الفصل الثالث الزهراء عليها السلام في بيت الزَّوجيَّة

الفصل الثالث

الزهراء عليها السلام في بيت الزَّوجيَّة


انتقلت الزهراء عليها السلام من بيت أبيها إلى بيت زوجها.. ولا تظنَّ أنها دخلت بيتاً غريباً، فقد ودّعت بيت النبوة واستقبلها بيت الولاية والإمامة، حين دخلت بيت علي بن أبي طالب قائد الجند ووزير الرسول صلّى الله عليه وآله ومشاوره الأول.
وقد تحمّلت فتاة الإسلام النموذجية في بيتها الجديد وظائف جسيمة ومسؤوليات عظيمة، إذ كان عليها أن ترسم معالم البيت الإسلامي النموذجي في الإسلام بوضوح، وتعطي الدروس العمليّة لنساء العالم أجمع عن الوفاء والحبّ والانسجام وحسن التبعّل وتربية الأبناء، والقيام بواجبات البيت و الاحتفاظ بدفئه وحرارته وندواته، فكانت القدوة الصالحة، وكانت حقيقة الدين النورانية، والإسلام المتحرك المشع المجسّد في الوسط النسوي والاجتماعي.


إدارة البيت:


بيت علي وفاطمة، هو البيت الوحيد الذي يضمّ بين جدرانه زوجاً وزوجة معصومين ومطهّرين منزّهين عن ارتكاب الذنوب واكتساب المآثم، ويتصفان بالفضيلة الأخلاقية والكمال الإنساني.
فعليّ عليه السلام نموذج الرجل الكامل في الإسلام، وفاطمة نموذج المرأة الكاملة في الإسلام.

علي بن أبي طالب كبر وترعرع منذ نعومة أظفاره على يدي الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله، وكان محور اهتمامه صلّى الله عليه وآله، غذاه العلم والخلق والفضائل والكمالات، والزهراء تربت في أحضان النبيّ الطاهرة أيضاً.
استأنست أُذنهم الواعية منذ الصغر بالقرآن الكريم، وهم يسمعون النبيّ صلّى الله عليه وآله يرتلّه ليلاً ونهاراً وفي كلّ آن، واطلّوا على الغيب وارتشفوا العلوم والمعارف الإسلامية من معينها الأصيل ومنبعها العذب الزلال، ورأوا الإسلام يتحرك في شخصية رسول الله صلّى الله عليه وآله.. فكيف إذن لا تكون أسرتهم النموذج الأمثل للأسرة المسلمة؟!
كان بيت عليّ عليه السلام وفاطمة عليها السلام أروع نموذج في الصفاء والإخلاص والمودّة والرحمة، تعاونا فيه بوئام وخلوص على إدارة شؤون البيت وإنجاز أعماله. وقد تقاضيا في إبان حياتهما الزوجية إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله في الخدمة، فقضى على فاطمة عليها السلام بخدمة ما دون الباب... وقضى على علي عليه السلام بما خلفه... فقالت فاطمة عليها السلام: فلا يعلم ما داخلني من السرور إلا الله، بكفايتي رسول الله صلّى الله عليه وآله تحمّل رقاب الرجال(1) .
نعم فخرّيجة مدرسة الوحي ((فاطمة)) تعلم أنّ البيت معقل المرأة ومن المواقع المهمة في الإسلام، وإذا ما تخلّت عنه وسرحت في البيع والشراء، عجزت عن القيام بوظائف البيت وتربية الأبناء كما ينبغي، فتهلّل وجهها بالبشر وداخلها السرور حينما قضى الرسول صلّى الله عليه وآله على عليّ عليه السلام بأداء الأعمال الصعبة خارج البيت.


