الأدلة العقلية علي الإمامة

 الأدلة العقلية علي الإمامة

استميح القراء عذرا ً عن البحث المطول الذي قد بعث في قلوبهم الملل ، غير ان المرء يجد نفسه مضطرا ً لذلک ، لأن اثبات الإمامة يتوقف علي البحث.

الآن و قدأثبتنا ضرورة الوحي و بعث الأنبياء ، نلج معا ً بحث الإمامة فنتطرق أوّلا ً إلي ضرورتها عقلا ً. وهنا طريقان للإستدلال "


الدليل الأوّل

لقد عرفنا خلال البحوث السابقة أن أفراد النوع الإنساني يتحرکون وبالفطرة في طريق التکامل ، و ان هناک مساراً تکوينيا ينبغي أن يطوي ليصل الإنسان إلي عالم النور والفرح و السرور و العودة إلي الله ؛وان لذلک المسار مراتب ومنازل و درجات ، و کلّّ حلقة ترتبط بحلقة أعلي ، حتي تصل إلي الغاية العليا حيث تنتهي قافلة الإنسانية ، و هذا ما يصطلح عليه بالصراط المستقيم ، الذي لا يعدو کونه سوي حقيقة يدل عليها استمرار وجود النوع الإنساني.ومن هنا نستدل أيضا علي وجود إنسان کامل موجود بين أفراد نوعه يتمتع بالکمالات الممکنة بشريا ً يجسّد واقع الشريعة الإلهية و ينطوي علي مجموع الکمالات التي جاء بها النبي من عند ربّّّه. وهذا الفردالمجتبي يتحرک في جادة الصراط المستقيم ، لا ينحرف عن خط الکمال ؛ وهذا ما يدعي بالإمام في لغة الشريعة. فالإمام فرد کامل يؤمن بکلّّ العقائد الإلهية و يجسّد کلّّ القيم الأخلاقية الرفيعة ويمثّل الشريعة بکلّّ أحکامها.

والإمام محلّ الفيض الإلهي و انعکاسه عن عالم الغيب إلي عالم الشهادة الإنسانية ، و قيادتها في مسيرة التکامل.ومن هنا نکتشف ضرورة وجود الإمام کفرد کامل يعيش بين ظهراتي البشر مثالاً و قدوة ً لهم يهديهم إلي الصراط المستقيم.

والإمام فرد يرتبط بعالم الربّّّوبية الأقدس و قدفتحت عليه أبواب الکمالات الغيبية و يتحرّک بتسديد الهدي الإلهي المباشر لخالق الإنسان و الکون و الحياة.

وهو يجسّد الغاية الإلهية من خلق النوع البشري الذي يتحرّک باتجاه هدف منشود ، و إلّا کان المسار الإنساني بلا غاية ، لاعلاقة له بالله عزوجل ، و معني هذا انقراضه و فناؤه.

وختاما ً اعترف بأنّ الدليل المذکور عسير الفهم إلي حدً ما ، و للقراء عذرهم في ذلک ؛ لأن إثبات المطلق يحتاج إلي سلسلة من البحوث العقلية الدقيقة البعيدة الغور. علي ان القارئ الکريم إذا راجع موضوع النبوّة العامة فسيجد عونا ً له في سبر غور الدليل المذکور و فهمه بشکلّّ أوضح.


الدليل الثاني:

أثبتنا من خلال بحوث آنفة أنّ الله الحکيم قد أودع في الذات الإنسانية قابلية التکامل ، و إنّه ليس من الحکمة أن يطوي الإنسان طريقاً يفتقد القدرة علي سلوکه.

ولقد اقتضي اللطف اللإ نهائي لله عزوجل أن يهيئ للإنسان برنامجاً کاملا ً وقانونا ً شاملا ً يکفل للبشرية عند تنفيذه و تطبيقه الحياة الأفضل في الدنيا والسعادة الأکمل في الآخرة.

ولقد جاء التشريع الإلهي بشکل يکفل نمو الفضائل الإخلاقية ، و يربي الروح الإنسانية و يهيئ للإنسان أسباب الرقي في مدارج الکمال ، و من هنا اقتضت حکمة الله أن يبعث رسله و أنبياءه.

ولکي تبقي حجة الله قائمة بوجود الشريعة ، و قوانين الدين دون حذف أو إضافة و في متنأول البشرجميعا ، و لأن الدين الدينا وجودان لا ينفکان عن بعضها و إنهما يتکاملان معا ، و لأن الحياة الدنيوية لا تنفصل عن السعادة الروحية و إنها علي طريق واحد ، و لکي تطبق أحکام الله ، فإن من الواجب هن وجود فرد بين ظهراني البشر ينهض بمسؤولية حفظ الشريعة و يسعي إلي تطبيق شرع السماء في الأرض.

