شروط الإمام وصفاته: العِصمة

شروط الإمام وصفاته

قلنا فیما سبق إنّ الإمام لیس إنسانا عادیا بل هو نظیر للنبی  صلی‌الله‌علیه‌وآله فی المسؤولیات التی یُفترض أن یتحمّلها، ویقوم بها، و لهذا یجب أن تتوفّر فیه شروط وصفات خاصة، وانّ أهمهَّا هی العصمة، والعلم بکلّ معارف الدین، و علومه وأحکامه، والأفضلیة والتفوّق فی جمیع الکمالات الإنسانیة.

ونحن هنا نبحث باختصار هذه الأُمور الثلاثة:

 

العِصمة

          العِصمة فی اللغة تعنی «الحفظ والمنع» ویُطلَق وصف المعصوم علی الإنسان الذی حصلت له مصونیة عن ارتکاب المعصیة، والوقوع فی الخطأ بلطفٍ إلهیٍّ خاصٍّ.

جاء فی مجمع البحرین : «عصمة اللّه‏ للعبد مَنْعه من المعصية».[34]

و یقول الراغب فی هذا الصدد: عصمة الأنبیاء حفظه إیّاهم أوّلاً بما خصّهم به من صفاء الجوهر، ثمّ بما أولاهم من الفضائل الجسمیة، والنفسیة ثمّ بالنصرة وبتثبیت أقدامهم ثمّ بإنزال السکینة علیهم وبحفظ قلوبهم وبالتوفیق.[35]

وقد فُسّرت العصمةُ فی الأحادیث الشریفة بهذا المعنی أیضا.

قال الحسین الأشقر: قلت لهشام بن الحکم : ما معنی قولکم : إنّ الإمام لا
یکون إلاّ معصوما؟

قال: سألت أبا عبداللّه علیه‌السلام  عن ذلک فقال: «المعصوم هو الممتنع باللّه‏ من جميع محارم اللّه‏».[36]

 

حدود العصمة

إن الشخص المعصوم معصومٌ ومصون ، من عدّة جهات:

1 ـ لا مکان  للباطل فی عقیدته.

2 ـ إنّه مصون من الخطأ والزلل فی تلقّی الحقائق.

3 ـ لا سبیل للخطأ والنسیان إلی شخصیته فی مجال حفظه للعلوم والأحکام الدینیة.

4 ـ لا یقع فی الخطأ والاشتباه فی مجال تبلیغ الدین وإبلاغ الأحکام والقوانین.

5 ـ إنّه مصون عن المعصیة والزلل العمدیِّ والسهویِّ فی مجال العمل، فهو یقوم بالوظائف الدینیة بصورةٍ کاملةٍ وصحیحة.

 

سِرّ العصمة

إنّ عصمة الأنبیاء والأئمّة الأطهار لیست بمعنی عدم وجود عوامل المعصیة والذنب فی نفوسهم، ولاتعنی أنّهم لا یقدرون علی إرتکاب الذنوب، أو أنّ اللّه أجبرهم علی عدم إقتراف المعاصی، بل هم کغیرهم من أفراد البشر یمتلکون غریزة الشهوة وقوّة الغضب، ولکنّهم فی نفس الوقت لا یرتکبون المعصیة والذنب عن علم وإختیار، وإرادة ذاتیة، ویکمن سرّ هذه العصمة فی إیمانهم القویّ ویقینهم الکامل، وشهودهم لحقائق من عالم الغیب.


أجل لقد بلغ الأئمّة المعصومون فی الإیمان باللّه والمعاد والجنّة والنار والحساب الأُخروی إلی درجة الیقین والشهود، وأدرکوا قبح الذنوب ووقفوا علی العقوبات الأُخرویة والآثار الدنیویة المترتّبة علیها، وشاهدوها بعین الباطن، واطّلعوا علیها بالعیان، ولهذا اجتنبوا إرتکاب المعاصی بإرادتهم وباختیارهم، وهذه القوّة الباطنیة هی التی منحتهم تلک العصمة والمصونیة، وقهرت فی کیانهم عوامل العصیان والذنب.

