الفصل الخامس فاطمة عليها السلام بعد وفاة أبيها

الفصل الخامس

فاطمة عليها السلام بعد وفاة أبيها

في السنة العاشرة من الهجرة دعا النبي الأكرم صلّى الله عليه وآله عامة المسلمين لأداء مناسك الحج، وحج بهم حجة الوداع، وعلمهم أحكام الحج ومناسكه. وعند العودة توقف الركب عند غدير خم، وصعد النبي صلّى الله عليه وآله على منبر من أحداج الإبل، ونادى بصوت عال: من كنت مولاه فعلي مولاه، ونصب علياً صلّى الله عليه وآله لخلافته والولاية من بعده، ثم أمر المسلمين، فبايعوا علياً وسلموا عليه بإمرة المؤمنين، وتفرقوا في بلدانهم، وعاد النبي صلّى الله عليه وآله إلى المدينة وبقي فيها وقد تغير حاله، وبانت أمارات الموت عليه، وضعفت صحته، فكان يتهيأ للموت ويوصي بأهل بيته في كل مناسبة، ويزور البقيع ويستغفر للموتى.
رأت فاطمة عليها السلام في منامها ـ بعد حجة الوداع ـ أنها كانت تقرأ القرآن وفجأة وقع القرآن من يدها واختفى، فاستيقظت مرعوبة، وقصت الرؤيا على أبيها صلّى الله عليه وآله.
فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله: أنا ذلك القرآن ـ يا نور عيني ـ وسرعان ما سأختفي عن الأنظار(1).
ثم أخذ المرض يشتد به صلّى الله عليه وآله فجهز النبي جيشاً بإمرة أسامة بن زيد، وأمرهم بالمسير إلى الروم ودعا الناس للاشتراك بهذا البعث، ونص على بعضهم بالإسم ليخلي الساحة من المنافقين والمتربصين، ويفوت الفرصة على المعارضين لخلافة علي عليه السلام.
واشتد مرض النبي صلّى الله عليه وآله أكثر فأكثر، وهو مسجى على فراش المرض، والزهراء يشتد وجدها على أبيها، فتارة تحدق في وجهه الشاحب وتذرف الدموع الساخنة، وأخرى تدعو له بالسلامة: إلهي .. هذا أبي الذي ما أوذي نبي مثل ما أوذي ليغرس شجرة الإسلام، ويثبت جذورها في الأرض، وقد لاحت في الأفق آيات النصر وإرهاصات الفتح الشامل، وكان أملي أن تعلو راية الإسلام خفاقة، ويفنى الشرك والظلم والجور عن وجه الأرض على يديه، لكنه الآن ـ ووا أسفها ـ قد اشتد مرضه .. إلهي .. سلمه، واشفه، فمنك الشفاء ومنك السلامة.
ثقل المرض على رسول الله صلّى الله عليه وآله حتى أغمي عليه، فلما أفاق وجد أبا بكر وعمر وآخرين عنده، فقال صلّى الله عليه وآله: ألم آمركم بالمسير في جيش أسامة؟ فاعتذروا، إلا أن النبي صلّى الله عليه وآله يعلم ما تكن صدورهم ـ وما يبيتون ـ من بقائهم في المدينة لينزوا على مقام الخلافة.
فقال صلّى الله عليه وآله: ائتوني بدواة وبيضاء، أكتب لكم كتاباً لا تضلون بعدي أبداً.
فأسرع بعضهم لإجابة طلب الرسول صلّى الله عليه وآله فمنعه عمر وقال: إن الرجل ليهجر، قد غلبه مرضه(2).
والزهراء عليها السلام ترى وتسمع ذلك فيربو همها ويزداد غمها، فقد كشر النفاق من الآن وطفح على وجوه القوم، وأبوها لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، ولا يريد سوى خير المسلمين ومصلحتهم، فما لهؤلاء القوم يعاندون ويعصون ولا يكادون يفقهون حديثاً .؟! …

 

يبدو أن المستقبل ينذر بالخطر، والقوم صمموا على تضييع أتعاب نبيهم، والله أحكم الحاكمين.


ابتسامة مدهشة:


لما ثقل واشتد حال رسول الله صلّى الله عليه وآله وحضره الموت، أخذ علي عليه السلام رأسه الشريف فوضعه في حجره عليه السلام فأغمي عليه فكانت فاطمة عليها السلام تنظر في وجهه وتندبه وتبكي وتقول:
ثمال اليتامى عصمة للأراملوأبيض يستسقى الغمام بوجهه
ففتح رسول الله صلّى الله عليه وآله عينيه وقال بصوت ضعيف: بنيّة قولي (وما محمد إلاّ رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً)(3).
فبكت طويلاً، فأومأ إليها بالدنوّ منه، فأسرّ إليها شيئاً تهلّل وجهها له، فقيل لفاطمة عليها السلام: ما الذي أسرّ إليك رسول الله صلّى الله عليه وآله فسرّى عنك به ما كنت عليه من الحزن والقلق بوفاته؟ قالت: إنّه أخبرني أنّني أول أهل بيته لحوقاً به، وأنّه لن تطول المدّة لي بعده حتى أدركه، فسرى ذلك عنّي(4).
عن أنس قال: جاءت فاطمة معها الحسن والحسين عليه السلام إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله في المرض الذي قبض فيه فانكبت عليه فاطمة وألصقت صدرها بصدره وجعلت تبكي، فقال لها: النبيّ صلّى الله عليه وآله: يا فاطمة لا تبكي عليّ ولا تلطمي ولا تخمشي عليّ خدّاً ولا تجزي عليَّ شعراً، ولا تدعي بالويل والثبور، وتعزّي بعزاء الله. ثمّ بكى وقال: اللّهم أنت خليفتي في أهل بيتي، اللّهم هؤلاء وديعتي عندك وعند المؤمنين.

 

بوح الأسرار:


عن موسى بن جعفر عن أبيه عليه السلام: لمّا كانت الليلة التي قبض النبيّ في صبيحتها، دعا علياً وفاطمة والحسن والحسين عليه السلام وأغلق عليه وعليهم الباب وقال: يا فاطمة، وأدناها منه فناجاها من الليل طويلاً، فلمّا طال ذلك خرج عليّ ومعه الحسن والحسين وأقاموا بالباب والناس خلف الباب، ونساء النبيّ ينظرن إلى علي عليه السلام ومعه ابناه.
فقالت عائشة: لأمر مّا أخرجك منه رسول الله وخلا بابنته عنك في هذه الساعة؟
فقال لها عليّ عليه السلام: قد عرفت الذي خلا بها وأرادها له، وهو بعض ما كنتِ فيه وأبوك وصاحباه ـ ممّا قد سمّاه ـ.
فوجمت أن تردّ عليه كلمة.
قال عليّ: فما لبثت أن نادتني فاطمة عليها السلام فدخلت على النبيّ صلّى الله عليه وآله وهو يجود بنفسه، فقال لي: ما يبكيك يا عليّ؟ ليس هذا أوان بكاء فقد حان الفراق بيني وبينك، فاستودعك الله يا أخي، فقد اختار لي ربّي ما عنده، وإنّما بكائي وغمّي وحزني عليك وعلى هذه أن تضيع بعدي، فقد أجمع القوم على ظلمكم، وقد استودعتكم الله وقبلكم مني وديعة، إنّي قد أوصيت فاطمة ابنتي بأشياء، وأمرتها أن تلقيها إليك فنفّذها، فهي الصادقة الصدوقة.
ثمّ ضمّها إليه وقبّل رأسها وقال: فداك أبوك يا فاطمة. فعلا صوتها بالبكاء، ثم ضمّها إليه وقال: أما والله لينتقمّن الله ربّي، وليغضبن لغضبك، فالويل ثم الويل للظالمين. ثم بكى رسول الله صلّى الله عليه وآله.
قال علي عليه السلام: فوالله لقد حسبت قطعة مني ذهبت لبكائه، حتى هملت عيناه مثل المطر، حتى بلّت دموعه لحيته وملاءة كانت عليه، وهو يلتزم فاطمة لا يفارقها، ورأسه على صدري وأنا مسنده، والحسن والحسين يقبّلان قدميه ويبكيان بأعلى أصواتهما. 


قال عليّ: فلو قلت إن جبرئيل في البيت، لصدقت، لأنّي كنت أسمع بكاءً ونغمة لا أعرفها، وكنت أعلم أنّها أصوات الملائكة لا شكّ فيها، لأن جبرئيل لم يكن في مثل تلك الليلة يفارق النبيّ صلّى الله عليه وآله.
ولقد رأيت بكاءً منها أحسب أن السماوات والأرضين بكت لها.
ثمّ قال لها: يا بنيّة، الله خليفتي عليكم وهو خير خليفة، والذي بعثني بالحق لقد بكى لبكائك عرش الله وما حوله من الملائكة، والسماوات والأرضون وما فيهما، يا فاطمة، والذي بعثني بالحق، لقد حرمت الجنة على الخلائق حتى أدخلها، وإنّك لأول خلق الله يدخلها بعدي، كاسية حالية ناعمة، يا فاطمه هنيئاً لك. والذي بعثني بالحق، إنّ جهنم لتزفر زفرة لا يبقى ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل إلا صعق، فينادى إليها أن: يا جهنم، يقول لك الجبّار: اسكني بعزّي، واستقرّي، حتى تجوز فاطمة بنت محمد صلّى الله عليه وآله إلى الجنان لا يغشاها قتر ولا ذلّة. والذي بعثني بالحق ليدخلّن حسن وحسين: حسن عن يمينك، وحسين عن يسارك، ولتشرفنّ من أعلى الجنان بين يدي الله في المقام الشريف، ولواء الحمد مع علي بن أبي طالب عليه السلام.
والذي بعثني بالحق، لأقومن بخصومة أعدائك، وليندمنّ قوم أخذوا حقّك وقطعوا مودّتك وكذبوا عليّ، وليختلجن دوني، فأقول: أمتي، أمتي، فيقال: إنّهم بدّلوا بعدك وصاروا إلى السعير(5).


فاطمة بعد أبيها:


رأس الرسول صلّى الله عليه وآله في حجر علي عليه السلام ، و الحسن والحسين وأمّهما ينظرون في وجه رسول الله صلّى الله عليه وآله ويذرفون الدموع. وفجأة أغمض الرسول صلّى الله عليه وآله عينيه، وسكنت أنفاسه الطاهرة، وحلّقت روحه الشريفة إلى الحياة الأبدية السرمدية عند مليك مقتدر. فانهالت هموم الدنيا ومصائب الدهر على بضعة النبي صلّى الله عليه وآله الصدّيقة فاطمة عليها السلام التي قضت عمرها بالآلام والهموم والغصص. وكلّ ما كانت تجد فيه الأمل والراحة هو وجود أبيها وظلاله الوارفة، وقد انهار صرح الآمال بعد هذا الحادث المدّ الجلل.
وعلى حين غفلة ـ والزهراء عليها السلام غرقى في الأحزان لفقد الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله، وعلي عليه السلام مشغول بتجهيزه ـ فإذا بالخبر أنّ جماعة من المسلمين اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة لاختيار خليفة رسول الله صلّى الله عليه وآله!!
ولم تنقضي ساعة حتى جاء الخبر ثانية: إنّهم انتخبوا أبا بكر خليفة على المسلمين!!
هزّ الخبر فاطمة وعليّاً ـ عليهما السلام ـ، وهم في غمرة الغموم والغصص والبكاء على رسول الله صلّى الله عليه وآله ..
سبحان الله .. ما عدا مما بدا .. أليس الخليفة هو علي بن أبي طالب بنصّ رسول الله صلّى الله عليه وآله؟! كم مرة أوصى به منذ اليوم الأول حين دعا فيه عشيرته (وأنذر عشيرتك الأقربين) إلى ساعة وفاته صلّى الله عليه وآله؟!!..
ألم ينصبه خليفة للمسلمين في غدير خم قبل شهور فقط من وفاته؟!
وهل ينكر أحد جهاد عليّ وتضحياته وسابقته في الإسلام، وعلمه وهو الذي غذاه النبيّ صلّى الله عليه وآله بعلوم النبوّة منذ نعومة أظفاره ليكمل المسير إلى أهدافه المقدّسة بعده؟!
الإسلام بحاجة إلى قائد معصوم، لا يزلّ عن جادة الصواب، ولا ينحرف يميناً وشمالاً.
آه .. ها قد وقع المسلمون في منزلق خطير وغلط يجر إلى الهاوية..
ربّاه .. كم تحمّل النبيّ صلّى الله عليه وآله، وضحّى عليّ عليه السلام من أجل الإسلام في أحلك الظروف وأخطر المواقف، وكم مرّة اقتحم عليّ فم الموت وخاطر بحياته .. 

