المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة


تختلف الأغراض عند من يقرءون التاريخ، وتراجم الرجال، وأعلام النساء.
فمنهم من يقرأ التاريخ ليستمتع، ويقضي ساعات الفراغ، ويحفظ ـ في نفس الوقت ـ القصص العجيبة والحوادث الغريبة ليسردها في المحافل والمجالس على الأصدقاء.
ومنهم من يقرأ التاريخ بإمعان و تروّ، ويطالع حياة الرجال بدقة، ليستلهم دروس الحياة، ويتعرف على مفاتيح التوفيق، وسرّ العظمة، فيقتص آثارها، ويستخرج العلل و الأسباب في إخفاق الأمم والشخصيات، وانحطاطها، وانهيارها، وأفول نجمها، فَيَحْذَرْ منها ويُحَذِّرْ المجتمع أيضاً.


والذين، يقرءون حياة الأنبياء والمعصومين والأئمة عليهم السلام ورجال الدين، ينقسمون إلى مجموعتين أيضاً:
مجموعة ليس لها هدف أكبر من قتل الفراغ والتمتع بقراءة مناقب الأئمة والأنبياء، وحفظ العجائب والغرائب، وسردها في المجالس والمحافل، والاكتفاء بثواب الاستماع لفضائل أهل البيت عليهم السلام ومصائبهم.
والمجموعة الأُخرى: تقرأ حياة المصطفين الأخيار لتعرف سرّ عظمتهم ومحبوبيتهم، وطريقة معيشتهم وسلوكهم وحياتهم صراط الدين المستقيم ويأخذون منها دروس الحياة. والمؤسف أنّ أكثر من يقرأ حياة الأنبياء والأئمة عليهم السلام هم من الصنف الأول، كما أنّ أكثر الكتب المؤلفة عنهم عليهم السلام تناسب ذوق المجموعة الأولى، فهي مليئة بالقصص والروايات العجيبة والمغالية أحياناً، ولم تتعرض إلى سيرتهم الذاتية وحياتهم الاجتماعية والسياسية إلاّ باختصار.
إنّ كل مسلم قد سمع أو حفظ قصة أو أكثر من تلك القصص العجيبة في حياة النبي صلّى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام، ولكنّه لم يطلع ـ كما ينبغي ـ على سيرتهم الذاتية وسلوكهم الاجتماعي، وطريقة تعاملهم مع المجتمع، والأسرة، والخلفاء والسلاطين والظالمين.


وغرض المؤلف هو دراسة حياة الزهراء عليها السلام دارسة تحليلية باللحاظ الثاني، فإذا ما سقط من القلم شيء من قصص حياتها و مناقبها فلنا في ذلك العذر لأنّ الغرض الأساسي هو دراسة أخلاق الزهراء عليها السلام وسلوكها وسيرتها الذاتية وليس الإحاطة بكل التفاصيل و الدقائق.


وللأسف فإن حياة هذه المرأة العظيمة بقيت غامضة في الظل، ولم يكتب عنها الكثير في مصادر وأمهات المراجع الإسلامية، والسبب في ذلك:
أولاًُـ لأنّ عمر الزهراء عليها السلام كان قصيراً ولم يتجاوز ١٨ سنة، ونصف هذه المدّة تقريباً كان قبل البلوغ ـ حيث لم يُلتفت إلى هذه الفترة جيداً.
ثانياً ـ لأنّ الزهراء قضت أكثر حياتها داخل البيت ـ باعتبارها امرأة ـ و نادراً ما كان يطلع أحد على حياتها الداخلية بشكل كامل.
ثالثاً ـ ما اهتم الناس في ذلك الزمان بحياة ابنة رسول الله صلّى الله عليه وآله ـ لأنّهم لم يدركوا أهمية ذلك ـ فما سجلوا جزئيات حياتها و ما دوّنوها.


وعلى كل حال، فإنّ المؤلّف يسعى في هذا الكتاب بالرغم من أنّ جزئيات حياة تلك المرأة العظيمة لم تسجل وسيرتها الكاملة لم تدوّن ـ إلى رسم صورة مجسمة للزهراء عليها السلام من خلال تحليل النصوص ودراستها، لذا قد نتجاوز طريقة المؤرخين ـ أي نقل ما يجري على الواقع فحسب ـ ونأخذ بالتجزئة والتحليل والاستنتاج.


