تعیین الخلیفة والإمام الأوّل

تعیین الخلیفة والإمام الأوّل

 

کان النبیّ الأکرم صلی‌الله‌علیه‌وآله  علی معرفة جیّدة و کاملة بما کان یتمتّع به علیّ علیه‌السلام  من عِلم وعصمة وغیر ذلک من الفضائل والکمالات، وبصلاحیّته و أهلیّته لخلافة النبی ، ومواصلته لأهدافه وخطواته  صلی‌الله‌علیه‌وآله ، ولکن کان یعرف أنّ نصب علیٍّ علیه‌السلام  والتعریف به للخلافة والإمامة عملٌ فی غایة الصعوبة، وأنّه سیواجه مخالفة ومعارضة شدیدتین من قِبل المتعطشین إلی الجاه والمنصب، لهذا کان یری أنّ من المصلَحة أن یتمّ هذا الأمر المهمّ والمصیری فی مرحلتین :

المرحلة الأولی الإعداد لقبول هذا الأمر .

والمرحلة الثانیة النصب والتعیین الرسمی فی الفرصة المناسبة .

و قد تم ذلک فی مرحلتین فعلاً:

المرحلة الأولی : الإعداد

لقد اجتهد النبیّ الکریم  صلی‌الله‌علیه‌وآله  فی إبراز فضائل الإمام علی  علیه‌السلام  والإشارة إلی کمالاته ، وأثنی علیه ، وأشاد به .

وفی هذا الصدد نُقِلَت أحادیث کثیرة فی کتب الحدیث لا یمکن ذکرها هنا لوفرتها و کثرتها البالغة، إنما یمکن الوقوف علیها بمراجعة کتب الفضائل والسیرة ، ولکننا نذکر بعضها من باب المثال :


یقول الامام علی علیه‌السلام  : «لما نَزَلت هذه الآیة علی رسول اللّه  صلی‌الله‌علیه‌وآله :«وأنذِر عشيرَتَك الأَقربين»[161] دعانی رسولُ اللّه  صلی‌الله‌علیه‌وآله  وقال لی:إصنَع لنا طعاماً ثم اْجمع لی بنیعبدالمطلب.. ففعلت ما أمرنی به ثم دعوتهم له وهم یومئذ أربعون رجلاً...

فلما اجتمعوا إلیه دعانی بالطعام الذی صنعتُ لهم .

قال: ثُمّ تکلَّم رسولُ اللّه صلی‌الله‌علیه‌وآله  ، فقال : یا بنی عبدالمطلب! إنّی واللّه ما أعلمُ شابا فی العرب جاء قومَه بأفضل ممّا قد جئتُکم به، فقد جئتکُم بخیر الدنیا والآخرة ، وقد أمرنی اللّه تعالی أن أدعوَکم إلیه، فأیّکم یؤازرنی علی هذا الأمر علی أن یکون أخی ووصیّی وخلیفتی فیکم؟».

قال : فأحجَم القومُ عنها جمیعا وقلتُ ـ وإنّی أحدثهم سنّا ـ : أنا یا نبیَّ اللّه أکون وزیرَک علیه .

فأخذ برقبتی ثم قال : «إنَّ هذا أخي ووصِييّ وخليفتي فيكُم فاسمعُوا له وأطيعوا» .

قال : فقام القوم یضحکون ویقولون لأبیطالب : قد أمرکَ أن تسمع لإِبنک وتطیع».[162]

 

التوصیة بعلیّ علیه‌السلام

روی ابن عباس ، عن  رسول اللّه صلی‌الله‌علیه‌وآله   انه قال : «من سَرّه أن يَحيا حياتي ويموتَ مماتي ويسكن جنة عَدن غرسها ربّي، فليوالِ عليّا من بعدي وليوالِ وليَّه وليقتدِ بالأئمّة من بعدي، فإنّهم عترتي ، خُلقوا من طينتي ، ورُزقوا فهما وعلما . وويلٌ للمكذِبين بفضلهم من أمّتي، القاطعين فيهم صِلتي، لا أنالهم اللّه‏ شفاعتي ».[163]


وروی حذیفة  عن  رسول اللّه صلی‌الله‌علیه‌وآله  انه قال : « مَنْ سَرّه أن يحيا حياتي، ويموت مِيتتي، ويتمسَّك بالقصبة الياقوتة التي خلقها اللّه‏ بيده ، ثمّ قال لها : كوني فكانت ، فليتولَّ عليَّ بن أبيطالب  عليه‌‏السلام  من بعدي».[164]

وقال رسولُ اللّه صلی‌الله‌علیه‌وآله  : «يا معشرَ الأنصار! ألا أدعوكم الى ما إنْ تمسّكتُمْ به لن‏تضِلّوا بعده أبدا؟» .

قالوا : بلی یا رسولَ اللّه .

قال : «هذا عليّ فأحِبوه بحبّي وأكرِموه بكرامتي ، فإنّ جبرئيل أمرني بالذي قلتُ لكم عن اللّه‏ عزّوجلّ ».[165]

وروی عن حذیفة بن الیمان أنه قال : قالوا : یا رسول اللّه! ألا تستخلف علیّا؟

قال : «إن تُولُّوا عليّا تجدوه هاديا مهديّا يسلك بكم الطريقَ المستقيمَ».[166]

وروی أبوسعید الخدری  أن  رسول اللّه صلی‌الله‌علیه‌وآله   قال لعلیّ وضرب بین کتفیه : «يا عليّ لك سبع خصال لا يحاجُّك فيهن أحدٌ يوم القيامة : أنتَ أوّل المؤمنين باللّه‏ إيمانا، وأوفاهم بعهد اللّه‏ ، وأقومُهم بأمر اللّه‏ ، وأرأفهم بالرَّعية ، وأقسمُهم بالسويَّة ، وأعلمُهم بالقضيّة ، وأعظمُهم مزيةً يوم القيامة».[167]

وقال أنس بن مالک ، : بعثنی النبّی صلی‌الله‌علیه‌وآله  ، إلی أبیبرزة الأسلمی ، فقال له ـ وأنا أسمع ـ: «یا أبا بَرزة إنّ ربّ العالمین عَهِد إلیّ عهدا فی علیّ بن أبیطالب ، فقال : «إنّه رایةُ الهدی ، ومنارُ الإیمان ، وإمامُ أولیائی ، ونورُ جمیع مَنْ أطاعنی.

یا برزة! علیّ بن أبی طالب أمینی غدا فی القیامة ، وصاحب رایتی فی
القیامة ، علی مفاتیح خزائن رحمة ربّی ».[168]

وروی عن أم سلمة ، أنها قالت : سمعتُ رسولَ اللّه صلی‌الله‌علیه‌وآله  یقول : «عليٌّ مع القرآن والقرآن مع عليّ لا يفتَرقان حتّى يَرِدا عليَّ الحوضَ».[169]

وعن علیّ علیه‌السلام  أن رسول اللّه صلی‌الله‌علیه‌وآله  قال : «أنا مدينة العِلم وعليٌّ بابُها ، فمن أراد العلمَ فليأتِ البابَ».[170]

و عن عایشة ، أنهاقالت : سمعتُ رسولَ اللّه صلی‌الله‌علیه‌وآله یقول : «عليٌّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ لن يفترقا حتّى يَرِدا عليَّ الحوضَ».[171]

و عن إبن عمر ، قال : لمّا آخی رسولُ اللّه صلی‌الله‌علیه‌وآله بین الصحابة فجاء علیّ علیه‌السلام  تدمع عیناه . فقال : «يا رسول اللّه‏! آخيتَ بين أصحابك ولم تؤاخِ بيني وبين أحد؟»

فسمعتُ النبیّ علیه‌السلام  یقول : «أنتَ أخي في الدنيا والآخرة».[172]

وروی أسعد بن زرارة ، قال : قال رسول اللّه صلی‌الله‌علیه‌وآله : «انتهيتُ ليلةَ أُسري بي إلى سدرة المنتهى ، فأوحى إليَّ في عليٍّ ثلاثاً : أنّه إمام المتّقين، وسيّد المسلمين، وقائد الغرّ المحجّلين إلى جنّات النعيم».[173]

قال رسول اللّه صلی‌الله‌علیه‌وآله  : «يا عليّ! أنت سيّد المسلمين وإمام المتّقين وقائد الغرّ المحجّلين ويعسوب الدين».[174]

وقال رسول اللّه صلی‌الله‌علیه‌وآله  : «مَن أحبَّ أن يتمسَّك بديني ويركب سفينَة النجاة بعدي فلْيقتدِ بعليِّ بن أبيطالب ولْيُعادِ عدوّه ولْيوالِ وليّه؛ فإنّه وصيي وخليفتي
على اُمّتي في حياتي وبعد وفاتي ، وهو إمام كلّ مُسلمٍ وأمير كلّ مؤمنٍ بعدي ، قولُه قولي ، وأمرُه أمري ، ونهيُه نَهيي ، وتابِعُه تابعي ، وناصرُه ناصري ، وخاذله خاذلي».[175]

وعن أبیذرّ ، قال : قال رسول اللّه صلی‌الله‌علیه‌وآله  : «مَنْ أطاعني فقد أطاع اللّه‏ ، ومَنْ عصاني فقد عصى اللّه‏ ، ومَن أطاع عليّا فقد أطاعني ، ومَنْ عصا عليّا فقد عصاني»[176]

وعن أنس بن مالک : إنّ النبیّ صلی‌الله‌علیه‌وآله  قال لعلیّ  علیه‌السلام : «أنتَ تبيِّن لأمّتي ما اختَلَفوا من بعدي».[177]

وعن زید بن أرقم ، قال : قال رسول اللّه صلی‌الله‌علیه‌وآله  : «مَن يريد أنْ يحيا حياتي ويموتَ موتي ويسكنَ جنة الخلد التي وَعَدني ربّي فليتولَّ عليَّ بن أبيطالب؛ فإنّه لن يُخرجَكم من هدًى ولن يُدخلكم في ضلالة».[178]

یُستفاد بوضوح من الأحادیث السالفة التی ذکرناها من باب المثال لاالحصر بل و من مئات الأحادیث من نظائرها والتی یمکن إعتبارها متواترةً معنیً، أنّ رسولَ الإسلام  صلی‌الله‌علیه‌وآله  کان مکلّفا من جانب اللّه تعالی أن ینصب علیا علیه‌السلام للإمامة ، والأحادیث المذکورة التی صَدَرت بعباراتٍ متنوّعةٍ وفی أوقاتٍ مختلفةٍ تُعدّ بمثابة تمهید وإعداد لهذه المهمّة الکبری التی قام بها فی الوقت المناسب .

 

المرحلة الثانیة : التنصیب الرسمی

رغم أنّ نبیَّ الإسلام ظلَّ - طوال عشرین عاما من عهد رسالته - یسعی سعیاً بلیغاً للتعریف بشخصیّة علیّ علیه‌السلام  المتمیّزة ، وتهیئة الرأی العام لقبول ولایة
تلک الشخصیّة ، کان یرید أن یقوم  بمهمته الإلهیّة (و هی التنصیب الرسمیّ للإمام) فی وقت أسرع ، ولکن کان من المحسوس أنّ الأرضیّة لم تکن متوفّرةً ومهیّئةً لذلک ، وأنّ بعض أقطاب قریش ، وصحابة النبیّ  صلی‌الله‌علیه‌وآله  الذین کانوا یحلمون أحیاناً بالخلافة، سوف لن یرضوا بهذا الاختیار ، وأنّهم سیعارضونه بدلیل وآخر .

لقد کان رسولُ اللّه صلی‌الله‌علیه‌وآله  قلقا من الوضع الموجود ، فکان یؤخّر القیام بهذه المهمّة الکبری خشیة حدوث الاختلاف فی الأمّة ووقوع الفرقة فی صفوفهم ، وریثما تتهیّأ الفرصة المؤاتیة لذلک، وقد استمرّ هذا الوضع إلی السنة العاشرة من الهجرة .