ولقد کان سيّدنا محّمد (صلي الله عليه و آله و سلم)ينهض بامهمتين معاً: إبلاغ الرسالة ، و السعي إلي تطبيقها في حياة المسلمين و الناس جميعاً و لأن الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) کسائر البشر محکوم بالموت ، توجّب ان يخلفه في مهامه فرد يقوم مقامه في حفظ الشريعة و تنفيذ إحکام الله ، وان وجود مثل هکذا فرد ضرورة الهية ، حتي يبقي الصراط المستقيم قائماً بين الناس بدعوههم إلي سلوک طريق التکامل.

ولإنّه معصوم عن الخطأ ، منزّه عن الذنوب ، فهو يجسّد ذات الصراط و يمثّل حقيقة الأحکام ، و هو مثال الکمال الإنساني.وعلي هذا يکون إماما ً للناس ، فهم يقتدون به و يأتمون بأفعاله و أقواله و سيرته ، و عليه تقع مسؤولية حفظ الشريعة والسعي لتنفذها في إقامة المجتمع الأفضل و التأسيس لحياة إنسانية تنهض علي شريعة الله ، و مسؤوليته امام الخالق تبارک و تعالي ، و بالتالي قيادة البشرية نحو مستقبلها الحقّيقي في الآخرة حيث السعادة الخالدة و النعيم الدائم.

ان الله الذي خلق الناس و جعل دينهم في دنياهم أنزل شريعته لتکون شاملة للحياة الدنيا و الآخرة فل احاجز بين الحياتين حتي يعيّن لکلّّ حياة من يقودها ، فاقتضت حکمته سبحانه أن يجعل للناس إماما و احدا ً يتحمل المسؤوليتين معاً ، فهو إمام الدنيا و إمام للآخرة ، يحفظ الشريعة و يخلط لتطبيقها في الحياة ، و هذا الشخص المثال و المعصوم هو الإمام.


اشکال:

ربّّّما يقوم أحدهم: من الممکن أن نتصوّر وجود الشريعة و استمرارها بين الناس دون الحاجة إلي وجود الإمام المعصوم ، فمن الممکن أن تتوزع أحکام الشريعة علماً و فقها ً علي أفراد الاُمّة فيکون کلّّ فريق حافظاً لقسم منها ، فتستمر الشريعة علما و عملا ً لدي أفراد النوع الإنساني ، و بالتالي وجود الصراط المستقيم الذي يربط عالم الغيب بعالم الشهادة.


الجواب:

کما ذکرنا سابقاً إن أحکام السماء إنّما انزلت لهداية الناس ، و لذا ينبغي استمرارها في مأمن عن التحريف حذفاً و إضافةً ، فلا يأتيها الباطل من بين يديه ول امن خلقها حتي تکون - وعلي الدوام - في متنأول البشرية ، يرجعون إليه ويصدرون عنها.

وببرکة هذه القوانين بيقي طريق التکامل الإنساني مفتوحا لمن يريد التدرج في سلم الکمال و نيل السعادة ، و هذا لا يتحقق إلا بوجود فرد معصوم من الخطاً منزه عن الذنب و الخطيئة و النسيان.

وعلي هذا يتهاوي الإفتراض السابق لأن کلّّ فرد أفراد الاُمّة قابل للخطأ غير معصوم عن الذنب و ليس في مأمن عن الغفلة و السهو ، و بالتالي فهم عملياً ليسوا بمنأي عن الواقع في الخطأ ، و هذا ما يؤدي إلي جرّ الأحکام الإلهية الي هاوية التحريف و الضلال ، و هم في کلّّ الأحوال سيکونون مغذورين لإنّهم ليسوا معصومين في تحرّي الحقّ و الکشف عن الواقع الذي ينسجم مع الشريعة الإلهية.

ويترتب علي هذا انحراف خطير عن الصراط المستقيم الذي لا يعدو کونه طريقاً وحيداً ، و هو بذاته الذي يمکن الإنسان من نيل الکمالات الإنسانية الممکنة و ينقل ذلک من دائرة القوة إلي دائرة الفعل. وستکون حرکة النوع الإنساني بلاغاية لإنعدام الطريق الذي يربط بين عالم الغيب الشهود.


إشکال آخر

انّکم تنادون بأنّ وجود الإمام ضرورة إلهية و أن الله عيّن معصومين من أجل تطبيق الشريعة و المحافظة علي استمرارها و أن ذلک سيجسد بالتالي طريق التکامل المرسوم للبشرية.