ربّاه .. كما كابدتُ جوعاً وحرماناً، وهاجرتُ من الأرض والوطن، كلّ ذلك في سبيلك، ومن أجل رفع راية الحق ونشر معالم التوحيد، والدفاع عن المظلومين، ومقارعة الظلم والجور والظالمين.
يا لله .. ولهؤلاء .. هلاّ يعلمون أنّ علياً ربيب الوحي والنبوة المعصوم، الذي استقى الإسلام من محمد صلّى الله عليه وآله، لو أصبح قائداً للمسلمين لساق المجتمع الإسلامي الفتيّ إلى السعادة والرفاه، ولقادهم أحكم وأقوم قيادة، ولحملهم على المحجّة البيضاء.
نعم .. لعلّ هذه الخواطر كانت تجيش في خلد فاطمة عليها السلام وتلّح على ذهنها، وتحاول اختطاف الصبر منها عليها السلام.


ثلاثة أشهر من المواجهة:


لا نود الدخول في سرد قصة السقيفة وانتخاب أبي بكر، لأنّها قصة طويلة ذات شجون، تجرّنا خارج موضوع هذا الكتاب.
وخلاصتها: لمّا انتهى علي وفاطمة عليها السلام من تجهيز النبيّ صلّى الله عليه وآله ودفنه، واجها قضية تمّ نسجها وأحبك أمرها، وانتهى كل شيء فيها، حيث بويع أبو بكر ونصب للخلافة.


وكان الإمام عليه السلام أمام خيارات ثلاثة:


الأول: أن يقدم على حركة حدّية ثورية، ويعلن الحرب على أبي بكر رسميّاً، ويدعو الناس إليها، ويدفعهم نحوها.
وهذا غير ممكن، لأنّه يعني إقحام المجتمع الإسلامي في معركة غير محموده العواقب، تؤدّي إلى انتفاع الانتهازيين والوصوليين من الفرصة، واستحواذ أعداء الإسلام وقوّة شوكتهم، وهم يتربّصون الدوائر بالإسلام والمسلمين، وبالنتيجة اقتلاح جذور الإسلام الفتيّ.


الثاني: أن يحافظ على وجوده ومنافعه الشخصية ومصالحه المستقبلية ـ  


بعد أن انتهى كلّ شيء ـ فيبايع ـ دون ممانعة ـ أبا بكر، وعندئذٍ تبقى مصالحه الشخصية فى أمان، وينال المكانة والتكريم والاحترام لدى الجهاز الحاكم.
وهذا غير ممكن أيضاً، لأنّه يعني إمضاءه عليه السلام لبيعة أبي بكر وولايته ولعمل المسلمين أيضاً، مما يؤدّي إلى انحراف الخلافة والولاية والإمامة عن مسارها الأصلي ومعناها الحقيقي إلى الأبد، وتبدد الجهود والتضحيات التي بذلها النبيّ صلّى الله عليه وآله والإمام علي عليه السلام من أجل إرساء قواعد الإسلام وتحكيم أصول الخلافة الشرعية.
هذا بالإضافة إلى أنّ ما سيفعله عمر وأبو بكر سيوضع في حساب الإسلام القويم ـ باعتبارهما ليسا معصومين وصدور الخطأ والذنب ومخالفة الشريعة منهما محتمل جدّاً.
الثالث: أن يسلك عليه السلام سبيلاً معتدلاً يحفظ بيضة الإسلام ويصون المسلمين، وإن كانت ثماره تأتي متأخرة على المدى البعيد.
فعزم هو والزهراء عليها السلام على خوض معركة واسعة ـ يشتدّ أوارها ـ بهدوء وحكمة، تؤمن سلامة الإسلام وعدم انهدام أركانه، فكانت المواجهة على مراحل:


المرحلة الأولى:


أخذ علي وفاطمة بيدي الحسن والحسين عليه السلام وطافوا على بيوت المدينة ورجالها وأشرافها، ودعوهم إلى نصرتهم وذكّروهم بوصايا النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله (6)، وفاطمة تقول:
أيّها الناس، ألم ينصب أبي رسول الله صلّى الله عليه وآله علياً خليفة عليكم من بعده؟ أنسيتم جهاده وتضحياته؟! لو أطعتم ما أوصى به النبي، وسلمتم زمام أموركم لعلي، لهداكم إلى سواء الصراط، وسار بكم على المحجة البيضاء، وبلغ بكم غايات رسول الله صلّى الله عليه وآله.

 

أيّها الناس .. ألم يقل أبي رسول الله صلّى الله عليه وآله: إنّي تارك فيكم الثقلين، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً، كتاب الله وعترتي أهل بيتي؟
أيّها الناس .. أتتركونا لوحدنا وتتقاعسون عن نصرتنا؟!
وهكذا دأبوا على دعوة الناس إلى الحق ببيانات شتّى لعلّهم يرشدون ويندمون، وليعيدوا الخلافة إلى أهلها وتعود الأمور إلى نصابها.
وبالفعل استطاعوا أن يكسبوا من خلال هذه الحملة الاعلامية الواسعة جماعة وقعت تحت تأثير الحقيقة، فواعدوهم النصرة، وما وفى بالوعد إلاّ القليل.
فكانت ثمار هذه المرحلة ـ التي أعلنوا فيها مخالفتهم للنظام الحاكم ولشخص أبي بكر ـ ميل بعض القلوب نحو البضعة الطاهرة وزوجها وانجلاء الحقيقة نسبياً للأمّة، لا غير.

 

المرحلة الثانية:


رفض الإمام علي عليه السلام البيعة لأبي بكر، وأعلن سخطه على النظام الحاكم، ليتّضح للعالم أنّ هذه الحكومة التي أعرض عنها ـ الرجل الأول في الإسلام بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله ـ علي بن أبي طالب عليه السلام ـ لا توافق الخلافة الإسلامية جذريّاً.
وكذلك فعلت فاطمة عليها السلام ليعلم الناس أنّ بنت نبيّهم لا ترضى عن هذه الخلافة.
وبدأ الإمام عليه السلام جهاداً سلبياً ضد الغاصبين، فاشتغل بجمع القرآن وتأليفه، وأصبح جليس داره.
فقال عمر لأبي بكر: يا هذا، إنّ الناس قد بايعوك ما خلا هذا الرجل وأهل بيته، فابعث إليه، فبعث إليه قنفذاً، فقال له: يا قنفذ، انطلق إلى  علي فقل له: أجب خليفة رسول الله صلّى الله عليه وآله، فبعثاه مراراً وأبى علي عليه السلام أن يأتيهم، فوثب عمر غضبان ونادى خالد بن الوليد وقنفذاً فأمرهما أن يحملا حطباً وناراً، ثم أقبل حتى انتهى إلى باب علي وفاطمة عليها السلام، وفاطمة قاعدة خلف الباب قد عصبت رأسها ونحل جسمها لوفاة رسول الله صلّى الله عليه وآله فأقبل عمر حتى ضرب الباب ثم نادى يا ابن أبي طالب! افتح الباب، فقالت فاطمة: يا عمر ما لنا ولك، لا تدعنا وما نحن فيه!
قال: افتحي الباب، وإلاّ أحرقنا عليكم(7).
فقالت: يا عمر، أما تتقي الله؟ تدخل على بيتي وتهجم على داري.
فأبى أن ينصرف. ثم دعا عمر بالنار(8). فانفتح الباب وأراد عمر أن يدخل البيت. فاستقبلته فاطمة عليها السلام ووقفت أمامه بشجاعة واستبسلت(9). وصاحت: يا أبتاه! يا رسول الله! لعلّها تحرّك في الناس ضمائرهم وتهيّج.

 

ذكرياتهم، إلاّ أنّ الأوغاد ما رعوها، كيف وقلوبهم كالحجارة بل أشدّ قسوة.
فرُفِع السيف وهو في غمده ووجأ به جنبها، فصرخت، فرُفِع بسوط وضُرِب عضدها حتى اسوّد عضدها (10) ثم دخلوا على علي عليه السلام فأخذوه. فمانعتهم فاطمة عليها السلام وحالت بينه وبينهم عند الباب، فضربها قنفذ بالسوط (11) فألجأها إلى عضادة بيتها ودفعها فكسر ضلعها من جنبها فألقت جنيناً من بطنها(12).
ثم أخذوا عليّاً إلى المسجد، فهبّت الزهراء عليها السلام لنصرة الحق والدفاع عن ابن عمها، وخرجت على أثره كسيرة الضلع منهكة الجسد، شاحبة الوجه، فلمّا انتهت إلى القبر قالت: خلّوا عن ابن عمّي، فوالذي بعث محمداً بالحق لئن لم تخلوا عنه لأنشرنّ شعري ولأضعنّ قميص رسول الله صلّى الله عليه وآله على رأسي ولأصرخنّ إلى الله.
وكادت تقلب نظام الحكم يومئذٍ بدعائها واستغاثتها، فلمّا أحسّ علي عليه السلام بالخطر نادى سلمان وقال له: أدرك بنت رسول الله صلّى الله عليه وآله واصرفها عن الدعاء. فجاءها سلمان وقال: يا سيّدتي ومولاتي، إنّ الله تبارك وتعالى بعث أباك رحمة فلا تكوني نقمة.
فقالت: يا سلمان، دعني أنتقم من هؤلاء الظالمين.
قال: إنّ علياً أمرني أن أصرفك عن الدعاء.
قالت: الآن وقد أمر علي فسمعاً وطاعة، أصبر.
وقيل: إنّ فاطمة أخذت بيد علي وعادا إلى البيت(13).

 


مواجهة قصيرة:


بالرغم من أنّ المعركة التي خاضتها فاطمة عليها السلام كانت لفترة قصيرة
ووقعت في محيط محدود، ولكن يجدر الالتفات إلى عدّة أمور فيها:
الأول: إنّ الزهراء عليها السلام هبت للدفاع عن الوصيّ ووقفت وراء الباب بصلابة متناهية حينما حاصروا البيت ليأخذوا علياً ولم تنهزم وتلوذ بزاوية البيت فراراً ـ كما هي عادة النساء ـ.
الثاني: إنّ الزهراء عليها السلام رفضت الفرار بعد أن اقتحموا الدار، وأصرّت على الصمود والمقاومة والوقوف بوجوههم، حتى وجأوا صدرها المقدّس بغمد السيف، وضربوها حتى أسودّ عضدها المبارك.
الثالث: دخلت فاطمة عليها السلام الميدان من جديد، عندما استخرجوا علياً وتعلّقت به، وحالت بينهم وبينه، وما تراجعت حتى اسودّ بدنها من سياط قنفذ.
الرابع: حينما أخرجوا علياً عليه السلام راحت الزهراء عليها السلام تقاتل في آخر المواقع، فلحقت به لعلّها تمنعهم عنه، وصمدت وقاومت في موقعها هذا حتى عصروها بين الحائط والباب، وكسروا ضلعها وأسقطوا جنينها.
وبعد كلّ هذا انطلقت إلى المسجد ـ فلعلّ ما جرى داخل الدار لم يسمعه الناس ـ فصرخت واستغاثت بالله ورسوله على رؤوس الأشهاد. وحينما يئست منهم انصرفت للدعاء عليهم ولولا أن الإمام عليه السلام أدركها فرجعت إلى البيت.
نعم، هكذا وقفت فاطمة عليها السلام ـ بكلّ ما أوتيت من قوّة ـ للدفاع عن علي عليه السلام، وفكرت أن تدخل الميدان:
فإن انتصرت منعتهم عن أخذ البيعة من علي عليه السلام، ودافعت عنه، وأظهرت السخط على خلافة الشورى.
وإن ضربوها وكسروا ضلعها وأسقطوا جنينها انفضحوا وسقطت أقنعتهم. وفَهِمَ العالم ـ عملياً ـ نتائج الانحراف عن الخلافة الحقّة. فمن أجل الاحتفاظ بالملك والسلطان ما تورّعوا عن كسر ضلع عزيزة نبيّهم، وقتل ابنها في بطن أمه. وبذلك تنذر المسلمين، وتَقَدِّمْ لهم أنموذجاً واضحاً من نتائج خلافة الشورى.
والزهراء عليها السلام خريجة مدرسة النبوة والإمامة، درست التضحية والفداء والشجاعة في هذين البيتين، فلا تخاف كسر الضلع ولا الضرب، ولا تخشى سوى الله في مواقع الدفاع عن الحق والأهداف المقدّسة.