حجّة الوداع

فی هذه السنة عزم رسول اللّه صلی‌الله‌علیه‌وآله  علی السفر إلی مکّة المکرّمة بهدف أداء فریضة الحجّ ، علّه تتهیّأ ـ خلال مراسم الحجّ ـ الفرصة المناسبة لنصب علیّ علیه‌السلام  للإمامة والولایة بصورة رسمیّة، وقد أخبر المسلمین فی المدینة وغیرها من بلاد المسلمین بأنّه صلی‌الله‌علیه‌وآله  سیحجّ هذه السنة ، فمن قدر فلیخرج إلی الحج  .

کتب المؤرخون أنّه قصد مکّة فی تلک السنة أکثر من مائة ألف ، وأحرموا فی المیقات للعمرة وطافوا حول الکعبة المعظّمة ، وصلّوا رکعتی الطواف وسعوا بین الصفا والمروة وقصّروا مع رسول اللّه صلی‌الله‌علیه‌وآله  ، وبعد ذلک أحرموا مجّددا لأداء مراسم الحج ، ووقفوا بعرفات و المزدلفة ثمّ توجّهوا إلی منی ، ورموا الجمار وبعد أن ضحّوا وخرجوا من الإحرام بالتقصیر الواجب، ثمّ استعدُّوا بعد ذلک للقیام بالطواف وغیر ذلک من الواجبات الأخیرة من الحج .

وکانوا فی جمیع هذه المراحل یستفیدون من تعالیم رسول اللّه صلی‌الله‌علیه‌وآله  العلمیّة والفقهیّة، وطوال هذه المراسم کان رسول اللّه  صلی‌الله‌علیه‌وآله  یفید المسلمین بخطبه ومواعظه ، ویؤکّد علی حفظ الوحدة والدفاع عن الإسلام ، و قد کرّر مرارا التوصیة الموکّدة
علی حراسة القرآن ، والعمل به، واتباع عترته وأهل بیته .

ولقد کان رسول اللّه صلی‌الله‌علیه‌وآله  یتحدّث ویعمل وکأنّه یری أن موته قدبات قریبا ، وانّ هذه الحِجّة هی الحِجّة الأخیرة .

ومع أنّه کان من الممکن أن یقوم بالمهمّة الإلهیّة الملقاة علی عاتقه فی عرفات أو منی أو فی المسجد الحرام ، وینصب علیّا علیه‌السلام  للخلافة والإمامة أمام جمیع الحجاج إلاّ أنّه أحجم عن القیام بهذه المهمّة .

ولعلّه لم یرَ الأرضیّة المناسبة لذلک وکان یخشی معارضة طلاب السیاسة ومخالفتهم، وعرقلتهم لهذه الخطوة الهامّة، وعلی کلّ حال انتهی موسم الحج ، وأخذت قوافل الحجّاج العظیمة تعود إلی بلادها وأقطارها و بدأ النبی الکریم صلی‌الله‌علیه‌وآله  یعود هو أیضا إلی المدینة مع القافلة ، وهو یعانی من قلق کبیر لعدم توفر فرصة مناسبة لنصب علیّ علیه‌السلام  لمقام الخلافة و الإمامة من بعده.

 

غدیر خمّ

وصل رسول اللّه صلی‌الله‌علیه‌وآله  ومرافقوه إلی (غدیر خم) وهی قریبة إلی منطقة الجحفة و منها تتفرق الطرق إلی البلاد الإسلامیّة المختلفة ، ویتوجّه الحجیج إلی مناطق مختلفة . . وکان هذا آخر فرصة لنَصب الإمام علی علیه‌السلام  للخلافة فی مرأی ومسمع من جمیع حُجاج البلاد .

کان الوقت قریبا من الظهر وکان الحَرّ شدیدا جدّا ، وفی هذا المکان بالذات نزل جبرئیل و هبط بهذه الآیة علی رسول اللّه صلی‌الله‌علیه‌وآله  و هی قوله تعالی : «يا أيُّها الرسول بَلِّغ ما أُنزل إليكَ من ربّكَ وإن لم تَفعلْ فما بلّغتَ رسالتَه واللّه‏ُ يعصمُك من الناس إنّ اللّه‏ لا يَهدي القومَ الكافِرين».[179]

فنزل رسولُ اللّه صلی‌الله‌علیه‌وآله  فی تلک المنطقة وطلب من الحُجاج الذین تَقَدّموا أن
یعودوا ، کما أمر الحُجاج الذین لم یصِلوا بعد أن یجدّوا فی السیر ویتوقفوا حیث نزل و توقف.

لم تکن هناک سوی أشجار کبیرة یابسة (سمرات) فقمم تحتها من أجل إقامة الصلاة ، فتعجب الحجاج من توقّف النبیّ غیر المناسب فی تلک الأجواء الساخنة بل والحارّة جدّا، وکانوا یقولون : إنّه لابدّ من أمر هام.

ثمّ أعدوا منبرا من حدوج الإبل وأقتابها ، وصعد علیه النبیّ صلی‌الله‌علیه‌وآله  وقام خطیبا فی تلک الجموع العظیمة، وکان جماعة ممّن یسمعون کلامه ینقلونه إلی البعیدین عنه .

هذه الحادثة وقعت فی الیوم الثامن عشر من شهر ذی الحجّة.

حدیث الغدیر

خطب النبی الکریم صلی‌الله‌علیه‌وآله  فی ذلک المکان خطبةً مفصلة عُرفت فیما بعد بحدیث الغدیر، و قد نقل نصها بعبارات مختلفة فی کتب الشیعة والسنة المعتبرة.

وقد روی بعض الرواة هذه القضیة علی نحو التفصیل، وبعض رواها بصورة مختصرة إلاّ أنّهم إشترکوا جمیعا فی نقل العبارات الدالّة علی ولایة علیّ علیه‌السلام  ونکتفی هنا ـ بنقل واحدة من هذه الروایات :

قال زید بن أرقم ، رضی اللّه عنه ، لمّا رجع رسول اللّه صلی‌الله‌علیه‌وآله  من حجّة الوداع ونزل غدیر خم أمر بدوحات فقُمِمن ، فقال : «كأنّي دُعيتُ فأجيبُ ، إنّي قد تركتُ فيكم الثقلين أحدَهما أكبر من الآخر : كتابَ اللّه‏ وعترتي . فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوضَ» .

ثمّ قال : «إنّ اللّه‏ عزّوجلّ مولاي وأنا مولى كلّ مؤمن» .

ثمّ أخذ بید علیّ ، رضی اللّه عنه ، فقال : «مَنْ كُنتُ مولاه فهذا وليّه ، اللّهمّ والِ
منْ والاه ، وعادِ مَن عاداه».[180]

وللبراء بن عازب ـ فی الحدیث نفسه ـ عبارة إضافیّة هی : انّ رسول اللّه صلی‌الله‌علیه‌وآله  قال أوّلاً : «ألستُ أوْلى بالمؤمنين من أنفسهم» ؟.

قالوا : بلی .

قال : «ألستُ أولى بكلّ مؤمن من نفسه؟»

قالوا : بلی .

قال : «فهذا وليّ من أنا مولاه».[181]

وجاء فی ذیل حدیثٍ آخر عن البراء هذه العبارة : فلقیه عمر بن الخطاب ، فقال : هنیئا لک، أصبحتَ وأمسیتَ مولی کلِّ مؤمنٍ ومؤمنةٍ.[182]

 

رواة حدیث الغدیر

و حدیث الغدیر هذا حدیث متواتر وقطعیّ الصدور وقد رواه أکثر من مائةٍ وعشرة من الصحابة الکبار منهم :

أبوهریرة؛ أبویعلی الأنصاری، أبوالهیثم بن التیهان؛ أبوبکر بن ابیقحافة؛ عمر بن الخطاب ، عثمان بن عفان، علی بن أبیطالب ، الإمام الحسن المجتبی، الإمام الحسین، فاطمة الزهراء ، أُسامة بن زید ، أُمّ سلمة (زوجة النبی)، أنس بن
مالک (خادم النبی)، براء بن عازب، جابر بن سمرة، جابر بن عبداللّه الأنصاری، حذیفة بن أسید، حسان بن ثابت، خزیمة بن ثابت الأنصاری، الزبیر بن العوام، زید بن الأرقم، زید بن ثابت، أبوسعید الخدری، سلمان الفارسی، مقداد بن عمرو الکندی، عباس بن عبدالمطلب، عبداللّه بن جعفر بن أبیطالب، عبداللّه بن عباس، عبداللّه بن عمر بن الخطاب، عمار بن یاسر.[183]

 

أسناد الحدیث

ولقد نقل مؤلّفو السنّة والشیعة هذا الحدیث فی کتبهم فی مجال الحدیث والتاریخ والتفسیر والکلام، واستدلوا به ، بل وأُلّفت کتبٌ مستقلةٌ فی هذا الحدیث .

وحیث أنّ هذا الحدیث متواتر وقطعیّ الصدور لذلک لسنا بحاجة الی البحث فی أسناده ، ومع ذلک فإنّ کثیرا من العلماء بحثوا فی هذا السند ووصفوه بالحسن والصحة ، ونشیر إلی بعضها من باب المثال :

1 ـ الحافظ أبوعیسی الترمذی فی السنن .
2 ـ الحافظ أبوجعفر الطحاوی فی مشکل الآثار .
3ـ أبوعبداللّه الحاکم فی المستدرک علی الصحیحین.
4ـ أبومحمّد أحمد بن محمّد العاصی فی زین الفتی.
5ـ الحافظ إبن عبدالبرّ القرطبی فی الإستیعاب.
6 ـ أبوالحسن بن المغازلی الشافعی فی المناقب.
7ـ أبو حامد الغزالی فی سِرّ العالمین.
8ـ أبوالفرج إبن الجوزی الحنبلی فی المناقب.
9ـ سبط إبن الجوزی الحنفی فی التذکرة.
10ـ إبن أبیالحدید المعتزلی فی شرح نهج البلاغة.
11ـ أبوعبداللّه الکنجی الشافعی فی کفایة الطالب.
12ـ علاء الدین السمنانی فی العروة.
13ـ السیّد محمود الآلوسی فی روح المعانی.
14ـ الشیخ محمّد الحوت البیروتی الشافعی فی أسنی المطالب.
15ـ شهاب الدین أبوالفیض أحمد بن محمّد الصدیق فی تشنیف الآذان.
16ـ الحافظ عماد الدین بن کثیر الشافعی فی البدایة والنهایة.
17ـ الحافظ نور الدین الهیثمیفی مجمع الزوائد.
18ـ شمس الدین الجزری الشافعی فی أسنی المطالب.
19ـ الحافظ إبن حجر العسقلانی فی تهذیب التهذیب.
20ـ أبوالخیر الشیرازی الشافعی فی إبطال الباطل.
21ـ الحافظ أبوالعباس شهاب الدین القسطلانی فی المواهب اللدنّیة.
22ـ الحافظ شهاب الدین إبن حجر الهیتمی فی الصواعق المحرقة.
23ـ جمال الدین الحسینی الشیرازی فی الأربعین.
24ـ جمال الدین أبوالمحاسن یوسف بن صلاح الدین الحنفی فی المعتصر من المختصر.
25ـ الشیخ نور الدین الهروی القاری الحنفی فی المرقاة فی شرح المشکاة.
26ـ الشیخ محمّد صدر العالم فی معارج العلی فی مناقب المرتضی.
27ـ السیّد ابن حمزة الحرانی فی البیان والتعریف.
28ـ أبوعبداللّه الزرقانی فی شرح المواهب.
29ـ شهاب الدین الحفظی الشافعی فی شرح عقد جواهر الآل.
30ـ المیرزا محمّد البدخشی فی نزل الأبرار.
31ـ مفتی الشام العمادی الحنفی فی الصلاة الفاخرة.
32ـ أبوالعرفان إبن الصبان الشافعی فی إسعاف الراغبین.
33ـ زین الدین المناوی الشافعی فی فیض القدیر.
34ـ نور الدین الحلبی الشافعی فی السیرة الحلبیة.
35 ـ الشیخ أحمد بن باکثیر فی وسیلة المآل فی مناقب الآل .
36 ـ الشیخ عبدالحقّ الدهلوی البخاری فی شرح المشکاة .
37 ـ الشیخ محمود بن محمّد الشیخانی فی الصراط السویِّ فی مناقب آل‌النبیّ.[184]

 

سؤال امیر المؤمنین ومناشدته

ولقد ناشد الامامُ علیُّ  علیه‌السلام  الناسَ فی مواضع متعدّدة، وأقسم علیهم بأن یشهد من حضر منهم فی حادثة الغدیر وسمع حدیث رسول  صلی‌الله‌علیه‌وآله ، فشهد جماعة من الحضور، وقالوا: بلی سمعنا رسولَ اللّه  صلی‌الله‌علیه‌وآله  یقول: «من كنت مولاهُ فعليٌّ مولاهُ».