ومن هنا فإن الله سبحانه عيّن عليّا ً ابن أبي طالب و أحد عشر فردا ً من ذرّيته أئمة للمسلمين ، و هذا يعني ان الله عزوجل قد فعل شيئا لا فائدة من و رائه ، ذلک أنّ هؤلاء الأئمة جميعاً و باستثناء الإمام علي الذي حکم فترة و جيزة ظلّّوا بمنأي عن سدّة الحکم و قيادة المسلمين.

فهل من المقبول عقلاّ أن ننسب عملا کهذا إلي الله و تعالي ؟!


الجواب

لقد أثبتنا خلال البحوث السابقة ان الحکمة الإلهية تقضي و من أجل استمرار مسيرة التکامل الإنساني وجود فرد اجتباه الله ليکون هاديّا للبشرية ، وحتي لا يکون للناس حجّة و لا عذر. فالأئمة أفراد اجتباهم الله ليکونوا هداة لليشرية و معالم في الطريق إلي الله عزوجل.

وإذن فبوسع البشرية السعي لتهيئة الظروف المناسبة و الأرضية الصالحة لتأسيس جهاز حکومي يکون الإمام في قمته الهرمية ، و لو حدث تقصيرفي ذلک و بقي الإمام مستبعداً عن ذلک ، فليس هناک من يتحمل مسؤولية التقصير سوي الناس أنفسهم ، لأن الله عزوجل قد اختار للناس أئمتهم و حدد الرسول ( صلي الله عليه و آله و سلم)أسماءهم ، إنّه ليس هنا من يتحجج بخرق القانون الطبيعي الذي ينهض علي الإسباب و المسببات و فرض حکومة المعصوم علي الناس با لقوة.

وإضالّّة إلي کلّّ ما ذکر فإن الإمام بمزايا عديدة:

إنّه مثال کامل للإنسانية في کلّّ شؤون الدين حيث يتجلي فيه الفيض الإلهي بنحو کامل.

إنّه أمين علي الشريعة الإلهية کما نزلت عي قلب سيّدنا محّمد(صلي الله عليه و آله و سلم) و هو مبلّغ للرسالة.

 

إنّه منتخب من قِبل الله لخلافة الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) في قيادة الاُمة الإسلامية.و إذا أخفق المسلمون بالإستفادة من مزية الإمامة الثالثة فأن هذا يعود إلي سوء حظهم و عدم أهليتهم للإحتفاظ بالإمام کخليفة للنبي الأکرم (صلي الله عليه و آله و سلم).

ولکنهم لن يحرموا المزيتين الأولي و الثانية ، فأولي تکوينية أدرک المسلمون ذلک أم لا ، نهض الإمام بمسؤوليتة في الحکم أم أقضي عنه.

وفي الثالنية ، فلقد أثبت التاريخ أن أهل البيت کانوا حبل النجاة و کانوا مرجعا ً للمسلمين في کثير من المعضلات التي ألمت بهم ، فلقد سعي أئمة أهل البيت و بالرغم من کلّّ المضايقات ، في نشر الإسلام و تغزير الرسالة المحمدية ، وأحيطوا مؤامرات الأعداء بتضحياتهم.

وببرکة وجود الأئمة (عليهم السلام) أصبح للمسلمين ميراث ضخم من الأحاديث الشريفة في کلّّ شؤون الدنيا و الدين ، فهناک آلاف الأحاديث في التفسير وفي الأخلاق ، و في الفقه ، و قليل من التأمل يکشف للمرء الخدمات العلمية الکبري التي قدمها أهل البيت ( عليهم السلام) ، و ليکن نهج البلاغة مثال واحداً و شاهداً علي الميراث الضخم الذي خلفه الأئمة (عليهم السلام9.

يقول ابن أبي الحديد:

ما أقول في رجل تغزي إليه کلّّ فضيلة ، و تنتهي إليه کلّّ فرقة ، و تتجاذبه کلّّ طائفة ، فهو رئيس الفضائل و ينبوعها وأبو عذرها و سابق مضمارها و مجلّي حلبتها ، کلّّ من بزغ فيها بعده فمنه أخذ ، و له اقتفي ، و عي مثاله احتذي ، و من کلامه اقتبس ، وعنه نقل ، و إليه انتهي ، و منه ابتدأ ، فإن المعتزلة -الذين هم أهل التوحيد و العدل و أرباب النظر ومنهم تعلّم الناس هذا الفن -تلامذته وأصحابه ، لأنَّ کبيرهم و اصل بن عطاء تليذ أبي هاشم عبدالله بن محّمدبن الخليفة وأبو هاشم تلميذ أبيه و أبوه تلميذه (عليه السلام) ، واما الأشعرية فإنّهم ينتمون إلي أبي الحسن علي بن إسماعيل بن أبي بشر الأشعري و هو تلميذ أبي علي الجبائي ، و أبو علي أحد مشايخ المعتزلة ؛ فالأشعرية ينتهون بآخرة إلي استاذ المعتزلة ومعلّمهم و هو علي بن أبي طالب (عليه السلام).