ولم تستنكف وحيدة الرسول ـ وهي بنت أعظم رجل في الإسلام والعالم ـ من العمل في البيت ، ولم تتنصل من أداء مهامّ البيت، حتى أنّ علياً عليه السلام رقّ لحالها وامتدح صنعها، وقال لرجل من بني سعد: ألا أحدّثك عنّي وعن فاطمة عليها السلام؟ إنّها كانت عندي وكانت من أحبّ أهله صلّى الله عليه وآله إليه، وإنّها استقت بالقربة حتى أثر في صدرها، وطحنت بالرحى حتى مجلت يداها، وكسحت البيت حتى اغبرّت ثيابها، واوقدت النار تحت القدر حتى دكنت ثيابها، فأصابها من ذلك ضرر شديد. فقلت لها: لو أتيت أباك فسألتيه خادماً يكفيك ضرّ ما أنت فيه من هذا العمل فأتت النبي صلّى الله عليه وآله وسلم فوجدت عنده حدّاثاً، فأستحت فأنصرفت.
قال علي عليه السلام: فعلم النبيّ صلّى الله عليه وآله أنّها جاءت لحاجة. قال: فغدا علينا رسول الله صلّى الله عليه وآله ونحن في لحافنا، فقال: السلام عليكم. فقلت: وعليكم السلام يا رسول الله، ادخل، فلم يعد أن جلس عندنا. فقال: يا فاطمة، ما كانت حاجتك أمس عند محمد؟
قال: فخشيت إن لم تجبه أن يقوم. فقلت: أنا والله أخبرك يا رسول الله صلّى الله عليه وآله إنّها اسقت بالقربة حتى أثرت في صدرها، وجرّت بالرحى حتى مجلت يداها، وكسحت البيت حتى اغبرّت ثيابها، وأوقدت النار تحت القدر حتى دكنت ثيابها، فقلت لها: لو أتيت أباك فسألتيه خادماً يكفيك ضرّ ما أنت فيه من هذا العمل.
قال صلّى الله عليه وآله: أفلا أعلمكما ما هو خير لكما من الخادم؟ إذا أخذتما منامكما فسبّحا ثلاثاً وثلاثين وأحمدا ثلاثاً وثلاثين وكبّرا أربعاً وثلاثين. فذلك مائة باللسان وألف حسنة في الميزان.
فقالت: رضيت عن الله ورسوله صلّى الله عليه وآله (2) .
وفي رواية أخرى، أنّها لمّا ذكرت حالها وسألت جارية، بكى رسول الله صلّى الله عليه وآله فقال: يا فاطمة، والذي بعثني بالحق، إنّ في المسجد أربعمائة رجل ما لهم طعام ولا ثياب، ولولا خشيتي خصلة لأعطيتك ما سألت، يا فاطمة، وإنّي لا أريد أن ينفك عنك أجرك إلى الجارية، وإنّي أخاف أن يخصمك علي بن أبي طالب عليه السلام يوم القيامة بين يدي الله ـ عزّ وجلّ ـ إذا طلب حقه منك، ثمّ علّمها صلاة التسبيح.
فقال أمير المؤمنين عليه السلام: مضيت تريدين من رسول الله صلّى الله عليه وآله الدنيا فأعطانا الله ثواب الآخرة(3).
وفي ذات يوم دخل رسول الله صلّى الله عليه وآله على عليّ عليه السلام فوجده هو وفاطمة عليها السلام يطحنان في الجاروش، فقال النبيّ صلّى الله عليه وآله أيّكما أعيى؟ فقال عليّ عليه السلام: فاطمة، يا رسول الله. فقال لها: قومي يا بنيّة. فقامت، وجلس النبيّ صلّى الله عليه وآله موضعها مع عليّ عليه السلام فواساه في طحن الحبّ(4).
وروي عن جابر الأنصاري أنّه رأى النبيّ صلّى الله عليه وآله فاطمة وعليها كساء من أجلة الإبل، وهي تطحن بيديها وترضع ولدها، فدمعت عينا رسول الله صلّى الله عليه وآله، فقال: يا بنتاه، تعجلي مرارة الدنيا بحلاوة الآخرة، فقالت: يا رسول الله الحمد لله على نعمائه، والشكر لله على آلائه، فأنزل الله (ولسوف يعطيك ربّك فترضى)(5).
وعن أبي عبدالله الصادق عليه السلام قال: كان أمير المؤمنين عليه السلام يحتطب ويستقي ويكنس، وكانت فاطمة عليها السلام تطحن وتعجن وتخبز(6).
وعن أنس أنّ بلالاً أبطأ عن صلاة الصبح، فقال له النبيّ صلّى الله عليه وآله: ما حبسك؟ قال: مررت بفاطمة تطحن والصبيّ يبكي، فقلت لها: إن شئت كفيتك الرحا وكفيتيني الصبيّ، وإن شئت كفيتك الصبيّ وكفيتيني الرحا. فقالت: أنا أرفق بابني منك. فذاك الذي حبسني. قال: فرحمتها، رحمك الله(7).


حسن التبعّل:

عاشت الزهراء عليها السلام في بيت ثاني أعظم شخصية إسلامية، رجل الشجاعة القوي، وقائد الجند، ووزير الرسول صلّى الله عليه وآله ومشاوره الخاص، وهي تعرف مكانته وأهميته، فلولا سيف علي ما قامت للدين قائمة.

عاشت عليها السلام في بيت عليّ عليه السلام في ظروف حسّاسة وغاية في الخطورة، يوم كانت جيوش الإسلام في حالة إنذار دائم، وكانت تشتبك في حروب ضروس في كلّ عام، وقد اشترك الإمام عليّ عليه السلام فيها جميعاً أو في أكثرها.
والزهراء عليها السلام تعرف مسؤولياتها الثقيلة جيّداً، ودورها ونفوذها في التأثير على زوجها. فالمرأة لها نفوذ واسع على زوجها، ويمكنها أن توجّهه إلى، أيّ جهة تشاء. ومن الواضح أنّ سعادة الرجل وتعاسته، ورقيّه وتراجعه، وانشراحه وكآبته، ونجاحه وفشله في الحياة، لها علاقة وثيقة بالمرأة وتعاملها معه في داخل البيت.
والبيت هو الملجأ الذي يلجأ إليه الرجل فرارً من متاعب الحياة ومشاكل الدنيا ومصاعبها، ومصائب المجتمع وآلامه، ليستريح في ظلاله الوارفة، ويستعيد قواه ويتزوّد للقاءٍ جديد مع الحياة خارج البيت، ويتحمّل المهامّ والوظائف الملقاة على عاقته، والمرأة هي المسؤول الأول عن هذا المنتجع والمستراح. لهذا قالوا ـ كما عن الإمام موسى بن جعفر عليه السلام ـ: جهاد المرأة حسن التبعّل(8).
والزهراء عليها السلام تعلم أنّ قائد الجيش الشجاع ـ علي عليه السلام ـ يدخل ساحة الوغى وينتصر على عدوّه إذا ما سكن واطمأن لزوجته، وسعد وفرغ باله في بيته. فكان الإمام ـ وهو سيّد المحاربين والمضحي من أجل الدين ـ يعود إلى البيت بجسد متعب مكدود، فيجد الدفء والحنان والمودّة في زوجته العزيزة، حين تضمد جراحه، وتغسل الدم عن جسده وثيابه، وتسأله عن أخبار الحرب.
الزهراء عليها السلام كانت تقوم بلّ هذه المهامّ، كبل كانت تغسل الدم عن ثياب النبيّ صلّى الله عليه وآله أحياناً.
وروي أنّ النبي صلّى الله عليه وآله وعلي عليه السلام حينما عادا من غزوة أحد دفعا بسيفيهما إلى فاطمة وقالا: اغسلي عنهما الدم(9).


كانت الزهراء عليها السلام تشجع زوجها، وتمتدح شجاعته وتضحيته، وتشد على يده لتعدّه للمعارك المقبلة، وتسكن جراحه وتمتص آلامه، وتسري عنه أتعابه. حتى قال الإمام عليه السلام: ولقد كنت أنظر إليها فتنجلي عني الغموم والأحزان بنظرتي إليها (10) .
ما خرجت فاطمة من بيتها بدون إذن زوجها، وما أسخطته يوماً، لأنّها تعلم أنّ الله لا يقبل عمل امرأة أسخطت زوجها حتى ترضيه (11) .