ومن جملة هذه المناشدات ما فعله فی یوم الشوری وفی زمان عثمان بن عفان ویوم الرحبة بالکوفة، ویوم الجمل و یوم صفّین وفی حدیث الرکبان.

وکان فی کل مرة یشهد جماعة بهذه الواقعة ففی یوم الرحبة شهد أربعة وعشرون شخصاً نذکر أسماءهم فیما یأتی:

1 - أبو زینب بن عوف الانصاری.
2 - أبو عمرة بن عمرو بن محصن الانصاری.
3 - أبو فضالة الانصاری.
4 - أبو قدامة الانصاری.
5 - أبو یعلی الانصاری.
6 - أبو هریرة الدوسی.
7 - إبن الهیثم بن التیهان.
8 - ثابت بن ودیعة الانصاری.
9 - حبشی بن جنادة السلولی.
10 - أبو ایوب خالد الانصاری.
11 - خزیمة بن ثابت الانصاری.
12 - أبو شریح خویلد بن عَمْرو الخزاعی.
13 - زید أو یزید بن شراحیل الانصاری.
14 - سهل بن حنیف الانصاری.
15 - أبو سعید سعد بن مالک الخدری.
16 - أبو العباس سهل بن سعد الانصاری.
17 - عامر بن لیلی الغفاری.
18 - عبدالرحمان بن عبد ربّ الانصاری.
19 - عبداللّه بن ثابت الانصاری (خادم رسول اللّه  صلی‌الله‌علیه‌وآله ).
20 - عبید بن عازب الانصاری.
21 - أبو طریف عدی بن حاتم.
22 - عقبة بن عامر الجهنی.
23 - ناجیة بن عَمْرو الخزاعی.
24 - نعمان بن عجلان الانصاری.[185]

 

الاحتجاج  المتکرر بالحدیث

لقد وقع الاحتجاج بحدیث الغدیر بصورة مستمرة من قِبَل الامام علی  علیه‌السلام  و أهل بیته و المدافعین عنه وعن ولایته.

فالسیدة فاطمة الزهراء علیهاالسلامقالت: «أنسيتم قولَ رسول للّه‏  صلى‌‏الله‌‏عليه‏‌و‏آله‌‌  يوم غدير خُمّ،
وقوله  صلى‌‏الله‌‏عليه‏‌و‏آله‌‌ : أنت مِنّي بمنزلة هارون مِن موسى»؟!.[186]

کما قال الإمامُ الحسن  علیه‌السلام :«وقد سمعتْ هذه الاُمة جدّي  صلى‌‏الله‌‏عليه‏‌و‏آله‌‌  يقول لأبي: أنت مِنّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنه لا نبيّ بعدي. وقد رأوه و سمعوه حين أخذ بيد أبي بغدير خُمّ وقال لهم: مَن كنتُ مولاهُ فعليٌّ مولاهُ، أللّهمّ والِ مَن والاهُ وعادِ من عاداه».[187]

وقال الامامُ الحسین (ع) فی مکّة: «أُنشدكم اللّه‏، أتعلمون أنّ رسول اللّه‏ نصبه يوم غدير خُم فنادى له بالولاية وقال: ليبلِّغِ الشاهدُ الغائبَ؟».

قالوا: اللّهم، نعم.[188]

وقد إحتج بهذا الحدیث آخرون أیضا منهم: عبداللّه بن جعفر وعمرو بن العاص، و الاصبغ بن نباتة وقیس بن سعد علی معاویة وعمار بن یاسر علی عمرو بن العاص.[189]

مفاد الحدیث

قال رسولُ اللّه  صلی‌الله‌علیه‌وآله  فی هذه الخطبة:«کأنّی دعیتُ فأجبتُ إنّی ترکتُ فیکم الثقلین أحدَهما أکبر من الآخر: کتاب اللّه وعترتی. فاْنظروا کیف تُخلفونی فیهما، فإنّهما لن یفترقا حتّی یردا علیَّ الحوضَ رحمهماالله.[190]


لقد وصف نبیُ الاسلام فی هذه القطعة من الخطبة القرآنَ والعترةَ بأنهما أمران عظیمان وودیعتان ثمینتان، و عرّفهما للأمة، وقال: «أستودع عندَكم هاتين الوديعتين فاْحفظوهما و اجتهدوا في حفظهما».

القرآن

إن توصیة النبی صلی‌الله‌علیه‌وآله  فی ذلک الوقت لم یکن مجرد عمل تشریفاتی ، کما لم یکن  صلی‌الله‌علیه‌وآله  یرید أن یوصیَ المسلمین بأن یطبعوا القرآن طباعةً جیدةً و یقتنوه و یحتفظوا به فی بیوتهم وغرَفهم و یقوموا باحترامه، و قرائته أحیانا بصوت جمیل.. والقرآن لم ینزل لهذا الغرض، بل القرآن کتاب هدایة و منهاج حیاة، و قد نزل لیُخرج الناسَ ـ بما ینطوی علیه من محتویً غنیّ و مضمونٍ شفافٍ ـ من الضلالة والفساد، ویهدیهم إلی عالم النور و السرور، ویضمن سعادتهم دنیویّا و أُخرویّا.

إنّ القرآن الکریم أکبر وأعظم مصدر للعلوم والمعارف الدینیة، وقد جاء لیبقی و یهدی البشریة فی کل مکان وکل زمان.

و من هنا یجب القول بأن رسول اللّه  صلی‌الله‌علیه‌وآله أراد فی ذلک الوقت الحساس أن یقدِّم القرآن الکریم کمصدر علمیّ و دینیّ موثوق به لأجل أن یرجع  إلیه المسلمون لحل مشاکلهم المتنوعة، و یستفیدوا منه .

لقد طلب  من الناس أن یواصلوا الاهتمام بأهداف القرآن الکریم ،ویعملوا بجدّ علی تحقیقها، ولقد کان النبیّ  صلی‌الله‌علیه‌وآله  یتوقع من الأمة مثل هذا الموقف.

 

العترة والمرجعیة العلمیّة

إنّ المراد من العترة هم أهل البیت الذین سبق الحدیث عنهم،و قد ثبتت عصمتهم وعلمهم، وقد أسلفنا أن النبیّ الکریم  صلی‌الله‌علیه‌وآله  نقل إلی علی  علیه‌السلام  علومَ الدین و معارفه ونُقلت تلک العلوم عبره إلی الأئمة المعصومین من أبنائه، و علی هذا الاساس یُعتبر العترة حملةُ العلوم النبوّیة، و لم یوصِ رسول اللّه  صلی‌الله‌علیه‌وآله  فی هذه الخطبة و سائرِ أحادیثه بهم إلا لهذه الصفة التی کانوا یتحلّون بها، ولهذه الخصوصیة التی کانوا یختصون بامتلاکها دون غیرهم، فهم لکونهم خزانة علوم الدین، أوصی
بهم الأُمة، ودعاهم إلی إتخاذهم مرجَعا عِلمیا وموثوقا به، والإستفادة من معارفهم و علومهم.

إن تلک التوصیات المکرَّرة لاتعنی الدعوة إلی مجرد إحترامهم، والاحسان الیهم، أو إظهار المودة لهم بشکل صوریٍّ وشکلیٍّ.

و إذا ما رأینا اللّه تعالی یطلب فی کتابه العزیز «مودَّة ذوى القربى» والاحسان إلی «أهل البيت» فانه أیضا بهذا المعنی أیْ بهدف إتباعهم، والقبول بهم کمراجع دین.

إن وجوب القبول بمرجعیة أهل البیت ـ الدینیة لاینحصر فی أولئک الذین رضوا بإِمامتهم واْعتقدوا بها، بل یشمل کل المسلمین، فقد طُلب منهم جمیعا أن یرجعوا إلیهم لأخذ علوم الدین وشرائعه منهم، فحتی أُولئک الذین لم یعتقدوا بإِمامتهم بسبب الجهل بمنزلتهم ، أو بأی سببٍ آخر، مکلّفون کذلک بأخذ معارف الدین و تعالیمه  من أهل البیت.

ثم إنّ رسول اللّه  صلی‌الله‌علیه‌وآله  بعد التعریف بهم و وصفهم بأنهم الموئل والمرجع بعده قال: «وإنهما لن يفترقا حتى يَرِدا عليَّ الحوضَ يوم القيامة».

یعنی أن أحداً لا یجوز له ان یقول: «حَسبُنا كتاب اللّه‏» وبذلک یلغی دور العترة فی المرجعیّة، أو یقول: «حَسبُنا محبةُ أهل البيت»، ویقصّر فی الأَخذ بالقرآن، والرجوع إلیه.

ویتضح هذا المعنی أکثر بالإِمعان فی العبارة التی نَقَلها بعض الرواة وهی قول رسول اللّه  صلی‌الله‌علیه‌وآله :«ما إن تمسَّكتمْ بهما لن تضِلّوا بعدي أبداً».

لقد کشفَ رسول اللّه  صلی‌الله‌علیه‌وآله  - طوال حیاته مراتٍ ومراتٍ - النقابَ عن مقام الأَئمة وأهل بیته - العلمیة، ولفت إنتباههم إلیهم، وقد أوصی بهذا المعنی فی خطبة الغدیر التاریخیة والمهمة وأکد علیه أبلغ تأَکید .

 

تفسیر لفظة «المَولى»

إن أهم نقطة فی خطبة الغدیر هی جملة: «من كنتُ مولاهُ فهذا عليٌّ مولاهُ» و هذه العبارة موجودة فی نص حدیث الغدیر بجمیع صوره مع شییء بسیط من الاختلاف، وهو أمرٌ متفق علیه.

إن صدور هذه العبارة عن رسول اللّه  صلی‌الله‌علیه‌وآله  موضعُ إتفاق بین الشیعة و أهل السُّنة ، فهم متفقون فی نقلها عن النبی الکریم  صلی‌الله‌علیه‌وآله  ولکنهم اختلفوا فی معناها ومفادها، فالشیعة یعتبرونها نصا صریحا فی خلافة علیًّ  علیه‌السلام  لرسول اللّه صلی‌الله‌علیه‌وآله  وإمامته وولایته من بعده، بینما لا یقول أهلُ السنة بذلک.

إن منشأ الإختلاف فی تفسیر هذه اللفظة هو الإختلاف فی تفسیر کلمة (المَولی)، فأهلُ السنة یفسرون هذه اللفظة بالمحبّ والناصر، ولکن الشیعة فسروها بالأولی بالتصرف.

وقد وقعت فی هذه المسألة حوارات عدیدة ومناظرات کثیرة ومناقشات واحتجاجات لاتحصی بین الفریقین، مذکورة ومدونة فی کتب علم الکلام. (أی علم العقیدة).