واما الإمامية و الزيدية فانتما ؤهم إليه ظاهر.

ومن العلوم: علم الفقه و هو (عليه السلام) أصله و أساسه ، و کلّّ فقيه في الإسلام فهو عيال عليه.مستفيد فقيهه ، أما أصحاب أبي حنيفه ، کأبي يوسف و محمد و غيرهما ، فأخذوا عن أبي حنيفة ، وأما الشافعي فقرأ علي محّمد بن الحسن ، فيرجع فقهه أيضا إلي أبي حنيفة ، و أما أحمدبن حنبل ، فقراءعلي الشافعي فيرجع فقهه أيضا إلي أبي حنيفة ؛وأبوحنيفةقرأعلي جعفربّّّن محّمد (عليه السلام) ، و قرأجعفر علي أبيه (عليه السلام) ، و ينتهي الأمرالي علي (عليه السلام).وامامالک بن أنس ، فقرأعلي ربّّّيعة الرأي ، و قر ربّّّيعة علي عکرمة ، و قرأعکرمة علي عبدالله بن عباس ، و قر عبدالله بن عباس علي علي بن أبي طالب.

وأيضا فإن فقهاءالصحابة کانوا: عمربّّّن الخطاب ، و عبدالله بن عباس و کلّّاهما أخذعن علي (عليه السلام).اما ابن عباس فظاهر ، و اماعمرفقد عرف کلّّ أحد رجوعه إليه في کثيرمن المسائل التي أشکلّّت عليه و علي من الصحابة ، و قوله غير مرّة: لولا علي لهلک عمر ، و قوله: لا بقيت لمعضلة ليس لها أبو الحسن ، و قوله لا يقين أحد في المسجد و علي حاضر.

وقد روت العامة و الخاصة قوله (صلي الله عليه و آله و سلم): أقضاکم علي ، و القضاء هو الفقه.

ومن العلوم: علم تفسير القرآن و عنه اخذ و منه فُرّع ، و إذا رجعت إلي کتب التفسير علمت صحة ذلک ، لأن أکثره عنه و عن عبدالله بن عباس ، و قد علم الناس حال ابن عباس في ملازمته له ، و انقطاعه إليه ، و إنّه تلميذه و خريجه.وقد قيل له: اين علمک من علم ابن عمک ؟ فقال: کنسبة قطرة من المطرإلي البحر المحيط.

ومن العلوم: علم الطريقة و الحقّيقة ، و أحوال التصوف ؛وقد عرفت ان أرباب هذا الفن في جميع بلاد الإسلام ، اليه ينتهون ، و عنده يقفون ، و قد صرح بذلک الشبلي ، و الجنيد و سري و أبو يزيد البسطامي ، و يکفيک علي ذلک الخرفة التي هي شعارهم الي اليوم وکونهم يسندونها بإسناد متّصل عليه (عليه السلام).

ومن العلوم: علم النحو والعربية و قد علم الناس کافَّة إنّه هو الذي ابتدعه و انشأه و أملي علي أبي الأسود الدؤلي جوامعه و أصوله ؛ ومن جملتها: الکلام کلّّه ثلاية أشياء: اسم و فعل و حرف(1).

ونظرة في حياة الإمام الصادق تکفي للدلالة علي سعة و شمول مدرسته في الحواضر الإسلامية ، و عدد العلماء الذين تتلمذوا علي يديه.

فلم ينقل عن غيره کما نقل عنه من أحاديث حتي روي عنه اکثر من أريعة آلاف راوکلّّهم يقول "حدثني جعفر بن محمّد" وفيهم أئمة المذهب و علماء کبار کمالک بن أنس و شعبة بن الحجاج ، و سفيان الثوري ، و ابن جريج ، و عبدالله بن عمرو ، و روح بن قاسم ، و سفيان بن عيينة ، و سليمان بن بلال ، و إسماعيل بن جعفر و حاتم بن إسماعيل ، و عبدالعزيز المختار ، و وهب بن خالد ، و إبراهيم بن الطحان.

کما أخذعنه الشافعي و الحسن بن صالح و أبو أيوب السجستاني و عمربن درينار وأحمدبن حنبل(2).

وانتشرت علوم الصادق (عليه السلام) بين المسلمين ، و رويت عنه أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) وأخذ عنه علماءالإسلام مثل يحيي بن سعيد و ابن جريج و مالک بن أنس ، و الثوري ، و أبوحنيفة(3).

وبلغ الامام الصادق في علومه شأوا ً بعيدا ً حتي قال الجاحظ بإنّه ملأ الدنيا علما ً(4).