الزهراء عليها السلام.. لم تغضب زوجها يوماً، ولم تخرج من البيت بدون إذنه. وما كذبت في بيته وما خانته وما عصيت له أمراً حتى قال الإمام عليه السلام: فوالله ما أغضبتها ولا أكربتها من بعد ذلك حتى قبضها الله إليه، ولا أغضبتني ولا عصت لي أمراً(12).
وذكر الإمام عليه السلام ذلك في لحظات عمر الزهراء عليها السلام الأخيرة حين قالت: يا ابن عم، ما عهدتني كاذبة ولا خائنة، ولا خالفتك منذ عاشرتني، فقال: معاذ الله، أنت أعلم بالله وأبرّ وأتقى وأكرم وأشدّ خوفاً منه، والله جدّدت عليّ مصيبة رسول الله صلّى الله عليه وآله وقد عظمت وفاتك وفقدك، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون(13).
من أجل هذا أحرز الإمام عليه السلام كلّ هذا التوفيق و النجاح والانتصار في حياته.
هذه هي الزهراء عليها السلام، وأما عليّ عليه السلام فلا يتصورّ أنّه كان ـ والعياذ بالله ـ من الرجال المغرورين، الذين ينتظر من زوجته كلّ شيء ويعقد عليها آلاف الآمال والتوقعات، ولا يهتّم بمسؤولياته وواجباته، ويتعامل معها معاملة الإماء والرقيق.
أبداً، لم يكن عليّ عليه السلام كأولئك،وإنّما كان وفيّا مخلصاً، يجازي الإحسان بالإحسان، ويعلم أنّه يقتحم الموت في ساحة المعركة، وزوجته تجاهد من ورائه في معقل البيت، وتقوم كلّ مهامّ البيت في غيابه، تطبخ الطعام، وتغسل الثياب، وتربّي الأطفال، وتؤمن احتياجات المنزل، رغم القحط والشحة والعسر في زمن الحرب، وتتألم لما تسمعه من أخبار الحرب الواصلة.
وخلاصة القول: إنّها كان تدير بيتاً لا تقل إدارته عن إدارة دولة كاملة.
والإمام عليّ عليه السلام يعلم أن الجندي المضحي الداخلي يحتاج إلى من يمسح بالحنان قلبه ويشجعه ويرفق به فكان إذا دخل البيت سأل عمّا جرى فيه أثناء غيابه، وعمّا تحمّلته الزهراء عليها السلام من المشقّة والعناء، وينثر محبّته وودّه فيزيل أتعاب الجسد المكدود، ويهدئ القلب المغموم بلطفه، ويواسيها ويعينها على الفقر والعسر والفاقة. ويدفعها بقوة للاستمرار في العمل والحياة. فالمرأة تحتاج الرجل كي يغدق عليها حبّه وحنانه ويشعرها بإخلاصه لها وتشجيعه إيّاها على ما تبذله من جهد وتقوم به من دور، وذلك عين ما يحتاجه الرجل من المرأة.
هكذا عاش هذان الزوجان النموذجيان في الإسلام وأدّيا واجباتهما، وضربا المثل الأعلى للأخلاق الإسلامية السامية.
كيف لا؟ وقد قال النبيّ صلّى الله عليه وآله في ليلة الزفاف لعليّ عليه السلام: يا علي! نعم الزوجة زوجتك وقال لفاطمة: يا فاطمة نعم البعل بعلك (14)

وقال صلّى الله عليه وآله: لولا عليّ لم يكن لفاطمة كفؤ(15).
ورودت فاطمة عليها السلام عن أبيها أنّه قال: خياركم ألينكم مناكبه وأكرمهم لنسائهم(16).
وقال علي عليه السلام صبيحة عرسه، حينما سأله النبيّ صلّى الله عليه وآله كيف وجدت أهلك؟ قال: نِعْمَ العون على طاعة الله(17).


تربية الأطفال:


تربية الأطفال من الوظائف الحسّاسة والمهامّ الثقيلة التي ألقيت على عاتق الزهراء عليها السلام حيث رزقت عليها السلام خمسة أطفال هم: الحسن، والحسين، وزينب، وأم كلثوم، ومحسن ـ الذي أسقط وهو جنين في بطن أمّه ـ وبقي لها ولدان وبنتان، وقد قدّر الله سبحانه أن يكون نسل رسول الله صلّى الله عليه وآله وذريته من فاطمة عليها السلام.
قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: إنّ الله جعل ذرية كلّ نبيّ من صلبه خاصة، وجعل ذريتي من صلبي و من صلب عليّ بن أبي طالب(18).
لهذا تحمّلت فاطمة عليها السلام مسؤولية التربية، وقد تبدو لفظة ((تربية الأطفال)) مختصرة صغيرة ليس فيها كثير عناء، إلاّ أنّ معناها عميق واسع وحسّاس جدّاً، فالتربية ليست مجرد أن يوفر الأب الطعام والشراب واللباس ويسعى للحصول على لقمة العيش، بينما تهيء الأم الطعام وتغسل الملابس، وتراعي نظافة الطفل وما شاكل. وأنّ لا مسؤولية أخرى سوى هذه.
لا أبداً، فالإسلام لا يكتفي بهذا الحدّ، وإنّما يجعل مسؤولية الأبوين أكبر بكثير في تربية الأبناء، حيث إن شخصية الطفل المعصوم ـ في حاضره ومستقبله مرهونة بتربية أبويه ومراقبتهما ومتابعتهما له ـ وكل صغيرة وكبير من حركاتهم وسكناتهم وأفعالهم وسلوكهم ـ كأبوين ـ تؤثّر في روح الطفل الشفّافَة، فهو يقلّد أبويه، ويعكس سلوكهما تماماً كالمرآة.
من هنا أصبحت مسؤولية الأبوين مراقبة أطفالهم بدقّة، والإعداد لمستقبلهم بجدّية، وحماية فطرتهم السلمية من التلوّث ـ لأنّ الله خلقهم على فطرة الإيمان.
والزهراء عليها السلام ربيبة الوحي التي كبرت في أحضان النبوة، تعرف مناهج التربية الإسلامية، ولا تغفل عنها و عن تأثيرها في الطفل، ابتداء من تغذيته من لبن أمّه وقبلتها التي تطبعها على وجهه، إلى سلوكها وأفعالها وأقوالها.
والزهراء عليها السلام تعلم أنّ عليها تربية أئمة تقدّمهم للمجتمع نماذج حية للإسلام، وصوراً متحركةً للقرآن الكريم وحقائقه ومعارفه. ومن الواضح أنّ هذا العمل ليس سهلاً يسيراً.
الزهراء عليها السلام تعلم أن عليها أن تربّي مثل الحسين عليه السلام الذي يضحي بنفسه وبكلّ أهله وأصحابه وأعزّائه في سبيل الله، ومن أجل الدفاع عن الدين، ومقارعة الظلم والظالمين، ليروي بدمه شجرة الإسلام.
وتربّي نساء مثل زينب وأمّ كلثوم، وتعلمهنّ في مدرسة البيت دروس التضحية والفداء والصمود أمام الظالمين، حتى لا يعرن ولا يخضعن للظالم وقوّته، ويقلن الحق، وتعلمهن كيف يعرضن مظلومية الحسين على الأسماع، فيبكي العدوّ والمحبّ في ديوان بني أمية، تعلمهن كيف يقفن تلك المواقف المشرّفة، ويخطبن على الملأ بشجاعة، ويفضحن مخططات الأمويين وجرائمهم، ويحلن دون تحقيق الظالم لأهدافه.
وتربّي عليه السلام مثل الحسن عليه السلام ليعضّ على قلبه في المواقف الحرجة، ويختار السكوت ويصالح معاوية، ويفهم العالم أنّ الإسلام يرجّح الصلح  على الحرب، فيسقط ما في يد معاوية، ويفشل ريحه ويميت مؤامراته، ويكشف تضليله للناس، وتنتهي اللعبة التي أراد معاوية أن تمرّ على المسلمين.
من هذه النماذج الرسالية ـ الخارقة للعادة ـ تتجلى عظمة الزهراء عليها السلام، وقوّتها الروحية الفريدة.
نعم، لم تكن الزهراء عليها السلام من تلك النساء القاصرات الجاهلات ـ والعياذ بالله ـ لتتصور البيت بمحيطه الصغير الضيّق، وإنّما كانت تحسب محيط البيت محيطاً واسعاً شاسعاً مهمّاً، باعتباره مصنعاً لإنتاج الإنسان الرسالي، وجامعة لتعليم دروس الحياة ومعسكراً لتلقّي تمارين التضحية والفداء التي سيطبقها غداً في المجتمع الواسع خارج البيت.
الزهراء عليها السلام لم تشعر بالنقص وعقدة الدناءة. لأنّها امرأة، فالمرأة ـ عندها ـ وجود مقدّس له مكانته العالية ومقامه الشامخ وقد فَوَّضَ الله إليها أصعب مسؤولية وأثقل مهمة في الحياة.

 

مدرسة التربوية


بيت الزهراء عليها السلام مدرسة إسلامية تربوية للطفل المسلم.
مديرتها المرأة الأولى في الإسلام، الصدّيقة فاطمة عليها السلام.
ومعاونها عليّ بن أبي طالب عليه السلام ـ ثاني رجل في الإسلام ـ وبإشراف مباشر من الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله.
ومناهجها تنزيل من ربّ العالمين.
وخريجوها خيرة البشرية وقدوة الإنسانية.
وهنا لابدّ من الاعتراف ـ وللأسف الشديد ـ بأن التاريخ لم يسجّل لنا مفردات المنهج القويم، وذلك لأسباب منها:
أولاً: لأنّ المسلمين في ذلك العصر لم يكونوا بمستوى من الرشد  والوعي تؤهّلهم للاهتمام بالتربية والمناهج التربوية، فلم يراقبوا جزئيات سلوك النبيّ صلّى الله عليه وآله وعليّ عليه السلام وفاطمة، قولاً وفعلاً مع أبنائهم، كي يرووها للأجيال القادمة.
وثانياً: إنّ أكثر البرامج التربوية للطفل تطبق داخل البيت، وفي مثل هذه الحالة يكون الستار مسدولا بوجه الآخرين غالباً.
ولكن يمكن القول إجمالا أنّ مناهج الزهراء عليها السلام في التربية هي نفسها مناهج الإسلام الواردة في القرآن الكريم وأحاديث النبيّ صلّى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام، ومع هذا فإنّ الشذرات القليلة المروية يمكن ـ إلى حدّ ما ـ أن تكشف لنا عن مَنْحاهَمْ التربوي.
وجدير بالذكر، أنّنا الآن لسنا بصدد بيان الأصول والمناهج التربوية بشكل مفصّل، لأنّ المقام لا يسع هذا التفصيل، ولكن نشير باختصار إلى ما ورد من أخبار عمّا كانت الزهراء تفعله ـ كمناهج للتربية ـ مع أبنائها.



الدرس الأول: الحبّ والموّدة:


قد يتخيل البعض أن فترة التربية تبدأ في حياة الطفل حينما يبدأ بالتمييز بين الجيّد والرديء، والحسن والقبيح. ولا ثمرة للتربية قبل هذا الحين، باعتباره لا يدرك شيئاً عن محيطه الخارجي وبيئته.
وهذا الرأي واضح الفساد، لأنّ علماء التربية يؤكدّون أنّ ما يجري من أحداث ووقائع في بيئة الطفل أيّام الطفولة المبكرة، وكذلك طريقة تعامل الأبوين، وكيفية الرضاعة، كلّها تؤثر ـ بشكل وآخر ـ تأثيراً ملحوظاً على الطفل وبناء شخصيته في المستقبل.
وقد ثبت لدى علماء النفس والتربية أنّ الطفل يحتاج أكثر ما يحتاج في فترة الطفولة المبكرة والمتأخرة إلى الشعور بحبّ الآخرين واهتمامهم به، ويلمس حبّ أمّه وأبيه وتعلّقهما به، ولا يهمّه بعدها أن يعيش في قصر مشيّد أو كوخ خاوٍ، ويلبس الشفوف أو الثياب المهللة، ويأكل ما لذّ وطاب أو لا  يأكل، ما دام يستشعر الدفء، والعطف والحنان الذي يُشبع إحساسه الداخلي، ويتدفق فيه ينبوعاً أخلاقياً فاضلاً يمدّه في مستقبل عمره ويقوّم شخصيته.
صدر الأم الرؤوم وحضنها الدافئ، وحبّ الأب الخالص وعطفه الشغيف، يفجران فيه ينابيع الخير، وروح التعاون، وحبّ الآخرين ومساعدتهم.
هذه المودّة تنجيه من الضعف وخوف الوحدة، وتمنحه الأمل في الحياة.
هذه القبلات الصادقة والمحبة العميقة الصافية، تزرع فيه بذور الخير والعادات الطيّبة، وتفتح أمامه آفاق النشاط الاجتماعي والتعاون وخدمة الآخرين، وتهديه نحو السعادة، وتنتشله من الاعتزال والهروب من الواقع.
هذا الحبّ يشعر الطفل بشخصيته واستحقاقه للحبّ والحياة.
وعلى العكس تماماً ينشأ الطفل المحروم من الحبّ والحنان خائفاً في الغالب، خجولاً، ضعيفاً، متشائماً، معتزلاً، خاملاً، كئيباً؛ وقد يشبّ مريضاً هزيلاً لا يقوى على شيء، ويحاول ـ من خلال ردود فعل خطيرة ـ إثبات استغنائه عن المجتمع، فيرتكب الجرائم، كالسرقة والقتل لينتقم من المجتمع الذي حرمه الحبّ والحنان واللمسة الرقيقة، ليفهم الجميع أنّه ليس بحاجة لحبّهم الذي بخلوا عليه به.
فالحبّ والحنان ـ إذن ـ من الحاجات الضرورية في تربية الطفل، وقد طُبّق هذا الدرس بدقة متناهية في بيت الزهراء عليها السلام، والرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله علّمه لابنته عملياً، فقد روي عن جابر أنّه قال: لمّا حملت فاطمة بالحسن فولدت، وقد كان النبيّ صلّى الله عليه وآله أمرهم أن يلفّوه في خرقة بيضاء، فلفّوه في صفراء، فجاء النبيّ صلّى الله عليه وآله فأخذه وقبّله، وأدخل لسانه في فيه، فجعل الحسن عليه السلام يمصّه، ثم قال لهم رسول الله صلّى الله عليه وآله: ألم أتقدم إليكم أن لا تلفّوه في خرقة صفراء، فدعا صلّى الله عليه وآله بخرقة بيضاء فلفّه فيها ورمى بالصفراء.

فلمّا ولد الحسين جاء إليهم النبيّ صلّى الله عليه وآله ففعل به كما فعل بالحسن عليه السلام(19).
وروي أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله كان يصلّي يوماً في فئة والحسين صغير بالقرب منه، فكان النبيّ صلّى الله عليه وآله إذا سجد جاء الحسين فركب ظهره ثم حرّك رجليه، وقال: حل حل، فإذا أراد رسول الله صلّى الله عليه وآله أن يرفع رأسه أخذه فوضعه إلى جانبه، فإذا سجد عاد على ظهره وقال: حل حل، فلم يزل يفعل ذلك حتى فرغ النبيّ صلّى الله عليه وآله من صلاته. فقال يهوديّ: يا محمد! إنّكم لتفعلون بالصبيان شيئاً ما نفعله نحن. فقال النبيّ صلّى الله عليه وآله أمّا لو كنتم تؤمنون بالله ورسوله، لرحمتم الصبيان. قال: فإنّي أؤمن بالله ورسوله. فأسلم لما رأى كرمه صلّى الله عليه وآله مع عظم قدره(20).
وذات يوم كان رسول الله صلّى الله عليه وآله يقبل الحسن والحسين عليهما السلام، فقال الأقرع بن حابس: إنّ لي عشرة، ما قبّلت واحداً منهم قطّ. فغضب رسول الله صلّى الله عليه وآله حتى التمع لونه، وقال للرجل: إن كان الله قد نزع الرحمة من قلبك فما أصنع بك؟! من لا يرحم صغيرنا ولا يعزّز كبيرنا فليس منّا(21).
وروي أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله مّر على بيت فاطمة عليها السلام فسمع الحسين يبكي، فقال: ألم تعلمي أنّ بكاءه يؤذيني(22).
وعن أبي هريرة:خرج رسول الله صلّى الله عليه وآله ومعه الحسن والحسين هذا على عاتقه، وهذا على عاتقه، وهو يلثم هذا مرّة وهذا مرّة حتى انتهى إلينا، فقال له رجل: يا رسول الله صلّى الله عليه وآله إنّك لتحبّهما؟ فقال: من أحبّهما فقد أحبّني، ومن أبغضهما فقد أبغضني(23).
وروي أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم كان يقول لفاطمة عليها السلام: ادعي لي إبنيّ، فيشمّهما ـ كما يشم الوردة العطرة ـ ويضمّهما إليه(24).
وعن أبي هريرة قال: رأيت النبيّ صلّى الله عليه وآله يمصّ لعاب الحسن والحسين كما يمصّ التمرة(25).


الدرس الثاني: تنمية الشخصية:


قال علماء النفس: لابدّ للمربّي من أن ينشئ الطفل على الثقة بالنفس والاحترام وعلوّ الهمة، ويشعره بشخصيته وكينونته، ليبتعد عن الأعمال الشريرة ولا يركع للأيام ولا يخضع للذلّ والهوان. وبالعكس لو احتقره المربّي ولم يحترمه وحطّم شخصيته، فإنّه يشبّ جباناً يعيش الهزيمة في داخله، ولا يشعر بقيمة لنفسه ولا يثق بها ولا يقدم على الأعمال الكبيرة، لأنّه يتخيّل الضعف وعدم القدرة عليها. والأشخاص من هذا القبيل لا يكون لهم دور في الحياة والمجتمع، ولا يتركون بصماتهم على الأيّام، وسرعان ما يركعون للذلّ والهوان، ويستسلمون للمصاعب.
وقد أوصى علماء النفس بجملة وصايا للمربّين نذكر منها اثنتين:
أولاً ـ إحاطة الطفل بالحبّ والحنان وإظهار الاهتمام به. وقد ذكرنا هذه النقطة في الدرس الأول، وقلنا هناك: إنّ الحسن والحسين كانا يرضعان الحبّ والحنان الكافيين من أمّهما، ويلمسانهما من جدّهما وأبيها.
ثانيا ـ لابدّ من تشجيع الطفل على الصفات الحميدة والتأكيد عليها بذكرها أمامه وأمام الآخرين، وتعليمه على القوّة والعصامية في شخصيته.