ونحن هنا نورد أولاً جمیع المعانی المتنوعة للفظة المولی، ثم نعمد إلی البحث فیها ونقدها.

لقد سردَ مؤلف کتاب الغدیر جمیع موارد استعمال هذه اللفظة (المولی) فکانت سبعةً وعشرین معنی کالتالی:

1 - الربّ.
2 - العمّ.
3 - إبن العمّ.
4 - إلابن.
5 - إبن الأُخت.
6 - المُعتِق.
7 - المُعتَق.
8 - العبد.
9 - المالک.
10 - التابع.
11 - المُنعَم علیه.
12 - الشریک.
13 - الحلیف.
14 - الصاحب.
15 - الجار.
16 - النزیل.
17 - الصهر.
18 - القریب.
19 - المنعِم.
20 - العقید.
21 - الولّی.
22 - الأوْلی بالشییء.
23 - السیّد.
24 - المحبّ.
25 - الناصر.
26 - المتصرف فی الأمر.
27 - المتولی فی الأمر.[191]

بعد الإمعان الدقیق یتضح أن لفظة «المولى» الواردة فی حدیث الغدیر لا تناسب  أی واحدٍ من المعانی المذکورة بدءً من الرقم 1 إلی الرقم 20 ولا هی قابلة للتفسیر بها، ذلک لأَن المعنی الأَول یستلزم الشرک، ولا یمکن نسبته إلی النبی  صلی‌الله‌علیه‌وآله ، فربّ العالمین هو اللّه فقط، ولا ربَّ سواه.

والمعنی السابع والثامن والثانیعشر کذلک لا تصدق فی حق النبی صلی‌الله‌علیه‌وآله أیضا لانه  صلی‌الله‌علیه‌وآله  لم یکن لا محرَّراً معتَقا، ولا عبداً، وکما أنه لم یشارک أحداً طیلة حیاته.

وأما بقیة المعانی إلی رقم 20 وإن کان فی النظرة الابتدائیة یمکن تفسیر لفظة (المولی) بأحدها ولکن لا یکون هناک تلازم بین النبی والإمام علی  علیه‌السلام فیها،اذ لیس من الضروری إذا کان النبیُّ صلی‌الله‌علیه‌وآله  عمّا لأحد أن یکون علیٌّ  علیه‌السلام  عمّاً له أیضا لیصح أن یقال: من کان النبی عمّا له فعلیٌّ عمٌّ له أیضا وهکذابالنسبة الی البقیة.

وامّا بقیة المعانی من 21 إلی 27، فیمکن - حسب النظرة الإبتدائیة - الاستفادة منها فی تفسیر اللفظة المبحوث فیها.

وقد أختار أهلُ السنة من بین المعانی السبعة المعنی رقم 24 و 25 و فسَّروا لفظة المولی بالمحبّ والناصر، وقالوا إنَّ النبی  صلی‌الله‌علیه‌وآله  أراد أن یصِف علیا  علیه‌السلام  فی هذا الموقف بأنه ناصرُ الناس أو محبهم، فهو  صلی‌الله‌علیه‌وآله  قصد من قوله:«إن من كنتُ محبَّه أو ناصرَه فعليٌّ محبُّه وناصرُه، فاعتبروه أنتم مُحِبّا لكم واْنصرُوه.»

ولکن وبعد تمعُّن قلیل یتضح أن الاحتمال المذکور هو الآخر إحتمال غیر مقبول و غیر مفید، لأنه لابد من التأمل فی ماکان یقصده رسول اللّه  صلی‌الله‌علیه‌وآله  من هذا الکلام؟ هل کان مراده أن یقول: «يا أيها الناس من كنت أنا محبُّه فعليٌ محبّه»
أیضا.

تری هل هذا الکلام یستحق ان یجمع  النبیَّ  صلی‌الله‌علیه‌وآله  بأمر اللّه تعالی فی غدیر خُم ویوقف تلک الجموع العظیمة وبإصرار کبیر فی ذلک الوقت الشدید الحرارة ویخطب ویقول: أیها الناس من کنت محبَّه فعلی محبُّه؟!.

هل کان إلقاء هذا الکلام - فی ذلک  المشهد الاستثنائی- من الأهمیة بحیث تنزل من أجله هذه الآیة: «يا أيها الرَّسُولُ بَلِّغْ مااُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبّكَ وإن لم تَفْعَل فما بلّغتَ رسَالتَهُ واللّه‏ُ يعصِمُكَ مِن الناس»؟!.[192]

ثم بناءً علی هذا الإحتمال کیف یمکن أن نبرّر قول النبی  صلی‌الله‌علیه‌وآله :«هَنِّئوني هَنِّئوني »؟

بماذا نفسر فعل عمر الذی تقدم ـ حسب روایة أبی الفداء ـ إلی علیٍّ  علیه‌السلام بعد خطبة النبی  صلی‌الله‌علیه‌وآله  وقال: هنیئا لک أصبحتَ وأمسیتَ مولی کلِّ مؤمن و مؤمنة؟[193]

هل أراد أن یهنیء علیا علیه‌السلام  لأنه کان محبّا وناصراً لجمیع المؤمنین فحسب؟ هل یمکن لأحد أن یَنسِبَ إلی رسول اللّه  صلی‌الله‌علیه‌وآله  مثل هذا الکلام؟.

لقد إفتخر علیٌّ وأولاده علیه‌السلام  و أصحابه بهذا الکلام النبویّ: «من كنتُ مولاهُ فعليٌّ مولاهُ» واْحتجوا به، مراراً، فهل کون علیٍّ  علیه‌السلام  محبّا للناس أو ناصراً لهم فضیلة ومبعث إعتزاز وفخر، للإمام علیه‌السلام  وهل یمکن أن یکون ذلک دلیلاً لاثبات خلافته وإمامته؟!

إذا کان هدف النبی  صلی‌الله‌علیه‌وآله من هذا الکلام هو التوصیة بأن یحب الناس علیّا لم تفد هذه الجملة ذلک المقصود، بل کان علیه  صلی‌الله‌علیه‌وآله  أن یقول: «من كنت محبوبَه فعليٌّ يكون محبوبَه» أو «من أحبَّني فلْيحبَّ عليّا». او ما شابه ذلک من التعابیر.

إن الشیعة فسّروا لفظة: «المولى» بالأَولی بالتصرّف، والذی یعنی الحاکمیة الدینیة والإمامة.

ومن الشواهد التی یقیمونها علی هذا التفسیر هو قول النبیّ صلی‌الله‌علیه‌وآله  قُبیل هذه
العبارة وهی : «ألستُ أولى بكم من أنفسِكم» وهی إشارة إلی قول اللّه تعالی: «النبيُّ أولى بالمؤمنين من أَنْفسِهم».[194]

فقد قُصِدَ فی الآیة المذکورة أن للنبی  صلی‌الله‌علیه‌وآله  ولایةً علی المؤمنین فی القیام بشؤون الناس الإجتماعیة، وهذه هی الحاکمیة الالهیة والإمامة.

وعلی هذا الأَساس أراد النبی  صلی‌الله‌علیه‌وآله  فی هذه الخطبة بعبارة: «من كنت مولاهُ فعليٌ مولاه» أن ینصب علیا علیه‌السلام  لمنصب الامامة والحاکمیة الالهیة التی کانت له نفسه صلی‌الله‌علیه‌وآله .

وبارتضاء هذا النوع من التفسیر تُحَلّ کلُّ المشاکل فی هذا الصعید، إذ بذلک یصبح لنصب الامام علی  علیه‌السلام  للامامة والزعامة، والخلافة، قیمة ، فهذه الخلافة هی التی نزل لبیانها والتأکید علیها قوله تعالی:«يا أيّها الرسول بلّغ ما أُنزل إليكَ مِن ربّك وإنْ لمْ تفعل فما بلّغتَ رسالتَه واللّه‏ُ يعصمك من الناس»[195] وجمع رسولُ اللّه  صلی‌الله‌علیه‌وآله الناس من أجل القیام بمهمة إبلاغها إلیهم فی غدیر خم،  تحت أشعة الشمس الحارقة ، وأورد خطبته التاریخیة المعروفة فی تلک المنطقة.

و بقبول  هذا المعنی تصبح مسألة أخذ البیعة من الناس ، ومطالبتهم بالتهنئة أمراً مقبولاً ومعقولاً.

قال زید بن أرقم أن رسول اللّه  صلی‌الله‌علیه‌وآله بعد أن إنتهی من خطبته یوم الغدیر طلب من الناس أن یبایعوا علیّاً  علیه‌السلام ، فعند ذلک بادر الناس بقولهم: نعم سمعنا وأطعنا علی أمر اللّه و رسوله بقلوبنا، و کان أول من صافق النَبی  صلی‌الله‌علیه‌وآله و علیّاً: أبوبکر و عمر و عثمان و طلحة و الزبیر و باقی المهاجرین و الانصار و باقی الناس إلی أن صلی الظُهرین فی وقت واحد، و امتدّ ذلک الی أن صلّی بالناس العشائین فی وقت
واحد.[196]

بقبول مثل هذاالمعنی یبرَّر نزولُ قول اللّه تعالی:«أليومَ أكملتُ لكم دينَكم و أتممتُ عليكم نعمتي و رضيتُ لكم الإسلامَ ديناً».[197]

یقول أبو سعید الخُدری: نزلت هذه الآیة فی یوم الغدیر و بعد قول رسول‌اللّه صلی‌الله‌علیه‌وآله : «من كنتُ مولاهُ فعلىٌ مولاه» قال رسول اللّه  صلی‌الله‌علیه‌وآله : «أللّه‏ أكبر على إكمال الدين و إتمام النعمة و رضا الرب برسالتي و الولايه لعلي من بعدي».[198]

و قال علی  علیه‌السلام فی الرحبة و قد ناشد الناس:«من سمع رسول اللّه‏  صلى‌‏الله‌‏عليه‏‌و‏آله‌‌  يقول يوم غدير خمّ إلاّ قامَ».

فقام إثنا عشر و قالوا: نحن سمعنا رسول اللّه  صلی‌الله‌علیه‌وآله یقول:«من كنتُ مولاهُ فعليٌ مولاه».[199]

ففی حالة تفسیر لفظة «المولى» بالأَولی بالتصرّف و الحاکِم و الإمام تتجه أیضا مسألة النصب الذی ورد فی بعض الاحادیث و یجد اللفظُ معناه.

لقد قال الإمام علیٌّ  علیه‌السلام  فی یوم الشوری:«أُنشدكم اللّه‏َ مَن  منكم نَصبَه رسولُ اللّه‏  صلى‌‏الله‌‏عليه‏‌و‏آله‌‌  يوم غدير خم للولاية غيري؟».

قالوا:اللّهم،لا.[200]

و خطب الامام الحسین  علیه‌السلام  فی الناس بمکة قبل موت معاویة بسنتین فقال:أُنشدکم اللّه‌َ أتعلمون أنّ رسول اللّه صلی‌الله‌علیه‌وآله  نَصبَه یوم غدیر خُم فنادی له بالولایة و
قال: لیبلّغِ الشاهدُ الغائبَ»؟.

قالوا: اللّهمَ نعم.[201]

فاذا کان المولی بمعنی (الامام و الحاکم) یصبح للنصب معنی ، لا ما إذا کان هذا اللفظ بمعنی (المحبّ و الناصر).

إذ لو کان المولی بمعنی (المحبّ و الناصر) لم یکن للنصب مبرّر ولا معنی ، فکیف یمکن أن نقول: إنّ النبیَّ نصبَ علیّاً علی أنه محبٌ و ناصرٌ للمسلمین.