وانتشرت علومه في المدن الإسلامية(5) و تتلمذ علي يديه الکثير من علماء الإسلام.


اشکال ثالث

ان علي الخليفة الحقّ ان يسعي في تعريف نفسه الي الناس و المطالبة بالحکم ، کما فعل ذلک رسول الله الذي ما فتئ يدعو الناس إلي نفسه.

أليس من العجيب أن يخفي الخليفة نفسه ، و في الحالة ما يکون ذنب الناس و تقصير هم في عدم القناعة به ، فمن بين الأئمة الاثني عشر لا نجد غير علي بن أبي طالب حاکماً و ل انجذ غير الحسين (عليه السلام) يطالب بالخلافة کحقّ طبيعي له فيما نجد الحسن يستلم منصب الخلافة فلا يحتفظ بها، بل إننا تري علي بن الحسين منزويا ً منصرفا ً عن الدنيا مفضلا ًحياة الدعة ، حتي عندما انتفض سکان المدينة المنورة ثائرين علي حکومة يزيد سنة 63ﻫ، نراه يغادر المدينة في تلک الظروف العصيبة(6).


الجواب:

صحيح ان علي الخليفة أن يسعي لتسنم مکانه الطبيعي في الحکم و القيادة. علي ان ذلک ينبغي أن يتم بوسائل خاصعة لموازين العقل تکون مصلحة الإسلام العليا هي الأساس في المحاسبات جميعا.

فدراسة الظروف العامّة و المناسبة لأي تحرّک نحو الهدف المنشود هي الإطار لموقف الإمام و أسلوبه في حفظ الشريعة.

ليس من الإنصاف و لامن المنطقي أن نتوقع من الأئمة و من أجل استلام سدة الحکم أن يقدموا علي ارتکاب أي عمل عنيف يرفضه العقل لعدم جدواه.

لقد کان علي بن أبي طالب هو الخليفة بعد رسول الله (صلي الله عليه و آله وسلم) و قداغتصب حقّه ، و لکنه لم يتوسل بکل شي ء من أجل استرداد حقّه ، وغضّ النظر عن ذلک من أجل مصلحة الإسلام بل وقف ازاء الخلفاء - و بالرغم من کلّّ مواقفهم - موقفاً ايجابياً و لم يکم ليبخل في تقديم العون لهم وقت الحاجة ، لأن المهم لديه ليس الحکم بذاته بل استمرار الدين و مصلحة الإسلام العليا.

وخلال کلّّ ذلک لم يکن الإمام (عليه السلام) ليسکت عن المطالبة بحقه والاستدلال علي أخقيته في الخلافة و کان يحذّرالاُمّة من العواقب الوخيمة التي تترتب علي اقصائه عن الإدارة و القيادة ، و لقد اکتشفت الاُمّة بعد ان بلغ الإنحراف ذروته خطأها ، فاندفعت بعد مصرع عثمان الي بيعة علي (عليه السلام).

وتسلم الامام الحسن الخلافة بعد استشهاد أبيه و لکن معاوية الذي کان يخطط منذ عشرين سنة للإستيلاء علي الحکم کان قد أحکم قبضبه علي الشام وأعدّ الأرشية المناسبة التي تمکّنه الاستيلاء علي الخلافة بالقوّة. ولقد أعرب الامام الحسن عليه السلام منذ تولّيه الخلافة عن موقفه الحازم ازاء معاوية من و أعدّ العدّة لمواجهته عسکريا ، و لکن تطورات الأحداث و ما لعبه معاوية من أدوار قذرة في خداع الناس ، أفشلت خطط الأمام في الاعداد لحرب مصيرية وتصحيح الأوضاع.

وکان لوسائل معاوية و إغراءاته الأثر الکبير في إحدث أکبر انشقاق في جيش الإمام الحسن و انحيازهم إلي قوّات معاوية في أکبر حادث خياني دفع الإمام الحسن إلي تغيير مواقفه ، و التفکير بمصير الإسلام ؛خاصّة بعد تعرضه الي عدة محأولات دنيئة لاغتيا له ، و تفکّک جيشه بل و إبداء البعض استعدادهم في التعاون مع معاوية و تسليم الحسن حيّا ً.وفي خضم هذه الحوادث المثيرة والعاصفة ، کيف يمکن للحسن (عليه السلام) أن يغامر يخوض حرب مصيرية والتضيحة ، بأخلص أنصاره أمام جيش منظم قادر علي اقتحام الکوفة متي شاء.

ولم يکن معاوية غبيّا ً خلال تلک الفترة ، فلقد کان يسعي إلي الاستيلاء علي الخلافة ، و کان يعدّه نفسه لأن يکون خليفة للمسليمن فکان يتظاهر بالدين وحماية المظلومين و رغبتة في السلام.

