مقوّمات المشرّع

 مقوّمات المشرّع

ان يکون محيطا ً إحاطة تامة بعلم "الاناسة"أو الانثر بولوجي خبيراً بکلّّ تفاصيل الإنسان جسماً و روحاً و بکلّّ ما يزخربه من غرائز وما يموج به من عواطف و ميول ، فهل هناک من يعلم خفايا الإنسان و يعرف ما مضرّه و ماينفعه ويدرک آماله و آلامه و ما يکتنفه من أوهام و حقائق؟

لوسلّمنا جدلاً أن الإنسان يمکنه الإحاطة بتفاصيل الحياة مادّياً ، فما مدي تعمّقه في الجانب الآخر من الحياة.. في روحه التي يشقّ بل يستحيل علي الإنسان أن يحيط بطبيعتها ، و ستبقي تأثيرات الروح و تقلبات النفس مسألة عسيرة الفهم ، صعبة الإدراک.واذا عرفنا ان هذا الجانب عميق التأثير في حياة البشرية ، أدرکنا النتائج التي تترتب علي إهماله أو الغفلة عنه.

ان غاية ما يمکن للقانون الوضعي أن يفعله هو السيطرة علي ظاهر الحياة ونشاط الإنسان المنظور ، و لکنه سيبقي عاجزا ً عن الإشراف و ضبط غرائزه وتحديد مساره الأخلاقي.

وإذا استوعبنا بأن القانون هو نتاج جهد بشري ، و ان الإنسان ينطلق في موافقه من قاعدة أخلاقية في أعماقه و من وحي غرائزه المتجذرة في نفسه ، أدرکنا مدي التصادمات التي قد تنجم عن محأولة فرض القانون الوضعي في حياة الإنسان.

وعلي أساس ما ذکرنا آنفاً من تجذّر غريزة الأنا وإنّها المحور الذي يفسّر السلوک الإنساني بشکل عام حيث تکون المصلحة الشخصية هي الغاوية الأساس في تحرک الإنسان ، سوف نتوقع شکل القانون الذي يضعه بنفسه عندما يأخذ بنظر الاعتبار مصالحه الذاتية بعيدا ً عن هموم الآخرين و طموحاتهم.

وربما سيتهمني القارئ الکريم بالتعصب و ضيق الافق ، و لکن التأمل فيم تخلطط له الدول الکبري لإصطياد الدول النامية و الصغيرة و ما تصنعه من أفخاخ جميلة للايقاع ، سوف يدفعه لمشاطرة المؤلف ذات الرؤية و يقف معه نفس موقفه.

ربما يتمکن الإنسان من تعديل القانون بين حين و آخر ، فيحذف شيئا ً ويضيف شيئاً آخر ، و لکن ذلک سيبقي في نطاق محدود ، و ستبقي الإنانية والمصالح الشخصية -وفي أفضل الظروف المصالح القومية-هي الأساس في کلّّ المحاسبات القانونية ؛ ولکلّّ بلد تجربته المريرة في هذا الميدان ، فهناک شرائح من المجتمع ستجد القانون إلي جانبها و اخري ضدّها ، و يکاد يسحقها سحقاً ، فأين هي البلاد التي ازدهرت في ظلّّ قانون ما ، و ما أکثر البلدان التي جرت عليها الشرائع البشرية سوء الغذاب.

وها هو التاريخ البشري يقيم شواهده في مئات القوانين المشرّعة و آلاف التعديلات و الإلغاءات.

ولتکن العبودية مثالا ً ؛ فما أکثر القوانين و اللوائح التي ندّدت بها و دعت إلي إلغائها ، و انّ الإنسان کائن يتمتع إنسان اليوم بالحرية ؟! إنني أترک الإجابة لضمير القارئ.

فحتي الإنسان الذي يعيش اليوم في ما يسمّي بالبلدان المتحضرة ينظر إلي مواطنه ربما کإنسان ، و لکنّه و بمجرد ان يعبر حدود بلاده سوف يتصرف بطريقة اخري ؛خاصة في البلدان النامية ، و سيقفز لذهنه فوراً إصطلاح "الأهلي"الذي يعبّر عن روح إستعمارية تجعل انسان تلک البلدان يأتي بالدرجة الثانية التي قد تقترب من مستوي الحيوانات ، و لنقل العبيد_في أحسن الأحوال - وهذا مانراه اليوم من غارات منظمة و جشعة لنهب مقدرات البلدان الضعيفة لحساب البلدان (المتقدّمة) و (المتحضرة).

وإذا کانت القوانين الوضعية قادرة علي کبح جماح عريزة الأنا في الذات البشرية ، فلماذا نري تکدّس ثروات الشعوب الفقيرة في قبضة الدول القوية؟ ولماذا هذا التهالک علي التسلح و تکديس أسلحة الدمار؟!

وعلي حدّ تعبير هويز: "اذا لم يکن البشر في حالة حرب ، فلماذا يسلحون أنفسهم ، و لماذا يقفلون أبواب منازلهم "(1).

ان المشرع البشري أو المشرّعون إنما يبدعون أو يقنّنون و فقاّ لعاداتهم وتقاليدهم و مصالحهم القومية في أفضل الإحوال ، و هي - اذن - أطر ضيّقة لا تنسجم مع طموحات البشرية؛ وستبقي أسيرة لمصالح طائفة محدودة أو عرق معين ، و اذا أصبحت الطبقة المرفهة الغنية في موقع يمکنها من التشريع فسوف تعمل علي سحق سائر الطبقات و الشرائح الاجتماعية الآخري.

ومن هنا ستبقي القوانين کحالة البحر ، هادئة يوماّ و هائجة يوما ً آخر!

إذا تمکن القانون من التغلغل في وجدان المسؤولين عند تنفيذه حتي إنّهم يشعرون بالذنب إذا ما تخلّفوا عنه ، فإن النجاح - سيحالفه ، و بالطبع فإن هذا من خصائص القانون الإلهي.


(1) المصدر السابق ، ص88