هذا ویمکن أن یقال فی بیان سرّ عصمة المعصومین عن الخطأ والاشتباه والغفلة والنسیان أیضا: أنّ علومنا علومٌ حصولیّةٌ أی أنها حاصلة لنا عن طریق الحواس الخمس التی یجوز علیها الخطأ والاشتباه، ولکن علوم المعصومین علومٌ حضوریةٌ شهودیّةٌ، مدعومةٌ - باستمرار - بالتأییدات الإلهیة والتسدیدات الربّانیة.

إنّهم شاهدوا علوم الدین وحقائقه بعین البصیرة ولمسوها لمس الوجدان، ولهذا صینوا من الزلل وحصّنوا من الخطأ، وعُصِموا من الذنب والمعصیة.

هذا بالإضافة إلی أنّهم فی ترکیبهم الجسدی والعصبی وفی المقدرة الفکریة والعلمیة یختصّون بکیفیةٍ أعلی وأقوی، وهم مؤیَّدون علی الدوام بامداد اللّه القادر، وتسدیداته وتأییداته، وما الذی یمنع من أن یخلق اللّه أُناسا متمیّزین ومتفوّقین لا یتطرّق إلیهم النسیان والغفلة، ولا یتعرّضون للزلل والخطأ، ولا یرغبون فی الذنب والمعصیة بل ینفرون منها.

إنّ وجود أمثال هؤلاء الأشخاص المتمیّزین والمتفوّقین أمرٌ ضروریٌ لإیصال الرسالة الإلهیة و ابلاغها إلی الناس.

 

 


الدلیل العقلی علی العصمة

لإثبات وجوب اتّصاف الإمام بالعصمة یمکن الاستدلال بالدلیل الذی یدلُّ علی وجوب العصمة فی النبی، فإنّ أهمّ الأدلّة علی ضرورة بعث الأنبیاء هو دلیل (اللطف) الذی أشرنا إلیه فیما سبق.

ولقد سبقت الاشارة فی ذلک الدلیل إلی أنّ اللطف الإلهیّ یقتضی بأن لا یحرِم اللّه الناسَ الذین یحتاجون إلی البرنامج والقانون فی حیاتهم، من هدایاته وإرشاداته، ولهذا السبب نری أنّ اللّه تعالی اختار الأنبیاء، وزوّدهم بالبرامج اللازمة لإبلاغها إلی الناس، من أجل أن یسلکوا بهم سبیل الإنسانیة المستقیم، ویرشدوهم إلی أُسلوب السلوک والتوجّه إلی اللّه.

کذلک تمّت الإشارة إلی حقیقة أُخری وهی أنّ المراد الإلهیَّ هذا إنّما یتحقّق إذا کان الأنبیاء والمرسَلون ـ الذین هم حلقة الوصل بین اللّه وبین البشر ـ مصونین من الزلل والخطأ، ومعصومین من الذنب والمعصیة، لیبلّغوا الأحکام والقوانین الواقعیة إلی البشر بأمانة، ویجعلوها فی متناول أیدیهم بدقّة، ویتمّوا الحجّة علیهم بذلک.

إنّ هذا الدلیل نفسه یمکن الاستدلال به لإثبات ضرورة وجود الإمام فی المجتمع بعد النبی وإثبات لزوم عصمته کذلک، لأنّ النبی لن یعیش فی هذه الدنیا دائما، و لن یبقی بین الاُمة أبدا، فلابدّ أن یقوم ـ بعد رحیله ـ إمامٌ یحرس الأحکام والقوانین الإسلامیة، ویضعها فی متناول أیدی المتدیّنین، ویفسّر متشابهات القرآن والسنّة و یسعی لتنفیذ وتطبیق الأحکام والقوانین الاجتماعیة والإداریة الإسلامیة، ویقیم الحکومة الإسلامیة العادلة، أو یمهِّد الأرضیة لقیامها علی الأقل.

إنّ من الواضح جدّا أنّ مقصود اللّه ومراده لا یتحقّق أیضا إلاّ بوجود إمام معصومٍ عن الخطأ والزلل و مصونٍ عن الذنب والتخلّف عن القوانین الإلهیة
مصونیّةً کاملةً.

