المصدر السابق: ص254
(10)اصول الکافي: ج1ص202
(11)المصدر السابق: ص224
(12)المصدر السابق: ص225
(13)المصدر السابق: ص271
(14)المصدر السابق
(15)اصول الکافي: ج1ص176
(16)المصدر السابق
(17)اصول الکافي: ج1ص261
(18)المصدر ابسابق: ص262
(19)نهج البلاغة: الخطبة(187)
(20)بحار الأنوار: ج 26 ص 54
(21)المصدر السابق: ص 55
(22)المصدر السابق: ص57
(23)بحار الأنوار: ج26ص58
(24)المصدر السابق
(25)بحار الأنوار: ج26ص92