إن الشیعة - بالنظر إلی هذه القرائن و الشواهد - و نظائرها یحملون لفظة (المولی) فی حدیث الغدیر علی (الأولی بالتصرف) أی مَن له الإمامة و الحاکمیة الالهیة و یعتقدون أن النبی الاکرم  صلی‌الله‌علیه‌وآله قدَّم الامام علیّاً  علیه‌السلام للمسلمین فی ذلک الاجتماع العظیم قائداً و زعیماً، و نصبه لذلک المنصب الرفیع بصورة رسمیّة.

و فی الخاتمة  نری من الضروری التذکیر بهذه النقطة المهمّة و هی أن علماء الشیعة و ان کانوا یصرّون علی تفسیر لفظة المولی - فی هذا الحدیث - بالأولی بالتصرّف، و لکن لایبدو للنظر أن هذه المسألة مسألة بدیهیة، بل لو إستفدنا من المعانی الاُخری مثل:(الولیّ) و (المتصرف فی الأمر) و (المتولّی فی الأمر) بل و حتی لو استفدنا من لفظة (المولی) نفسها لحصلنا علی النتیجة المطلوبة أیضاً.

و نقول - فی توضیح هذا الموضوع - أن لفظة (المولی) و نظائرها مشتقة من (ولیه ، یلیه) و تعنی فی أصل الکلمة:(الشیی‌ء القریب للشیی‌ء و الکائن فی جنبه)، و قد یراد منه (الکینونة إلی الجنب) بهدف المساعدة و القیام بما یرتبط بالفرد و الأفراد أو الأشیاء الاُخری.

و یُفهم هذا المطلب من کلمة (الولایة)  و غیرها من مشتقاتها.

و من هنا و بهذا المعنی یقال: ولیّ المرأة، ولیّ الصغیر، ولیّ الیتیم، ولیّ
الاولاد، ولیّ المجنون، ولیّ المیّت.

ففی مثل هذه الموارد یحتاج من تکون الولایة من أجله فی القیام باُموره إلی شخص آخر یکون الی جنبه لیقوم بالامور المتعلقة به، فالصغیر والیتیم مثلا یحتاج للوصول إلی حاجاته إلی من یکون إلی جانبه(وهو الولیّ).

وقد یکون شعاع الولایة ومداها أوسع وأکثر شمولیة مثل:والی البلد، أو ولیّ الاُمّة، أو ولیّ المسلمین، فیکون الوالی أو ولیّ الامور الاجتماعیة المرتبطة بالناس فی بلد أو الاُمة فی هذه الموراد أیضا قد أخذ فی عهدته القیام بشؤونها.

فیکون المراد فی جمیع مشتقات لفظة الولایة - فی الحقیقة - معناها الکنائی و هو القیام بالاُمور و الادارة، و لیس معناه المطابقی.

مثل هذا الکلام بعینه یمکن قوله فی تفسیر کلمة (المولی) أیضاً فالمولی - و هو علی وزن مَفْعَل وهو اسمٌ للزمان و المکان - یعنی مقام إعمال الحاکمیة و منصب الادارة، یعنی أن النبی الأکرم محمد  صلی‌الله‌علیه‌وآله  کان مولی المسلمین أی حاکمهم و القائم بتدبیر أمورهم، والمتعهد لإدارة شؤونهم الإجتماعیة، و فی خطبة الغدیر إختار علیّاً  علیه‌السلام لهذا المنصب، و عرّفه للناس بهذا العنوان.

و بناءً علی هذا لا حاجة إلی أن نفسر المولی بالأَولی بالتّصرف، بل یمکن أن تکون هذه اللفظة بنفس معناها الأصلیّ، ومع ذلک یثبُت هدف النبیّ  صلی‌الله‌علیه‌وآله  و هو أنّ نصب علیٍّ  علیه‌السلام هو لمقام الامامة و الحاکمیّة الاسلامیة.

إنّ إِطلاق لفظة (المولی) علی الحاکم و الإمام إنما هو لأنه کائن فی مقام إدارة الاُمور الإجتماعیة، و لهذا فهو أولی من غیره.

 

التوجّه نحو المدینة

لقد توجّه رسولُ اللّه صلی‌الله‌علیه‌وآله و معه عائلته و غیرُهم من الحجیج  بعد لیلة واحدة من التوقف فی أرض غدیر خم المبارکة، نحو المدینة المنوّرة.

کان النبی الکریم صلی‌الله‌علیه‌وآله  مسروراً لأنه قام بهذه المهمّة الالهیة و نصب علیّاً  علیه‌السلام  لمقام الخلافة من دون أن یلقی معارضةً من جانب الناس، أو یواجه ردة فعل
منهم، و لکن المنافقین و معهم بعضُ أقطاب قریش الذین کانوا یحلمون بالخلافة بعد النبی  صلی‌الله‌علیه‌وآله إستاؤوا بشدة من هذا العمل، و راحوا یُظهرون إستیاءهم أحیاناً فی اجتماعاتهم الخاصة، و یتناجون فیما بینهم فی هذه المسألة، و لکن من دون أن یتجرّأوا علی البوح بها،وطرحها علناً.

و کان الرسول الأَکرم  صلی‌الله‌علیه‌وآله علی علم بغضب المنافقین، و إِستیاء کبراء قریش من هذه الخطوة.

کما أنه کان علی علم بحقد اُولئک الذین قُتل أقرباؤهم علی ید علی  علیه‌السلام .

و لهذا کان  صلی‌الله‌علیه‌وآله  علی قلقٍ دائمٍ من إحتمال حصول مؤامرة من قِبَل هذه الجماعات ضد خلافة علیّ  علیه‌السلام و إمامته.

لقد کان علیُّ  علیه‌السلام حصیلَة عُمُر النبی صلی‌الله‌علیه‌وآله  و کان الشخصَ الذی استودع عنده - طیلة فترة رسالته - علوم الاسلام و معارفه، علی أمل أن یواصل خطواته من بعده ،و یسیر بالاُمة الاسلامیة قُدُماً فی مسار الاسلام الأصیل ، و یهدیها نحو شواطیء الخیر و السعادة الدنیویة و الاُخرویة.

و لقد قام النبی  صلی‌الله‌علیه‌وآله  من أجل تحقیق هذا الهدف بالتعریف به من خلال خطوات تمهیدیة کثیرة، و فعل کل ما یلزم فِعله فی هذا السبیل، و لکنه - کان رغم ذلک قَلِقا جداً من إحتمال وقوع مؤامره‌ضدّه، و من تفرُّق الاُمة، و إزاحة علیّ  علیه‌السلام  من مقام الإمامة و الخلافة.

و یمکن الاحساس بهذا القلق فی قول رسول اللّه  صلی‌الله‌علیه‌وآله و فعله منذ وروده إلی المدینة، إلی آخر لحظة من حیاته.

فقد ظل یکرر و بإستمرار الوصیة بأهل بیته و عترته، و یحذّر الناس من التفرق و الاختلاف، و یظهر القلق من الفتن التی تنتظر الاُمة.

یقول أبومویهبة عتیقُ رسول اللّه  صلی‌الله‌علیه‌وآله  دعانی رسول اللّه  صلی‌الله‌علیه‌وآله فی منتصف إحدی اللیالی و قال لی: «أمرني ربي أن أزور أهلَ البقيع و أدعولهم»


فذهبنا معاً إلی البقیع، فخاطب الموتی قائلاً: «السلام عليكم يا أهل المقابر! لِيهنَ لكم ما أصبحتم فيه ممّا أصبح الناسُ فيه. أقبَلتِ الفِتنُ كِقطَع الليل المظلِم، يتبَع آخرُها أولَها، الآخرة شرٌّ من الاُولى».[202]

 

المؤمرات تبدأ

لقد قرر جماعة من کبار قریش، و الطامحون إلی الخلافة أن یخالفوا و صایا رسول‌اللّه صلی‌الله‌علیه‌وآله فی مایرتبط بخلافة علی بن أبی طالب و أهل بیته و ولایتهم، و قد بدأت مؤامرتهم هذه منذ بدأ مرضُ النبی صلی‌الله‌علیه‌وآله .

لقد مرض النبی  صلی‌الله‌علیه‌وآله  و کان هذا المرض یشتد یوماً بعد یوم دون أن یتضح نوع هذا المرض و یُعرف علی وجه التحدید، غیر أن بعض النصوص تقول انه  صلی‌الله‌علیه‌وآله  کان یشکو من الحمّی و الصُداع.

و مع حلول المرض إِزداد قلق النبی  صلی‌الله‌علیه‌وآله  و ازدادت مخاوفه.

ولم یکن قلقه و خَوفه صلی‌الله‌علیه‌وآله  من الموت و من لقاء رب العالمین بل کان من إختلاف الامة و تفرقها، و من الفتن القادمة.

 

الوصیّة التی لم تُکتَبْ

لقد بدر إلی ذهن النبی الأَکرم  صلی‌الله‌علیه‌وآله  أَن یُقدم علی کتابة کتاب، وأَن یترک بین الامة وصیة مکتوبة للتأکید علی ولایة الامام علی بن أبی طالب  علیه‌السلام  وترسیخاً لمسألة إمامته، ولأجل أن یُستفاد منها بعد وفاته.

فلقد روی مسلم فی صحیحه عن ابن عباس، أنه قال: لمّا حضر رسولُ اللّه  صلی‌الله‌علیه‌وآله فی البیت رجالٌ فیهم عمرُ بن الخطاب، قال النبی  صلی‌الله‌علیه‌وآله : «هلمَّ أكتب لكم كتابا لا تَضِلُّوا بعده؟».


فقال عمر: إنّ النبیّ قد غلب علیه الوجعُ! وعندکم القرآن. حَسبُنا کتابُ اللّه!.

فاختلف الحاضرون فی البیت واختصموا: مِنْهم مَنْ یقول: قرّبوا یکتب لکم النبیُّ کتابا لنْ تضلوا بعده.

ومنهم مَنْ یقول ما قاله عمر. فلما أکثروا اللغو و الاختلاف عند النبیّ صلی‌الله‌علیه‌وآله ، قال رسول‌اللّه صلی‌الله‌علیه‌وآله : «قوموا».[203]

وعن ابن عباس، قال: یومُ الخمیس وما یومُ الخمیس! ثم جعل تسیل دموعُه، حتّی رئیت علی خدیه کأنّها نظام اللؤلؤ، ثم قال: قال رسول اللّه  صلی‌الله‌علیه‌وآله : «إيتوني بالكتف والدواة أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده ابداً».

فقالوا: إنَّ رسولَ اللّه یهجر.[204]

و روی مسلم أیضاً عن إبن  عباس، أنه قال: دخلت علی عمر فی أوّل خلافته (إلی أن قال): قال عمر: أیزعم (ابنُ عمک) أنَّ رسول اللّه  صلی‌الله‌علیه‌وآله  نص علیه؟.

قلتُ: نعم وأزیدک. سألتُ أبی عمّا یدّعیه، فقال: صدق.

فقال عمر: لقد کان من رسول اللّه فی أمره ذروٌ من قول لا یُثبت حجةً ولا یقطع عذراً، ولقد کان یربع فی أمره وقتا مّا، ولقد أراد فی مرضه أنْ یصرِّح باسمه فَمَنَعْتُ من ذلک إشفاقا وحِیطة علی الإسلام. لا و ربّ هذه البنیة لا تجتمع علیه قریش أبداً، ولو ولیها لا نتقضت علیه العربُ من أقطارها، فعلم رسول‌اللّه  صلی‌الله‌علیه‌وآله  أنّی علمت ما فی نفسه فأمسک، وأبی اللّه إلاّ إمضاءَ ما حَتَم.[205]

وکتب الشیخ المفید فی هذا المجال یقول : إن رسول اللّه  صلی‌الله‌علیه‌وآله قال : «إيتوني بدواةٍ وكتِفٍ أكتب لكم كتابا لا تضلّوا بعده أبداً»، ثم أُغمی علیه. فقام بعض مَنْ حضر یلتمس دواةً وکتفا، فقال له عمر: إِرجع! فإنَّه یهجر! فرجع، وندم من حضره
علی ماکان منهم من التضجیع فی إحضار الدواة والکتف، فتلاوموا بینهم، فقالوا: إنّا للّه وإنّا إلیه راجعون، لقد أشفقنا من خلاف رسول اللّه  صلی‌الله‌علیه‌وآله !.