 

المرحلة الثالثة: فدك(14):
فدك قرية تبعد عن المدينة عدّة فراسخ، كانت فيها بساتين ومزارع لليهود، فلما فرغ رسول الله صلّى الله عليه وآله من خيبر قذف الله الرعب في قلوب أهل فدك، فبعثوا إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله فصالحوه على النصف منها فقبل منهم ذلك. وكانت فدك لرسول الله صلّى الله عليه وآله خالصة (15) له، لأنّه لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب.

فكان صلّى الله عليه وآله يقسم منافعها في بني هاشم، وفقراء المدينة ومساكينهم.
فلمّا نزلت الآية الشريفة (وآت ذا القربى حقّه)(16). امتثل النبيّ صلّى الله عليه وآله أمر الله وأعطى فدكاً لفاطمة. وقد وردت في ذلك عدّة روايات:
عن أبي سعيد الخدري قال: لمّا نزلت (وآت ذا القربى حقّه) قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: يا فاطمة لك فدك(17). وفي رواية: فأعطاها فدكاً.
وعن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: أقطع رسول الله صلّى الله عليه وآله فاطمة عليها السلام فدك.
وعن عطية قال: لما نزلت (وآت ذا القربى حقّه) دعا رسول الله صلّى الله عليه وآله فاطمة عليها السلام فأعطاها فدكاً(18).
وكانت فدكاً ملكاً عظيماً، وأرضاً واسعة، وبساتين مثمرة يانعة، تدرّ أرباحاً جمّة حتى قالوا: كان دخلها أربعة وعشرين ألف دينار، وفي رواية:

سبعين ألف دينار(19).
ونذكر لذلك شاهدين:
الأول: جواب أبي بكر للزهراء عليها السلام حينما طالبته بفدك حيث قال: «إنّ هذا المال لم يكن للنبيّ صلّى الله عليه وآله وإنّما كان مالاً من أموال المسلمين يحمل النبي صلّى الله عليه وآله به الرجال وينفقه في سبيل الله»(20).
الثاني: «لمّا ولي الأمر معاوية بن أبي سفيان، أقطع مروان بن الحكم ثلثها، وأقطع عمرو بن عثمان بن عفان ثلثها ـ وأقطع يزيد بن معاوية ثلثها»(21).
يستفاد من هذين الشاهدين أن ريع فدك كان كثيراً، بحيث كان الرسول صلّى الله عليه وآله يحمل به الرجال وينفق منه في سبيل الله، ويقسمها معاوية بين ابنه واثنين من أصحابه وخاصته.
لماذا منح النبي صلّى الله عليه وآله فدكاً لفاطمة عليها السلام؟
لو راجعنا حياة الرسول صلّى الله عليه وآله وتأمّلنا فيها، لعرفنا جيّداً أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله قد أعرض عن الدنيا وزخرفها، وما استهوته الأموال يوماً ما ليجمعها ويكنز الذهب والفضة، ويستغل منصبه ومقامه كما فعل الآخرون!! وإنما أنفق كلّ ما يملك، بل وكلّ ما كانت تملك خديجة عليها السلام من ثروة هائله وأموال طائلة في سبيل رفع راية الحق ونشر كلمة التوحيد، وعاش مع ابنته وصهره حياة الشظف، واكتفوا من الدنيا بما يقيم الأود، ولطالما شدّ صلّى الله عليه وآله حجر المجاعة على بطنه .. وهو الذي رفض أن يرى ستراً من صوف على باب فاطمة، وعقداً في جيدها وسوارين من فضّة في يدي ابنيه الحسنين.
إذن، كيف وهب فدكاً لفاطمة؟!
لابدّ من سبب وهدف من وراء ذلك!.
قد يقال ـ في بيان ملاك ذلك ـ أنّ النبيّ مأمور بتنصيب علي لخلافته،
ويعلم أنّ الناس لا ينصاعون لهذا الأمر بسهولة، وسيلوون رؤوسهم ويسلقونه بسيوفهم وألسنتهم .. لأنّ علياً قتل صناديد ـ العرب ـ وفرسانهم وذؤبانهم، وأدخل الثكل في بيوتهم أيّام جاهليتهم، فأوقرت قلوبهم أحقاد بدرية وأحدية وخيبرية ..

فعليّ ـ إذن ـ بحاجة إلى دعم ماليّ في أول خلافته، تسير مشاريعه الأولية، وإعلاء كلمة الحق، واستمالة المؤلّفة قلوبهم.
ومن أين يهيّأ لعلي ذلك في بداية حكمه؟
والنبيّ صلّى الله عليه وآله يعلم لو أنّ علياً أنفق على الفقراء والمساكين والمؤلّفة قلوبهم، لمالت إليه القلوب وخفّ أوار الحقد الدفين عليه، فأعطى فدكاً لفاطمة.

وقيل: إنّه صلّى الله عليه وآله أوقفها على بيت الولاية والإمامة (ولم يقطعها للزهراء عليها السلام خاصة) لتكون دعماً إضافياً لميزانية الخلافة المعصومة.
وكانت فدك بيد فاطمة عليها السلام في حياة رسول الله صلّى الله عليه وآله، فكانت تأخذ منها قوتهم، وتنفق الباقي على الفقراء والمساكين وفي سبيل الله.
وعندما ولّي الخلافة أبو بكر بعث بوكيله إلى فدك، وأمره بإخراج وكيل فاطمة عليها السلام وجعل عليها عمّالاً من قبله(22).
عوامل غصب فدك:
يمكن أن نذكر عاملين سهمين دفعا أبا بكر لغصب فدك:
العامل الأول: لو طالعنا التأريخ بإمعان لعرفنا جيّداً أنّ عائشة كانت تعاني من أمرين:

الأول: أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله كان يحبّ خديجة حبّاً جماً، ويذكرها بخير كلّما سنحت الفرصة، وهذا ما يثير الغيرة والحسد عند عائشة.
فعن عائشة قالت: استأذنت عليه صلّى الله عليه وآله يوماً هالة أخت خديجة،
فارتاع لذلك وقال: اللّهم هالة بنت خويلد.
قالت: فغرتُ وقلت: وما تذكر من عجوز حمراء الشدقين هلكت في الدهر الأول؟! فزجرني وقال: والله ما أخلف لي خيراً منها، لقد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وأنفقتني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله أولادها إذ حرمني أولاد النساء(23).

وعن عائشة قالت: ما غرت على إمرأة ما غرت على خديجة، ولقد هلكت قبل أن يتزوجني بثلاث سنين ـ لما كنت أسمعه يذكرها، ولقد أمره ربّه أن يبشرّها ببيت من قصب في الجنة، وإن كان ليذبح الشاة ثمّ يهديها إلى خلائلها(24).
وعن الصادق عليه السلام قال: دخل رسول الله صلّى الله عليه وآله منزله فإذا عائشة مقبلة على فاطمة تصايحها، وهي تقول: والله يا بنية خديجة ما ترين إلاّ أنّ لأمك علينا فضلاً، وأيّ فضل كان لها علينا؟ ما هي إلاّ كبعضنا.
فسمع مقالتها لفاطمة، فلّما رأت فاطمة رسول الله صلّى الله عليه وآله بكت.
قال: ما يبكيك يا بنية محمد صلّى الله عليه وآله؟
قالت: ذكرت أمّي فتنقّصتها فبكيت.
فغضب رسول الله صلّى الله عليه وآله ثم قال: مه يا حميراء، فإنّ الله تبارك وتعالى بارك في الودود الولود، وإنّ خديجة (رحمها الله) ولدت منّي طاهراً وهو عبد الله وهو المطهر وولدت مني القاسم، وفاطمة، ورقية، وأم كلثوم، وزينب، وأنت أعقم الله رحمك فلم تلدي شيئاً(25).

الثاني: كان النبيّ صلّى الله عليه وآله يحبّ فاطمة حبّاً لا مثيل له، ويظهر حبّها، وكان هذا يعذّب عائشة ويثير غيرتها ـ وعادة النساء أن يكرهن بنات الضرّة ـ

حتى أنّها قالت لرسول الله صلّى الله عليه وآله حينما دخلت عليه وهو يقبّل فاطمة عليها السلام: أتقبّلها وهي ذات بعل؟

فقال لها: أما والله لو علمت ودّي لها إذاً لازددت لها حبّاً، ولما قلت هذا ـ فكان كلّما حدثها عن منزلة فاطمة غارت وثارت(26).
وفي يوم دخل أبو بكر على رسول الله صلّى الله عليه وآله وعائشة تحدّثه وقد علا صوتها على النبيّ وهي تقول: إنّك تحبّ فاطمة وعلياً أكثر مني ومن أبي، فقال أبو بكر: يا عائشة لا ترفعي صوتك فوق صوت النبيّ صلّى الله عليه وآله(27).
أضف إلى ذلك أنّ عائشة عقيم، وقد جعل الله نسل نبيّه من فاطمة عليها السلام.
وعلى هذا فإنّ الحسد والكدورة والغيض كان أمراً طبيعياً من عائشة، وعلى عادة النساء كانت إذا لقيت أباها ـ أبا بكر ـ شكت له فاطمة عليها السلام.
ومن هنا يمكن أن نحدس الحقد والحنق والحسد الذي كان يكتمه أبو بكر لفاطمة، ويتربّص الدوائر ـ بها ـ لينتقم ويشفي غليله.
فلمّا توفيّ النبيّ صلّى الله عليه وآله أصبحت فاطمة عليها السلام تنادي: واسوء صباحاه، فسمعها أبو بكر فقال لها إنّ صباحك لصبح سوء(28).
العامل الثاني: من الواضح لأبي بكر وعمر أنّ فضائل علي وكمالاته الذاتية، وتضحيته وسابقته غير قابلة للإنكار، وأن وصايا الرسول صلّى الله عليه وآله به وبأهل بيته شاعت وتناقلتها الركبان، وأنّه صهر النبيّ وابن عمّه، فلو استقامت له الأمور الماليّة والدعم الاقتصادي، لاستجاب له الكثير من الناس، فيكون خطراً محدقاً بالخلافة حين ذلك.
وقد نبّه عمر أبا بكر على ذلك وقال: الناس عبيد الدنيا، فامنع علياً عن خمس الغنائم، وخذ منه فدكاً، فإنّهم سيفرقون عنه ويميلون إليك(29).