إنّ اللطف الإلهیّ یقتضی أن یختار اللّه سبحانه مثل هؤلاء الأشخاص المتمیّزین الصالحین، ویُطلع النبی علیهم، لیقوم هو بتعریفهم للناس و المتدیّنین، من أجل أن یکونوا سببا لاستمرار طریقه ودوام شریعته، من خلال مواصلة عمله ومتابعة أهدافه، وإلاّ کان عمله أبترا و ناقصاً، و لم تصل البشریة فی هذه الحالة إلی أهدافها العلیا.

ألم یأت الإسلام لیظهر علی جمیع الأدیان؟.

«هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ».[37]

لقد أُمر رسول اللّه صلی‌الله‌علیه‌وآله  بقتال الکفّار حتّی دفع الفتنة وزوالها.

«وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ للّه‏ِِ».[38]

وهذه الآیة إن دلّت علی شیء فإنّما تدلّ علی إستمرار ماکان یقوم به النبی صلی‌الله‌علیه‌وآله  إلی أن یتحقّق الهدف العظیم.

أجل إنّ الأنبیاء عامّة ونبیّ الإسلام بصورة خاصّة کانوا مکلّفین بنشر العدل فی العالم، وإحیاء روح حبّ العدالة بین البشر.

«لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ».[39]

والآن ینطرح هذا السؤال وهو: هل تمکن  رسول الإسلام صلی‌الله‌علیه‌وآله  من تحقیق کلّ الأهداف الکبری لرسالته خلال ثلاث وعشرین سنة؟

هل من المعقول أنّه لم یکن جادا فی أهدافه، أو أنّه انصرف عن السعی لتحقیق أهدافه ؟


هل یمکن القول بأنّ النبی صلی‌الله‌علیه‌وآله  ألقی بمهمّة تحقیق أهدافه العظمی علی کاهل من خلفوه مثل معاویة لیعملوا علی تحقیقها، وإنزالها إلی ساحة العمل طوال التاریخ؟.

إنّ من المحتّم أنّ الدین الإسلامی لم یعمّ العالم، ولم یظهر علی کلّ الأدیان فی عهد رسول اللّه  صلی‌الله‌علیه‌وآله ، کما أنّ من المحتّم أنّه لم یترک مهمّة تحقیق أهدافه وأمانیّه علی عاتق من یحمل نفسیةً مثل نفسیة معاویة، ویتّصف بصفاته؟

إذن فالاحتمال الصحیح والفَرض المقنع الوحید الذی یمکن أن یطَمْئن النبیَّ الکریمَ صلی‌الله‌علیه‌وآله هو إمامة الأئمّة المعصومین من بعده.

إنّ ما جعل الإمامة من صمیم الإسلام، وأصلاً من أُصوله ومکمّلاً للنبوّة ، وعاملاً لاستمراریتها، ودوام أهدافها هو أن هذاالأمر یطَمئِن نبی الإسلام  صلی‌الله‌علیه‌وآله  ویجعله یعتقد بقوّة أنّ جهوده لن تذهب أدراج الریاح، ولن تکون بتراء، وأنّ أهدافه الکبری لن تبقی بعد رحیله بدون مسؤول، وبدون من یتبنّاها، بل سیکون هناک من یواصلها علی طول التاریخ وهم الأئمّة المعصومون.

 

الإمام والعصمة فی القرآن

لقد وردت لفظة (الإمام) فی جمیع المواضع من القرآن الکریم بمعنی القدوة والأُسوة، و هذه القدوة یمکن أن تکون قدوة للصالحین والطیبین، أو قدوة للفاسقین الطالحین.

فقد جاء فی القرآن الکریم فی معرض الحدیث عن أئمّة الحقّ والهدی:

«وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَةَ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ».[40]

و یقول تعالی أیضاً :


«وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاما».[41]

وقد جاءت الإشارة إلی الإمامة الفاسدة فی الآیات التالیة مثل قوله تعالی:

«وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لاَ يُنصَرُونَ».[42]

وقوله تعالی: «فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ».[43]

یُستفاد من القرآن الکریم أنّ لکلّ فریق من الناس فی هذا العالم - سواءً أکانوا علی حقّ أم علی باطل، و صالحین کانوا أو طالحین ـ إماماً وقائداً من نوعهم وهم سیُحشرون معه، یقول تعالی:

«يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بإمامهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً * وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الاْخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً».[44]

ولقد کان الانبیاء علی مدار التارخ أئمّة للصالحین، بینما کان قادة الکفر والشرک أئمة للکفار والمستکبرین.