فلما أفاق  صلی‌الله‌علیه‌وآله  قال بعضهم: ألا نأتیک بکتف یا رسول اللّه و دواة؟

فقال: «أبعد الذي قلتم؟! لا، ولكنّي أوصيكم بأهل بيتي خيراً»!!. ثم أعرض بوجهه عن القوم فنهضوا».[206]

لقد فعل عمر فعلته بقوله:(إنه یهجر) لأنه من جهةٍ حال دون کتابة وصیّة النبی المهمة و الحسّاسة و من جهة اُخری إتهم رسول اللّه  صلی‌الله‌علیه‌وآله المعصوم و الذی قال اللّه فی شأنه: «و ماينطق عن الهوى » بالهذیان ووصفه بالهجر!!

و من المعلوم أنه لن تنفع وصیة للنبی الکریم صلی‌الله‌علیه‌وآله  بعد هذا الاتهام الوقح ، لأنهم سیقولون: و ما قیمة الوصیّة الصادرة فی حالة الهُجر و الهذیان؟؟

و لهذا فان النبی  صلی‌الله‌علیه‌وآله  لم یجد بُدّاً من تکرار توصیاته العامة المکررة بأهل بیته، و هو فی اللحظات الأخیرة من حیاته، و لکن لاحظْ أیها القاریٔالکریم مافعلت  هذه الجماعة فی مقابل القضایا المشابهة؟

کتب إبن أبی الحدید فی هذا الصدد یقول: لما احتضر أبوبکر قال للکاتب (و هو عثمان بن عفان): أُکتب هذا ما عهد عبداللّه بن عثمان آخر عهده بالدنیا، و أول عهده بالآخرة فی الساعة التی یُبر فیها الفاجر و یسلم فیها الکافر.

ثم أُغمی علیه فکتب الکاتب: عمر بن الخطاب.

ثم أفاق أبوبکر فقال: إقرَأْ ما کتبتَ، فقرأ و ذکَرَ اسمَ عمر.

فقال أبوبکر: أنّی لک هذا؟ (أی من أین لک هذا و من قال لک تکتب إسم عمر؟)

قال: ما کنتَ لتعدوهُ.


فقال: أصبتَ.[207]

 

بدءُ الفتن و شروعها

و کان النبیُّ الأکرم  علیه‌السلام  کما أسلفنا - و بخاصة فی اُخریات حیاته و بعد حِجة الوَداع - یُظهر القلق باستمرار من الفتن التی تُقبل کقطع الغیوم الداکنة فی طلائع اللیل المظلم، و للأسف ظهرت هذه الفتنُ بُعید وفاة رسول اللّه  علیه‌السلام  فوراً.

و أکبر هذه الفتن هی فتنة تعیین الخلیفة و التی بدأت و جثمان رسول اللّه  صلی‌الله‌علیه‌وآله ‌ لم یوسَّد الثری بعدُ، و فیما کانت عائلتُه وذووه مشغولین بالعزاء و بإعداد المقدمات اللازمه لکفنه و دفنه.

فی مثل هذا الوقت الحسّاس و المقرون بالحزن والأسَی خرج عمرُ بن الخطاب و أبوبکر و أبوعبیدة الجراح، من منزل رسول اللّه  صلی‌الله‌علیه‌وآله من دون ٔان یخبروا بذلک أَهلَ بیت النبیّ صلی‌الله‌علیه‌وآله ، و بنی هاشم، و ذهبوا بسرعة إلی سقیفة بنی ساعدة، و فی ذلک الوقت، و لعله قبل ذلک کان  عددٌ من الانصار قد اجتمع فی السقیفة، وکان رئیس الخزرج من الانصار سعد بن عبادة - و الذی کان مریضاً - ممن حضر فی ذلک المکان آنذاک.

و بعد مدة إلتحق بهم جماعة من الخزرج و المهاجرین و کان من جملتهم معاذ بن جبل، و أسید بن حضیر، و بشیر بن سعد و خالد بن الولید، و عبدالرحمان بن عوف، و المغیرة بن شعبة.

و لم یحضر من بنی هاشم و بنی اُمیّة، و أصحاب بدر، و المهاجرین إلی
الحبشة أحدٌ.

کما لم یحضر فی ذلک الجمع سلمان الفارسی و عمار بن یاسر و المقداد، و طلحة و عبداللّه بن مسعود، وأُبی بن کعب و أشخاصٌ آخرون غیرهم أیضاً.

و بعد شیی‌ء من الحوار و النقاش تبیّن أن الهدف من هذا الاجتماع کان هو إختیار الخلیفة .

لم یکن هناک أیُّ أثر للمشورة و لا أی شی‌ء من الشوری و لا أیّ کلام عن من هو الأصلح لخلافة رسول اللّه صلی‌الله‌علیه‌وآله  و أنه ماذا قال رسول اللّه فی هذا الصعید ؟ بل کانت الجلسة أشبه ما تکون بحلبة التنافس علی إقتناص کرة الخلافة من المنافِس.

و کان أبطال هذه الحلبة هم أبوبکر و عُمر،وأبوعبیدة الجراح، من المهاجرین و کان فی الجانب الآخر منافسوهم: سعد بن عبادة من الخزرج من الانصار و کان المحور الأصلی فی النقاش هو:( المهاجرون أولی بالخلافة أم الأنصار؟).

ولقد خطب کل واحد من رؤوساء الفریقین المتنافسَین علی السلطة، أعنی أبابکر و سعد بن عبادة فی الحضور، وذکر مایمتاز به من ممیِّزات ثم إشتدّ الاختلاف، و تصاعدت عملیة الأخذ و الرَدّ، وارتفعت وتیرة التنافس والتنازع، وفی هذه اللحظة بالذات بادر أبوبکر الی الإمساک بزمام الأمر وقال: هذا عُمر و أبوعبیدة بایعوا أیَّهما شئتم.

فقالا: لا، واللّه! لا نتولَّی هذا الأمر علیک وأنت أفضل المهاجرین وخلیفة رسول اللّه  صلی‌الله‌علیه‌وآله فی الصلاة وهی أفضل الدین. إبسط یدک..

فلما بسط یده لیبایعاه سبقهما بشیر بن سعد الانصاری (من الاوس) فبایعه.[208]

وکتب إبن أبی الحدید فی هذا الصدد یقول:

لما أخذ أبوبکر بید عُمر و أبی عبیدة وقال للناس: قد رضیتُ لکم أحد هذین الرجلین ، قال أبوعبیدة لعمر: أُمدد یدک نبایعک.


فقال عمر: مالَکَ فی الإسلام فهة غیرها. أتقول هذا و أبوبکر حاضر؟.

ثم قال للناس: أیّکم تطیب نفسه أنْ یتقدم قدمین قدَّمهما رسولُ اللّه للصلاة، رضیک رسول اللّه لدیننا فلا نرضاک لدنیانا؟.

ثم مدَّ یده إلی أبیبکر فبایعه.[209]

و بهذه الصورة تمت المرحلة الأُولی من البیعة بصورة سلمیّة بین أبی بکر و عمر و أبی عبیدة الجراح وکأنّه لایصلح غیرُ هؤلاء الثلاثة للخلافة!!.

وفی هذا الأَثناء نادی عُمر بالناس بأنکم قد عرفتم خلیفة رسول اللّه  صلی‌الله‌علیه‌وآله  فماذا تنتظرون، قوموا وسارعوا إلی بیعته. 

و لکی لایخسر (الاوس) من الانصار الحاضرین ازدحموا لمبایعة أبی بکر بحیث کاد سعد بن عبادة الانصاری (من الخزرج) أن یُسحَق تحت الأَقدام فنادی أحدُ الحضور: مهلاً، لقد قتلتم سعداً.

فقال عمر: أُقتلوه! قَتَله اللّه‌ُ![210]

وبهذا الشکل العنیف بایع الحاضرون فی السقیفة أبابکر وتمت المرحلة الثانیة من البیعة بنجاح .

ولکن الخزرج من الانصار إمتنعوا عن بیعة أبی بکر وقالوا: لا نبایع إلا علیّا.[211]

و أما فی المرحلة الثالثة فکان یجب أن یذهب أبوبکر الی مسجد رسول‌اللّه صلی‌الله‌علیه‌وآله لیبایعه عامة المسلمین.

و لکن کان علیه أن یصبر قلیلاً ریثما تذهب قبیلة (أسلم )إلی المسجد ،و تتوفر أرضیة البیعة بشکل أفضل، و عند ما بلغ أبابکر نبأُ توجه قبیلة أسلم إلی
المسجد، تأکد هو والجماعة من الإنتصار الکامل.

فقال عُمر: ما هو إلاّ أن رأیتُ (أسلم) فأیقنتُ بالنصر وهکذا بایعه الناس.[212]

أجل، لقد وصلت طائفة أسلم إلی المسجد و بایعتْ أبابکر، و بمبایعتهم إیاه تقوّی جانبُ أبیبکر و بایعه بقیةُ الناس.

هذا و یستفاد من التاریخ أنه کان لعمربن الخطاب دورٌ مهمٌ فی تنظیم حادثة السقیفة و إدارتها، فهذا إبن أبی الحدید یقول:

عمر هو الذی شیّد بیعة أبی بکر، و قمع  المخالفین فیها فکسر سیفَ الزبیر لما جرّده، و دفع فی صدر المقداد و وطیء فی السقیفة سعدَ بن عبادة و قال: أُقتلوا سعداً قتلَ اللّه‌ُ سعداً ،و حطّم أنفَ الحباب بن المنذر الذی قال یوم السقیفة :أنا جذیلها المحکَّک و عذیقُها المرجَّب، و توعّد من لجأ إلی دار فاطمة  علیهاالسلاممن الهاشمیین و أَخرجهم منها، و لولاه لم یثبت لأبیبکر أمرٌ، ولا قامت له قائمةٌ.[213]

نعم کل هذه الأعمال تمت بسرعة فائقة و بعجل کبیر، و من الطریف أَن عُمر نفسه إعترف بعد ذلک بأَن بیعة أبی بکر تمت بسرعة و من دون مشورة مع أحد.

فذات یوم لما جلس عمر علی المنبر قال ضمن خطبة له: إنه قد بلغنی أن قائلاً منکم یقول: لومات أمیرُالمؤمنین بایعتُ فلاناً (یعنی علیّاً) فلا یغرنَّ  امرِءً أن یقول: إن بیعة أبیبکر کانت فلتةً، فلقد کانت کذلک، و لکن اللّه و قی شرَّها.[214]

و یکتب إبن أبی الحدید قائلاً: إن الذی قال :لو مات عمر لبایعتُ فلاناً (هو) عمار بن یاسر (فهو الذی) قال: لو قدمات عمر لبایعت علیّاً.[215]

ثم یبحث إبن أبی الحدید فی معنی الفَلْتَة بشکل مفصَّل و یقول:«الفلْتة ليست
الزلّة و الخطيئة بل هي البغتة».[216]

هذا و ینبغی التذکیر بأن جماعة کبیرة من المهاجرین و الأنصار امتنعوا عن مبایعة أبی بکر فی قضیة السقیفة، و یمکن تسمیة بعضهم و هم: علی بن أبی طالب، کل بنی هاشم، الزبیر بن العوام، أبوسفیان بن حرب، خالد بن العاص، عباس بن عبدالمطلب و أبناؤه و أبوسفیان بن عبد المطلب.[217]

ثم إن هناک نقاطاً عدید ةً - فی حادثة السقیفة - تتطلب التأمل و هی:

1- لماذا خرج أبوبکر و عمر و أبوعبیدة من بیت رسول اللّه  صلی‌الله‌علیه‌وآله و توجّهوا نحو السقیفة، و کان جثمان رسول اللّه  صلی‌الله‌علیه‌وآله  لم یوارَ بعدُ؟!

