الدرس الثاني ثمار الإِيمان في الحياة (2)

 الدرس الثاني
ثمار الإِيمان في الحياة (2)

تستَقِرُّ بذرة الايمان في قلب المؤمن و تتجذّر أوّلاً، ثم تُسقي بالأعمال الصالحةِ، فتکبُر، و تکبُر حتي تُلقي بظلالها ـ کشجرةٍ عاليةٍ کثيرةٍ الاغصان و الأوراق ـ علي ما حولها، و تعطي الثمارَ الحلوةَ الشهيّة.

و لقد استعرضنا في الدرس السابق بعض ثمار هذه الشجرة العالية المبارکة، و وصفناها، و في هذا الدرس نشير إلي طائفة اُخري من تلک الثمار، و نعني بما ثمار الايمان.

1ـ طمأنينة الروح

إنّ الانسان المؤمن قد عرف ربّه، و آمن بعلمه و قدرته، و لطفه و رحمته، إيماناً کاملاً.. انه يعتبر ان مالَک الکون بأسره إلهٌ رحيمٌ کريمٌ، و يعتبر قدرتَه نافذةً في کل شيء.. انه يعتبر الله حاضراً و ناظراً في کل مکانٍ و محيطاً بکل شيء.

إنّ المؤمن يعتقد بأن الله تعالي يريد الخيرَ لعباده و صلاحَهم. إنّه رحَمن رحيم. لا يضِنُّ بفيضه و لطفِه عليهم أبداً. و لهذا فهو يتمتع بطمأنينة قلبية، لا يعاني من أيّ قلق أو إضطراب. إن قلبه مسرور بذکر الله، و مأنوسٌ به دائماً.

إنّ الانسان المؤمن سلّم دفة سفينةَ حياته و وجوده بيد الله تعالي، و هو واثق بأنّها ستعبر کلَ الامواج الرهيبة، و تجتاز جميع العقبات و الازمات الصعبة، بسلام و أمان و ترسو عند ساحل السعادة المطلوبة بفضل هداية الله و قيادته.

إن الانسان المؤمنَ قد عرف الهدف المنشود من الحياة کما عرف جيداً طريق الوصول اليه، و وثق بانه إذا سلَک ذلک الطريق نال السعادة الأبديّة، و وصل إلي المقصد النهائي المطلوب.. و لهذا فانه يتمتع بسکينة قلبية عميقة علي الدوام، و لماذا لا يکون مطمئناً، و لا يتمتع بالسکينة؟! إنّ له ربّاً هذه صفاته.. و إن له رباً هو منشأ جميع الخيرات و البرکات... فلماذا يکون مضطرباً قلقِاً مع أنه متيقنٌ بأنه يحظي بمعونة ربّه و امداداته الغيبيّة، و أنه لن يبقي وحيداً من غير ناصر أبداً؟

اما الکافر فکيف؟

إنّ الکون و حوادثه في رؤية الکافر و في نظره بمنزلة بَحرٍ متلاطم هائج، تتدافع فيه أمواجُ البلايا و المحن، و لَججُ الشقاء و المصائب، فلا مِن سفينة تنجِّي، و لا مِن منقذٍ خبيرٍ مهتمٍ بمصير الانسان مُتحرّقٍ علي حياته و شأنه.

إن حوادثَ العالم في نظر الکافر اُمورٌ منفصلة، و سلسلة متبعثرة الحلقات، لا يرتبط بعضها ببعض، و کل ما في الکون عبث و من دون هدف و غاية.

إنّ الکافر يري نفسَه في هذا الخضم، الهائج، و هذا البحر المتلاطم، عاجزاً لا کهف له فيؤويه، و لا ملاذ له فيحميه، تندفع عليه الأمواجُ من کل جانب.. و تهاجمه الاخطار من کل صوب.. انه کسابح متعَب لا يعرف مُخلِّصاً ينتشله، و لا منقِذاً و دوداً قادراً علي انقاذه.. يرتعد من کل موجةٍ تهيج، و يحسب کلَ صوت عَدوّاً يتهدّدُ کيانه و حياته، لا يقدر شيء علي إعطائه الاملَ و السکينة، و کيف يطمئِن و يتمتع بالسکينة و الاستقرار و قد تراکمت علي قلبه أکداسُ الهموم و الاحزان، و الإِخفاقات و الهزائم، و العداوات و الضغائن، و المخاوف من الأمراض، و الهواجس من العوز و الفقر، و اللامبالات و القسوة، و الخوف من الشيخوخة و الموت.