ثم إن المستفاد من القرآن الکریم أن إمامة الصالحین عهدٌ إلهیٌّ لا یَنال الظالمین.

«وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاما قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ».[45]

ویستفاد من هذه الآیة عدّة مواضیع هامّة:

الف ) لا یصلح کلّ من اتّفقَ لشَغْل منصب الإمامة الدینیة بل یجب أن یکون المتولّی لهذا المقام الخطیر مؤهّلاً لذلک بأن یکون قد حظی باستعداد ذاتی  ،
ونورانیّة باطنیة، وأن یکون ثابت الخُطی فی سبیل الطاعة لخالق الکون، ولهذا عندما شاهد النبیُّ إبراهیمُ  علیه‌السلام بعین الباطن ملکوتَ السماوات والأرض[46] ووصل إلی درجة الیقین، ثمّ جاهد ـ بشدّة ـ الوثنیةَ، وهاجم الأصنام، ثمّ ابتلی بنار نمرود وامتُحن بذبح ابنه إسماعیل علیه‌السلام ، وغیر ذلک وأثبت صلاحیَّته للإمامة أُوحی إلیه من جانب اللّه تعالی بأنّه قد رفع رتبته إلی مقام الإمامة، وجعله للناس إماما.

ب) یستفاد من هذه الآیة بأنّ منصب إلامامة الذی وَصَل إلیه إبراهیمُ  صلی‌الله‌علیه‌وآله هو غیر منصب نبوّته  علیه‌السلام   و أنه أعلی منه، ذلک لأنّ هذا الخطاب الإلهیّ صدر إلیه فی أُخریات حیاته، وقد کان قبل ذلک نبیّا، وقد مرّ باختبارات کثیرة، و لمّا فاز فیها رقّاه اللّه إلی درجة الإمامة  .

وینبغی هنا التذکیر بنقطة مهمّة وهی أنّه لا یستفاد من الآیة المطروحة أکثر من هذه الحقیقة وهی أنّ إمامة إبراهیم علیه‌السلام  کانت أرقی درجةً، وأفضلَ من نبوّته، لا أنّ کلّ إمامة هی أفضل من کلّ نبوّة.

ج) یستفاد من هذه الآیة أنّ النبوّة یمکن أن تجتمع مع الإمامة بأن یکون شخصٌ واحدٌ نبیّا، یطّلع علی حقائق خاصّة عن طریق الوحی من جانب اللّه من جانب، ویحظی بمقام الإمامة الرفیع من جانب آخر، فیکون نبیّا، وإماما فی آن واحد.

د) یُستفاد من هذه الآیة بأنّ العصمة هی أحد الشروط الضروریة التی یجب توفّرها فی الإمام، وغیر المعصوم لا یصلح لتولّی منصب الإمامة ـ الذی هو عهدٌ إلهیٌّ.

ونقول توضیحا لهذا الموضوع :إنّ اللّه تعالی أجاب النبیَّ إبراهیم الذی سأل هل أنّ أحدا من ذرّیته یصل إلی مقام الإمامة أم لا، قائلاً: «لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ».


والظلم فی إطلاقات القرآن الکریم علی ثلاثة أنواع:

الأوّل: ظلمُ الإنسان فی صعید علاقته مع اللّه، وهذا الظلم یتمثّل فی الکفر والنفاق والشرک الذی هو أعظم أشکال الظلم و ألوانه.

یقول القرآن الکریم: «إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ».[47]

ویقول أیضا:

«فَمَنْ افْتَرَى عَلَى اللّه‏ِ الكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ».[48]

النوع الثانی: هو ظلمُ الإنسان لغیره من الناس:

«إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ».[49]

النوع الثالث: ظلم الإنسان لنفسه:

«فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ»[50].

لقد خلق اللّه‌ُ الإنسانَ لینال السعادة ویتقرّب إلیه تعالی، وقیّض له وسائل تحقّق هذه الغایة، فمن عدل عن  سلوک طریق الدین المستقیم، وتعدّی الحدودَ الإلهیة یکون قد ظلمَ نفسَه وعُدّ لذلک ظالما.

