الحاجة إلی الإمام، الاستنتاج

الحاجة إلی الإمام

یعتقد الشیعة الإمامیة بأنّ وجودَ الإمام أمرٌ ضروریٌّ وحاجةٌ حتمیّةٌ فی حیاة البشر، ویستدلّون ـ لإثبات هذا الوجوب ـ والضرورة بجملة من الآیات والأحادیث، ولکن أهمّ الأدلّة فی هذا المجال هو الدلیل العقلیالذی جاء ذکره وبیانه فی الکتب العقائدیة أیضا.

إنّهم یقولون: إنّ الدلیل الذی یثبت الحاجة إلی الأنبیاء هو ذاته یثبت الحاجة إلی الإمام، فکما أنّ البشر بحاجة إلی النبی فانهم بحاجة ـ عند فقدان النبی ـ إلی الإمام.

إنّ مسألة النبوّة والإمامة مسألتان کلامیّتان مهمّتان، وقد بُحثتا فی کتب العقیدة والکلام من جهات مختلفة، وجوانب متعدّدة، علی وجه التفصیل، ونحن لا یمکننا ـ فی هذه الدراسة العاجلة ـ أن ندرسهما بصورة مفصّلة ولکنّنا مضطرّون ـ من أجل إثبات لزوم وجود الإمام ـ أن ندرس من باب التمهید و المقدّمة وجوب
وجود النبی فی المجتمع،باختصار، أوّلاً.

لقد استَدلّوا عند إثبات النبوّة العامّة ببراهین مختلفة ومتنوّعة، أبرزها وأهمّها هو الدلیل المعروف المسمّی ببرهان (اللطف).

ولقد طرح هذا الدلیل فی کتب العقیدة والکلام بصوَر متنوّعة وأشکال مختلفة، ونحن هنا نطرح ذلک الدلیل بصورة أُخری مستلهمین من الأبحاث المذکورة، ونشیر قبل ذلک إلی عدّة نقاط مهمّة، قد تمّ إثباتها فی محلّها، لنصل بعدئذٍ إلی النتیجة المطلوبة:

1 ـ إنّ خلق الإنسان والعالم لیس عبثا ولغوا، فالإنسان لم یأت إلی الدنیا لیقضی ردحا من الزمن فی اللهو واللعب، واللذّة والاستمتاع، وفی الأکل والشرب وقضاء الشهوة، وإنتاج النسل ثمّ یموت بعد ذلک، ویفنی إلی الأبد.

إنّ الحیاة فی هذا العالم لیست  لعبة، ولیست أمرا خارجا عن الحساب والقانون، بل الموت نهایة لهذه الحیاة، وبدایة لحیاة أُخری، ونُقلةٌ من هذا العالم إلی عالم الآخرة.

فالدنیا مزرعة الآخرة، والإنسان مسؤول عن أعماله الحسنة والسیّئة، و محاسبٌ علی ممارساته الخیّرة والشرّیرة، وعلی أفعاله الصالحة والطالحة.

والهدف من خلق الإنسان (والإتیان به إلی هذا العالم) هو تربیته، وتکمیل نفسه، وضمان سعادته فی عالم الآخرة.

إنّ الإنسان ینتقل بعد الموت إلی عالم الآخرة، و ستکون له حیاةٌ خالدةٌ،فإن کان فی الدنیا محسنا فی أعماله حصل علی ثوابٍ حسنٍ، وإن کان فی الدنیا مسیئا فی أعماله عوقب.

2 ـ لقد ثبت فی الفلسفة أنّ الإنسان مرکّب من جسمٍ وروحٍ، و الروحُ عنصر ملکوتیٌّ مجرَّد.

وبعبارة أکثر دقّة: إنّ للإنسان مرتبتین، فهو فی المرتبة الدُّنیا یقوم بالأعمال
المادّیة، وهو فی المرتبة العلیا یکون من المجرّدات، ویقوم بالأعمال المجرّدة، ولکنّه فی نفس الوقت لیس إلاّ حقیقةً واحدةً، وکیانا واحدا قداتّحدت فیه هاتان المرتبتان الوجودیّتان.

وحیث انّ روح الإنسان لیست کائنا مجرّدا محضا، فهی تتعلّق بالمادّة والوجود المادّی، فقد أمکن لها أن تتحرّک وتتکامل، و تصنع نفسها عن طریق العقائد والأخلاق والأفعال، وتصوغها وتربّیها، وتعدّها للحیاة الخالدة فی العالم الآخر، القادم بعد الموت.