وقد قال الرسول صلّى الله عليه وآله مراراً: إنّ الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة وأبوهما خير منهما(26).
وقال صلّى الله عليه وآله: الحسن والحسين ريحانتاي من الدنيا(27).
وروي عن أبي بكر قال: سمعت النبيّ صلّى الله عليه وآله على المنبر والحسن إلى جنبه ينظر إلى الناس مرّة وإليه مرّة، وقال: إنّ ابني هذا سيّد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين(28).
وعن جابر قال: دخلت على النبيّ صلّى الله عليه وآله والحسن والحسين عليهما السلام على ظهره وهو يجثو لهما ويقول: نعم الجمل جملكما، ونعم العدلان أنتما(29).
وعن يعلي العامري، أنّه خرج مع رسول الله صلّى الله عليه وآله إلى طعام دعي إليه، فإذا بحسين يلعب مع الصبيان، فاستقبل النبيّ صلّى الله عليه وآله أمام القوم، ثمّ بسط يديه فوثب الصبيّ هنا مرّة وهنا مرّة، وجعل رسول الله صلّى الله عليه وآله يضاحكه حتى أخذه، فجعل إحدى يديه تحت ذقنه والأخرى تحت قفاه ووضع فاه على فيه وقبّله، ثم قال: حسين مني وأنا منه، أحبّ الله من أحبّ حسيناً، حسين سبط من الأسباط(30).
وكان أمير المؤمنين عليه السلام يقول للحسن والحسين عليهما السلام: أنتما إمامان بعقبي، وسيدا شباب أهل الجنة، والمعصومان، حفظكما الله ولعنة الله على من عاداكما(31).
أتت فاطمة بنت رسول الله صلّى الله عليه وآله بابنيها الحسن والحسين عليهما السلام إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله فقالت: يا رسول الله هذان ابناك فورّثهما شيئاً، فقال: أمّا الحسن فإنّ له هيبتي وسؤددي، وأمّا الحسين فإنّ له شجاعتي وجودي(32).
وعن سلمان الفارسي قال: كان الحسين عليه السلام على فخذ رسول الله صلّى الله عليه وآله وهو يقبّله ويقول: أنت سيّد ابن السيد أبو السادة، أنت الإمام ابن الإمام أبو الأئمة، أنت الحجة ابن الحجة أبو الحجج التسعة من صلبك، وتاسعهم قائمهم(33).
نعم هكذا كان الرسول صلّى الله عليه وآله يكبر الطفل ويحترمه، ولا يحتقره أمام الآخرين ليتصاغر وتتهاوى شخصيته، وتبعه على ذلك ـ أيضاً ـ علي عليه السلام وفاطمة عليها السلام، ولهذا كان نتاج تربيتهم سادات البشر وكبرائهم.
روي أنّ رجلاً أذنب في حياة رسول الله صلّى الله عليه وآله فتغيب حتى وجد الحسن والحسين عليهما السلام في طريق خالٍ، فأخذهما، فاحتملهما على عاتقه، وأتى بهما النبيّ صلّى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله، إنّي مستجير بالله وبهما، فضحك رسول الله صلّى الله عليه وآله حتى ردّ يده إلى فمه، ثمّ قال للرجل: اذهب فأنت طليق. وقال للحسن والحسين : قد شفّعتكما فيه أي فتيان(34).
لهذا تربّى الحسين عليه السلام كبير النفس، عظيم الهمّة، فوقف مع صحبه المعدودين بوجه جيش يزيد وحاربهم بقوة واقتدار ولم يستسلم للذلّ والهوان، وإنّما قال: والله لا أعطيكم بيديّ إعطاء الذليل ولا أفرّ فرار العبيد(35).
ومن ثمار هذه التربية زينب عليها السلام ـ جبل الصبر و الصمود ـ التي تحدت يزيد وأذنابه الظالمين، وكشفت دسائس النظام الحاكم السفّاك، بخطبها في الكوفة والشام، ولم تهن ولم تنكل ولم تنهزم أمام الطغاة.



الدرس الثالث: الإيمان والتقوى:


اختلف العلماء في السنّ المناسبة لتلقي المفاهيم والعقائد الدينية:
فمنهم من قال: إنّ الطفل لا يستوعب هذه الأفكار إلاّ بعد اجتياز مرحلة البلوغ والرشد.
ومنهم من قال: إنّ المربّي يمكنه أن يصوغ الأفكار والعقائد الدينية ويصبّها في قوالب سهلة جزلة يستأنس بها الصبيّ ويتقبّلها، ويكلّف ببعض الأعمال الخفيفة السهلة ليشبّ عليها، حتى إذا ما ناهز سنّ البلوغ كان قد تعودّها من قبل وليست غريبة عليه.
والإسلام يأخذ بالاتجاه الثاني، ويأمر أتباعه أن يمرّنوا الأطفال على الصلاة من سنّ السابعة (36)، والرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله لقّن التعاليم الدينية ـ في بيت الزهراء عليها السلام ـ منذ لحظات الطفولة الأولى والرضاعة، عندما ولد الإمام الحسن عليه السلام أذّن في أذنه اليمنى، وأقام في اليسرى، ولمّا ولد الحسين عليه السلام جاء النبي صلّى الله عليه وآله، ففعل به كما فعل بالحسن عليه السلام(37).
وعن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: إنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله كان في الصلاة والى جانبه الحسين بن على فكبر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم فلم يحر الحسين التكبير، ولم يزل رسول الله صلّى الله عليه وآله يكبّر ويعالج الحسين التكبير ولم يحر حتى أكمل سبع تكبيرات، فأحار الحسين التكبير في السابعة(38).
فالرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله كان يولي هذا الإيحاء والتلقين الروحي أهمية كبيرة منذ لحظة الولادة. فأذّن وأقام في إذني الحسن والحسين عليه السلام ليكون ذلك درساً للمربّين.
والزهراء عليها السلام أيضاً كانت تلاعب الحسن عليه السلام وترقّصه وتقول:

اشبه أباك يا حسن ***واخلع عن الحق الرسن
واعبد إلهاً ذا منن***ولا توال، ذا الإحَن(39)
ولو أمعنا النظر في هذين البيتين لوجدناهما يحتويان على نكات أربعة مهمّة لقّنتها الزهراء عليها السلام لابنها:
١ ـ كن كأبيك عبداً لله، شجاعاً.
٢ ـ اعبد الله وحده.
٣ ـ دافع عن الحق.
٤ ـ لا توال ذا الإحن.
وكان النبيّ صلّى الله عليه وآله يهتمّ اهتماماً بالغاً بالتقوى المالية، ويراقب أبناءه ويحاذر عليهم من أيّ طعام فيه أدنى إشكال أو شبهة.
ففي رواية عن أبي هريرة: إنّ النبيّ أتي بتمر من تمر الصدقة، فجعل يقسمه، فلما فرغ حمل الصبيّ وقام، فإذا الحسن في فيه تمرة يلوكها، ففطن له رسول الله صلّى الله عليه وآله فأدخل إصبعه في في الصبيّ فانتزع التمرة ثمَ قذفها، وقال: إنّا آل محمد لا نأكل الصدقة(40).
هذا، مع أنّ الإمام الحسن عليه السلام بعد صبيّ لم يبلغ الحلم ولم يكلف، ولكنه صلّى الله عليه وآله يعلم أنّ الأكل الحرام يؤثر تأثيراً موضوعياً على روح الطفل. وينبغي أن يعرف الطفل منذ سنّيه الأولى أنّ هناك حراماً وحلالاً وقيوداً في الأكل.
بالإضافة إلى أنّه صلّى الله عليه وآله أكّد شخصية الإمام الحسن عليه السلام وطيب منبته، فالزكاة حق المحرومين، وليس لمثل الحسن عليه السلام أن يأكل منها.
وهكذا خلط صلّى الله عليه وآله العظمة والشرف وأشربهما في ولد الزهراء عليها السلام فوقفت أمّ كلثوم ذلك الموقف الذي حكى صنع جدّها رسول الله صلّى الله عليه وآله في الكوفة فكانت تأخذ الخبز والتمر والجوز من أيدي الأطفال وترميها، وهي تقول: يا أهل الكوفة، إنّ الصدقة محرّمة علينا أهل البيت(١).


الدرس الرابع: الالتزام بالنظم ورعاية حقوق الآخرين:


من الأمور التي ينبغي للوالدين والمربّين جميعاً الالتفات إليها، هي مراقبة الطفل مراقبة دقيقة، لكي لا يتجاوز على الآخرين، وكي يحترم حقوقهم، ويتعلم النظم في شؤون حياته، ولا يعجز عن استرداد حقوقه، ولا يبخس الناس أشياءهم.
والأبوان يربّيانه على هذا الخلق من خلال تعاملهم مع أبنائهم ـ في البيت ـ معاملة صادقة عادلة، لا ظلم فيها لأحد، ولا يؤثران بعضهم علي بعض، ولا يفرقان بين الولد والبنت، والصغير والكبير، والجميل والقبيح، والذكيّ والغبيّ، في التودد والتحبب إليهم، كي لا تنمو بذور الحقد والحسد والغيرة، فيدخلوا المجتمع بحسن التجاوز والاعتداء.
فالطفل الذي تراعى في بيته حقوق الأفراد، يعرف أنّه عليه احترام حقوق الآخرين في الخارج، وعلى العكس إذا ما كان البيت تسوده الفوضى والتفرقة، فإنّه سوف يتربّى على الاعتداء والتجاوز وظلم الآخرين.
ولو أنّ طفلاً تجاوز أثناء دخوله أو خروجه من المدرسة، أو ركوبه في السيارة، أو في حانوت الخبّاز، أو أيّ مكان آخر على حق صاحبه وأخذ نوبته، وسكت عنه والداه أو مربّيه فإنهم بسكوتهم يخونون الطفل المعصوم، حيث أنّه يتصوّر أنّ القوة والتعدي نوع من أنواع الشطارة والفن، فإذا ما دخل المجتمع، أو تصدى لمسؤولية ما، فإنّه سيظلم ويتعدى ويسحق حقوق الآخرين، ولا يفكر إلاّ بمصلحته.

وقد نفّذ هذا الدرس بدقة في بيت الزهراء عليها السلام، ونذكر الرواية التالية كنموذج:
عن علي عليه السلام قال: رأينا رسول الله صلّى الله عليه وآله قد أدخل رجله في اللحاف أو في الشعار، فاستقى الحسن عليه السلام فوثب النبي صلّى الله عليه وآله إلى منيحة لنا فمصّ من ضرعها فجعله في قدح ثمّ وضعه في يد الحسن، فجعل الحسين عليه السلام يثب عليه ورسول الله صلّى الله عليه وآله يمنعه، فقالت فاطمة: كأنّه أحبّهما إليك، يا رسول الله؟ قال: ما هو بأحبّهما إليّ، ولكنّه استقي أوّل مرّة، وإنّي وإيّاك وهذين وهذا المنجدل يوم القيامة في مكان واحد(42).