2- إذا کانوا یعتبرون الخلافة أمراً مهماً و ضروریّاً، فلماذا لم یخبروا بنی هاشم و غیرهم من المسلمین بهدفهم ؟

تری هل کانت هذه المسألة محرّمة علی غیر اُولئک الثلاثة ؟

3- هل کانوا یریدون إنتخاب الخلیفة بالشوری و المشورة؟ أم کانوا یریدون حیازة مقام الخلافة لأنفسهم خاصّة دون غیرهم؟

وإذا کان الهدف هو المشورة و الشوری فلماذا لم یُرَ أیّ أثر من ذلک ؟

4- لماذا نُسیت کلُّ الوصایا التی أوصی بها رسولُ اللّه  صلی‌الله‌علیه‌وآله حول علیٍّ  علیه‌السلام و لماذا لانری لها ذِکراً ؟

و علی  فرض أنهم لم یرتضوا النصوص المربوطة بشأن خلافته، فهل یمکن تجاهل فضائله الشخصیة و کمالاته الذاتیة؟

ألم یکن علیٌّ علیه‌السلام  أحد الشخصیات الصالحة لطرحها علی الساحة فی مجال تولّی الخلافة و ممارسة القیادة لو کان الأمر اختیاراً شورائیاً و عن طریق التشاور حول الأصلح ؟


5- إذا کان المقصود هو إنتخاب الخلیفة عن طریق الشوری و المشورة فلماذا تجاهلوا معارضة جلّة الأنصار و الخزرج بالذات بصورة کاملة، بل وصل إقصاؤهم إلی درجة قال عمر بن الخطاب فی شأن سعد بن عبادة کبیر الخزرج من الأنصار: اُقتلوه، قتله اللّه؟!

6- لماذا أصبح أبطال هذه المعرکة أبوبکر و عمر و ابوعبیدة فقط ، ولم یکن للآخرین أی دور فعّال أبداً ؟

هل غیر هؤلاء الثلاثة کانوا لایصلحون للخلافة، و کانوا لایملکون المؤهلات اللازمة لها؟.

7- لقد کان لحضور قبیلة «أسلم» و مبایعتهم دورٌ أساسیٌّ فی تقویة ودعم خلافة أبیبکر بحیث أن عمر بن الخطاب کان ینتظر وصول هذه القبیلة وکان یری النجاح الحقیقی و الکامل فی مبایعتهم لأبیبکر، فمن أین کان یعرف عمر أنهم سیبایعون أبابکر؟

هل هذا کان ذلک مجرد إحتمال ؟ أم أنه کان هناک تواطُؤٌ مسبَّق مع زعیم هذه القبیلة ؟

8- هل یمکن إعتبار هذاالنوع من المبایعة أمراً عادیاً، بأن یقول أبوبکر للحضور أولاً و من دون مشورة مع الآخرین: هذا عمر و أبوعبیدة بایعوا أیَّهما شئتم .

فیقول عمر لابی عبیدة:أعطنی یدک أبایعک.

فیقول أبوعبیدة معترضاً علی عمر: أتقول هذا و أبوبکر حاضر؟ و یضیف قائلاً:ثم یمدّیده إلی أَبیبکر و یبایعه ؟

هل یُعَیَّن الخلیفة بهذه الطریقة؟

ألا تحتملون أنّ هناک تنسیقاً مسبقاً قدتم بین هؤلاء بحیث رتَّبوا الأمور بهذا الشکل المطلوب فوراً، و بمجرد وفاة رسول اللّه  صلی‌الله‌علیه‌وآله و جعلوا بنی هاشم أمام الامر
الواقع؟؟.

9- ألا تحتملون أنَّ حادثة سقیفة بنی ساعدة - المؤسفة ترتبط إرتباطاً وثیقاً بما جری قُبیل وفاة رسول اللّه  صلی‌الله‌علیه‌وآله أی فی حال مرضه، حیث إن رسولَ‌اللّه صلی‌الله‌علیه‌وآله  طلب دواة و قرطاساً فقال: «إيتوني بقلمٍ و قرطاس لأكتبَ لكم ما إنْ تمسكّتمْ به لن تضلّوا أبداً» فقال عمر:إنَّ الرجل لیهجر، حسبنا کتاب اللّه.

و بهذا منع من وصیة النبی؟

ألیست هاتان الحادثتان تهدفان إلی أمرٍ واحدٍ؟

 

الحجج المعلَنة لإقصاءِ علیّ

قال عمر لابن عباس: أما واللّه إنْ کان صاحبک هذا أولی الناس بالأمر بعد وفاة رسول اللّه إلاّ أنّا خفناه علی إثنین.

قال إبن عباس: فجاء بمنطقٍ لم أجد بداً من مسألته عنه، فقلت: یا أمیر المؤمنین! ما هما؟.

قال: خشیناه علی حداثة سنه و حبّه بنی عبدالمطلب.[218]

وعن إبن عباس، قال: تفرَّق الناس لیلة الجابیة عن عمر فسار کل واحد مع إلفه، ثمّ صادفتُ عمر تلک اللیلة فی مسیرنا فحادثتُه، فشکا إلیَّ تخلّف علیٍّ عنه، فقلت: ألم یعتذر إلیک ؟

قال: بلی .

فقلت: ما هو ما إعتذر به.

قال: یا اْبن عباس! إنّ أوّل مَنْ ریّثکم (منعکم) عن هذا الأمر أبوبکر. إنّ قومکم کرهوا أن یجمعوا لکم الخلافةَ والنبوةَ.

قلت: لِمَ ذلک یا أمیرالمؤمنین؟ ألم نُنِلهم خیراً ؟

قال: بلی؛ ولکنهم لو فعلوا لکنتم علیهم جُحفا جُحفا![219]

وکتب إبن أبی الحدید قائلاً :

فخرج الناس من عند عمر، ثم راحوا إلیه، فقالوا له: لو عهدتَ عهداً.

قال: قد کنتُ أجمعتُ بعد مقالتی أنّ أولِّی أمرکم رجلاً هو أحراکم أنْ یحملکم علی الحق ـ و أشار إلی علیٍّ ـ فرهقَتنی غشیةٌ، فرأیت رجلاً یدخل جنةً قد غرسها فجعل یقطف کل عضّة ویانعة فیضمُّها إلیه ویصیرِّها تحته، فخفت أنْ أتحمّلها حیّاً ومیّتا.[220]

أجل مع الأخذ بنظر الاعتبار بأن فضائل علیِّ بن أبی طالب  علیه‌السلام وکمالاته النفسیة و الخلقیة، و توصیات النبی  صلی‌الله‌علیه‌وآله  المتکررة فی شأنه ما کان یمکن لأحد إنکارها فقدعَمَد أبطال معرکة الخلافة بدایة إلی تناسی هذه الفضائل و المناقب، و عدم التطرّق إلیها بالمرّة، و عندما راحوا یواجَهون بإعتراضات من قِبَل بعض الأشخاص أحیاناً کانوا یبرّرون عملهم المخالِف للنصوص و الحقائق بحجج ثلاث:

أولاً: أن علیّاً کان شاباً

ثانیاً: أن الناس لایحبُّون أبناء عبدالمطلب

ثالثاً: أن الناس لایرغبون فی أن تجتمع النبوة و الخلافة فی بیت واحد.!!

طبعاً لم تکن أیةُ واحدة من تلک الحجج و الأَعذار صحیحةً و مقبولةً لأن المعیار فی استحقاق الخلافة و الولایة هی الکمالات الذاتیة، و المؤهلات النفسیة و الروحیة، والعقلیة و الأَخلاقیة، ولیس السنَّ و مقدارَ العمر. و لقد کانَ علیٌّ  علیه‌السلام  متفوِّقاً علی الجمیع من حیث العلم و العمل و سائر الکمالات و المؤهلات، و کان رسول اللّه  صلی‌الله‌علیه‌وآله قد أعدّه و ربّاه لتحمّل مسؤولیة الخلافة، و التصدِّی لمقام الإمامة، و
کان  صلی‌الله‌علیه‌وآله مع کونه عارفاً بسنّ علیٍّ و مقدارِ عمره، و کونه شاباً، عیّنه للخلافة و نصبه للولایة.

کما أن اجتماع الخلافة و النبوة فی بیت واحد لم یکن فیه أیُّ محذور، و لا أیّ مانع منه إلا الحسد و البغض الذی کان ینطوی علیه طلاب السلطة و عشاق المنصب والساعون الی الجاه.

أجل، لم تکن ثمت علةٌ حقیقیةٌ وراء إقصاء الإمام علیٍّ  علیه‌السلام إلا حبّ المنصب و الحسد و البغض لأَهل بیت النبوة.

الآثار المشؤومة لحادثة السقیفة:

لقد کانت حادثة السقیفة المؤسفة أعظمَ الفتن التی جرّت وراءها فتناً اُخری، و کان لها من الآثار المشؤومة التی لزمت الأُمة الإسلامیة علی طول التاریخ و لاتزال وأهمها:

1- إنحراف الحکومة النبویة المعصومة الولائیة عن مسارها الأصلیّ، وتبدّلها إلی حاکمیة غیر المعصومین، و تهیّؤ الأرضیة لظهور المَلَکیة الوراثیة، و الحکومات العَلمانیة و اللادینیة علی طول التاریخ،و ما تبعها من عواقب مُرّةٍ.

2- الفصل بین القرآن و العترة خلافاً لصریح النص النبویِّ.

3- حرمان أحکام الاسلام و قوانینه السیاسیة و الاجتماعیة من ضمانة للتنفیذ مدعومةٍ بالعصمة، و بالتالی عدم وجود من یواصل خطی النبی الاکرم صلی‌الله‌علیه‌وآله  و یسعی لتحقیق أهدافه الکبری، کالتوحید العالمیّ، والعدالة الاجتماعیة ، وانتشار الاسلام فی العالم و الغلبة علی سائر الأدیان.

4- إنعزال العترة و خزّان علوم الاسلام و معارفه و أحکامه و قوانینه الاصیلة من مقام المرجعیة العلمیة ،و سیادة المنطق الخاطیء القائل: حسبُنا کتابُ‌اللّه.


5- وقوع الفرقة و الاختلاف بین الأُمة، و ظهور المذاهب المختلفة و ما تبعها من الآثار المشؤومة من قبیل الاختلافات و المشادّات المذهبیة، و حتی الحروب و المجازر الدمویة الداخلیة، و ظهور الانشقاقات و حالات سوء الظن، و بالنتیجة ذهاب الشوکة، و زوال القوة والعظمة و العزة الاسلامیة، و توفر الأَرضیة للوقوع تحت نیر الاستعمار ، و تقبُّل السیادة الأَجنبیة.

 

بدء ظهور الشیعة و السنة

إن النبی  صلی‌الله‌علیه‌وآله  - حسب الآیات و الاحادیث العدیدة- مفروضُ الطاعة بمعنی أنه یجب طاعته و تنفیذ أوامره.

«يا أيها الذين آمَنوا أطيعُوااللّه‏ و أطيعُوا الرسولَ و أُولي الأمرِ منكم».[221]

«و ما كان لمؤمنٍ و لامؤمنة إذا قضى اللّه‏ُ و رسولهُ أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم و مَن يعصِ اللّه‏ و رسوله فقد ضلّ ضلالاً مبيناً».[222]

لقد کان المسلمون - فی صدر الاسلام - یعتبرون أوامر رسول اللّه  صلی‌الله‌علیه‌وآله ونواهیه نابعةً من الوحی الآلهیّ، و لهذا کان یطیعونه فیها طاعةً مطلقةً ، و یسلِّمون له تسلیماً محضاً، و یعتبرون التخلُّف عنها معصیةً و ذنباً.

