الدرس الأول ثمار الإِيمان في الحياة (1)

 الدرس الأول
ثمار الإِيمان في الحياة (1)

الإيمانُ بالخالِقِ العظيم لهذا الکون، و بالنبوة و صدق الانبياء و الرسل الا لهيين، و بالمعاد و الحياة الآخرة، يمنح حياة المؤمنين جمالاً و صفاءً، و سکينةً و طمأنينةً خاصّة.

و في هذا الدرس نشير إلي بعض ثمرات الايمان و ندرس حياة المؤمنين في ظلّها، مع مقارنتها بحياة الکافرين، المظلِمة القِذرَة.
1ـ الأمل

إن قلب المؤمن (1)مفعَمٌ و مليءٌ ـ في ظل ايمانه بالله و وعوده الصادقة ـ بالأمَل و النشاط، و يکون دائماً، و في جميع الأحوال، راجياً لألطافه العميمة، و رحمته الواسعة.

إنّ المؤمن يعتقد بأنّ الله تعالي قادرٌ رحيم، و لذا فهو يلجأ إليه عند الصِّعاب
1 . نريد بـ «المؤمن»: الانسان الذي يکون مؤمناً بالله تعالي في کلا المجالين: النظريّ و العمليّ، أي کما ينطوي علي اعتقاد قلبي بالله سبحانه فانه في عمله و سلوکه يکون مظهراً صادقاً لذلک الاعتقاد، فيکون بالتالي مؤمناً اعتقاداً و سلوکاً.

و المشکلات، رافعاً إليه يد الحاجة، و ماداً إليه کفَّ الاستعانة، آملاً في عونه، و إمداداته الغيبيّة.

إن المؤمن يسعي عن طريق العمل إلي حلّ مشکلاته، و هو علي ثقة بأن الله و ليّ المؤمنين، و معينهم.

إنّ اليأس و القنوط ـ الذي هو من أسوأ ما يُلمُّ بالحياة ـ ليس له مکانٌ في قلب المؤمن، فلماذا ييأس؟ أليس هو مؤمن بالله القادرِ الرحيم، المالِک لعالَم الوجودِ کلِّهِ؟ بل و لماذا يقنط؟ و هو مؤمنٌ بالهٍ هو مصدر کل قدرة، و منبعُ کلّ کمالٍ و خير.. بلي فهو يعتقد بأن هذا الاله الشفوق الرحيم هو وليّ الذين يجاهدون، و يعملون في سبيل الحق و الفضيلة، و العدالة و الخير، و هو لذلک علي يقين کاملٍ بالنجاح و الظفر.

إن المؤمن الذي عرف ربّه، و شاهد مظاهر رحمته و لطفه و آمَنَ بهما لا يجدُ اليأسُ و القنوط إلي قلبه سبيلاً أبداً.

أمّا الکافر فکيف؟

ان الکافر لا يؤمن بالله تعالي ليلجأ إليه في المشاکل و الصّعاب.. و انه بعد أن يخفق في تحقيق نتيجة لسعيه، و توسّله بالاسباب الطبيعيّة، يري نفسَه عاجزةً وحيدة، و تتمثل له و هي حائرة، لا ملجأَ له اولا ملاذَ تجاه مشاکل الحياة و مصاعبها، و يسيطر عليه الإضطراب، و يتملّکه القلقُ، و يسقط في هُوَّة اليأس الرهيبة، و يصبح اليأسُ کأرضة تنخر روحَه، و تترکه في عذابٍ دائِم، و عناءٍ أليم.

2 ـ الإطمئنان إلي مصير الحياة

إنّ الانسانَ المؤمن ـ بفضل إيمانه بالحياة الاُخري ـ لا يخاف الموت، فهو مطمئِنٌ إلي نهاية الحياة، غير قِلقٍ علي مصيرها و مالها، لأنه يعلم بأنَّ الانسان لا يفني بالموت، بل ينتقل من هذا العالم إلي عالم الآخرة، الخالِد الجميل.

إنّ المؤمن يعتبر الحياة مزرعةً للآخرة و الحياة الدنيوية محلاً للسعي و العَمل، و فرصةً للعبادة و الطاعة، و مکاناً لتربية الفضائل، و تنمية الکمالات، و السير حثيثا نحو مرضاة الله تعالي، و هو علي ثقةٍ کامِلةٍ بأنّه لا يخلو أيُّ عمل مهما صَغُر من نتيجةٍ، و انه سيلقي ثوابَ اعماله جميعها في العالَم الآخرَ.