نعم، هذان العاملان، وعوامل أخرى دعت أبا بكر إلى غصب فدك، وطرد وكيل فاطمة عليها السلام عنها، وجعل وكيله عليها.
ردّ فعل الزهراء عليها السلام:
عندما بلغ الخبر فاطمة عليها السلام أنّ عمالها طردوا من فدك، حزنت وأصبحت في مواجهة مشكلة جديدة، لأنّ الخلفيات والبواعث الكامنة وراء تحركات الجهاز الحاكم واضحة لدى علي وفاطمة ـ عليهما السلام ـ، فكان أمامها عليها السلام طريقان:

الأول: اختيار السكوت وغض النظر عن حقّها المشروع، باعتبارها عازفة عن المال والدنيا وزخرفها، وما فدك وغير فدك؟ فليغصبوها.
بل وأكثر من ذلك، ترفع مذكرة إلى خليفة الإسلام المقتدر تقول فيها: أنت ولينا، وهذه فدك نقدمها ـ بتواضع ـ بين يديك، مع الشكر والثناء.
ولكن ليس بوسعها عليها السلام اختيار هذا الطريق، لأنّها تعلم بما يجري خلف الكواليس، فالغرض الأساسي هو قطع الشريان الاقتصادي للخليفة الحقيقي (علي بن أبي طالب) ليحدد نفوذه ويؤمن جانبه من أيّ حركة تستهدف الحكم، وأخيراً: غصب فدك يعني أن توصد باب علي إلى الأبد.
الطريق الثاني: أن تدافع عن حقّها ـ بما لها من قوّة ـ وتغتنم الفرصة، فهذا خير مستمسك وأهمّ وثيقة تدين بها حكومة الشورى وتفضحها أمام الملأ، وتنشر الوعي في صفوف الجماهير المظللة.
ففكرت فاطمة عليها السلام أنّها إذا ما رزحت تحت الظلم وتخاذلت أمام الجور وسكتت عن حقّها، ستقوى شوكة الخليفة، ويعتاد على الظلم والجور وسحق حقوق الآخرين.

فكرت .. أنّها لو سكتت عن الحقّ، ولم تدافع عنه، لتوهّم الناس أنّ السكوت عن الحقّ والاستسلام للظلم والجور حَسَنّ.

فكرت .. أنّها لو تخاذلت عن حقّها المشروع وغضت الطرف عنه ـ وهي بنت رسول الله صلّى الله عليه وآله ـ لصار سنّة، وتوهّم المسلمون أنّ المرأة محرومة من الحقوق الاجتماعية، وليس لها الدفاع عن حقوقها.
فكرت .. أنّها لو تثاقلت عن إحقاق حقّها وأظهرت العجز ـ وهي ربيبة بيت النبوة والولاية ومثال المرأة في الإسلام وقدوة العاملين ـ لتزلزلت مكانة المرأة في الإسلام، وبقي مقامها مجهولاً، وتغبشت رؤية المسلمين للمرأة، وظنوا بها عيّاً وعورة وعضواً مشلولاً لا ينفع ولا قيمة له في المجتمع.
نعم .. هذه الأفكار الرفيعة المتألقة ونظائرها منعت الزهراء عليها السلام عن انتخاب الطريق الأول، وسلكت طريق المقاومة والوقوف ـ بكلّ الإمكانات ـ بوجه الظلم لاسترداد الحقّ السليب.
ومن الطبيعي أنّ مواجهة من هذا القبيل لا تكون سهلة يسيرة، فمواجهة حكم أبي بكر كانت غاية في الخطورة، خصوصاً لفاطمة عليها السلام وقد ثقل المرض عليها وأسقط جنينها وكسر ضلعها واسود متنها من الضرب قبل أيّام في حوادث أخذ البيعة من علي عليه السلام. فالمفروض أن يداخلها الرعب والخوف من جهاز الحكم إلى الأبد.
ولكن هيهات، هيهات، ففاطمة ورثت التضحية والشجاعة والصبر والاستقامة من أمها خديجة وأبيها محمد صلّى الله عليه وآله.
وعاشت في بيت بطل الإسلام وسيف الله وأشجع المقاتلين، رجل القوة والتضحية والفداء، وغسلت ـ مئات المرات ـ ثياب زوجها من دماء الكفار والمشركين، وضمدت جراحات بدنه عليه السلام. ومثل هذه لا ترعبها الحوادث الجزئية الطارئة، ولا يخيفها جهاز أبي بكر الحاكم.
فتقدمت ببسالة للمواجهة في مراحل: ـ
احتجاج:
لمّا بويع أبو بكر واستقام له الأمر بعث إلى فدك من أخرج وكيل فاطمة بنت رسول الله صلّى الله عليه وآله منها، فجاءت فاطمة عليها السلام إلى أبي بكر ثمّ قالت: لم تمنعني من ميراثي من أبي رسول الله صلّى الله عليه وآله؟ وأخرجت وكيلي من فدك وقد جعلها لي رسول الله صلّى الله عليه وآله بأمر من الله تعالى؟
فقال: إن شاء الله إنّك لا تقولين إلاّ حقاً ولكن هاتي على ذلك بشهود.
فجاءت بأمّ أيمن، فقالت له أمّ أيمن: لا أشهد ـ يا أبا بكر ـ حتى أحتج عليك بما قال رسول الله صلّى الله عليه وآله، أنشدك بالله ألست تعلم أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله قال: «أمّ أيمن إمرأة من أهل الجنّة»؟
فقال: بلى.
قالت: «فأشهد أنّ الله عزّ وجلّ أوصى إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله: (وآت ذا القربى حقّه) فجعل فدكاً لها طعمة بأمر الله.
فجاء علي عليه السلام فشهد بمثل ذلك.
فكتب لها كتاباً ودفعه إليها.
فدخل عمر فقال: ما هذا الكتاب؟ فقال: إنّ فاطمة عليها السلام ادعت في فدك وشهدت لها أم أيمن وعلي عليه السلام، فكتبته لها، فأخذ عمر الكتاب من فاطمة فتفل فيه ومزّقه، فخرجت فاطمة عليها السلام تبكي.

فلمّا كان بعد ذلك جاء علي عليه السلام إلى أبي بكر وهو في المسجد فقال: يا أبا بكر، لم منعت فاطمة ميراثها من رسول الله صلّى الله عليه وآله؟ وقد ملكته في حياة رسول الله صلّى الله عليه وآله؟
فقال أبو بكر: هذا فيء المسلمين، فإن أقامت شهوداً أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله جعله لها، وإلاّ فلا حق لها فيه.
فقال أمير المؤمنين عليه السلام: يا أبا بكر، تحكم فينا بخلاف حكم الله في المسلمين.
قال: لا.
قال: فإن كان في يد المسلمين شيء يملكونه، ثمّ ادعيت أنا فيه من تسأل البينة؟
قال: إيّاك أسأل البيّنة.
قال: فما بال فاطمة سألتها البينّة على ما في يدها؟ وقد ملكته في حياة رسول الله صلّى الله عليه وآله وبعده، ولم تسأل المسلمين بيّنة على ما ادعوا شهوداً، كما سألتني على ما ادعيت عليهم؟
فسكت أبو بكر.
فقال عمر: يا علي، دعنا من كلامك، فإنّا لا نقوى على حجّتك، فإن أتيت بشهود عدول، وإلاّ فهو فيء للمسلمين لا حقّ لك ولا لفاطمة فيه(30).

والإنصاف في هذه المحاكمة أنّ الحق مع فاطمة عليها السلام، لأنّها صاحبة اليد في فدك، لذا قال علي عليه السلام في نهج البلاغة: «بلى كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلّته السماء فشحت عليها نفوس قوم وسخت عنها نفوس قوم آخرين، ونعم الحكم الله»(31).
وعلى أبي بكر ـ الطرف الآخر للدعوى أي المدعي ـ إقامة البيّنة، ولكن أبا بكر ركل هذا الحكم البديهي بقدميه ولم يقض به.
مع هذا خرجت الزهراء عليها السلام ظافرة منتصرة من هذه المرحلة، بمنطقها السليم واحتجاجها القويم وأدلّتها المحكمة، التي اضطرت أبا بكر للاعتراف بحقها وكتب صحيفة لها بذلك، إلاّ أنّ عمر دخل الميدان بمنطق القوّة فأخذ الكتاب ومزّقهُ واختلق قصة نقصان البيّنة.

احتجاج آخر:
عن ابي جعفر عليه السلام قال: قال علي لفاطمة عليها السلام: انطلقي فاطلبي ميراثك من أبيك رسول الله صلّى الله عليه وآله. فجاءت إلى بكر فقالت: اعطني ميراثي من أبي رسول الله صلّى الله عليه وآله.
فقال: النبي صلّى الله عليه وآله لا يورث.
فقالت: ألم يرث سليمان داود(32).؟
فغضب وقال: النبيّ لا يورث.
فقالت عليها السلام: ألم يقل زكريا (فهب لي من لدنك ولياً يرثني ويرث من آل يعقوب)(33).؟
فقال: النبي صلّى الله عليه وآله لا يورث.
فقالت عليها السلام: ألم يقل: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظّ الانثيين)(34).
فلم يجد أبو بكر جواباً لمنطق الزهراء عليها السلام وحجّتها فقال: النبيّ لا يورث.
ولكي يبرّر عمله غير المشروع هذا أسند حديثاً للنبيّ صلّى الله عليه وآله أنّه قال: نحن معاشر الأنبياء لا نورث.
وشهدت عليه حفصة وعائشة.
ولكن الزهراء عليها السلام أفحمت أبا بكر.
ولاحظنا مما مرّ أنّ الزهراء انتصرت، وبرهنت له أنّ الحديث الذي وضعه على الرسول صلّى الله عليه وآله يخالف نصّ القرآن، وما خالف نصّ القرآن يضرب به عرض الحائط ولا يعتنى به، فأدانته وأحرجته، فلم يحر جواباً سوى ترديد كلامه السابق: إنّ النبيّ لا يورث(35).
والجدير بالذكر أنّ عائشة نفسها التي أيّدت كلام أبيها وشهدت بصحة الحديث المجعول على رسول الله صلّى الله عليه وآله وطالبت عثمان ـ لمّا وليّ الأمر ـ بميراثها من رسول الله، فقال: أليس جئتِ فشهدت أنت أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله قال: لا نورث. فأبطلت حق فاطمة وجئت تطلبينه! لا أفعل(36).
استيضاح الخليفة:
انتصرت الزهراء عليها السلام في حوارها مع أبي بكر، وأثبتت حقّها مستدّلة بالآيات القرآنية، وجعلت الخصم عاجزاً عن ردّ منطقها الفيّاض.
فواعجباً .. تغصب الخلافة من بعلي؟! ما لهم لا يذعنون لآيات الله؟ . ويحكمون بخلاف ما أنزل الله؟.
لماذا أعطاني أبو بكر كتاباً ثم مزّقه عمر ..
ربّاه .. أيّ حكومة هذه ..؟ وأيّ قضاء؟
أهؤلاء يدعون حماية الدين والدفاع عن القرآن؟
أنا لا أريد فدك، ولا غير فدك، ولكن هيهات أن أصبر على ظلم هؤلاء الحاكمين..

لا أسكت عن الحق .. ولا بدّ من استجواب الخليفة على رؤوس الأشهاد ليعلم الناس أنّي على الحق المبين، وأنّ الخليفة الذي نصبوه لا ينصاع لأمر الله ولا يعمل بكتابه وسنّة رسوله، وإنّما يطيع هواه.
إذن لابدّ من الإعلان .. فلأذهب إلى المسجد، وألقي في الناس خطاباً.
وسرى الخبر في المدينة .. وشاع في الناس أنّ بقية رسول الله صلّى الله عليه وآله ـ التي تذكّر به ـ وبضعته وريحانته فاطمة تريد أن تخطب في الناس في مسجد رسول الله صلّى الله عليه وآله.
وهزّ الخبر أرجاء المدينة ـ كأعنف انفجار ـ، وتقافزت علامات الاستفهام في الرؤوس .. ماذا ستقول؟ وما هي ردود فعل الخليفة ـ حينئذٍ ـ؟ فاحتشدوا في المسجد ليسمعوا الخطاب التاريخي.
خطبة الزهراء عليها السلام:
لما أجمع (37) أبو بكر وعمر على منع فاطمة عليها السلام فدكاً وبلغها ذلك، لاثت خمارها (38) على رأسها، واشتملت بجلبابها(39).، وأقبلت في لمّة(40). من حفدتها ونساء قومها، تطأ ذيولها(41).، ما تخرم مشيتها مشية رسول الله صلّى الله عليه وآله (42) حتى دخلت على أبي بكر وهو في حشد(43). من المهاجرين والأنصار وغيرهم، فنيطت دونها ملاءة(44).

