الدرس الثالث: العالَم في نظر المؤمنين

 الدرس الثالث
العالَم في نظر المؤمنين

مَن أنا؟ من أين أتيتُ؟ هل جئتُ بنفسي؟ و هل أذهبُ بنفسي؟

أم جاء بي غيري، و هو الذي يذهب بي؟

ما هو مستقبلي والي أين اذهب؟

هل تنتهي حياتي بالموت؟ أم تستمرّ حياتي بعد الموت؟... هل هذا العالَم العظيم وُجَد بنفسه و بالصدفة أم أنّ له خالقاً؟

هذه الأسئلة و أمثالها تطرح نفسَها علي ذهن کل إنسانٍ عاقل، و بخاصّة في فترة الشباب و سِنّ البلوغ، و يسعي الانسان إلي الحصول علي إجابات صحيحة عليها لإِقناع نفسه بها.

في هذا الدرس نبدأ ببيان نظرة المؤمنين إلي الانسان و العالم باختصار، کما و نقف عند أجوبة الکفار علي هذه الأسئلة، لتتضح ـ بالمقارنة و المقايسة ـ قيمة کل واحدة من الإِجابتين.

ثم نعمد في دروس هذا الکتاب القادمة، إلي ذکر البراهين، و الأدلّة التي تدعم نظرة المؤمنين، و نشرحها و نوضّحها بشکل ابسط.

و من الجدير بالذِکر أنّ الانسان المؤمن قد أدرک الأجوبة علي الأسئلة المذکورة و عرفها جيّداً، و أخذ عن کل واحدٍ منها فکرةً واضحةً و مناسبةً، و لهذا فهو يؤمن بها عن دليل و برهان، و من أعماق قلبه.

أ ـ العالَم في نظر المؤمنين

إن الانسانَ المؤمن يعتبر العالَم مجموعةً مترابطةً متناسقةً و منظّمةً، لم تُوجد نفسَها، بل خَلَقها و يدبّرها خالقٌ عليمٌ قادرٌ حکيمٌ، و يعتقد بأنَّ الکون يُحفظ و يُدار عن طريق سلسلة من القوانين الدقيقة و السنن القوية، و الناشئة من مشيئة الله و ارادته العظيمة، و لو أنّ هذه الأنظمة، و هذا العالم حُرِمَت من العنايات و الألطاف و الآلهيّة لماذا يکون تستمر و لا لحظة واحدة.

إنّ المؤمنَ يعتقد بأنّ العالم وحدة منظّمة وهادفة، وُجِدتَ بمشيئة الله الحکيمة، و أنّ کلّ شيء في هذا الکون حَسَنٌ و جميلٌ. بالنظر إلي موضعه و محلِّه، و أنّ هذا النظام المتناسق الدقيق يسير باتجاه هدفٍ واحد رفيع.

إن جميع موجودات العالم ـ في نظر الانسان المؤمن ـ محتاجة في وجودها و بقائها إلي خالق الکون، و لولا لطف الله و عنايته لماذا لم يُخلَق أيُّ کائن، ولو لا إحسانه لم يبق هناک موجودٌ. و علي هذا الاساس يَعتبر المؤمنُ کلَ واحدٍ من الکائنات آيةً ساطعةً علي لطف الله ـ خالقِ هذا الکون ـ و عظمته و قدرته.

ب ـ مصير الحياة في نظر المؤمن

المؤمن لا يعتبر الموت عدماً، و نهاية للحياة بل يعتبر الموت انتقالاً إلي دار الآخرة الخالد، و بداية لحياة خالدة.

إن الانسانَ المؤمنَ يعتقد بأن الحياة في هذا العالَم ليست أمراً لغواً و عبثاً، و حادثة بلا هدف، بل هي فرصة للاستعداد و التهيّؤ، و لتربية النفس و اعدادها، و بالتالي فرصة لتحصيل الزاد اللازم للعالَم الاُخروي.

إنّ المؤمن يعتقد بأن المحسنين و المسيئين ليسوا سواء، و إنّ کلتا الطائفتين ستَلقيان نتائج أعمالها حتماً و يقيناً، فسيعطي الله تعالي المحسنين في عالم الآخرة أجر أعمالهم الحسنة، و سيعيش المحسنون في ذلک العالَم الجميل الخالد في هناء و استقرار.

و سيلقي المسيئون ـ هم أيضاً ـ جزاء أعمالهم السيّئة و ستکون لهم ـ في ذلک العالم ـ حياةٌ صعبة ، و شاقّة جدّاً.

إنّ المؤمنَ يعتبر سعادَته المستقبلية، رهنَ أعماله و أقواله، و أخلاقه الصالحة، و يسعي دَوماً لتوفير سعادته الأخروية، يبتعد عن القبائح و السيّئات.


ج ـ خالق الکون في نظر المؤمن

إن الانسان المؤمن يعتقد بوجود الله تعالي، و يعتبره خالقَ الکون و مالَکه، و مدبّر العالم و أهله کلَّه.