إنَّ المؤمنَ لا يرهب الموت فحسب، بل تعتبُر الموتَ في سبيل الله، و في ميادين الجهاد، موهبةً کبري، فهو يستقبلُ هذه الموهبة بصدرٍ رحب، وشوقٍ کبيرٍ، ليقدر علي مواصلة حياتِه الاُخرويّة الخالدِة، الجميلةِ، في جوار الرحمةِ الآلهيِة، مع الابرار و الصالحين.

إنّ المؤمنَ لا يري الحياةَ في هذا العالم أمراً عَبَثاً، لا طائل منه و لاينطوي علي غاية و هدف، بل ينظر إليها علي أنها فرصةٌ ثمينةٌ لبناءِ الذات، و تزکية النفس، و اکتساب القابليّة و الصَّلاحيّة لنيلِ السَّعادة الاُخرويّة، و لهذا السبب يسعي المؤمنُ ـ بمنتهي النشاط و الثقة ـ في تزکية نفسه و تربيتها، بمزاولة الأعمالِ الصالحةِ، و ممارسِة العبادات، و الاجتهادِ في خدمة الناس.

إنّ الانسان المؤمنَ لا يعتبر البّر، و الصدق و أداء الامانة، و الاحسان إلي عباد الله، و غيرها من الأعمال الصالحة، تذهب هباءً، بل هو علي يقين بأنَّ أيّ واحد من هذه الأعمال لا يضيع، و لا يبقي من دون أجر و ثواب، و أنه سيري نتيجتَها جميعاً في عالم الآخرة.

أمّا الکافر فکيف؟

هل ان الکافر مطمئِنٌّ علي مصير الحياة أيضاً أم لا؟ و الجواب علي ذلک هو انّ الکافر ـ لعدم ايمانه بعالم الآخرة،و المعاد ـ يري نهاية الحياة هلاکاً و فناءً، و يظنّ أنّ الحياة عبثٌ و لغوٌ، و لعبةٌ باطلةٌ.

إنّ الحياةَ ـ حسب تصوّر الکافر و ظنّه ـ تبدأ من هُوّة العدم، و تنمو تدريجياً، و تترقي أکثر فأکثر، تُخَلِّفُ وراءَها الطفولَة، و يبلغ الانسانُ ذروةَ نشاطِهِ وقوته عند الشباب.. ولکنّه و للأسف سرعان ما تبدأ رحلةُ الهبوط، فينزلُ من قمة النشاط و القوّة، و تتوارد عليه حالاتُ الضعف و العجز، و المرض و الشيخوخة، الواحدةُ بعد الاُخري..

و الانسانُ بعد تحمّل کلّ تلک الآلام و الأمراض، و العذاب و العناء، يسقط في المآل، و بأقدام مرتعشة في هُوّة العَدَم ذاتِها، و يختفي جثمانه المّيت تحت اکوام من التراب و الحجر.. ما أوحشه من مصير؟! و ما أوجعها من نهاية؟! و أيّة حياة عابثة هذه؟! تري هل هناک شيءٌ أوحش من العدم و الفناء؟!

إنّ الکافر يري ـ عند بلوغه فترة الشيخوخة ـ أنّ جميع أعماله التي عَمِلها في حياته کلِّها أعمالٌ لا غيةٌ و غير مفيدةٍ، و أنَ عليه أن يدعَ کلّ ما شيّده أو ادّخرهُ بطويلِ سعيِه، و يموت و يفني. فهل مِثلُ هذه الحياة يمکن أن تکونَ باعثة علي الطمأ نيتة؟

کيف يستطيع الکافرُ أن يمارسَ عَمَلاً صالحاً بمعناه الحقيقي؟ تُري لمن يعمل! و لماذا يعمل؟ إنه لا يؤمن بالثواب و العقاب الأخرَويين، فعلي أيّ أمَل يُحسِن للآخرين، و أيّ تبريرٍ صحيحٍ يمکن أن يعطيه للتضحيةِ و الايثار شخصٌ کهذا؟

لهذه الاسباب يعاني الکافرُ خوفاً و اضطراباً دائمَين من الموت، و يرفض أن يفکّر فيه بشکلٍ صحيح، ولا لحظةً واحدةً، لأنّ مجرّد التصوّر ـ الذي لا يعني في ظنّه إلاّ الفناء و العدم ـ يکون أشدَّ عليه و أوجع من مئات الجَلدات و الضربات بالسياط و الأعواد.