فجلست، ثم أنّت أنّة أجهش (45) القوم لها بالبكاء، فارتجّ المجلس، ثم أمهلت هنيئة حتى إذا سكن نشيج القوم وهدأت فورتهم، افتتحت الكلام، بحمد الله والثناء عليه، والصلاة على رسوله، فعاد القوم في بكائهم، فلما أمسكوا عادت في كلامها فقالت عليها السلام:
الحمد لله على ما أنعم، وله الشكر على ما ألهم، والثناء بما قدّم من عموم نعم ابتدأها، وسبوغ آلاء أسداها، وتمام منن أولاها، جمّ عن الإحصاء عددها، ونأى عن الجزاء أمدها، وتفاوت عن الإدراك أبدها، وندبهم لاستزادتها بالشكر لاتصالها، واستحمد إلى الخلائق بإجزالها، وثنى بالندب إلى أمثالها.

وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، كلمة جعل الإخلاص تأويلها، وضمن القلوب موصولها، وأنار في التفكير معقولها، الممتنع من الأبصار رؤيته، ومن الألسن صفته، ومن الأوهام كيفيته ابتدع الأشياء لا من شيء كان قبلها، وأنشأها بلا احتذاء أمثلة امتثلها، كوّنها بقدرته، وذرأها بمشيته، من غير حاجة منه إلى تكوينها، ولا فائدة له في تصويرها، إلاّ تثبيتاً لحكمه وتنبيهاً على طاعته، وإظهاراً لقدرته، تعبّداً لبريته وإعزازاً لدعوته، ثمّ جعل الثواب على طاعته ووضع العقاب على معصيته، ذيادة لعباده من نقمته وحياشته (46) لهم إلى جنته.
وأشهد أنّ أبي محمد صلّى الله عليه وآله عبده ورسوله، اختاره قبل أن أرسله، وسمّاه قبل أن اجتباه، واصطفاه قبل أن ابتعثه، إذ الخلائق بالغيب مكنونة، وبستر الأهاويل مصونة، وبنهاية العدم مقرونة، علم من الله تعالى بمآلي الأمور، وأحاط بحوادث الدهور، ومعرفة بمواقع الأمور.
ابتعثه الله إتماماً لأمره، وعزيمة على إمضاء حكمه، وإنفاذاً لمقادير حتمه، فرأى الأمم فرقاً في أديانها، عكفاً على نيرانها، عابدة لأوثانها منكرة لله مع عرفانها، فأنار الله بأبي محمد صلّى الله عليه وآله ظلمهم، وكشف عن القلوب بهمها (47)، وجلى عن الأبصار غممها (48)، وقام في الناس بالهداية، فأنقذهم من الغواية، وبصّرهم من العماية، وهداهم إلى الدين القويم، ودعاهم إلى الطريق المستقيم، ثمّ قبضه الله إليه قبض رأفة واختيار، ورغبة وإيثار.فمحمد صلّى الله عليه وآله من تعب هذه الدار في راحة، قد خصّ بالملائكة الأبرار، ورضوان الربّ الغفار، ومجاورة الملك الجبّار، صلّى الله على أبي نبيّه وأمينه، وخيرته من الخلق وصفيّه، والسلام عليه ورحمة الله وبركاته.
ثم التفت إلى أهل المجلس وقالت: أنتم ـ عباد الله ـ نصب أمره ونهيه ـ، وحمله دينه ووحيه، وأمناء الله على أنفسكم وبلغائه إلى الأمم، زعيم حق له فيكم، وعهد قدّمه إليكم، وبقية استخلفها عليكم، كتاب الله الناطق، والقرآن الصادق، والنور الساطع، والضياء اللامع، بيّنة بصائره، منكشفة سرائره، منجلية ظواهره، مغتبطة به أشياعه، قائداً إلى الرضوان أتباعه، مؤدّ إلى النجاة استماعه، به تنال حجج الله المنوّرة وعزائمه المفسّرة، ومحارمه المحذرّة، وبيّناته الجالية، وبراهينه الكافية. وفضائله المندوبة، ورخصه الموهوبة، وشرائعه المكتوبة.
فجعل الله الإيمان تطهيراً لكم من الشرك، والصلاة تنزيهاً لكم عن الكبر، والزكاة تزكية للنفس ونماء في الرزق، والصيام تثبيتاً للإخلاص، والحج تشييداً للدين، والعدل تنسيقاً للقلوب وطاعتنا نظاماً للملّة. وإمامتنا أماناً للفرقة، والجهاد عزّاً للإسلام، والصبر معونة على إستيجاب الأجر، والأمر بالمعروف مصلحة للعامّة، وبرّ الوالدين وقاية من السخط، وصلة الأرحام منسئةٍ في العمر(49)، ومنماة للعدد، والقصاص حقناً للدماء، والوفاء بالنذر تعريضاً للمغفرة، وتوفية المكاييل والموازين تغييراً للبخس، والنهي عن شرب الخمر تنزيهاً عن الرجس، واجتناب القذف حجاباً عن اللعنة، وترك السرقة إيجاباً للعفّة، وحرّم الله الشرك إخلاصاً له بالربوبية، فاتقوا الله حقّ تقاته، ولا تموتن إلاّ وأنتم مسلمون، وأطيعوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه، فإنّه إنما يخشى الله من عباده العلماء.

ثمّ قالت: أيّها الناس، ، اعلموا أنّي فاطمة وأبي محمد صلّى الله عليه وآله أقول عوداً وبدواً، ولا أقول ما أقول غلطاً، ولا أفعل ما أفعل شططاً (50)، لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم (51) حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم، فإن تعزوه (52) وتعرفوه تجدوه أبي من دون نسائكم، وأخا ابن عمي دون رجالكم، ولنعم المعزّى إليه صلّى الله عليه وآله، فبلغ الرسالة صادعاً بالنذارة(53). مائلاً عن مدرجة المشركين (54)، ضارباً ثبجهم (55)، آخذاً بأكظامهم (56) داعياً إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة يجفّ الأصنام (57) وينكث الهام، حتى انهزم الجمع وولّوا الدبر، حتى تفرى الليل عن صبحه (58)، وأسفر الحق عن محضه ونطق زعيم الدين، وخرست شقاشق الشياطين (59)، وطاح وشيظ النفاق (60)، وانحلت عقد الكفر والشقاق، وفهتم بكلمة الإخلاص(61)، في نفر من البيض الخماص(62).
وكنتم على شفا حفرة من النار، مذقة الشارب(63)، ونهزة الطامع(64)، وقبسة العجلان، موطيء الأقدام(65)، تشربون الطرق(66)، وتقتاتون القدّ(67)، أذلّة خاسئين، تخافون أن يتخطفكم الناس من حولكم، فأنقذكم الله تبارك وتعالى بمحمد صلّى الله عليه وآله بعد اللتيا والتي.وبعد أن مني ببهم(68) الرجال، وذؤبان العرب، ومردة أهل الكتاب، كلّما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله، أو نجم قرن الشيطان(69)، أو فغرت فاغرة من المشركين(70) قذف أخاه في لهواتها(71)، فلا ينكفيء حتى يطأ جناحها بأخمصه(72)، ويخمد لهبها بسيفه، مكدوداً في ذات الله، مجتهداً في أمر الله، قريباً من رسول الله، سيّداً في أولياء الله، مشمراً ناصحاً مجداً كادحاً، لا تأخذه في الله لومة لائم.
وأنتم في رفاهية من العيش، وادعون(73) فاكهون(74) آمنون، تتربّصون بنا الدوائر(75)، وتتوكفون الأخبار(76)، وتنكصون عند النزال، وتفرّون من القتال.
فلمّا اختار الله لنبيه دار أنبيائه، ومأوى أصفيائه، ظهر فيكم حسكة النفاق (77)، وسمل جلباب الدين (78)، ونطق كاظم الغاوين (79)، ونبغ خامل الأقلّين (80)، وهدر فنيق المبطلين (81)، فخطر في عرصاتكم (82)، وأطلع الشيطان رأسه من مغرزه هاتفاً بكم (83)، فألفاكم لدعوته مستجيبين، وللعزّة فيه ملاحظين، ثمّ استنهضكم فوجدكم خفافاً، وأحمشكم فألفاكم غضاباً (84)، فوسمتم غير إبلكم (85)، ووردتم غير مشربكم(86).هذا والعهد قريب، والكلم رحيب (87)، والجرح لما يندمل(88)، والرسول لما يقبر، ابتداراً زعمتم خوف الفتنة، ألا في الفتنة سقطوا وإنّ جهنم لمحيطة بالكفارين.
فهيهات منكم، وكيف بكم، وأنّى تؤفكون؟! وكتاب الله بين أظهركم، أموره ظاهرة، وأحكامه زاهرة، وأعلامه باهرة، وزواجره لائحة، وأوامره واضحة، وقد خلّفتموه وراء ظهوركم، أرغبة عنه تريدون، أم بغيره تحكمون؟! بئس للظالمين بدلاً، ومن يتبع غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين.
ثمّ لم تلبثوا إلا ريث أن تسكن نفرتها (89)، ويسلس قيادها (90)، ثمّ أخذتم تورون وقدتها (91)، وتهيجون جمرتها، وتستجيبون لهتاف الشيطان الغوي، وإطفاء أنوار الدين الجلّي، وإهمال سنن النبيّ صلّى الله عليه وآله الصفي، تشربون حسواً في ارتغاء (92)، وتمشون لأهله وولده في الخمرة والضراء (93)، ويصير منكم على مثل حزّ المدى (94)، ووخز السنان في الحشى.
وأنتم الآن تزعمون أن لا إرث لنا، أفحكم الجاهلية تبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون، أفلا تعلمون؟! بلى: قد تجلى لكم كالشمس الضاحية أنّي ابنته.
أيّها المسلمون: أأغلب على إرثي! يا ابن أبي قحافة، أفي كتاب الله ترث أباك ولا أرث أبي، لقد جئت شيئاً فريّاً، أفعلى عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم، إذ يقول: (وورث سليمان داوود)(95).
وقال في ما اقتص من خبر يحيى بن زكريا إذ قال: (فهب لي من لدنك ولياً يرثني ويرث من آل يعقوب)(96).
وقال: (وأولي الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله)(97).
وقال: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظّ الانثيين)(98).
وقال: (إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقاً على المتقين)(99).