کيف يمکن ان يکون مطمئن الفؤاد، مرتاح البال و الخاطر و هو لا يجد ملجأ قويّاً يلجأ اليه، و مخلِّصاً يهمُّه مصيُره و شأنُه ليطمئنّ اليه و يسکن خوفه بجواره، فيقضي علي قلقه، و يزبل اضطراب فؤاده، و وحشة نفسه.

إنّ الکافر ـ لانه لا يمتلک عقيدة حقّة قويّة ـ لا يمتلک لحياته هدفاً ثابتاً، و غاية صحيحة ليسعي في سبيل تحقيقها و الوصول اليها سعياً متواصلاً و مستمراً، إِنه يظنُ أَنّ وجودَه، و کلَّ حوادث العالَم عبث، و من دون هَدَف، فکيف يمکن ان يختار هدفاً ثابتاً قيّماً.

إنّ الذي يحسب أن له مصيراً مقروناً بالهلاک المحض کيف يمکن أن يطمئنّ له قلبٌ و يهدأ له بالٌ؟

إن الکافر ـ لانه لا يؤمن بعالَم الآخرة ـ يري مستقبلَه مظلماً حالکاً، و لهذا يعيش حالة إضطراب دائم، بل و يرتعد کلَّما تصوّر ذلک المستقبل الرهيب.

2 ـ الصَّبر و الاستقامة

يواجه الانسانُ طيلة حياته الکثير من المشاکل و المحن و المشاق و الصعوباتٍ، و الحرمان و الاخفاق و العجز و المرض، و غير ذلک مما لکيفية التعامل معها أثرٌ کبيرٌ و خاصٌ في حياة الانسان.

إن بعض هذه الحوادث يمکن توقيّها، و بعضها لا يمکن. کما أنّ بعض هذه الحوادث التي تحدث يمکن علاجُه، و بعضها لا يمکن علاجُه و المؤمن و الکافر ليسا سواءً في جميع هذه المراحل، و في التعامل معها.

إنّ الانسانَ المؤمنَ ـ مستعيناً بقوة الايمان و في ضوء ارشادات الانبياء و توجيهاتهم ـ يمکنه أن يمنَع من وقوع الحوادث المرّة، و القابلة للتوقّي أفضلَ من الآخرين، و أن يقلّل من عدد الحوادث. کما أن الانسان المؤمن يعمل بشکلٍ أفضل لحلّ و علاج المشاکل و الحوادث التي وقعت، و تکون قابلة للعلاج، و ذلک بمعونة القدرة الاَلهيّة الازليّة، و بفضل الأمل في التأييدات الغيبية، و بالصبر و الاستقامة، و لذا و فهو بهذه الطريقة يتغلب علي المشاکل و المحن. بنحوٍ افضل.

إن الانسان المؤمن ـ لانه يمتلک هدفاً واضحاً، و دافعاً آلهيّاً، بل و يمکنه أن يسعي دائماً و في جميع الاحوال للقيام بوظائفه و واجباته ـ يستطيع بنحو أحسن أن يحتفظ بطمأنينته الروحية تجاه المشکلات، و ان يسعي لمعالجتها بالصبر و التدبير و ان يقاومها کالجبل الراسخ.

إنّ هناک حوادث مثل الشيخوخة، و الامراض المستعصية، و حوادث السير، و الحوادث غير القابلة للتکهن، و موت الاقارب المفاجيء و غيرها، يمکن القول و بدون شک ان الايمان الدينّي يستطيع أن يجعل الانسانَ مقاوماً تجاه مثل هذه الحوادث و الصعاب. بل و انّ مقاومة الانسان المؤمن و طمأنينته تجاته أمثال هذه الحوادث المرّة، شديدةٌ جدّاً، حتي لَکأنّه يواجه حوادثَ، حُلوةً لا مُرّةً، لذيذةً لا أليمةً.

إنّ المؤمن يعلم بأن حوادث الکون و الحياة ليست اُموراً إتفاقية عَفوية، لا هَدفَ لها و لا غاية، بل ان الانسان لو سعي في اداء واجباته، لاستطاع أن يستفيد من جميع الحوادث الحلوة و المرّة، لتکميل نفسه، و تنمية فضائله الأخلاقية، و بلوغ السعادة الحقيقية و الاُخرويّة.