3 ـ المعرفة بالواجب

إنّ الانسان يواجه ـ باستمرار ـ قضايا متنوّعة (فرديّة، اجتماعيّة، سياسيّة...) تفرض عليه أن يَتَخِّذَ فيها موقفاً مناسِباً، و يقوم تجاهها بردّة فعلٍ مناسبة.

فاذا کان مؤمناً بدينٍ، استَلهَمَ واجبَه من ذلک الدين... إنَّ وظيفته ـ في هذه الحالة ـ واضحة، فلا تردد، ولا حيرة لديه.

أمّا إذا لم يکن مؤمناً برسالةٍ و دينٍ، تردَّدَ في تحديد واجبه، و تعيين وظيفته، و بقي متحيّراً ضائعاً.

إنّ الانسان المؤمن يتحلي بحالة خاصة من التسليمٍ و التعبُّد، فهو يأخذُ طريقه و هدفَه و مواقفَه من الله و الانبياء و يتّبع برنامجاً خاصاً، و ينتهج منهجاً معلوماً و معيناً، و يستمدّ واجبه تجاه کلِّ حادثةٍ جديدةٍ من دين الله المنهاج الآلهيّ ـ و يقوم بوظيفته بطمأنينة و أمل، و عن رغبة واندفاع.

وحيث أنه يؤمن بطريقه، و هدفه المختار ، ايمانا" كاملا" ، فانه يضحي في سبيل تادية واجبه. و يجتهد في ذلک بمنتهي الرغبة و الاندفاع.

إنّ الانسان المؤمن يري أنّ نفسه و العالمَ کلّه مملوک لله تعالي، و يعتقد بأنّ الله سبحانه ـ لعنايته بالانسان و ارادته لکماله ـ جَعَل برنامج سعادته (الدين) بواسطة الانبياء في متناول يده.

إنّ الانسان المؤمن، يَعتقِد بأن إِتّباع أحکام الدين و قوانينه يُحقّق له السعادةَ الحقيقةَ. إنه يعتبر نفسَه مختاراً و مسؤولاً عن مستقبَله، و يعمل بواجبه في غاية الطمأنينة، و من دون تحيّر، و ببصيرةٍ کاملةٍ.

اما الکافر فکيف؟

إنّ الکافرَ، لأجل انّه لم يرضخ للحق، و لأنّه لا يؤمن بدينٍ، فهو حائر متردّد، لا يعلم أيّ منهجٍ يختار، و أيّ طريق يسلک؟ إنه أسيرُ ميوله و رغباته، و سجينُ أهوائه النفسية، ينجرّ تارةً إلي هذا الجانب، و تارةً إلي ذاک الجانب، يختارُ ما يختارُ، و يعملُ ما يَعمَلُ و هو غير متيقّن هل هذا في مصلحتِه أو أنه يلحق الضَررَ به.

إنّ الکافر لا يمکنه أن يختار هدفاً واضحاً يَضمِن له سعادته الواقعيّة، و يسير نحوه. إنّه غير متقيّدٍ بطريقٍ و هَدَفٍ معتَمَدٍ عليه لکيّ يتخلّص مِنَ الاضطراب الفِکريّ، و لهذا السَّبب نجده يميل کلَّ يوم إلي جهة، و يقع في مصيدة.

و حيث أنه لا يستمد وظيفته من الأنبياء فانه يحدّد له الآخرون منهَج حياته، و يُعَيّنون له واجباته، و حيث أنه لم يُسلّم نفسَه لله و لدينه، تخدعه المباديء الباطلة و حيث انه لم يقبل بقيادة الانبياء، و لم يعتنِ بهدايات أولياء الله، يقع فريسةً في مصائد المحتالين و الکذّابين.


اجيبوا علي هذه الاسئلة

1ـ لماذا يکون المؤمن نشِطاً مفعماً بالأمل دائماً؟ و لماذا يكون الکافر مضطرباً؟

2 ـ لماذا يکون المؤمن مطئمناً علي مصير الحياة؟ و لماذا يکون الکافر قلقاً؟

3 ـ لماذا لا يتردد المؤمن في معرفة واجباته؟ و لماذا يکون الکافر متحيراً سادراً في ضلاله؟

4 ـ کيف تکون حال المؤمن عند الموت؟ و کيف تکون حال الکافر عند الموت؟