وزعمتم أن لا حظوة لي (100) ولا إرث من أبي ولا رحم بيننا، أفخصّكم الله بآيه أخرج أبي منها؟! أم هل تقولون: إنّا أهل ملّتين لا يتوارثنان! أَوَ لست أنا وأبي من أهل ملّة واحدة؟ أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمي.
فدونكها مخطومة مرحولة (101)، تلقاك يوم حشرك، فنعم الحكم الله، والزعيم محمد، والموعد القيامة، وعند الساعة يخسر المبطلون.
ولا ينفعكم إذ تندمون، ولكلّ نبأ مستقر، وسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحلّ عليه عذاب مقيم.
ثم رمت بطرفها نحو الأنصار فقالت: يا معشر النقيبة (102)، وأعضاد الملّة، وحضنة الإسلام، ما هذه الغميزة (103) في حقي، والسِّنَةُ (104) عن ظلامتي؟ أما كان رسول الله صلّى الله عليه وآله أبي يقول: «المرء يحفظ في ولده»؟ سرعان ما أحدثتم، وعجلان ذا إهالة (105)، ولكم طاقة بما أحاول، وقوّة على ما أطلب وأزاول، أتقولون مات محمد صلّى الله عليه وآله؟ فخطب جليل، استوسع وهنه (106)، واستنهز فتقه، (107) وانفتق رقته، وأظلمت الأرض لغيبته، وكسفت الشمس والقمر، وانتثرت النجوم لمصيبته، وأكدت (108) الآمال، وخشعت الجبال، وأضيع الحريم، وأزيلت الحرمة عند مماته، فتلك والله النازلة الكبرى، والمصيبة العظمى، لا مثلها نازلة، ولا بائقة (109) عاجلة، أعلن بها كتاب الله جلّ ثناؤه، في أفنيتكم، وفي ممساكم، ومصبحكم، يهتف في أفنيتكم هتافاً، وصراخاً، وتلاوة، وألحاناً، ولقبله ما حلّ بأنبياء الله ورسله، حكم فصل وقضاء حتم: (وما محمد إلاّ رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين)(110).إيهاً بني قيلة (111)، أَأُهضم تراث أبي؟ وأنتم بمرأىً منّي ومسمع، ومنتدى (112) ومجمع، تلبسكم الدعوة، وتشملكم الخبرة، وأنتم ذوو العدد والعدّة، والأداة والقوّة، وعندكم السلاح والجنّة (113)، توافيكم الدعوة فلا تجيبون، وتأتيكم الصرخة فلا تغيثون، وأنت موصوفون بالكفاح، معروفون بالخير والصلاح، والنخبة التي انتخبت، والخيرة التي اختيرت لنا أهل البيت.
قاتلتم العرب، وتحمّلتم الكدّ والتعب، وناطحتم الأمم، وكافحتم البهم، لا نبرح (114) أو تبرحون نأمركم فتأتمرون، حتى إذا دار بنا رحى الإسلام، ودرّ حلب الأيّام، وخضعت ثغرة الشرك، وسكنت فورة الإفك، وخمدت نيران الكفر، وهدأت دعوة الهرج، واستوسق (115) نظام الدين، فأنّى حزتم بعد البيان؟ وأسررتم بعد الإعلان؟ ونكصتم بعد الإقدام؟ وأشركتم بعد الإيمان؟ بؤساً لقوم نكثوا إيمانهم من بعد عهدهم وهمّوا بإخراج الرسول، وهم بدؤكم أوّل مرّة، أتخشوهم فالله أحقّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنين.ألا وقد أرى قد أخلدتم إلى الخفض (116)، وأبعدتم من هو أحق بالبسط والقبض، وخلوتم بالدعة (117)، ونجوتم بالضيق من السعة، فمججتم ما وعيتم، ودسغتم الذي تسوغتم (118)، فإن تفكروا أنتم ومن في الأرض جميعاً فإن الله لغنيّ حميد.
ألا وقد قلت هذا على معرفة منّي بالجذلة التي خامرتكم (119)، والغدرة التي استشعرتها قلوبكم، ولكنّها فيضة النفس، ونفثة الغيض، وخور (120) القناة، وبثة الصدر، وتقدمة الحجّة.
فدونكموها فاحتقبوها (121)، دبرة الظهر، نقبة الخفّ (122) باقية العار، موسومة بغضب الجبّار، وشنار الأبد، موصولة بنار الله الموقدة التي تطّلع على الأفئدة، فبعين الله ما تفعلون، وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون، وأنا ابنة نذير لكم بين يدي عذاب شديد فاعملوا إنّا عاملون، وانتظروا إنّا منتظرون(123).

ردّ فعل الخليفة:
أنهت الزهراء عليها السلام خطابها الناري، الذي ألقته بشجاعة أمام الآلاف وبحضور أبي بكر، واستجوبت الخليفة، وفضحت مخططاته بالأدلّة والبراهين الساطعة المحكمة، وذكرت فضائل الخليفة الحقيقي في الإسلام وكمالاته المطلوبة. فتوتر الجوّ وانساق الرأي العام لصالح الزهراء عليها السلام، وجعلت أبا بكر في زاوية حرجة وطريق مسدود، فإن انساق مع الرأي العام وأرجع فدكاً للزهراء عليها السلام فهو أمام محذورين:
الأول: أنّ فاطمة عليها السلام إذا ما انتصرت في هذه الجولة، وصدقها الخليفة في هذه القضية، فإنّها سوف تبدأ جولة جديدة تطالب فيها بالخلافة لزوجها.
يقول ابن أبي الحديد: سألت ابن الفارقي مدرّس المدرسة الغربية ببغداد، وقلت له: أكانت فاطمة صادقة؟
قال: نعم.
قلت: فلم لم يدفع إليها أبو بكر فدكاً وهي عنده صادقة؟
فتبسّم ثمّ قال كلاماً لطيفاً مستحسناً قال: لو أعطاها اليوم فدكاً لمجرد دعواها، لجاءت إليه غداً وادعت لزوجها الخلافة وزحزحته عن مقامه ولم يمكن الاعتذار والموافقة، لأنّه يكون قد أسجل على نفسه أنّها صادقة، فيما تدعي كائناً ما كان، من غير حاجة إلى بيّنة وشهود(124).
الثاني: أنّ تصديقه لفاطمة يعني اعترافه بخطئه واشتباهه، وبذلك يفتح باب الاعتراض عليه من قبل المسلمين مما يشكل خطراً على جهاز الخلافة الحاكم إبان حكمه.
ولكن أبا بكر لم يوليِّ هارباً من الميدان بهذه السرعة، فقد حسب لهذه الأحداث حساباً، وفكر من قبل وقدّر، وهو يعلم أنّه لا يقوى على حجة الزهراء عليها السلام. ولا يستيطيع مقابلتها بخشونة وقوة ما دام الرأي العام لصالحها. ويجب عليه أن يجيب على الأسئلة التي وجهتها له ليستميل الرأي العام، ويخدّر الضمائر ويمتصّ النقمة. فالأفضل له أن يستفيد من نفس السلاح الذي استخدمه سابقاً في تضليل الناس، والتظاهر بالدفاع عن حمى الدين وأحكامه وسنّة الرسول صلّى الله عليه وآله ويقول: إنّه يعمل بما أنزله الله وهو بريء مما يرمى به. وبتقمص لباس الدين يمكن أن يخدع الجمهور، ويلبس الحق بالباطل، ويدحض كلّ دعوى حتى لو كانت هي الدين نفسه.
جواب الخليفة:
لجأ أبو بكر إلى أسلوب التضليل والاستغفال فقال:
يا بنت رسول الله، لقد كان أبوك بالمؤمنين عطوفاً كريماً، رؤوفاً رحيماً، وعلى الكافرين عذاباً أليماً، وعقاباً عظيماً، إن عزوناه وجدناه أباك دون النساء، وأخا إلفك (125) دون الأخلاء، آثره على كل حميم، وساعده في كل أمر جسيم، لا يحبكم إلا سيعد، ولا يبغضكم إلا شقي بعيد، فأنتم عترة رسول الله الطيبون، الخيرة المنتجبون، على الخير أدلتنا، وإلى الجنة مسالكنا، وأنت يا خيرة النساء، وابنة خير الأنبياء، صادقة في قولك، سابقة في وفور عقلك، غير مردودة عن حقك، ولا مصدودة عن صدقك، والله ما عدوت رأي رسول الله، ولا عملت إلا بإذنه، والرائد لا يكذب أهله، وإني أشهد الله وكفى به شهيداً، أني سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله يقول: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث ذهباً ولا فضة ولا داراً ولا عقاراً وإنما نورث الكتاب والحكمة والعلم والنبوة، وما كان لنا من طعمة فلولي الأمر بعدنا أن يحكم فيه بحكمه» وقد جعلنا ما حاولته في الكراع والسلاح يقاتل بها المسلمون ويجاهدون الكفار، ويجالدون المردة الفجار، وذلك بإجماع من المسلمين، لم أنفرد به وحدي، ولم أستبد بما كان الرأي عندي وهذه حالي ومالي، هي لك وبين يديك لا تزوى عنك ولا ندخر دونك، وإنك وأنت سيدة أمة أبيك، والشجرة الطيبة لبنيك، لا ندفع مالك من فضلك، ولا يوضع في فرعك وأصلك، حكمك نافذ فيما ملكت يداي، فهل ترين أن أخالف في ذلك أباك صلّى الله عليه وآله(126).
جواب فاطمة عليها السلام:
فقالت عليها السلام: سبحان الله، ما كان أبي رسول الله صلّى الله عليه وآله عن كتاب الله صادفاً (127)، ولا لأحكامه مخالفاً! بل كان يتبع أثره ويقفو سوره، أفتجتمعون على الغدر اعتلالاً عليه بالزور، وهذا بعد وفاته شبيه بما بغي له من الغوائل (128) في حياته، وهذا كتاب الله حكماً عدلاً، وناطقاً فصلاً؛ يقول: (يرثني ويرث من آل يعقوب) ويقول: (وورث سليمان داود) وبيّن عزّ وجلّ فيما وزع من الأقساط، وشرع من الغرائض والميراث، وأباح من حظّ الذكران والإناث، ما أزاح به علّة المبطلين، وأزال التظنّي والشبهات في الغابرين، كلاّ بل سوّلت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون.

فقال أبو بكر: صدق الله ورسوله، وصدقت ابنته، معدن الحكمة وموطن الهدى والرحمة، وركن الدين وعين الحجة، لا أبعد صوابك، ولا أنكر خطابك، هؤلاء المسلمون بيني وبينك قلّدوني ما تقلّدت، وباتّفاق منهم أخذت، غير مكابر ولا مستبدٍ ولا مستأثر، وهم بذلك شهود(129).
وهكذا استطاع أبو بكر إخماد العواطف، وحرف الرأي العام ونحوه، من خلال التضليل والتظاهر بالصلاح.