وهکذا وجد الإمام الحسن نفسه مضطراً للإستجابة لدعوات السلم التي ما فتئ معاوية يوجهها يوميا.

ان من يتأمل بنود الصلح الموقّعة بين الطرفين يکتشف خطة الامام الحسن في فضح الوجه الحقيقي لمعاوية الذي أخفاه طيله تلک المدّة التي سبقت استيلاءه علي الخلافة.

ان مطالعة تلک الحقبة العاصفة من الزمن تُظهر ان الامام الحسن لم يتأخر في العمل کلّّ ما بوسعه من أجل تصحيح الأوضاع دون جدوي ، و لکن الحوادث کانت تسير لصالح معاوية لحظة بعد اخري ، فوجد الإمام نفسه وحيدا ً تقريبا ً فسلّم الأمر لمعاوية حقناً لدماء المسلمين أن تذهب هباء ً في حرب خاسرة.

فهل من الإنصاف ان نتهم الإمام الحسن (عليه السلام) بإخفاقه في الاحتفاظ بالخلافة دون ان نتفهم ظروف تلک الحقبة المريرة من التاريخ الإسلامي ؟

لقدحول معاوية العراق آنذاک - والکوفة بالخصوص - الي مسرح دمويّ رهيب لتصقية الوجود الشيعي ، و بدأ سلسلة من الاغتبالات السياسية طالت العديد من الزعماء توّجها باغتياله للامام الحسن مسموما ً.کلّّ ذلک من أجل احتفاظه بالسلطة و تمهيد الاُمور لابنه (يزيد)...ذلک الشاب النزق الذي لا يعرف غير القتل و الخمرة و ملاعبة القرود ، فارتکب و خلال مدّة حکمه القصيرة مذابح يندي لها جبين الإسلامية؛ بدأها بمذبحة کربلاء حيث قتل الحسين علي نحو مأساوي فجيع ، و تلاه اجتياح المدينة و انتهاک الأرعراض و قتل سبعمئة صحابي. ثم محاولة اقتحام مکّة بعد قصف الکعبة بالمنجنيق و إحراقها. وهکذا أثبت الأمويون أنّهم لايتورعون عن ارتکاب أي عمل مهما بلغت قذراته من أجل الاحتفاظ بالسلطة و التشبّت بالحکم.

وفي خضمّ تلک الحوادث المريرة ماذا کان بوسع الإمام زين العابدين أن يفعل ؟ غيربثّ الوعي في ضمير الامّة ، و السعي من أجل ايقاضها.ولنتأمل في رسالته الي (الزهري) العالم المشهورفي عصره:

"فانظرأي رجل تکون غدا ً إذا وقفت بين يدي الله فسألک عن نعمته عليک ، کيف رعيتها و عن حجته عليک کيف قضيتها و لا تحسبن الله قابلاً منک بالتعذير ولا راضيا ً منک بالتقصير ، هيهات هيهات ليس کذلک أخذ الله علي العلماء في کتابه ، إذ قال تعالي في آل عمران: "لتبيننه للناس و لا تکتمونه" واعلم إن أدني ما کتمت و أحق ما احتملت أن آنست وحشة الظالم و سهلت له طريق البغي بدنوّک منه حين دنوت و إجابتک له حين دعيت فما أخوفني أن تبوء غدا ً بإثمک مع الخونة و أن تسأل عمّا أخذت بإعانتک علي ظلم الظلمة ، أخذت ما ليس لک ممّن أعطاک ، و دنوت ممّن لا يرد علي أحد حقّاً و لم ترد باطلا ً حين أدناک وأحببت من حادالله.جعلوک قطبا ً أدروابک رحي مظالمهم و جسرا ً يعبرون عليک إلي بلاياهم و سُلّما ً إلي ضلالتهم ، داعيا ً إلي غيّهم ، سالکا ً سبيلهم ، يدخلون يک الشک علي العلماء ويقتادون بک الجهّال اليهم فلا يبلغ أخص وزرائهم و لا أقوي أعوإنهم إلّا دون ما بلغت من إصلاح فسادهم و اختلاف الخاصة و العامة إليهم ، فما أقل ما أعطوک في قدر ما أخذوا منک و ما أيسر ما عمّروا لک ، فکيف ما خرّبوا عليک.

والنظرلنفسک فإنّه لا ينظر لها غيرک ، و حاسبها حساب رجل مسؤول ، وانظرو کيف شکرک لمن غذاک بنعمه صغيرا و کبيرا ، فما أخوفني أن تکون کما قال الله تعالي في الأرض: "فخلف من بعدهم خلف ورثوا الکتاب يأخذون عرض هذا الأدني و يقولون سيُغفر لنا"انّک لست في دارمقام ، أنت في دار قد آذنت بالرحيل ، فما بقاء المرء بعد قرنائه. طوبي لمن کان في الدنيا علي و جل و يا بؤس لمن يموت و تبقي ذنوبه يعده "(7).