3 ـ حیث انّ الإنسان مرکّبٌ من جسد مادّی، وروح مجرّد فإنّ من الطبیعی أن یکون لهما نوعان من الحیاة، أحدهما حیاة دنیویة، وهی ترتبط بجسد الإنسان، والأُخری نفسانیة باطنیة، وهی ترتبط بروحه، فتکون النتیجة أن تکون له سعادة وشقاوة فی کلتی  الحیاتین، فهو فی باطن ذاته إمّا أن یسیر باتّجاه الرفعة والسعادة الإنسانیة، أو یسیر باتّجاه الشقاء والانحطاط.

4 ـ کما أنّ هناک ارتباطا وثیقا بین جسد الإنسان وروحه، کذلک هناک ارتباطٌ وثیقٌ وإتّصالٌ شدید بین حیاة الإنسان الدنیویة المادّیة وبین حیاته النفسانیة الباطنیة.

إنّ حیاة الإنسان النفسانیة تنشأ فی الحقیقة من أعماله وممارساته الدنیویة، فالعقائد الصحیحة، والأخلاق الطیّبة، والأعمال الحسنة تکمّل النفس وتنوّرها، والعقائد الباطلة، والأخلاق القبیحة، والأعمال الفاسدة تصیب  النفس بالظلام، و تعکّر صفوها، ومن هنا فإنّ الإنسان الذی ینشد الکمال والسعادة النفسانیة لا یسعه أن یبقی غیر مکترثٍ بنوع أعماله، و ممارساته الدنیویة.

5 ـ لقد ثبت فی الفلسفة أنّ شخصیة الإنسان وقیمته بل إنسانیّته أنما هی بروحه المجرّدة. وعلی هذا الأساس یجب أن نفتّش عن سرّ خلق الإنسان وحکمة إیجاده فی تکامله الروحیِّ، وفی حیاته الباطنیة.


إنّ اللّه الحکیم الذی خلق الإنسان وجهّزَه بعنصر القدرة علی إستکمال ذاته من غیر الممکن أن یکون قد تجاهل حیاته الباطنیة والنفسانیة، وترکه من دون أن یضع له برنامجا لکسب الکمال والوصول إلی الغایة والهدف.

6 ـ بالنظر إلی أنّ الإنسان کائنٌ اجتماعیٌّ یعیش فی المجتمع، وبالنظر الی أنّ وقوع التزاحم فی کسب المنافع، والعدوان علی حقوق الآخرین شیءٌ طبیعیٌّ فی أغلبیة الناس، لهذا فإنّ هناک حاجةً ماسّةً إلی حکومة یتمّ عن طریقها الدفاع عن حقوق المحرومین والمستضعفین، وردع المعتدین والمتغلّبین، والمنع من التمییز، وإقرار الأمن والسکینة فی ربوع المجتمع وأرجائه.

 

الاستنتاج

یُستنتج  ممّا قیل أنّ البشر بحاجة شدیدة فی حیاته الإجتماعیة و الفردیّة إلی القانون، وأنّه بدون ذلک لا یحظی بالسعادة الحقیقیّة.

والآن یجب أن نطرح هذا السؤال وهو: «هل يستطيع أي قانون مهما كان نوعه أن يضمن للبشرية سعادتها الدنيوية والنفسانية ، أو أن هذاالقانون لابدّ أن يتّصف بخصوصيات معيّنة؟!».

بالنظر إلی ما عرفناه قبل قلیل من مقدّمات، إتّضح أنّ القانون الذی یمکنه ضمان سعادة البشر لیس إلاّ الذی تتوفّر فیه الشروط والمواصفات التالیة:

1 ـ أن تُراعی فی تدوین القانون المصالحُ الواقعیة والإنسانیة، لا أن یُهتمّ فیه بالغرائز المادیة والرغبات الحیوانیة فحسب.

2 ـ أن تُراعی فی ذلک القانون مصالح عامّة الأشخاص من جمیع الفئات والطبقات المتنوّعة المختلفة، وأن یکون بعیدا عن أی نوع من أنواع التمییز العنصریّ والفئویّ والحزبیّ، ویکون الدفاع عن حقوق المحرومین والمستضعفین وفاقدی الحمایة فی مقدّمة برامجه وبنوده.