إن المؤمن في الوقت الذي يسعي و يجتهد في أداء واجباته و وظائفه، يکون عند مواجهته الحوادث مسلّما لله، راضياً بما يريد، صابراً عليه، و يعتقد أنّ هذا الصبر و الرضا المقرونَين بالسعي والجّد، يوجبان تربيَة نفسه، و تنميةَ فضائله النفسية، بل و لا يتوجه اليه أيُّ ضررٍ واقعيّ منها.

لماذا؟ لأنه يعتقد انه سيتلّقي أجرَ سعيه، و ثواب اجتهاده، و نتيجة صبره و رضاء في عالم الأخرة، من جانب ربّه الرحيم الودود.

و لأجل هذا الايمان و الاعتقاد، و هذه الرؤية و البصيرة، يستقبل المؤمنُ الصعابَ و المشاکلَ بصدرٍ رحب، و لا يتملکه الجزعُ و الفزعُ أبداً، فهو تجاهها أقوي من الجبل، يسعي لحلّها بأمل و نشاط قدرَ المستطاع.

و باختصار: ان الانسان المؤمن يتمتع في ظلّ ايمانه بأربعة اُمور:

1ـ انه مسيطرٌ علي أهوائه و رغباته النفسية، کابحٌ لجماحها، و لهذا فانه يتجنب بصورة جديّة ما يوجب سقوطه و ذلته و شقاءه. يعني: انه صبور في مقابل الهوي.

2ـ انه لاجل إتکاله علي الله رب العالمين و امداداته الغيبية، ثابت في سبيل اداء واجتاته، و مستقيم في سعيه الدؤوب، يتوقي الحوادث، و يمنع من وقوعها، بحسنِ تدبيره و مثابرته و همتّه، يعني: أنه صبور في أداء الواجبات.

3 ـ يواجه المشاکل و الصعاب بصبر و ثبات کاملَين، مجدٌّ في حلِّها و معالجتها، يعني: أنه صبُورٌ عند مواجهة المشکلات.

4 ـ لا يفقد طمانينته و سکينته القلبيّة في وجه الحوادث، يعني: انه صبور عند المصائب.


اما الکافر فکيف؟

إن الکافر لا يمکنه أن يتمتع بذلک الصبر و تلک المقاومة، لأنه محروم من نعمة الايمان و ثمراته.

إنّ الکافر أسيرُ رغباته النفسيّة الرديئة، و سجينُ شهواته و اهوائه الرخيصة، فهي تجرّه في کلّ ساعة إلي ناحية، و تميل به في کل لحظة إلي جانب.

إن الکافر ذليلٌ حقيرٌ بين يدي ميوله و رغباته النفسية، و لا يمکنه أن يُعَدِّلها، و يصونها من الانحراف بصدقٍ.

کما إنه ليس للکافر ـ في طريق الکفاح و الصراع مع المشکلات و المحن ـ أيُّ رُکنٍ يَرکن إليه، ليستطيع ان يقاوم و يثبت، و لهذا فانه سرعان ما يفقد تماسکه و توازنه في وجه المشاکل والمِحن، و ييأس من بلوغ الهدف.

بل إن الکافرَ يفقد استقامته و صبره تجاه الحوادث التي لا تقبل الحلّ (مثل الشيخوخة، و بعض الامراض، و قرب الأجل و موت الاحبّة، و افتقاد المال و..و) و يري ان باب الحيلة مسدودٌ و موصدٌ في وجهه، فيغرق في بحر من الهموم، و يسيطر عليه الجزع و الفزع.

و لهذا يقلق الکافر من وقوع مثل هذه الحوادث و يضيق بها ذرعاً، فليس للکافر من هدف سوي التمتع الحيواني و التلذذ المادّي، مثل الاکل، و الشرب، و النوم، و اللبس، فکيف يستطيع أن يقاوم، و يصبر علي الحوادث و المحن التي تهدم حياته هذه، او تعکّر صفوها، و تهدّد استقرارها.


اجيبوا علي هذه الاسئلة

1ـ ما هو سبب الاطمئنان الروحي عند المؤمن؟ و لماذا لا يتمتع الکافر بمثل هذه الطمأنينة؟

2ـ ماذا يفعل المؤمن مع الحوادث القابلة للتوقي؟

3 ـ کيف يتعامل المؤمن مع الحوادث غير القابلة للعلاج؟ و ماذا يفعل الکافر مع هذهِ الحوادث؟

4 ـ بأيّ شيء يعدّل المؤمن رغباته النفسيّة الجامحة؟ و کيف يکون سلوک الکافر أمام ميوله و رغباته النفسية؟