إن المؤمن يعتقد بأنّ هناک قوة عظيمة، و ارادة جبارة تسمي «الله»، هو الذي خلق هذا العالم، و هو الذي يدبره و يديره، و انه يراه عالماً، قادراً، رحيماً، حيّاً، و باقياً إلي الابد.

إنّ المؤمن يعتبر الله تعالي منبع کل الخيرات و الکمالات، و يعتبره واحداً، و غيناً، يحتاج إليه کلُ العالم و کلُ أهله.. و أنه هو الذي يحفظ العالم و أهله، و يدبّر اُمورهم، و يدير شؤونهم.

إنّه هو الذي يحفظ السماوات و الأرض.. و لو أنه قطع عنها فيضه، و صرف عنها عنايته، لا نهدم کلُّ شيء، و هلک کلُّ شخص، و هو الحاضر في کل مکان، و الناظر لکل شيء، و ليس مثله شيء أو أحدٌ.

د ـ الأنبياء في نظر المؤمن

الأنبياء حسب عقيدة المؤمن بشرٌ مطهَّرون، و أشخاصٌ کاملون، اختيروا لهداية البشر و ارشادهم نحو طريق الکمال و السمو، لأنّ الله الحکيم لم يکن ليترک البشر في حالة الحيرة و الجهل، بل بعث اليهم انبياءَ معصومين، و زوّدهم بالبرامج الضرورية اللازمة الحياة الفردية و الاجتماعية، و السياسية الدنيوية، و سبل النجاح في الحياة الاُخروية، و أرسلهم من أجل أن يرشدوا البشر و يضعوا تحت تصرّفهم ما يُسعدهم و يکفل خيرهم.

هذه هي نظرة المؤمن إلي مبدأ الکون و مصدر الوجود، و هذه تصوراته الاساسية و اُصول عقائده.

و اجابات المؤمن المختصرة و القصيرة علي الاسئلة الاساسية: «مِن اينَ أتيتُ»؟ و «أين أنا» و «إلي أين أذهبُ»؟ تکون علي النحو التالي:
1ـ مِن أينَ أتيتُ؟

لقد خلقني الله العليمُ القديرُ بلطفه و رحمته بأجمل خلق و أحسن تقويم.
2ـ أين أنا؟

أنا في عالم عابرٍ، و متغيِّر غير ثابت، خلقه الله و هو الذي يدير شؤونه.. أنا أعيش في هذا العالم لانَمّيَ نفسي و أخلاقها النبيلة، و فضائلها الانسانية في ضوء هدايات الأنبياء الآلهيين و أوصيائهم، و استعدَّ للتمتع بالحياة الخالدة، و نِعَمِ العالَمِ الاُخرويّ غير المحدودة.
3 ـ إلي أين أذهبُ؟

أنا أذهب إلي عالم الآخرة الخالد، الباقي، و هناک سوف ألقي جزاء کلّ أعمالي... و الموت ليس نهايةَ الحياة، بل هي انتقالًٌ من الحياة الدنيا، و بداية لحياة جديدة اُخري.

العالَم کيف في نظر الکفّار: من أنا؟ ما هي مسؤوليّتي؟ مِن أينَ جئتُ و مَنِ الذي أوجدني؟ و أين أنا؟ و ما هو الهدف من مجيئي؟ و إلي اين سأذهَبُ، و ماذا سيکون مصير حياتي؟

إنّ هده الأسئلة ـ کما قلنا سابقاً ـ تطرح نفسها علي کل انسان، و يحاول کلُ ذي عقل، بسعيه الفکري و تفحصه، أن يحصل علي إجابات صحيحة عليها يهدّيءُ بها ضميره .. و من المحتمَّ أنّ هذه التساؤلات تطرح نفسَها علي الکفّار أيضاً، ولکنّهم لا يفکّرون حولها بصورةٍ منطقيّةٍ و صحيحةٍ.. و لا يستخدمون عقولهم لحلّ هذه المسائل الأساسية بشکل جيّد.

إنّ التعلّقَ بالأمور الدنيويّة، و عبادة الهوي، ألقت بغشائها الکثيف علي أبصارهم و بصائرهم.. و إنّ الخوضَ في المتعة و اللذّة من دون حساب أشغَلَهم، و أصابهم بالغفلة .. إنّهم يتهرّبون من التفکير في هذه المسائل .. و إذا تَوَفَّرَ لديهم شيءٌ مِنَ الفراغ، و سمعوا نداء ضمائرهم، و تساؤلاتها، صرفوا عنها أنفسهم فوراً، بل و ربما خَدَعوا أنفسهم باعطائِها بعض الأموال بالمستقبل بظنّهم.

إنّ الکافر لا يمتلک إجابات تنبع عن يقين وثقة، بل هو يقول و هو يعتمد علي ظنونه و أوهامه:


1ـ من أنا؟

... أنا حيوان اُدعي إنساناً، مثل بقية الحيوانات، و الأنعام. آکل مثل سائر الحيوانات و اشرب، و أذهب يميناً و شمالاً لإِرضاءِ ميولي و إِشباع رغباتي، و إستجابة لاحتياجاتي، و أنا متحرّر في توفير مطاليبي مِن کلّ قيد وحدّ، ليست عليَّ في مقابل أي موجود أَعلي أيّة مسؤولية و التزام.