3 ـ أن لا تتوجّه فی وضع تلک القوانین أیّة ضربة للحیاة النفسیة والإنسانیة بل تُعتبر الحیاة الدنیویة مقدّمة للحیاة الأصلیّة النفسانیة، ومنطلَقا لضمان وتوفیر السعادة الأُخرویة، وأن یُتوخّی فی هذا القانون تطهیر المحیط الاجتماعی من المفاسد الأخلاقیة، وتهیئة الأجواء لتربیة النفس، والتخلّق بالأخلاق النبیلة الحسنة، والاقبال  علی الأُمور المعنویّة.

4 ـ إنّ أهمّ حاجة للبشر ترتبط - فی الواقع - بالناحیة الروحیّة والحیاة الأُخرویة، لأنّ الغایة من الخَلق والإیجاد للإنسان، والحیاة الإنسانیة الأصلیة هی الحیاة النفسیة (الروحیة).

فالهدف هو أن یسلک الإنسان فی ـ باطن ذاته ـ سبیلَ الإنسانیة المستقیم ویسیر فی طریق التقرّب إلی اللّه حتّی یصل إلی المراتب العلیا المقرّره‌له.

إنّ ما هو مهمّ للإنسان جدّا، وما هو مصیری له هو ضمان السعادة الاُخرویة، لأن الحیاة الدنیویة مؤقتة وزائلة علی أیّة حالٍ، وما یبقی معه وما هو أبدیّ إنما هو الحیاة النفسیة و السعادة الاخرویّة فی ذلک العالم.

إنّه أیضا بحاجة شدیدة إلی برنامج للعمل لهذه الحیاة، برنامج یضع الإنسان علی  طریق  الإنسانیة المستقیم، ویحرّکه باتّجاه التقرّب إلی اللّه، ویجنّبه الإنحرافَ، و السقوط فی وادی الحیوانیة المهلک.

من کلّ ما مرّ من الکلام نستنتج أنّ البشر بحاجة إلی برنامج لکلتی الحیاتین: الدنیویة والأُخرویة، ولکن إعداد برنامج کامل و شامل یضمن سعادة هاتین الحیاتین للإنسان خارج عن عهدة المشرّعین البشر، لأنّ البشر وإن کانوا قادرین ـ بمعونة العقل و الإستفادة من التجربة ـ علی تدوین قوانین مناسبة للمجتمع،لکنهم یعانون من مشکلتین:

المشکلة الأُولی أنّ المشرّعین البشر یمکن أن یرجّحوا - عند تشریعهم للقوانین - مصالحَ أنفسهم ، أو مصالح طبقتهم أو فریقهم علی مصالح الطبقات
الأُخری.

المشکلة الأُخری هی أنّ هؤلاء المشرّعین لا یعرفون شیئا عن الإرتباط الوثیق بین حیاة الإنسان الدنیویة وحیاته النفسانیة (الروحیة) ویمکن أن یصطدم ما یضعونه و یشرّعونه من قوانین بحیاة البشر النفسیة (الروحیة) بل فی العادة لا یلاحظ المشرّعون البشر حیاةَ البشر النفسانیة، إنّما هو وحده خالقُ العالم، وموجدُ البشر یعرف - وحده - ترکیبة الإنسان والأسرار الموجودة فی روحه وجسده، ویحیط بها إحاطة کاملة، و هو وحده الذی یمکنه أن یجعل مثل هذا البرنامج الجامع والمنسجم فی متناول ید الإنسان.

وهنا موضع المقولة التی تقول بأنّ الألطاف الإلهیة المطلقة تقتضی بأن لا تُحرم البشریة المحتاجة، من مثل هذه التعالیم المهمّة، والتوصیات الحیویة المصیریة، وأن یقیض  اللّه لها شخصیات مختارة، ویزوّدهم ببرامج مناسبة، عن طریق الوحی و نعنی أنبیاء ورسل یبعثهم إلی البشر، لیقوموا بهدایتهم وإرشادهم وتعبید طریق الوصول إلی الغایة المطلوبة لهم و لا یألوا جهداً فی مساعدتهم علی السیر والسلوک إلی اللّه.

نعم إنّما یتحقّق الهدف الذی ینشده الحقّ تعالی من بعث الأنبیاء وتتمّ الحجّة إذا کان اُولئک  الأشخاص  المختارون وتلک النخبة المبعوثة إلی الناس مصونین من الخطأ والمعصیة، أی أن یکونوا معصومین کما سیتمّ إثبات ذلک مستقبلاً.