علی أن وجوب طاعة رسول اللّه  صلی‌الله‌علیه‌وآله لایختص بزمان حیاته، بل یستمر وجوب طاعته  صلی‌الله‌علیه‌وآله حتی بعد مماتهِ أیضاً، و لکن الأمرَ لم یکن هکذا وللأَسف ،فقد انتهُکِت هذه الحرمة لأول مرة بعد وفاة رسول اللّه  صلی‌الله‌علیه‌وآله و فی سقیفة بنی ساعدة حیث إجتمع جماعة من الأصحاب و عملوا خلاف ما أَراده النبی الاکرم صلی‌الله‌علیه‌وآله  بصورة علنیة، و عیَّنوا خلیفةً من عند أنفسهم، خلافاً للنصوص النبویة الواضحة القاطعة.


لقد أخبر رسولُ اللّه  صلی‌الله‌علیه‌وآله  - و کما أسلفنا- المسلمین مراراً بإمامة علیٍّ علیه‌السلام  وولایته علی المؤمنین، و صرّح بأنه خلیفته و وصیّه، وأقامه ولیاً للمسلمین بصورة رسمیة فییوم الغدیر بخُمّ، أمام عشرات الآلاف من المسلمین  ،وأخذ البیعة من الحضور علی الاقرار بولایته علیهم  ،و أولویّته بالتصرف فی أمورهم، و شؤونهم.

کما وعرّف النبی  صلی‌الله‌علیه‌وآله بأهل بیته و عترته مراراً فی مواضع عدیدة منها یوم غدیر خُم و وصفهم بأنهم أحد الثقلین، المهمَّین، و أنهم مرجعٌ علمیٌّ غنیٌّ مُعتبر إلی جانب القرآن الکریم و قال: «إنهما لن يفترقا حتى يَرِدا عليَّ الحوضَ يوم القيامة».

و لکن رغم کل هذه التأکیدات المتواصِلة و التوصیات المکررة تناسی جماعة من الصحابة - بعد وفاة رسول اللّه  صلی‌الله‌علیه‌وآله - وصایاه و تعالیمه، و عَمَدوا بمنتهی التجاهل إلی إختیار خلیفة منهم، و عزل أهل بیت النبی عن مقام المرجعیة العلمیة و السیاسیة و بذلک فصلوا بین الثقلین: القرآن الکریم و العترة، و غَلَّبوا منطق (حسبنا کتاب اللّه) الذی تمتموا به فی فترة مرض النبی  عملیاً.

لقد تصرَّف المجتمعون فی السقیفة، وعملوا و کأن رسول اللّه  صلی‌الله‌علیه‌وآله ‌ لم یتحدث حول الخلافة من بعِده أبداً و لم یقل شیئاً فی شأن علیّ بن أبی طالب  صلی‌الله‌علیه‌وآله أصلاً.

فهل للإعراض عن أوامر النبیّ صلی‌الله‌علیه‌وآله  و تجاهل وصایاه و تأکیداته صورةٌ أوضح من هذا؟

نعم، لم یخضع کلُّ صحابة النبی  صلی‌الله‌علیه‌وآله لهذا الجو الذی أوجده جماعة منهم، بل بقوا علی مواصلة طاعة النبی  صلی‌الله‌علیه‌وآله فلم یسلّموا لما حدث و وقع، و إمتنعوا عن بیعة أبیبکر، معتقدین - بقوة - أن الامام علیّاً  علیه‌السلام هو خلیفة رسول اللّه  صلی‌الله‌علیه‌وآله بلافصل.

و لکن هذا الفریق کانوا أقلیّةً، و لم تُجدِ معارضتُهم للتیار الذی حدث و لذلک سکت کل هؤلاء أو أکثرهم ـ فیما بعد ـ علی الوضع الحاکم، و لکن التصور الاسلامی الاصیل عن الإمامة بقی مع ذلک و هو باق إلی الآن.

و من هنا وُجدت فرقتان دینیَّتان فی الاسلام، و ظهرت جذورُهما شیئاً
فشیئاً، و قد إشتهرت الأکثریة بأهل السنة، و اْشتهرت الاقلیةُ باسم الشیعة فیما بعد.

لقد إعتقد الشیعة بحجیة النصوص النبویة حول إمامة الامام علی  علیه‌السلام و إلتزموا بها، و اعتبروا أی تأویل لها أمراً غیر صائب، وإجتهاداً فی مقابل النص، و لهذا إعتقد وا بأن الامام علیّاً علیه‌السلام هو خلیفة رسول اللّه بلافصل ،وأنه أوَّل الائمة الذین یجب أخذ معارف الاسلام و علومه منهم، و دأبوا علی الرجوع إلی أهل البیت  علیهم‌السلام ، و هم یستنبطون المسائل الفقهیة بالرجوع إلی القرآن الکریم و إلی الأَحادیث المرویة عن رسول اللّه  صلی‌الله‌علیه‌وآله وعن الأئمة المعصومین علیهم‌السلام أیضاً.

و لم یکن الشیعة فی البدایة و إلی فترة من الزمان سوی فرقة واحدة و مذهب واحد إلاّ أنهم تشعبوا- فیما بعد - تدریجاً إلی فرق و شُعَب، شأنهم فی ذلک شأن کل جماعة، ولکن أصح هذه الفرق و الشُعب هم الإمامیة (الإثنا عشریة).

 

الإثنا عشریة

إنما سمِّیت هذه الطائفة بالإثنی عشریّة لأنهم یعتقدون بإمامة إثنی عشر شخصاً بعد رسول اللّه  صلی‌الله‌علیه‌وآله و خلافتهم له و هم:

1 - علیُّ بن أبی طالب  علیه‌السلام
2 -الحسن بن علی علیه‌السلام
3 - الحسین بن علی علیه‌السلام
4 - علیّ بن الحسین علیه‌السلام
5 - محمّد بن علیّ علیه‌السلام
6 - جعفر بن محمّد علیه‌السلام
7 - موسی بن جعفر علیه‌السلام
8 - علیّ بن موسی علیه‌السلام
9 - محمّد بن علیّ علیه‌السلام
10 - علیّ بن محمّد علیه‌السلام
11 - الحسن بن علیّ علیه‌السلام
12 - الحجة بن الحسن (المهدی) علیه‌السلام

والشیعة یعتقدون بأن هؤلاء الذین تناوَبوا الإمامة والخلافة بعد رسول‌اللّه صلی‌الله‌علیه‌وآله کلّهم مفروضو الطاعة، و أنهم معصومون عن الذنب و الخطأ و عارفون بکل العلوم النبویة، و المعارف الدینیة.

 


[161]  سورة الشعراء الآیة 214
[162] تاریخ الطبری  ج2  ص320
[163]  حلیة الأولیاء  ج1  ص128
[164]  حلیة الأولیاء  ص127
[165]  حلیة الأولیاء  ج1  ص102
[166]  حلیة الأولیاء  ج1  ص104
[167]  حلیة الأولیاء  ج  ص106
[168]  حلیة الأولیاء  ج1  ص107
[169]  نور الأبصار  ص88 ؛ والمستدرک  للحاکم النیسابوری  ج3  ص124
[170]  ینابیع المودّة  ج1  ص338 ؛ والمستدرک ، للحاکم النیسابوری  ج3  126
[171]  غایة المرام  ج5  ص283 .نقلا عن فرائد السمطین  ونقل فی هذا الباب خمسة عشر حدیثا من طریق أهل السنّة وأحد عشر حدیثا من طریق الشیعة
[172]  غایة المرام  ج5  ص93 نقلا عن الجمع بین الصحاح الستة وقد نُقِل فی هذا الباب إحدی وعشرون روایة من طریق أهل السنة وخمسة أحادیث من طریق الشیعة
[173]  غایة المرام  ج1  ص119
[174]  غایة المرام  ج1  ص127
[175]  غایة المرام  ج1  ص131 . ورد فی هذا الباب ستّة وستّون حدیثا من طریق أهل السنّة وستة وسبعون حدیثا من طریق الشیعة .
[176]  المستدرک  للحاکم النیسابوری  ج3  ص121
[177]  المستدرک  للحاکم النیسابوری  ج3  ص122
[178]  المستدرک  للحاکم النیسابوری  ج3  ص128
[179]  المائدة  / 67
[180]  المستدرک  للحاکم النیسابوری  ج3  ص119 ؛ البدایة والنهایة  ج3  ص228
[181]  البدایة والنهایة  ج3  ص229
[182]  البدایة والنهایة  ج3  ص229
[183]  الغدیر  ج1  ص41 ـ 44
[184]  للإطلاع علی العنوان الدقیق فی المصادر المذکورة والوقوف علی تفاصیل أکثر یراجع کتاب الغدیر  ج1 ص543
[185] الغدیر ج 1 ص 376 هذا و یمکن للوقوف علی تفاصیل حدیث الغدیر مراجعة موسوعة الغدیر ج1 ص 327 إلی 399 و کتاب الإمام علی بن أبی طالب، ج 2 ص5 الی 90 و غایة المرام ج 1 ص 267 إلی 344
[186]  الغدیر ج1 ص397
[187]  الغدیر ج1 ص398
[188]  الغدیر ج 1 ص 399
[189]  الغدیر ج 1 ص 400ـ414
[190]  المستدرک للحاکم النیسابوری ج 3 ص 109
[191] الغدیر ج1 ص641
[192]  المائدة / 67
[193]  البدایة والنهایة ج 3 ص 229
[194]  الأحزاب / 6
[195]  المائدة: 67
[196]  الغدیر ج1 ص508 (نقلا من کتاب الولایة لمحمد بن جریر الطبری)
[197]  المائدة / 3
[198]  الغدیر ج1 ص105
[199] البدایة والنهایة لابی الفداء ج3 ص229
[200]  الغدیر ج1 ص329 (نقلاً من الدرّ النظیم، لابن حاتم الشافعی ج1 ص116)
[201]  الغدیر ج1 ص400 (نقلاً عن کتاب سلیم بن قیس ج2 ص788 ح26)
[202]  البدایة و النهایة ج5 ص243
[203]  صحیح مسلم ج 3 ص1259
[204]  صحیح مسلم ج3 ص1259
[205]  شرح نهج البلاغة لابن أبی الحدید، ج12 ص21 ویقصد من إبن عمک الإمامَ علیاً علیه‌السلام .
[206]  الإرشاد ج1 ص184
[207]  شرح نهج البلاغه ج1 ص163
[208]  شرح نهج البلاغة لإبن أبی الحدید ج2 ص39
[209]  شرح نهج البلاغة لإبن أبی الحدید ج 2 ص 57
[210]  شرح نهج البلاغة لإبن أبی الحدید ج2 ص25
[211]  الکامل فی التاریخ ج2 ص325 : شرح إبن أبی الحدید ج2 ص22
[212] تاریخ الطبری ج3 ص322؛ الکامل ج2 ص331؛ شرح نهج البلاغة لإبن أبی الحدید ج6 ص287
[213]  شرح نهج البلاغة ج1 ص174
[214]  شرح نهج البلاغة ج2 ص23
[215]  شرح نهج البلاغة ج2 ص23
[216]  شرح نهج البلاغة ج2 ص26
[217]  شرح نهج البلاغة ج2 ص21
[218]  شرح نهج البلاغة لإبن أبی الحدید ج2 ص57
[219]  شرح نهج البلاغة لإبن أبی الحدید ج2 ص57جحفاً جحفاً أی کانوا یستعلون علیهم!!
[220]  شرح نهج البلاغة لإبن أبی الحدید ج1 ص190
[221]  النساء / 59
[222]  الاحزاب / 36