2 ـ من اين أتيتُ و مَنِ الذي خلقني؟

يقول الکافرُ ـ في معرض الاجابة علي هذا السؤال و حسب ظنّه ـ : أنا کائنٌ مادّيٌ، لم يخلقني أحدُ، و لستُ موجَداً من قِبَل خالقٍ عالمٍ واع.. إنمّا وُجِدتُ بالصدفة، و ليس من الصحيح أنّه خلقني خالقٌ عليمٌ قديرٌ أعلي، لحکمة و هدف.. فليس وراء حدوثي أيُّ هدف، و لا أيّة رؤيةٍ مستقبَليّةٍ.


3 ـ أين أنا؟

أنا في عالَمٍ مادّي خالصٍ.. و بلا هَدَف، أعيش إلي جانب کائنات و حيوانات و بشر وُجِدوا هم أيضاً عفوياً.. و أن جميعهم مِثلي من دون هَدَف و لا غاية مستقبليّة.


4 ـ إلي اين اذَهبُ و کيف سيکون مصير حياتي؟

إلي اين سأذهبُ... إلي الموت و الشيخوخة و العَطَب، و العجز، و في المآل إلي الفناء و العَدَم.

إنّ الحياة ـ في نظر الکافر ـ تسير علي النحو التالي:

إنّ الانسان يبدأ من العَدَم، ينمو من غير قصد و لا وعي، و يصعد ثم يصعد حتي يتجاوز مرحلة الطفولة، و عند الشباب يبلغ النشاطُ و القوةُ ذروتهما، و الشابُ يجلس علي أعلي قّمةٍ من قمم الحياة، ولکن و للأسف سرعان ما ينقضي ذلک النشاطُ، و تنفد تلک القوّة و يتجه الانسان بعد مدّة قصيرة نحو الحضيض، و في مسير السقوط و الهبوط تتوجه اليه ضرباتٌ و مِحَنٌ، و تهجم عليه أمراض و مصائب... تتضاءل طاقة الشباب شيئاً فشيئاً، و تسير القوي الجسمانية و البدنية نحو الذبول و الاُفول، و ينتهي عهدُ النشاط، و اللذّة، و يحلّ محلّه عهدُ الضعفٍ و العجز، فيجفوهُ الابناءُ و الاحبّة، و يقسُون عليه، و يترکونه وحيداً مع مشاکله حتي يسقُطَ في المآل في هُوّة السقوط، و يندفِنَ تحت الاحجار و الاتربة.

هکذا تکونُ نهايةُ الحياة ـ في نظر الکافر و حسبَ ظنّه ـ عابثةً و رهيبةً و مؤلمةً.

فما أتعسها من نهاية.. إنَّ الکافر يظنّ إنّ نهاية أمره هو السقوط في وادي العدم، و عندما تهاجمه الاسئلةُ، و بخاصّة تلک الاسئلة التي تتعلق بمستقبل حياته، و بالموت، يحاولُ أن يصرفَ نفسَه عنها بکلّ وسيلة ممکنة.

إنّه يحاول عن طريق اللَهو و اللَعِب، و الخوض في الملّذات الخارجة عن الحدود، إطفاءَ شُعلة عَقله، و إخماد جذوة وَعيه، و إسکات نداء ضميره، و وجدانه، ولکن حتي لو استطاع ـ و لمدةٍ قصيرةٍ ـ أن يهدّيء أعصابَه، هل يترک وجدانُ الانسان الباحث، و عقله الفاحصٌ تساؤلاتِهما و استفساراتِهما الملّحة؟!

إن تصّور العبثية، و العدم و الفناء المطلَق، أمرٌ مرُّ المذاق، و شيءٌ مؤلٌم للکافر.. إنّ هذا التصور و هذا الظنّ يُشبه الحّية السامّة، تلسعُ روحَ الکافر من باطنها علي الدوام، و تنفث فيها سمومَها المؤلمة، و تزيد من عذابه الوجدانّي، و عنائه النفسي... فما أحسن به من أن يشغِّّل عقلَه، و يطلَب الأجوبة الصحيحة المقنعة علي هذه التساؤلات!!
 

اجيبوا علي هذه الاسئلة

1ـ کيف يکونُ العالَم في نظر المؤمنين؟ و کيف يکونُ العالم في نظر الکافرين؟

2ـ کيف تکونُ نظرة المؤمنين إلي مصير الحياة؟ و کيف تکونُ نظرة الکافرين إلي مصير الحياة؟

3 ـ ما هي نظرةُ المؤمنين إلي هدف الحياة؟ و ما هي نظرةُ الکافرين إلي هدف الحياة؟

4 ـ أيّة واحدةٍ من هاتين النظرتين تختارون انتم؟

5 ـ لماذا؟

أجب علي کل واحد من هذه الاسئلة بکلٍ من اجابة المؤمنين و الکافرين؟

6 ـ مَن أنا؟

7 ـ مِن أين أتيتُ؟

8 ـ مِن أينَ أنا، و لما أتيتُ؟

9 ـ إلي أين إذهب، و کيف سيکون مصير حياتي؟