الدرس الخامس: الرياضة واللعب:


يوصي علماء التربية أن يترك الأطفال لحالهم في إختيار اللعب التي يهوونها، وعلينا أن نوفّر لهم الوسائل السليمة. وقد تنبه أخيراً ـ ما يسمّى بالعالم المتمدن ـ لهذه الحقيقة فوفّروا ألعاباً مسلية سليمة في دور الحضانة، والمدارس الابتدائية والثانوية بما يناسب مراحلهم وأعمارهم؛ وصاروا يشجعونهم على الألعاب الجماعية، لما لهذه الألعاب من تأثير عميق على رشد أجسادهم وأرواحهم.
يتوقع بعض الناس من الأطفال أن يتصرفوا كما لو كانوا كباراً، ويمنعونهم من اللعب ويحاسبونهم على تصرفاتهم الطفولية، ويسمّون هذا تربية. فإذا كان الطفل لعوباً حركاً اتهموه بسوء الأدب، وإذا كان منزوياً خاملاً لا يلعب ولا يتحرك امتدحوه وشجعوه على سكونه وهدوئه!!.
لكن علماء النفس يعدّون هذا خطأً كبيراً، ويعتبرون سكون الطفل وخموله دليلاً علي مرضه روحياً وفسيولوجياً، علي أن لا يكون لعبه مضراً به أو مزاحماً للآخرين.
بل على الأبوين أن يتصابوا لهم ويلاعبوهم في أوقات فراغهم، لأنّ الطفل يستشعر الحبّ في ذلك، وكان رسول الله صلّى الله عليه وآله يلعب مع الحسن والحسين عليه السلام كما روي عن أبي هريرة أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله أخذ بيديه جميعاً بكتفي الحسن والحسين، وقَدَماهما على قدم رسول الله صلّى الله عليه وآله، وقال: ترقّ عين بَقّة. قال: فَرَقا الغلام حتى وضع قدميه على صدر رسول الله صلّى الله عليه وآله ثم قال له: افتح فاك ثمَّ قبّله، ثمّ قال: اللّهم أحبّه فإنّي أُحبّه(43).
وعن أبي هريرة أيضاً قال: اصطرع الحسن والحسين، فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله إيهاً حسن، فقالت فاطمة عليها السلام: يا رسول الله صلّى الله عليه وآله تقول: إيهاً حسن، وهو أكبر الغلامين. فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله أقول: إيهاً حسن، ويقول جبرئيل: إيهاً حسين(44).
وعن جابر قال: دخلت على النبي صلّى الله عليه وآله والحسن والحسين عليه السلام على ظهره، وهو يجثو لهما ويقول: نِعْمَ الجمل جملكما ونِعْمَ العَدْلان أنتما(45).
وعن الرضا عليه السلام عن آبائه قال: إنّ الحسن والحسين عليه السلام كانا يلعبان عند النبيّ صلّى الله عليه وآله حتى مضى عامّة الليل، ثمّ قال لهما: انصرفا إلى أمّكما، فبرقت برقة في السماء فما زالت تضيء لهما حتى دخلا على فاطمة عليها السلام والنبيّ صلّى الله عليه وآله ينظر إلى البرقة، فقال: الحمد لله الذي أكرمنا أهل البيت(46).

(1) بحار الأنوار ج ٤٣ ص ٨١.
(2) بحار الأنوار ج ٤٣ ص ٨٢ و ١٣٤.
(3) بحار الأنوار ج ٤٣ ص ٨٥.
(4) بحار الأنوار ج ٤٣ ص ٥٠.
(5) بحار الأنوار ج ٤٣ ص ٨٦.
(6) بحار الأنوار ج ٤٣ ص ١٥١.
(7) ذخائر العقبى ص ٥١.
(8) الوافي كتاب النكاح ص ١١٤.
(9) سيرة ابن هشام ج ٣ ص ١٠٦.
(10) المناقب للخوارزمي ص ٢٥٦.
(11) الوافي كتاب النكاح ص ١١٤.
(12) مناقب الخوارزمي ص ٢٥٦.
(13) بحار الأنوار ج ٣٤ ص ١٩١.
(14) بحار الأنوار ج ٤٣ ص ١٣٢ و ١١٧.
(15) كشف الغمة ج ٢ ص ٩٨.
(16) دلائل الإمام ص ٧.
(17) بحار الأنوار ج ٤٣ ص ١١٧.
(18) مناقب ابن شهر آشوب ج ٣ ص ٣٨٧.
(19) بحار الأنوار ج ٤٣ ص ٢٤٠.
(20) بحار الأنوار ٤٣ ص ٢٩٦.
(21) بحار الأنوار ج ٤٣ ص ٢٨٢.
(22) بحار الأنوار ج ٤٣ ص ٢٩٥.
(23) بحار الأنوار ج ٤٣ ص ٢٨١.
(24) بحار الانوار ج٤٣ ص٢٩٩.
(25) بحار الأنوار ج ٤٣ ص ٢٩٩.
(26) بحار الأنوار ج ٤٣ ص ٢٦٤.
(27) بحار الأنوار ج ٤٣ ص ٢٨١.
(28) بحار الأنوار ج ٤٣ ص ٣٠٥.
(29) بحار الأنوار ج ٤٣ ص ٢٨٥.
(30) بحار الأنوار ج ٤٣ ص ٢٧١.
(31) بحار الأنوار ج ٤٣ ص ٢٦٥.
(32) بحار ج ٤٣ ص ٢٦٣.
(33) بحار ج ٤٣ ص ٢٩٥.
(34) البحار ج ٤٣ ص ٣١٨.
(35) مقتل أبي مخنف ص ٤٦.
(36) الشافي ج٢ ص ١٤٩.
(37) بحار ج٤٣ ص ٢٤١.
(38) بحار ج ٤٣ ص ٣٠٧.
(39) بحار ج ٤٣ ص ٢٨٦.
(40) ينابيع المودة ص ٤٦ وبحار الأنوار ج ٤٣ ص ٣٠٥..
(41) مقتل أبي مخنف ص ٩٠.
(42) بحار الأنوار ج ٤٣ ص ٢٨٣.
(43) بحار الأنوار ج ٤٣ ص ٢٨٦.
(44) بحار ج ٤٣ ص ٢٦٥.
(45) بحار ج ٤٣ ص ٢٨٥..
(46) بحار ج ٤٣ ص ٢٦٦.