من الظلّّم ان نتهم الامام السجاد بالإنزواء والاعراض عن الدنيا و ما يجري فيها ، دون ان نلقي نظرة علي الظروف العاصفة التي اکتنفت حياته ، و المخاطر المحدقة بالإسلام و المسلمين.

ان نظرة فاحصة في (الصحيفة السجادية) تکفي للدلالة علي أن الامام زين العابدين (عليه السلام) کان يعيش في قلب الهم الإسلامي ، و کان يستخدم الدعاء کوسيلة متاحة لتجذير الإسلام و عقائده في القلوب المؤمنة.

ان الصحيفة السجادية لوحدها تعد تراثاً إسلاميا ً رائعا يحتل المرتبة الثانية بعدالقرآن الکريم.

وليس من الإنصاف أبدا ً أن يتهم الکتاب الامام زين العابدين بأنّه کان منزويا ً إلي حد ما مفضلا ً حيا ة الدعة و أنّه غادر المدينة المنورة لينجو بنفسه من مذابح الجيش الاموي.

وإذا کان الأئمة الأطهار في شغل شاغل عن هموم الخلافة ، فبما نفسّر اعتقال الامام السجاد و إرساله مخفورا ً إلي الشام بأمر عبد الملک بن مروان ؟!

 

ولما ذا أمر هشام بن عبد الملک باعتقال الامام الباقر (عليه السلام) وحضاره الي دمشق؟

ولما اذا کان الدوانيقي يتوعد الامام الصادق (عليه السلام) بين فترة و اخري ، ثم يأمرجلاوزته بإحضاره الي العراق ؟ وکم هي المرات التي قرّر فيها قتله والتخلص منه؟

ولماذا أمضي الإمام الکاظم سنوات طويلة من عمره الشريف في السجون والزنزانات المظلّّمة إبّان تعاقب المهدي و الرشيد علي الحکم في بغداد.

وبماذا نفسر خطط المأمون في حصار الإمام الرضا في لعبة العهد ثم تصفيته بالسمّ؟

ولماذا اقتحم الجلاوزة بأمر المتوکل منزل الامام علي الهادي ليلا ً وتفتيشه ؟ ولماذا و ضع تحت الاقامة الجبرية في سامراء کلّّ تلک السنين؟ ولماذا حاول قتله مرات و مرات الي أن تمّ اغتياله بالسم علي يد المعتمد العباسي؟

ولماذا وُضع الامام الحسن العسکري تحت الإمامة الجبرية و المراقبة المباشرة في منطقه عسکرية في سامراء ؟ ولماذا زجّ في السجن المرة بعد الاخري ؟ ولماذا تعرّض منزله للتفتيش بعد رفاته؟!

فهل هناک من يظن بأن الخلفاءالذين شنّوا تلک الحرب التي لا هوادة فيه علي الأئمة و أن کلّّ تلک الضغوط و الممارسات اللانسانية التي الستهدفت تصفية أنصارهم ، کانت من أجل أن الأئمة کانوا يمارسون دورا ً شاديا و عظيما ً ؟ أم إنّهم کانوا يشکلون خطراً يتهدد حکوماتهم بالزوال ؟ هذا هو التاريخ يشهد بأن الأئمة کانوا برفعون لواء المقاومة و مواجهة الظلم بکلّّ صوره و أشکاله ، و کانوا يسمعون إلي إقامة حکم الله في الأرض.


إشکال رابع:

هل هناک جدوي من وجود إمام هو غائب في الأصل ؟ وهل قدم حلاّ ً لمشکلّّة ما ، هل بين حلالاً أو حراما ً ؟ ان مفهوم الإمام أن يکون بين الناس ، لا غائبا ً عن الأنظار(8).


الجواب:

لقد أشرنا فيما مضي لدي بحثنا أدلة الإمام الي أن للامام ثلاث مزاياً تترتب علي وجوده:

1- إنّه فرد کامل ، يجمع کلّّ الفضائل الإنسانية ، و إنها تتجسد فيه فعلا ً؛ لتعکس امکانية البشر علي التکامل ، و هو بهذا انعکاس للفيض الإلهي.

2- إنّه حافظ و أمين علي الشريعة ، و مبلّغ له.

3-ول اشک ان الفائدة الأولي قائمة حتي في غياب الامام ، فالامام و من خلال الأدلة العقلية و الأحاديث يمثل وجوداً ضروريا ً لاستمرار وجود النوع الإنساني؛ لأنّه يمثل الإنسان المثال الذي يجسّد غايته التحرک البشري في طريق الکمال.