ردّ فعل الخليفة:
اضطرب المجلس، وتفرّق الناس، وارتفعت الضجّة، وأصبحت خطبة الزهراء عليها السلام حديث الساعة، فلجأ أبو بكر إلى التهديد والوعيد.
قالوا: لم ير باك وباكية أكثر من ذلك اليوم، ارتجّت المدينة وهاج الناس وارتفعت الأصوات، فلمّا بلغ ذلك أبا بكر قال لعمر: تربت يداك ما كان عليك لو تركتني، فربّما مات الخرق ورتقت الفتق. ألم يكن ذلك بنا أحقّ.
فقال الرجل: قد كان في ذلك تضعيف سلطانك، وتوهين كافتك، وما أشفقت إلاّ عليك.
قال: ويلك فكيف بابنة محمد، وقد علم الناس ما تدعو إليه، وما نحن من الغدر عليه.
فقال: هل هي إلاّ غمرة انجلت، وساعة انقضت، وكأنّ ما قد كان لم يكن. 
وما مضى ممّا مضى قد انقضىما قد مضى ممّا مضى كما مضى
أقم الصلاة، وآت الزكاة، وأمر بالمعروف، وانه عن المنكر، ووفّر الفيء، وصل القرابة، فإنّ الله يقول: إنّ الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكر للذاكرين. ذنب واحد في حسنات كثيرة. قلّدني ما يكون من ذلك، فضرب بيده على كتف عمر وقال: ربّ كربة فرجتها يا عمر.
ثم نادى الصلاة جامعة، فاجتمع الناس وصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ألا لو شئت أن أقول لقلت، ولو تكلّمت لبحت، وإنّي ساكت ما تركت، يستعينون بالصبية، ويستنهضون النساء، وقد بلغني ـ يا معاشر الأنصار ـ مقالة سفهائكم، فوالله إنّ أحقّ الناس بلزوم عهد رسول الله صلّى الله عليه وآله لأنتم، لقد جاءكم الرسول فآويتم ونصرتم، وأنتم اليوم أحقّ من لزوم عهده، ومع ذلك فاغدوا على أعطياتكم فإنّي لست كاشفاً قناعاً ولا باسطاً ذراعاً ولا لساناً، إلاّ على من استحق ذلك (130)، والسلام.
تأييد أم سلمة:
أطلعت أمّ سلمة رأسها من بابها، وقالت: ألمثل فاطمة يقال هذا، وهي الحوراء بين الإنس والأنس للنفس، ربّيت في حجور الأنبياء وتداولتها أيدي الملائكة، ونمت في المغارس الطاهرات، نشأت خير منشأ، وربيت خير مربا، أتزعمون أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله حرّم عليها ميراثه ولم يعلمها، وقد قال الله له: وأنذر عشيرتك الأقربين، أفأنذرها؟ وجاءت تطلبه، وهي خيرة النسوان، وأمّ سادة الشبان، وعديلة مريم ابنة عمران، وحليلة ليث الأقران، تمت بأبيها رسالات ربّه، فوالله لقد كان يشفق عليها من الحرّ والقرّ، فيوسدها يمينه ويدثرها شماله، رويداً فرسول الله بمرأى لأعينكم، وعلى الله تردون فواهاً لكم وسوف تعلمون.
قال فحرمت أمّ سلمة تلك السنة عطاءها(131).
المقاطعة:
استمرت الزهراء عليها السلام في جهادها واختارت الاعتصام عن الكلام مع أبي بكر هذه المرّة، فأعلنت رسمياً أمام الملأ وقالت: والله لا أكلّمك بكلمة ما حييت (132)، فما كلّمته حتى ماتت.
ولم تكن فاطمة من سواد الناس، بحيث لو قاطعت الخليفة لم تؤثر عليه، ولم يكن الأمر غير ذي بال، ففاطمة عزيزة رسول الله وحبيبته، ولم يخف اهتمامه بها صلّى الله عليه وآله وحبّه لها على أحد، وهي التي قال فيها رسول الله: فاطمة بضعة منّي، من آذاها فقد آذاني(133). وقال: اشتاقت الجنة إلى أربع نساء ومنهن فاطمة بنت محمد(134).
وقال: يا فاطمة، إن الله ليغضب لغضبك ويرضى لرضاك(135).
نعم، قاطعت ابنة الرسول وعزيزته وأقسمت أن لا تكلم أبا بكر ما حييت أمام الملأ.
فانتشر الخبر، رويداً رويداً: إنّ فاطمة بنت رسول الله ساخطة على أبي بكر ولم تكلّمه، وسمع بذلك القاصي والداني من داخل المدينة وخارجها، فتساءل الناس: لماذا أقسمت فاطمة على ذلك؟ لعلّه غصبها حقّها في فدك؟ فاطمة صدّيقة لا تكذب، ولا تغضب إلاّ لله، لأنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله قال فيها: يغضب الله لغضبها.
وهكذا بدأت تعلو أمواج المشاعر، ويزداد الناس نفوراً من الخليفة يوماً بعد يوم، ويحاول جلاوزة النظام أن يعيدوا المياه إلى مجاريها، ويصلحوا الخليفة وفاطمة. فلا يمكنهم تجاوز فاطمة وعدم الاهتمام بمقاطعتها، إلاّ أنّ الزهراء عليها السلام استمرت في جهادها السلبي، وبقيت على الاستقامة والصمود.
فلمّا مرضت استأذن أبو بكر وعمر لعيادتها مراراً، فلم تأذن إلى أنّ ثقلت فسألا عنها، قالا لعلي عليه السلام: قد كان بيننا وبينها ما قد علمت، فإن رأيت أن تأذن لنا لنعتذر إليها من ذنبنا، قال: ذاك إليكما. فقاما فجلسا بالباب.
فدخل علي عليه السلام على فاطمة عليها السلام وقال لها: أيّتها الحرّة، فلان وفلان بالباب، يريدان أن يسلّما عليك، فما تريدين؟
قالت: البيت بيتك، والحرّة زوجتك، افعل ما تشاء!
فقال: شدّي قناعك، فشدّت قناعها وحوّلت وجهها إلى الحائط.
فدخلا وسلّما وقالا: ارضي عنّا رضي الله عنك
فقالت: ما دعا إلى هذا؟
فقالا: اعترفنا بالاساءة، ورجونا أن تعفي عنّا.
فقالت: إن كنتما صادقين، فأخبراني عمّا أسألكما عنه، فإنّي لا أسألكما عن أمر إلاّ وأنا عارفة بأنّكما تعلمانه، فإن صدقتما علمت أنّكما صادقان في مجيئكما.
قالا: سلي عمّا بدا لك.
قالت: نشدتكما بالله، هل سمعتما رسول الله صلّى الله عليه وآله يقول: «فاطمة بضعة مني، فمن آذاها فقد آذاني»؟
قالا: نعم.
فرفعت يدها إلى السماء فقالت: اللّهم إنّهما قد آذياني، فأنا أشكوهما إليك وإلى رسولك، لا والله لا أرضى عنكما أبداً حتى ألقى أبي رسول الله صلّى الله عليه وآله وأخبره بما صنعتما، فيكون هو الحاكم فيكما.
قال: فعند ذلك دعا أبو بكر بالويل والثبور، وجزع جزعاً شديداً.
فقال عمر: تجزع يا خليفة رسول الله صلّى الله عليه وآله من قول إمرأة؟ (136) وقد يقول القارئ: إن أبا بكر أخطأ وأذنب وغصب حقّ الزهراء عليها السلام ولكنه جاء الآن نادماً تائباً، فلماذا لا تقبل الزهراء عليها السلام عذره؟
ولكن لا ينبغي للقاريء أن يغفل عن الموضوع الحقيقي للخلاف بينهم وبين فاطمة، وهو قضيّة الخلافة وليست فدك، والخلافة لا يمكن التغاضي والتنازل عنها، وما فدك إلاّ ذريعة توسلت بها فاطمة للوصول إلى الهدف الأسمى والرئيسي.
هذا بالاضافة إلى أنّ الزهراء عليها السلام تعلم علم اليقين أنّهم ما ندموا على ما فعلوا، وإنّما أرادوا تضليل الناس، ولو كانوا صادقين في توبتهم لسلكوا طريق العقلاء في ذلك، ولأمر عماله على فدك بالخروج منها وإرجاعها إلى فاطمة عليها السلام. ثمّ يأتي ليعتذر ويتوب.
الدفن ليلاً:
كان صمود الزهراء عليها السلام واستقامتها في الدفاع عن الحق، والجهاد في سبيل الهدف المقدّس، مثلاً في القوّة والثبات، وثابرت عليه حتى لحظات عمرها الأخيرة، بل وسّعت ساحة المعركة إلى ما بعد وفاتها، وأجّجت أوارها بما لم يخمد لهيبه إلى يوم القيامة.

وقد يتعجب القاريء الكريم، ويقول كيف يمكن لشخص أن يستمر في جهاده إلى ما بعد موته؟
ولكن فاطمة ربيبة الوحي خططت للمستقبل، فإذا جاءها الموت لا تنتهي مراحل جهادها، ولا يخمد لهيب المعركة مع الظالمين، فأوصت علياً أن لا يعلم ـ إذا ماتت ـ أبا بكر وعمر ولا يصليا عليها، فعمل بوصيتها فدفنها ليلاً، ولم يعلمهما وسوّى حواليها أربعين قبراً كي لا يبيّن قبرها من غيره.
وبهذا وجّهت الزهراء عليها السلام ضربتها القاضية للخصم؛ وبقي قبرها ودفنها السرّي وثيقة دامغة حيّة لمظلوميتها، وطغيان الجهاز الحاكم إلى أبد الآبدين.
ومن الطبيعي جدّاً أن يسأل المسلمون عن قبر ابنة نبيّهم وعزيزته، فإذا ما كان مجهولاً أثار فيهم السؤال مرّة أخرى عن السبب، فيأتي الجواب: إنّها أوصت بذلك ـ أن تدفن سرّاً ويعفى ثراها ـ وحينها ينحلّ اللغز وينكشف الأمر، ويفهم السائل أنّها كانت ساخطة على الجهاز الحاكم حينذاك، وقد دفنت في زمن يسوده الإرهاب والقمع.
ويعود السؤال: كيف تكون فاطمة عليها السلام بنت رسول الله صلّى الله عليه وآله وريحانته، العالمة، الفاضلة، الكاملة، ساخطة على الخلافة والخليفة؟!
لا يمكن ذلك، إلاّ أن تكون الخلافة مزوّرة، والخليفة ظالماً غاصباً غشوماً يعمل خلاف سنّة الله ورسوله صلّى الله عليه وآله.
النتيجة:
لم يستسلم أبو بكر لفاطمة عليها السلام، وقاوم جهادها المستمرّ، وأصرّ على عناده، ولم يرجع إليها فدكاً.

وكذلك فاطمة عليها السلام لم تهن ولم تنكل، فاستطاعت رفع القناع عن الجهاز الحاكم وكشف ظلمه وجوره، وإثبات حقّها ومظلوميتها، وعرف العالم كلّه ذلك، فبقيت فدك شجى في حلوق الظالمين، والبركان الذي يهدّدهم بالانفجار في كلّ حين، والركن المهزوز بعنف في حكمهم، والثغرة المفتوحة في أسوار جهازهم الحاكم، وأكبر وسيلة إعلامية ضدّهم؛ فكانوا إذا أرادوا كسب رضا العلويين أعادوها إليهم، وإذا ما نقموا منهم سلبوها منهم.
فلمّا ولّي الأمر معاوية أقطع مروان بن الحكم ثلثها، وأقطع عمر بن عثمان بن عفان ثلثها، وأقطع يزيد بن معاوية ثلثها، فلم يزالوا يتداولونها حتى خلصت كلها لمروان بن الحكم أيّام خلافته، فوهبها لعبد العزيز ابنه، فوهبها عبد العزيز لابنه عمر بن عبد العزيز، فلّما ولّي عمر بن عبد العزيز الخلافة ردّها إلى الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وقيل: بل ردها إلى علي بن الحسين عليه السلام.
وكانت بيد أولاد فاطمة عليها السلام مدّة ولاية عمر بن عبد العزيز.
فلمّا ولّي يزيد بن عاتكة قبضها منهم، فصارت في أيدي بني مروان كما كانت يتداولونها حتى انتقلت الخلافة عنهم.
فلّما ولّي أبو العباس السفاح ردّها على عبد الله بن الحسن بن الحسن.
ثم قبضها أبو جعفر لما غضب على ولد الحسن.
ثم ردّها المهدي ـ ابنه ـ على ولد فاطمة عليها السلام.
ثمّ قبضها موسى بن المهدي وهارون أخوه، فلم تزل في أيديهم.
حتى ولّي المأمون فردّها على الفاطميين، ففي ذات يوم جلس المأمون للمظالم فأوّل رقعة وقعت في يده نظر فيها وبكى وقال للذي على رأسه: ناد أين وكيل فاطمة، فقام شيخ فتقدّم فجعل يناظره في فدك والمأمون يحتج، وهو يحتج على المأمون، ثمّ أمر أن يسجل لهم بها، فكتب السجل وقرىء فأنفذه.
فلم تزل في أيديهم حتى كان في أيّام المتوكل فأقطعها عبد الله بن عمر البازيار، وكان فيها إحدى عشر نخلة غرسها رسول الله بيده، فكان بنو فاطمة يأخذون ثمرها فإذا قدم الحجاج أهدوا لهم ذلك التمر، فيصلونهم، فيصير لهم من ذلك مال جزيل جليل، فصرم عبد الله بن عمر البازيار ذلك التمر، ووجّه رجلاً يقال له بشران بن أبي أمية الثقفي إلى المدينة فصرمه ثم عاد إلى البصرة ففلج(137).
وعلى أثر هذه المواقف المشرفة والصراع المقدّس، اضطر عمر بالرغم من سياسته الخشنة أن يردّ بعض صدقات المدينة التي طالبت بها فاطمة(138).

