الفرق بين المعجزة و السحر

 الفرق بين المعجزة و السحر

من الأمور التي يتوجب بحثها هو تحديد الفرق بين المعجزة و السحر ، فقد يتبادر للذهن ان الساحر يأتي بأعمال خارقة يعجز عن القيام بها غيره فما هو الفرق بين السحر و المعجزة وما هو التفاوت بين النبي و الساحر ؟

للإجابة عن هذا التساؤل نحدّد وجه الاختلاف بين الأمرين:

ان السحر لا يملک رصيداً من الحقيقة و عمل الساحر ينصبّ فقط في الهيمنة علي الحواس والذهن فتبدو الأوهام حقائق ، و هذا ما يتجلّي واضحاً في قصّة سيّدنا موسي مع سحرة فرعون ، فلقد ألقي السحرة حبالهم و عصيهم و جاءوا بسحرٍ عظيم علي حدّ تعبير القرآن الکريم فبدت تلک الحبال و العصي لمن يراها أفاعي تسعي و تتلوي. ولکن الحقيقة کانت غير ذلک فالسحر يؤثر علي الحواس فقط ، و لذا قال القرآن الکريم: «فلما ألقوا سحروا أعين الناس و استرهبوهم و جاءوا بسحر عظيم»(1).

«فإذا حبالهم و عصيهم يخيل اليه من سحرهم انّها تسعي»(2).

 

ويعبر القرآن الکريم عن السحر بأنّه مجرّد مکائد وأوهام و لاحقيقة لما يفعلونه ، لذا أمرالله عزوجل سيّدنا موسي (عليه السلام) بقوله تعالي: «والق ما في يمينک تلقف ما صنعوا انّما صنعوا کيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتي»(3).

والسحرة کانوا أوّل من أدرک حقيقة ماقام به موسي (عليه السلام) ولهذا اهتزوا بشدّة وآمنوا بالله لواحد القهّار وهووا ساجدين لربّ موسي و هارون ، و لم تفلح تهديدات فرعون عن ثنيهم رغم آلام التعذيب الرهبية.

وخلاصة القول ان المعجزة تتدخل في تکوين الأشياء ذاتها ، فعيسي (عليه السلام) کان يحيي الموتي و يبرئ الأکمه ، کما خرجت أمام الملأ من ثمود ناقة من قلب الصخور ناقة حقيقية کانت تدرّ اللبن الوفير فيما يبقي السحر محصورا ً في دائرة ضيّقة من الأوهام والأباطيل.

ان الساحر يقوم بسلسلة من الأعمال المبهمة التي لاغني عنها من أجل أن يؤثر سحره في الناس ، بينما المعجزة تحدث فجأه بمجرّد الإرادة و يتکفل الغيب في تنفيذها انتصاراً ًللنبي و تعزيرا ً لموفقه.

ان النصر حليف المعجزات ، بالمعجزاة ظاهرة لا تقهر ، لأنّها تستقي من نبع القدرة المطلقة ، بينما السحر يبقي فنا ً من الفنون علي مهارة الساحر الذي قد يأتي من يفوقه دائماً.کما غلب موسي (عليه السلام) سحرة فرعون و غلب الامام الصادق (عليه السلام) سحرة المنصور.

ان السحر يبقي في دائرة محدودة فلا يمکن للساحر أن يقوم بکل ما يطلب منه ، فيما تبقي المعجزة تتمتع بدائرة أوسع بکثير. يبقي السحر جزء ً من قانون الطبيعة وفنا ً من الفنون التي يمکن اتقانها لمن يريد ولا علاقة له بالغيب و السماء والله ، اما المعجزات فأمر يختلف تماما ً انّه لايمتّ الي قانون الطبيعة بصلة لامن قريب ولا من بعيد.

 

 

الاعجاز وما يقوم به المرتاضون

نقرأ أحيانا ً في الصحف و المجلات و في الکتب أو نسمع عن أناس يقومون بأعمال خارقة لا يمکن لغيرهم أن يقوموا بها ؛ وقد سبقت الإشارة الي بعضها.فما هو الفرق بين ما يقومون به من أعمال خارقة و بين المعجزات ؟

لتحديد الفرق بين الظاهر تين نشير الي ان هؤلاء الأفراد الذين يقومون بتلک الأعمال يخضعون أنفسهم لسلسلة من التمارين النفسية العنيفة تنطوي علي تعذيب شديد للجسد و الحرمان من اللذائذ الي أن يحصلوا علي تلک القوّة الخفية بينما يقوم الرسول أو الإمام بالمعجزة دون الحاجة الي کل ذلک العذاب بل قد يقوم به و هو في فترة الرضاعة کما حصل ذلک لدي سيّدنا عيسي (عليه السلام) إذ تکلّم في المهد.

الفرق الآخران دائرة المرتاضين تبقي محدودة دائماً و تقصير علي بعض الأعمال و في مناسبات محدودة زماما ً فيماتتحرک المعجزة في دائرة کبيرة و واسعة جدا ً من حيث الزمان والمکان.

يتقي الارتياض هو الآخر فناً و طريقة ممکنة لمن يشاء لا علاقة لها بالايمان بالله ، بينما تبقي المعجزة کما قلنا خارج نطاق الحقول العلمية و الظواهر الطبيعية تماماً.


المعجزة و الکرامة

هناک من الامور الخارقة مايتخذ اسما ً آخر هو الکرامة ، و الکرامة لطف من الله عزوجل يخصّ به بعض عباده ، و قد أکّد القرآن وجودها في آيات عديدة کما نجد ذلک لدي سيّدة النساء مريم ابنة عمران عليها السلام: «کلما دخل عليها زکريا المحراب وجد عندها رزقا ً.قال يا مريم آني لک هذا قالت هو من عند الله»(4).

فقدجاء في التفاسير و الروايات انّه کان يجد عندها فاکهة الصيف في فصل الشتاء وفاکهة الشتاء في فصل الصيف ، و هناک في التاريخ الإسلامي روايات تخبر عم کرامات عديدة لبعض الصحابة من بينهم سلمان الفارسي و أويس القرني و فاطمة الزهراء سيّدة نساء العالمين.

وهناک أوجه شبه بين المعجزة و الکرامة ، اذ يشتر کان بعلاقتهما بالغيب ، وکونها اموراً ًخارقة للمألوف ، و ان صاحب الکرامة و صاحب المعجزة کلاهما أثيران لدي الله عزوجل و مقرّبان اليه سبحانه..

والي جانب هذا التشابه توجد فروق بين المعجزات و الکرامات منها: ان العبادة الله هي الملاک في حصول الکرامات لدي بعض عبادالله الذين سلکوا درب التکامل و الخلوص لله عزوجل بينما المعجزة أصل ذاتي في نفس النبي و الإمام بالرغم من التشابه العام بين صاحب الکرامة و صاحب المعجزة في قربهما من الله سبحانه ولکن الفرق واضح بين من حصل علي الکرامة من خلال خلوصه و عبادته لله و بين من اختاره الله اساساً و اصطفاه هاديا ً للناس جميعا ً.

ان المعجزة تقترن بالتحدي دائما ً فالمعجزات ماهي إلا استجابة ايجابية للتحدّي فهي انتصار للحق و الحقيقة ، بينما تظلّ الکرامة هبات إلهية تکريماً لعباده من الناس.

 

(1)الاعراف الآية(116)
(2)طه الآية(66)
(3)طه الآية(69)
(4)آل عمران الآية(37)