المرأة النموذجية:


لقد شرّع الإسلام أحكاماً وقوانين ووضع مناهج كاملة لإعداد المرأة وتربيتها، وحفظ مصالحها ورعاية شؤونها ورقيّها، وبناء كيانها ـ ويمكننا مشاهدة المرأة المكرّمة، ونتائج التربية الإسلامية الرائعة من خلال التعرف على نساء صدر الإسلام، وربيبات الوحي والنبوة، ودراسة حياتهن والاطلاع على ميزاتهن.
ولا شك أنّ الزهراء عليها السلام ـ سيّدة نساء العالمين ـ مثال المرأة المسلمة، لأنّها المرأة الوحيدة التي عاشت في ظل أبيها المعصوم، وزوجها المعصوم، وهي معصومة كذلك ، فالجوّ الذي ترعرعت وكبرت فيه الزهراء عليها السلام هو جوّ الطهارة والعصمة حيث قضت سني الطفولة في أحضان النبي الأكرم صلّى الله عليه وآله ـ الذي صُنع على عين الله ـ وسني الزواج وإدارة البيت وتربية الأبناء في بيت ثاني أكبر شخصية إسلامية ـ علي بن أبي طالب عليه السلام ـ وقدّمت للمجتمع خلال هذه الفترة القصيرة من عمرها إمامين معصومين، الحسن والحسين عليهما السلام، وامرأتين شجاعتين مضحيتين، زينب وأم كلثوم.
في مثل هذا البيت نجد الصورة الحية المجسّدة للمرأة التي تعيش في ظلّ الإسلام وقوانينه ومناهجه التربوية.


أسلوبنا:


الكتَّاب مجموعتان: فمجموعة تعتمد المصادر السنية وصحاحهم فقط، وتمتنع عن المصادر الشيعية تماماً ـ إذا انفردت بالرواية ـ و تسيء الظن بها.
ومجموعة أخرى تعتمد المصادر الشيعية فقط، وتمتنع عن المصادر السنية تماماً، إذا انفردت بالرواية.
وبرأي مؤلّف هذا الكتاب أن كلا المجموعتين وقعت في الإفراط والتفريط، وتجاهلت حقائق كثيرة بدون مبرر، وذلك لأنّك تجد الكثير من الحقائق في كتب أهل السنة ولا تجدها في كتب الشيعة، وكذلك العكس.
والشيعة أصحاب كتب أيضاً، وقد نهلوا الكثير من الأئمة وأهل البيت عليهم السلام باعتبارهم مصادر العلم ومنابع الحكمة ـ كما قال النبي صلّى الله عليه وآله عنهم وعرفوا لدى الخلائق بذلك.
والمؤلِّفون الشيعة متقدمون من الناحية الزمانية على المؤلّفين السنة، وبعيد عن الإنصاف، أنّ بعض المؤلفين يتجاهلون الكتب الشيعية ويكتفون بنقل ما ورد في مصادر أهل السنة، ويظنّون أن كتّاب المصادر السنية موضوعيون يعشقون الحقيقة، ومنزّهون عن أيّ تعصّب وانحياز، ويكتبون الحقائق والوقائع كاملة غير منقوصة، فإن لم يذكروا حدثاً أو واقعة ما، فهي ـ إذن، غير موجودة أساساً، في حين أنّ هذا الأمر ليس صحيحاً البتة.


إذن فلندرس المصادر السنية دراسة محايدة وموضوعية، ويقاس بعضها إلى بعض، بل تقاس الطبعات المختلفة للكتاب الواحد بعضها إلى بعض، ليعرف هؤلاء أن حسن الظن ـ بهذا المستوى ـ لا أساس له، ولم يكن أولئك ـ جميعاً ـ منزهين عن التعصب و الانحياز والهوى.
وعلى هذا فإننا استفدنا من المصادر السنية، والمصادر الشيعية، واستفدنا من كتب الشيعة لوحدها في بعض الموارد التي امتنع المؤلفون السنة عن ذكرها ـ لمصلحة ما ـ أو أنّهم أشاروا إليها إشارة عابرة.
إبراهيم الأميني
١٤١٠ هـ