سرّ التفوّق في الشرائع الإلهية

 سرّ التفوّق في الشرائع الإلهية

انّ سرّ تفوق القانون الإلهي ينطوي في ذات الأنبياء ، فهم يبدأون عملهم في صياغة الإنسان نفسه حيث السعي في تجذير قانون أخلاقي في أعماق الذات البشرية ، و ضبط الغرائز والميول والرغبات و الحدّ من طغيإنها ، ثم تأتي مرحلة الإعداد لقبول الشريعة الإليهة من عبادات و قوانين اجتماعية ، و سيکون الايمان کفيلا ً بتنفيذ شريعة الله في الحياة الإنسانية علي إکمل وجه.

 

يقول مونتسيکو:

"عندما تکون الاُمّة سامية أخلاقياً فإنّها ستکون في غني ً عن القوانين المعقدة و ستکتفي بقوانين بسيطة".(1)

وکتب افلاطون"

"کان "رادامانت"يحکم امّة متدينة و لهذا کان يفصل في القضايا بيسر وسهولة لإنّه يکتفي بقسم أحد الطرفين المتخاصمين و تنتهي المشکلة(2).

"ان قوة القوانين الدينية تمکن في إيمان الناس و اعتقادهم بها فيما تبقي القوانين الحکومية مقترنة بخوف الناس وخشيتهم "(3).

ويقول أيضاً:

ان القوانين الوضعية تنشد الحل المناسب ، في حين تمثل القوانين الإليهة الحل الأفضل. وقد تتعدد الحلول المناسبة ، فيما يبقي القانون الألهي فريداً من نوعه ، و هو إذن في مأمن عن التغيير.

ان الإنسان يمکنه تغيير ما يسنّه من قانون ؛ لإنّه يجده صالحا ً في ظرف معين و غير صالح في ظرف آخر.أما الشريعة الدينية التي تمثل القانون الأفضل فإنما غير قابلة للتغيير لإنّه لايوجد أفضل منها"(4).
 


إشکال

قديشکلّّ القارئ قائلاً: إذا کانت القوانين المساوية تمتاز بکلّّ ما ذکر من مواصفات و إنّها صالحة للبشرية جمعاء ، و هي و حدها التي تحول دون هضم الحق و بروز العدوان ، فلماذا أخفق الإسلام و سائرالأديان السماوية في مهمتها؟

لماذا لم ينهض الإسلام بمهمته في إدارة المجتمع المسلم و لم ينهض برسالته في تقدّم الشعوب الإسلامية ؟ أليس في هذا دليل علي عجزالإسلام هو الآخر في ضبط الغرائز البشرية و إنها أقوي من أن يکبح جماحها؟
الجواب:

ان اختيار قانون ما لنعرف مدي صلاحيته هو في تطبيقه و تنفيذ موادّه بشکل کامل ، و عندها ستکون النتائج في الأساس في الحکم سلباً و ايجاباً ، و من غيرالمنطقي الحکم علي عدم جدوي قانون ما من دون منحه فرصة التطبيق.

فمتي اتيح للإسلام أن يحکم...أن يتدخل بکلّّ شؤون الحياة الإنسانية ثم لم يسفر عن نتائج طيبة ؟! أم ننتظر من شريعة الإسلام أن تنسل من بين بطون الکتب لتکون ساعة موقوفة تنفجر و تصلح شأن العالم و تعدل من مسار الإنسانية.

امنحوا الفرصة للإسلام أن ينفّذ برامجه في السياسة و الاقتصاد و المجتمع وفي الأخلاق و لو مدّة قصيرة ، فإذا لم يثمر ولم يعط نتائج مرضية ، عندها يمکنکم الاستفادة من اطروحات الآخرين.

اننا و بالرغم من اعترافنا بعدم نجاح الأنبياء في توجيه المسار البشري الوجهة التي أرادت السماء ، و ما يزال العالم غارقا ً في الظلم و العدوان ، و ما يزال البشر حائرين يبحثون عن طريق للسعادة ؛ وبالرغم من کلّّ ذلک فإننا ينبغي أن نکون منصفين و نعترف أيضا أن ماهو موجود اليوم من ميراث خلاقي حفظ للبشرية إنسانيتها إلي حد ماهو خلاصة لکفاح الأنبياء عبر التاريخ ، و لو افترضنا غياب النبوات عن مسار البشرية ، لما کانت المجتمعات الإنسانية کم هي عليه اليوم و الأمس من احترام للقيم و الفضائل الإنسانية.

 

(1) المصدر السابق ، ص504
(2) المصدر السابق ، ص627
(3) المصدر السابق
(4) المصدر السابق