وهو محلّ انعکاس الفيض الإلهي و حلقة الوصل بين عالمي الغيب و الشهود.

وفي انتقاء وجودة التکويني تنتقي العلاقة بين العالم المادّي و العالم الملکوتي و يفقد النوع الإنساني مبررات وجوده ، و سيکون انقراضه أمرا ً حتيما.

 

ومن هنا فإن ضرورة الإمام قائمة سواء کان غائبا ً أم حاضرا ً بين الناس.

امّا ما يتعلّق بالمنقطتين الأخر يين ، فيمکن القول: إن المجتمع الإسلامي والإنساني يعيش حرمانا ً بسبب غيابه الذي اضطر إليه اضطرراً ، فقد اصطفاه الله واختاره للناس إماماً ، و لکن الناس هم من يقع عليهم اللوم في عدم الاستفادة منه في إدارة شؤونهم و قيادتهم.وعندما يسعي المجتمع الإسلامي إلي إعداد و سيظهر الامام للناس للقيام بمهمته في تنفيذ شريعة الله في حياة البشرية ، و قيادة الإنسانية إلي هدفها النهائي(9).


إشکال خامس:

في ضوء نظرية الإمامة و قيادة المعصوم سيکون المجتمع الإسلامي غير مسؤول عن تشکيل الحکومة و وجود قائد يتولّي زمام الامور ؛ لأنّ کلّّ حکومة ستفتقد شرعيتها ، و عليه ستبقي الامّة الإسلامية بلا جهاز حکومي يدير شؤونها!!


الجواب:

إننا لم نقل أبداً و لن نقول بانتفاء مسؤولية الاُمّة في تشکيل حکومة اسلامية عند غياب المعصوم ، أو رفض کلّّ حکومة تنهض خلال الغيبة ، کلّّا لايمکم قبول ذلک ؛کلّّ الشعوب و المجتمعات البشرية تتفق و من خلال محاسبات عقلية صرفة علي ضرورة وجود قانون و حکومة و نظام ، و بدون هذا تعم الفوضي والفساد کلّّ ميادين الحياة.

هذا من جهة ، و من جهة اخري: فإن المتأمل في أصل الخلقة الإنسانية يدرک آن البشر و لدوا أحرارا و أنّه لاحق لآيٍ کان بالتدخل في فرض اسلوب للحياة معين علي الآخرين ، و ان استخدام القوة في تسخير الآخرين هو ظلم محض حتي لو ادّعي رعاية المصلحة العامة في ذلک.

فالعقل الإنساني يعتقد قاطعا ً الله سبحانه وحده الذي له الحقّ في انتخاب اسلوب الحياة المناسب للبشرية ؛ لأن للناس جميعا ً هم عباده ، و هو الخالق والمالک لهم ، فله الحقّ في التدخل في حياتهم.

ولو أوکل الله سبحانه ذلک الي غيره فهو مطلق التصرف في ذلک ، يحکم کيف يشاء ، و لقد أثبتنا خلال بحوث سابقة أن الله عزوجل أوکل قيادة الإنسانية إلي الأئمة المعصومين الذين عينهم من قبل ، و عرفهم سيّدنا محمّد (صلي الله عليه و آله و سلم)للمسلمين و جعل لهم حق لاخلاقة من بعده.

وإضافة الي هذا ، و ما دامت مسألة الحکم و سيادة القانون ضرورة حياتية يتفق عليها البشر جميعاً ، فإن الإسلام لا يقف منها موقفا ً سليبا ً بل يؤکد ضرورتها دينياً ، و ان علي المسلمين کسائر الامم الاخري السعي لتشکيل حکم اسلامي ، فإذا وجد الإمام المعصوم فهو أحق من غيره في قيادة الاُمّة ، و علي المسلمين السعي لتعزيز موقعه و تثبيت حاکميته لإنّها حاکمية الله عزوجل ، و إلّا فعليهم السعي أيضاً لتشکيل حکومة صالحة تنهض بمسؤولية تطبيق الشريعة الإلهية ما أمکن و تهيئة المناخ المناسب لحکومة الامام المعصوم.

 

 

(1) شرح ابن أبي الحديد: ج1ص18
(2) مناقب بن شهر آشوب: ج4ص247
(3) الفصول المهمة: ص204
(4) الامام الصادق و المذاهب الأربّّّعة: ج1ص55
(5) المصدر السابق: ص56
(6) داوري - باللغة الفارسية - أحمد کسروي ، ص28
(7)تحف العقول طهرا ن 1384: ص218
(8) داوري ، 53
(9) لمزيد من التفصيل يراجع کتاب"دادگستر جهان"للمؤلف نفسه و قد ترجم الي العربية تحت عنوان"حوارات حول المنقذ"-المترجم.