یقول القرآن الکریم فی هذا الصدد:

«وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّه‏ِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ».[51]

ویقول أیضا:

«وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّه‏ِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ».[52]


لقد أُطلق وصف الظلم فی القرآن الکریم علی کلّ هذه الموارد الثلاثة، ولکن إذا أمعنّا النظر قلیلاً أمکن أن نقول أنّ المورد الأوّل والثانی هما أیضا من الظلم للنفس واقعا.

إنّ الناس علی أربعة أصناف:

الأوّل: من کان کافرا أو منافقا أو مرتکباً للمعصیة من أوّل عمره إلی آخره  .

الثانی: مَن ارتکب المعصیة والذنب فی بدایة حیاته ثمّ ترک المعصیة فی آخر عمره.

الثالث: مَن لم یرتکب الذنب والمعصیة فی بدایة حیاته ولکنّه ارتکب المعصیة فی أواخر حیاته.

الرابع: مَن لم یرتکب المعصیة طول حیاته مطلقا.

وتُعتبر الطائفة الاُولی والثانیة والثالثة من الظالمین حسب صریح القرآن الکریم، ولهذا فهم ممنوعون من الإمامة طبقا لصریح القرآن.

تبقی الطائفة الرابعة التی لم ترتکب الذنب أصلاً وتکون معصومة، فهی وحدها التی تلیق للإمامة.

 

العصمة فی الأحادیث

ویمکن الاستدلال للعصمة بأحادیث، ومن بین هذه الأحادیث ما یلی:

قال الإمام علی بن موسی الرضا  علیه‌السلام  : «الإمامُ المطهّرُ من الذنوب والمبَرّأ عن العيوب، المخصوصُ بالعلم، الموسُوم بالحلم، نظام الدين وعزُّ المسلمين وغيظُ المنافقين وبَوارُ الكافرين».[53]


وقال علیه‌السلام  فی موضع آخر من هذا الحدیث: «وإنّ العبدَ إذا اختاره اللّه عزّوجلّ لأُمور عباده شَرَح صدرَه لذلک وأودع قلبَه ینابیع الحکمة، وألهمَه العلمَ إلهاما فلن یَعْیَ بعده بجواب، ولا یُحیَّر فیه عن الصواب، فهو معصومٌ مؤیّدٌ موفّقٌ مسدّدٌ، قد أمِن من الخطایا والزلل والعِثار، یخصّه اللّه بذلک لیکون حجّتَه علی عباده وشاهدَه علی خلقه، وذلک فضلُ اللّه یؤتیه من یشاءُ واللّه ذو الفضل العظیم.[54]

وقال الإمام جعفر الصادق  علیه‌السلام : «وصفوةٌ من عترة محمّد  صلى‌‏الله‌‏عليه‏‌و‏آله‌‌  لم يزل مَرْعيّا بعين اللّه‏، يحفظُه و يكلأوه بستره، مطرودا عنه حبائلُ إبليس وجنودُه، مدفوعا عنه وُقُوبُ الغواسق، ونُفُوثُ كلّ فاسق، مصروفا عنه قوارفُ السوء، مُبَرأً من العاهات، محجوبا عن الآفات، معصوما من الزلاّت، مصونا عن الفواحش كلّها».[55]

 

[34]  مجمع البحرین  : مادة «ع ص م»
[35] مفردات القرآن: مادّة «ع ص م»
[36] معانی الأخبار ح132
[37] الصفّ / 9
[38] البقرة / 193
[39] الحدید / 25
[40] الأنبیاء / 73
[41] الفرقان / 72
[42] القصص / 41
[43] القصص / 41
[44] الإسراء / 71 ـ 72
[45] البقرة / 124
[46] «وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ» الأنعام / 75
[47] لقمان / 13
[48] آل عمران / 92
[49] الشوری / 42
[50] فاطر: 32
[51] الطلاق / 1
[52] البقرة / 229
[53] الکافی ج1 ص200
[54] الکافی ج1 ص202
[55] أُصول الکافی ج1 ص204