(1) رياحين الشريعة ج ١ ص ٢٣٩..
(2) الكامل في التاريخ ج ٢ ص ٢١٧ البخاري ج ٣ ص ١٢٥٩..
(3) سورة آل عمران آية ١٤٤.
(4) بحار ج ٢٢ ص ٤٧٠، الكامل في التاريخ ج ٢ ص ٢١٩، إرشاد المفيد ص ٨٨ طبقات ابن سعد ج ٢ القسم ٢ ص ٣٩ ـ ٤٠ صحيح مسلم ج ٤ ص ١٠٩٥..
(5) البحار ج ٢٢ ص ٤٩٠..
(6) الإمامة والسياسة ج ١ ص ١٢..
(7) شرح ابن أبي الحديد ج ٢ ص ٥٦ وج ٦ ص ٤٨..
(8) إثبات الوصية ص ١١٠ البحار ج ٤٣ ص ١٩٧ الإمامة والسياسة ج ١ ص ١٢..
(9) البحار ج ٤٣ ص ١٩٧. اتفقت المصادر الشيعية والسنية على أنّ أزلام أبي بكر هجموا على دار الزهراء عليها السلام، ودعا عمر بالحطب ليحرق عليها الدار، فقيل له: إنّ في الدار فاطمة، فقال: وإن.
ذكر ذلك أبو الفداء، وابن أبي الحديد، وابن قتيبة في الإمامة والسياسة، والبلاذي في أنساب الأشراف واليعقوبي، وغيرهم.
وقد أظهر أبو بكر نفسه ندمه ـ حين الوفاة ـ من هذا الهجوم.
قال ابن أبي الحديد في ج ١٤ ص ١٩٢: إنّ زينب بنت رسول الله صلّى الله عليه وآله تجهّزت للحوق بأبيها، وخرجت على بعير وهي في الهودج، فخرج في طلبها هبّار بن الأسود فرّوعها بالرمح ـ وهي في الهودج ـ وكانت حاملاً، فلمّا رجعت طرحت ما في بطنها، فلذلك أباح رسول الله صلّى الله عليه وآله يوم فتح مكة دم هبّار بن الأسود.
قلت ـ والكلام لابن أبي الحديد ـ: وهذا الخبر أيضاً قرأته على النقيب أبي جعفر ـ فقال: إذا كان رسول الله صلّى الله عليه وآله أباح دم هبّار بن الأسود لأنّه روّع زينب فألقت ذا بطنها، فظاهر الحال أنّه لو كان حيّاً لأباح دم من روّع فاطمة حتّى ألقت ذا بطنها.
ولكنّ المصادر السنية سكتت عمّا وقع بعد تهديد فاطمة عليها السلام، إلاّ أنّ المصادر الشيعية والروايات ذكرت أنّهم أحرقوا الباب، وضربوا بنت رسول الله صلّى الله عليه وآله وأسقطوا جنينها.
(10) البحار ج ٤٣ ص ١٩٧..
(11) البحار ج ٤٣ ص ١٩٨..
(12) البحار ج ٤٣ ص ١٩٨..
(13) البحار ج ٤٣ ص ٤٧، روضة الكافي ص ١٩٩..
(14) بحثنا مشكلة فدك ومنازعة الزهراء عليها السلام بشكل مفصّل في آخر الكتاب..
(15) شرح ابن أبي الحديد ج ١٦ ص ٢١٠..
(16) سورة الاسراء آية ٢٦..
(17) كشف الغمة ج ٢ ص ١٥٢ والدر المنثور لجلال الدين السيوطي ج ٤ ص ١٧٧..
(18) كشف الغمة ج ٢ ص ١٥٢ والدر المنثور لجلال الدين السيوطي ج ٤ ص ١٧٧..
(19) سفينة البحار ج ٢ ص ٣٥١..
(20) شرح ابن أبي الحديد ج ١٦ ص ٢١٤..
(21) شرح ابن أبي الحديد ج ١٦ ص ٢١٦..
(22) تفسير نور الثقلين ج ٤ ص ٢٧٤..
(23) تذكرة الخواص ص ٣٠٣ ـ مجمع الزوائد ج ٩ ص ٢٢٤..
(24) صحيح مسلم ج ٤ ص ١٨٨٨..
(25) البحار ج ١٦ ص ٣..
(26) كشف الغمة ج ٢ ص ٨٥..
(27) مجمع الزوائد ج ٩ ص ٢١١..
(28) الإرشاد للمفيد ص ١٠١ ط منشورات بصيرتي ـ قم..
(29) ناسخ التواريخ جزء الزهراء ص ١٢٢..
(30) الإحتجاج للطبرسي ج ١ ص ١٢١ ط النجف سنة ١٣٨٦ هـ ـ وكشف الغمة ج ٢ ص ١٠٤ وشرح ابن أبي الحديد ج ١٦ ص ٢٧٤..
(31) نهج البلاغة ج ٣ كتاب ٤٥..
(32) سورة النمل آية ١٦..
(33) سورة مريم آية ٦..
(34) سورة النساء آية ١١..
(35) كشف الغمة ج ٢ ص ١٠٤..
(36) كشف الغمة ج ٢ ص ١٠٥..
(37) أجمع: احكم النية والعزيمة..
(38) اللوث الطي والجمع، ولاث العمامة شدها وربطها، ولاثت خمارها لفته، والخمار ـ بالكسر ـ المقنعة، سميت بذلك لأن الرأس يخمر بها أي يغطى..
(39) الإشتمال بالشيء: جعله شاملاً ومحيطاً لنفسه ـ والجلباب: الرداء والإزار..
(40) في لمّة: أي جماعة..
(41) أي إن أثوابها كانت طويلة تستر قدميها فكانت تطأها عند المشي..
(42) الخرم: الترك، والنقص، والعدول.
(43) الحشد: الجماعة.
(44) نيطت: علقت وناط الشيء: علقه، والملاءة: الازار.
(45) أجهش القوم: تهيئوا.
(46) حاش الأبل: جمعها وساقها..
(47) بهمها: أي مبهمها: وهي المشكلات من الأمور..
(48) الغمم: جمع غمة: وهي المبهم والملتبس..
(49) منسئة في العمر: مؤخره..
(50) الشطط: هو البعد عن الحق ومجاوزة الحد في كل شيء..
(51) عنتم: أنكرتم وجحدتم..
(52) تعزوه: تنسبوه..
(53) صادعاً: الصدع هو الإظهار، النذارة: الإنذار وهو الإعلام على وجه التخويف..
(54) المدرجة: هي المذهب والمسلك..
(55) ثبجهم: الثبج وسط الشيء ومعظمه..
(56) أكظامهم: الكظم: مخرج النفس من الحلق..
(57) يجف الأصنام: وفي بعض النسخ «يكسر الأصنام» وفي بعضها «يجذ» أي يكسر.
(58) تفرى الليل عن صبحه: أي انشق حتى ظهر وجه الصباح.
(59) شقاشق الشيطاين، الشقاشق ـ جمع شقشقة بالكسر ـ وهي شيء كالرئة يخرجها البعير من فيه إذا هاج.
(60) طاح: هلك، والوشيظ: السفلة والرذل من الناس.
(61) كلمة الإخلاص: كلمة التوحيد.
(62) البيض الخماص: المراد بهم أهل البيت عليهم السلام.
(63) مذقة الشارب: شربته.
(64) نهزة الطامع: الفرصة أي محل نهزته.
(65) قبسة العجلان: مثل في الاستعجال، وموطيء الأقدام: مثل مشهور في المغلوبية والمذلة.
(66) الطرق: ماء السماء الذي تبول به الإبل وتبعر.
(67) القد سير يقد من جلد غير مدبوغ.
(68) بهم الرجال: شجعانهم.
(69) نجم: ظهر، وقرن الشيطان أمته وتابعوه.
(70) فغر فاه: أي فتحه، والفاغرة من المشركين الطائفة منهم.
(71) قذف: رمى، واللهوات: جمع لهات: وهي اللحمة في أقصى شفة الفم.
(72) ينكفىء: يرجع، والأخمص: مالا يصيب الأرض من باطن القدم.
(73) وادعون: ساكنون.
(74) فاكهون: ناعمون.
(75) الدوائر: صروف الزمان، أي كنتم تنتظرون نزول البلايا علينا.
(76) تتوقعون أخبار المصائب والفتن النازلة بنا.
(77) حسكة النفاق: عداوته..
(78) وسمل جلباب الدين: سمل: صار خلقاً، والجلباب: الإزار..
(79) الكظوم: السكوت..
(80) الخامل: من خفي ذكره وكان ساقطاً لا نباهة له..
(81) الهدير: ترديد البعير صوته في حنجرته، والفنيق: الفحل المكرم من الإبل الذي لا يركب ولا يهان..
(82) خطر البعير بذنبه: إذا رفعه مرة بعد مرة وضرب به فخذيه..
(83) مغرزه: أي ما يختفي فيه تشبيهاً له بالقنفذ فإنه يطلع رأسه بعد زوال الخوف..
(84) أي حملكم على الغضب فوجدكم مغضبين لغضبه.
(85) الوسم: أثر الكي.
(86) الورود: حضور الماء للشرب.
(87) الكلم: الجرح، الرحب: السعة.
(88) أي لم يصلح بعد.
(89) نفرتها: نفرت الدابة: جزعت وتباعدت..
(90) يسلس: يسهل..
(91) أي لهبها..
(92) الحسو: هو الشرب شيئاً فشيئاً، والارتغاء: هو شرب الرغوة وهي اللبن المشوب بالماء وحسواً في ارتغاء: مثل يضرب لمن يظهر شيئاً ويريد غيره..
(93) الخمر ـ بالفتح ـ ما وارى الشيء من شجر وغيره من شجر وغيره، والضراء الشجر الملتف بالوادي..
(94) الحز: القطع، المدى: السكاكين..
(95) سورة النمل: آية ١٦..
(96) سورة مريم آية ٦.
(97) سورة الأنفال آية ٧٥.
(98) سورة النساء آية ١١.
(99) سورة البقرة آية ١٨٠..
(100) الحظوة: المكانة..
(101) مخطومة: من الخطام ـ بالكسر ـ وهو كل ما يدخل في أنف البعير ليقاد به، والرحل ـ بالفتح ـ: هو للناقة كالسرج للفرس..
(102) النقيبة: الفتية..
(103) الغميزة: ضعفة في العمل..
(104) السنة: بالكسر النوم الخفيف..
(105) اهالة: وسرعان ذا إهالة مثل يضرب لكينونة الشيء قبل وقته..
(106) الوهن: الخرق
(107) واستنهر: اتسع.
(108) أكدت: قل خيرها..
(109) بائقة: داهمة..
(110) سورة آل عمران آية ١٤٤..
(111) بنو قيلة: قبيلتا الأنصار: الأوس والخزرج..
(112) المنتدى: المجلس..
(113) الجنة: بالضم ـ ما استترت به من السلاح..
(114) لا نبرح: لا نزال..
(115) استوسق: اجتمع.
(116) أخلدتم: ملتم، والخفض: السعة والخصب واللين..
(117) الدعة: الراحة والسكون..
(118) الدسغ: القيء ـ وتسوغ ـ الشراب: شربه بسهولة..
(119) خامرتكم: خالطتكم، الجذلة: ترك النصر..
(120) الخور: الضعف، والقناة: الرمح و المراد من ضعف القناة هنا ضعف النفس عن الصبر على الشدة..
(121) فاحتقبوها: أي احملوها على ظهوركم، ودبر البعير: اصابته الدبرة وهي جراحة تحدث من الرحل..
(122) نقب خف البعير: رقّ وتثقب..
(123) الإحتجاج للطبرسي ج ١ ص ١٣١ ـ ١٤١ ط النجف ـ ١٣٨٦ هـ.
(124) شرح ابن أبي الحديد ج ١٦ ص ٢٨٤..
(125) الإلف: هو الأليف بمعنى المألوف والمراد به هنا الزوج لأنه ألف الزوجة..
(126) الإحتجاج للطبرسي ج ١ ص ١٤١..
(127) صادفاً: معرضاً..
(128) الغوائل: المهالك..
(129) الإحتجاج للطبرسي ج ١ ص ١٤٤..
(130) دلائل الإمامة ص ٣٨..
(131) دلائل الإمامة ص ٣٩..
(132) كشف الغمة ج ٢ ص ١٠٣، شرح ابن أبي الحديد ج ٦ ص ٤٤٦..
(133) صحيح مسلم ج ٤ ص ١٠٣..
(134) كشف الغمة ج ٢ ص ٩٢..
(135) كشف الغمة ج ٢ ص ٨٤..
(136) بحار الانوار ج٤٣ ص١٩٨.
(137) شرح ابن أبي الحديد ج ١٦ ص ٢١٦..
(138) كشف الغمة ج ٢ ص ١٠٠..